منتديات الحياة الابدية

مجلة الحياة الابدية - شات الحياة الابدية - الكتاب المقدس مسمـوع - قناة الطريق - altarektv - قناة الحقيقة - The Truth Tv

الكتاب المقدس الالكتروني - افلام دينية مسيحية - قناة سى تى فى - ctv - تفسير الكتاب المقدس - مكتبة الترانيم والبومات المرنمين - مكتبة العظات الدينية

مركز رفع الصور - صفحات الفيس بوك المسيحية - الاعلان على منتديات الحياة الابدية - ترانيم سماع وتحميل مباشر - السنكسار اليومي

Follow us Youtube Rss Twitter Facebook


العودة   منتديات الحياة الابدية > روحانيات الحياة الابدية > الكتاب المقدس > تفسير الكتاب المقدس > العهد القديم

الملاحظات

العهد القديم الكتاب المقدس,تفسير العهد القديم,العهد الجديد,كتاب العهد القديم,الانجيل,الانجيل العهد القديم,تحميل العهد القديم,تفسير الكتاب المقدس, اسفار العهد القديم,التوراة العهد القديم


أسفار موسى 2 _ سفر الخروج (موضوع متكامل)

سفر الخروج مقدمة الكاتب: هو موسى. ونسبة الكتاب إلى موسى واضحة من ص17: 14. (انظر كاتب سفر التكوين). طابع السفر: سفر الخروج هو سفر الفداء. وكما أن الفداء

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 11-25-2011, 07:07 PM   #1
جون وسيم
خادم للجميع
 
الصورة الرمزية جون وسيم
 
تاريخ التسجيل: Nov 2011
الدولة: مع المسيح
العمر: 35
المشاركات: 8,049
معدل تقييم المستوى: 12
جون وسيم عضو جديد
افتراضي أسفار موسى 2 _ سفر الخروج (موضوع متكامل)

مشاركة
سفر الخروج
مقدمة

الكاتب: هو موسى. ونسبة الكتاب إلى موسى واضحة من ص17: 14. (انظر كاتب سفر التكوين).

طابع السفر: سفر الخروج هو سفر الفداء. وكما أن الفداء الرمزي تم بخروج الشعب من أرض مصر، فإن الفداء الحقيقي تم بخروج المسيح من الحياة بأكملها عن طريق الموت (لو 9: 31).
والسفر يسمى في الأصل العبري: ”وهذه أسماء“، من الكلمة الأولى التي وردت فيه، ولكن في الترجمة السبعينية سمي سفر الخروج، نسبة لخروج بني إسرائيل من أرض مصر. ومن الحرف الأول في هذا السفر نفهم أنه مرتبط ارتباطًا وثيقًا بسفر التكوين. الأول ينتهي بموت يوسف، والثاني يبدأ بمولد موسى.
وإن كان السفر يبدأ بظلام، فإنه يختم بمجد. يبدأ بتنازل الرب بالنعمة ليخلص عبيدًا في مصر، ويختم باستعلان مجده في أول بيت يقام له على الأرض.

تواريخ السفر: السفر كتب حوالي عام 1440 ق. م.
وهو يغطي فترة زمنية قرابة المائة عام، من قبل مولد موسى، ولبعد خروج الشعب من أرض مصر بحوالي سنة

موضوع السفر:
موضوع السفر الرئيس هو الفداء، ولذلك فلا عجب أن يبدأ بالحديث عن عبوديتهم القاسية في أرض مصر، وأن يتوسطه أصحاح خروف الفصح ، حيث الفداء بالدم (ص12)؛ وأصحاح عبور البحر الأحمر، حيث الفداء بالقوة (ص14).
وأصحاحاته الأربعون تتحدث بصفة عامة عن ثلاثة موضوعات: الفداء من أرض مصر، وبداية الرحلة نحو كنعان، وبناء مسكن الله في البرية. بكلمات أخرى: تحرير، انفصال، سكنى.

تقسيم السفر:
1- ص1-10 الفداء وضرورته
2- ص11-15 الفداء وأسلوبه
3- ص16-24 الفداء ونضجه
4- ص25-40 الفداء وغايته

كلمات مفتاحية
الفداء 10 مرات
(ولكيسنون)



الأصحاح الأول
شعب الله والذل في مصر
من ”التكوين“ إلى ”الخروج“، حدثت تغيرات جذرية في مصر. ويبدو أنه وصلت إلى الحكم أسرة جديدة، فيُقال هنا عن فرعون إنَّه «لم يكن يعرف يوسف» (ع8 قارن أعمال 7: 18)، ونتيجة لذلك عانى بنو إسرائيل الذل الرهيب، وكل هذا كان الرب قد سبق وأنبأ به إبراهيم (تك 15: 13-16).
هل يمكن أن يُنسى الرجل الذي خلَّص مصر وحفظ حياة أمَّة بأسرها؟ نعم. لقد نُسيَ. وكذلك اليوم مع العالم، حيث الشيطان هو رئيس هذا العالم. فالربّ يسوع المخلَِّص، ليس له مكان في أفكار الناس.
لكن الظروف المذلة التي تعرض لها الشعب في أرض مصر، والتي تسمى ”كور المشقة“ (إش 48: 10)، لم تعمل على إفنائهم، بل بالحري «بحسبما أذلوهم هكذا نموا وامتدوا» (ع12).
العداء الذي ظهر لبني إسرائيل (ع9-22) كان أحد محاولات الشيطان إهلاك المخلص، الذي عرف أنه سيأتي من هذا الشعب، لكن هيهات. ولقد أمر الملك الشرير بقتل أولاد العبرانيين الذكور. وهو ما يذكرنا بما حدث مع أطفال بيت لحم، وقت ولادة مخلص العالم (مت 2: 16). لكن الله استخدم امرأتين خافتا الله، وبالتالي لم تخشيا قول الملك، لإبطال مشورة العدو. كم يقدِّر الله التقوى، لا سيما في الأوساط التي فيها يتسلط الشيطان ويحكم!

الأصحاح الثاني
ع1-10 ولادة موسى وإنقاذه
الله في نعمته لم يرد أن يترك شعبه لتلك العبودية القاسية، فأعطاهم مخلصًا موسى، وهو رمز آخر للربّ يسوع. كل ما فعل موسى وعلََّم به، نجده مُسجَّلاً في بقية أسفار موسى من الخروج إلى التثنية. وُلد موسى من عائلة تقيَّة من بيت لاوي، ورأته أمَّه أنَّه حسن (ع2). ونقرأ في عبرانيين 11: 23 «بالإيمان موسى بعد ما وُلد أخفاه أبواه ثلاثة أشهر لأنَّهما رأيا الصبي جميلاً (أو جميلاً لله ـ كما جاء في هامش الكتاب المشوهد – أعمال 7: 20)». ألا يجعلنا هذا أن نُفكِّر في الطفل يسوع المكتوب عنه: «وكانت نعمة الله عليه»؟ (لو 2: 40).
السفط الذي أعدَّته أم موسى، صورة لعناية الوالدين المسيحيِّين بحماية أطفالهما من مؤثِّرات العالم الضَّارة. وفي السفط الذي من البردى، وطلائه بالحُمَر والزفت، نرى صورة للانفصال الحقيقي عن شر العالم. كما يجب أيضًا أن يكون الإيمان موجودًا، وهو ما نراه مصورًا في وضع السفط بين الحلفاء على حافة النهر. وأجاب الله على هذا الإيمان بخلاص عجيب، استخدم فيه معاملات العناية بطريقة دلت على تحكُّمه في أدق الظروف، مستخدمًا حتى دموع صبي صغير ليحمق خطة الشيطان. وكم نتعجب عندما نرى ذلك الذي كان سيُنقذ الشعب من عبودية مصر، وسيهز عرش مصر هزًا، يتربى في قصر فرعون ذاته!
الأم وتأثيرها
الأم المؤمنة ”يوكابد“ أنجبت بطل الإيمان ”موسى“ (عب 11: 23-28)
والأم المصلية ”حنة“، أنجبت رجل الصلاة ”صموئيل“ (2صم 1: 9-18؛ 2: 1؛ 12: 23؛ مز 99: 6)
والأم المحبة للكتاب ”لوئيس“ أنجبت تيموثاوس ”تلميذ“ الكتاب المقدس (2تي 1: 4؛ 3: 14، 15).
ع11-22 خروج موسى ليفتقد الشعب، وهروبه إلى مديان
لما كبر موسى، أظهر إيمانًا عظيمًا مثل أبويه. ويخبرنا عبرانيين 11: 23-26 كيف رفض موسى ملذَّات قصر فرعون، والمستقبل اللاَّمع الذي كان أمامه، ليخلِّص شعبه. ومثل هذا الاختيار لا بد أن نتعرض له جميعنا، عاجلاً أم آجلاً: العالم أم المسيح. وليت نموذج موسى يكون حافزًا لنا.
لقد خرج موسى لينظر في أثقال الشعب، لكنَّه رُفض، كما كان سيحدث مع من هو أعظم منه. لكننا نتعلم أيضًا أننا بالغيرة الجسدية لن يمكننا إنجاز خطة الله في حياتنا (ع12 قارن يوحنا 18: 10).
لما رُفض موسى من الذين أراد أن يُخلِّصهم، هرب إلى بلاد غريبة حيث تقابل عند بئر الماء مع صفورة، التي صارت زوجته، وهو صار راعيًا. هكذا المسيح أيضًا «من أجلكم افتقر وهو غني» (2كو 8: 9). لقد جاء بالنعمة إلى خاصَّته، وخاصَّته لم تقبله (يو 1: 11)، لذلك هو الآن خارج العالم، كراعي الخراف العظيم، بينما الروح القدس يُجهِّز له عروسًا، وهي الآن تشاركه في رفضه.

الأصحاح الثالث
ص2: 23- 3: 6 الله يتداخل لينقذ شعبه
أثناء سني الاستعباد الطويلة في كور الحديد في مصر (تث 4: 20) لم يكن الله غير مُبالٍٍِ بآلام إسرائيل. لقد تذكَّر مواعيده لإبراهيم (تك 15: 13، 14)، ولإسحاق (تك 26: 3)، وليعقوب (تك 46: 4). وكانت قد مضت أربعون سنة على هروب موسى، وأتى موعد إنقاذ الشعب. ولذلك فقد أعلن الله نفسه له في ”منظر عظيم. سبق أن أعلن الله نفسه لهاجر عند بئر، وليعقوب عند قاعدة السُلم، والآن لموسى في العُليقة العجيبة المتَّقدة ولا تحترق. وهكذا فإن الله لا يُعلن نفسه بذات الطريقة لكل واحد. فهل أنت تعرف متى وأين تقابلت معه؟
أراد الله أن يُظهر لموسى رحمته تُجاه شعبه العزيز عليه. في أتون مصر كان إسرائيل مثل العليقة، تمتحنه النار، لكن لا تفنيه. هكذا الآن مع المؤمنين، تأتي عليهم التجارب مثل النار، لا لتحرقهم، بل لتحرق الخطيَّة التي ما زالت فيهم، والتي لا نحكم عليها. ولكن المسيح وحده هو الذي أتت عليه نيران التجارب، فلم تجد فيه شيئًا للحريق (مز 17: 3).
ع7-22 إرسالية موسى لإنقاذ الشعب
لما أتى الوقت لإنقاذ الشعب، فقد أعلن نفسه لشعبه بواسطة موسى كإله آبائهم، وفي ذات الوقت كالإله المُحب الذي يعمل لخلاصهم. أ ليس بنفس الطريقة يُعلن الله نفسه لجميع الذين يئنون تحت حِمل خطاياهم؟
رأى الله مذلَّة إسرائيل، وسمع صراخهم، وعلم أوجاعهم. كذلك فهو يشعر بحالة بؤس الخاطئ الهالك. لكن لم يكتفِ الله بكونه علم أوجاع شعبه، لكنَّه نزل لينقذهم (ع7، 8). ولقد نزل الله إلينا في الربّ يسوع، وبواسطته صنع لنا الخلاص، ولم يقف عند ذلك، لكنَّه أراد أن يجعلنا شعبه(ع7، 10)، ويُدخلنا في علاقة معه.
ولقد أعلن الله اسمه لموسى لمَّا سأله، فقال: أهيه الذي أهيه، بمعنى ”أنا هو“ (إش 43: 13، 25)، الأزلي الأبدي، الذي يملأ كل مكان. وكل شيء ينبع من هذه الحقيقة.
يُخبرنا أعمال 7: 22 أنَّ موسى في بيت فرعون تهذَّب بكل حكمة المصريين. لكنَّه لم يكن قد تعلََّم أن يعرف «أنا هو» ـ الله. وهكذا معنا، فلا يكفي أن نحصل على أكبر قدر من التهذيب والتعليم والحكمة البشرية، بل يلزمنا أن نتمتع بمعرفة الله. والكتاب المقدس وحده هو الذي يعطينا هذه المعرفة، فليتنا لا نهمله!
إن السنون التي قضاها موسى في قصر فرعون، لم تكن هي الوسيلة الصالحة لتعليم موسى كيفية خلاص الشعب وقيادته، والبرهان على ذلك ما نقرأه في أصحاح2، حيث قتل المصري. فبعد أربعين سنة في مدرسة فرعون، احتاج موسى إلى أربعين سنة أخرى في مدرسة الله فيما وراء البرية، وكانت النتيجة أن موسى لم يَعُد يفكر في ذاته، بل طرح جانبًا فصاحته وكل قدراته الطبيعية (ارجع إلى أعمال 7: 22).

الأصحاح الرابع
ع1-17: الرب يشجع موسى على الإرسالية
لقد سبق أن ذهب موسى من تلقاء ذاته، وبدون إرسالية من الله، أما الآن وقد أرسله الله فإنه يثير سبعة اعتذارات عن القيام بالمهمة: عدم قدرته (3: 11)؛ عدم معرفته (3: 13)؛ عدم تصديقهم (4: 1)؛ عدم فصاحته (4: 10)؛ رغبه في أن يقوم آخر بالمهمة (4: 13)؛ فشله السابق (5: 22، 23)؛ عدم فهم إخوته له (6: 12).
أ لا نعمل نحن بنفس الطريقة أحيانًا، عندما يضع الربّ على قلوبنا أن نؤدي عملاً له؟ ونفتكر أن ذلك لا يُجدي، نظرًا لنقص إمكانياتنا؟
حسنًا تعلَّم موسى في البرية أنه لا شيء، لكنَّه لم يكن قد تعلَّم بعد أن يضع كل ثقته في الله. وكان عليه أن يتعلَّم، ونحن بالمثل، أنَّه عندما يأتمن الله شخصًا على خدمة، فإنه في الوقت ذاته يزوِّده بكل ما يلزم للقيام بها.
يبدأ هذا الفصل بذكر الآيات التي زود الرب بها موسى. ولقد كان موسى هو أول من يعمل الآيات، حيث لا نقرأ عنها في سفر التكوين. لكن الآن في سفر الخروج، نجد أنَّ كلام الله لخاصَّته كان عن طريق موسى، وكبرهان على أنَّ الله أرسله، أعطاه قدرة على عمل معجزات. أمَّا اليوم وقد أعلن الربّ يسوع الآب لنا، لا نحتاج إلى معجزات لكي نؤمن. حتَّى عندما كان الربّ هنا على الأرض، نراه قد حزن عندما سمع أنَّ الفريسيين يطلبون آية من السماء (مت 12: 38، 39؛ 16: 1، 2). أ لم تكن أعظم المعجزات أنَّ الربّ نفسه كان في وسطهم؟
ومغزى هذه الآيات ثمين جدًّا. العصا التي تحوَّلت إلى ثعبان، تتكلَّم عمَّا يفعله الله، إذ يسمح للشيطان أن يعمل إلى لحظة، لكن سلطان الله فوق قدرة الشيطان ليُبطل عمله. الربّ يسوع على الصليب قهر قوَّة العدو «إذ جرَّد الرياسات والسلاطين، أشهرهم جهارًا ظافرًا بهم فيه» (كو 2: 15).
وآية أخرى أُعطيت لموسى: أدخل يده في عبّه (حيث القلب نبع الشرّ) فخرجت برصاء، ثم بعد ذلك شُفيت. في هذه الآية، أظهر الله قدرته على التطهير من نجاسة الخطيَّة. في هاتين الآيتين كان الله يُذيع رسالة الخلاص: الغلبة على الشيطان (الثعبان)، الغلبة على الخطيَّة (البرص). وكلاهما يعطياننا صورة مصغرة للإنجيل.
ع18-31 موسى يشْرع في المهمة
في هذا الجزء (ع24-26) نتعلم أنه على خادم الرب قبل أن يشرع في خدمة جهارية للرب، أن يرتب بيته حسنًا (1تي 3: 4، 5). فحتى هذه اللحظة، وربما بسبب تأثير زوجته، لم يكن موسى بعد قد قام بختان ابنه. والمعنى الروحي للختان هو وضع الجسد في حكم الموت. الله هو الذي طالب بممارسة الختان (تك 17: 10). وهو أكثر أهمية في بيت خادم الرب. وهو ما كان ينبغي أن يتم الآن، تحت طائلة آلام الموت.
ثم إننا في عددي 27، 28 نتعلم أين ينبغي على الإخوة أن يتقابلوا؟ «في جبل الله». وماذا يجب أن يكون موضوع الحديث؟ «جميع كلام الرب.. و.. كل الآيات».
ولقد كان الرب مع موسى كما وعده في البداية (3: 12). في العدد الأول من هذا الأصحاح، قال موسى: «ها هم لا يصدقونني ولا يسمعون لقولي». لكن الربّ كان قد أعدَّ قلوب الشعب (ع31). فصدَّقوا كلام موسى والآيات التي أُعطيت له، وبدون أن ينتظروا الخلاص، يقول عن بني إسرائيل إنَّهم ”خرّوا وسجدوا“.

الأصحاح الخامس
ع1-23: فرعون يقسي العبودية على الشعب
مصر تعطينا صورة واضحة للعالم. لا العالم كمادة أو كائنات خلقها الله، بل كنظام فاسد ابتدعه الشيطان ليبعد به الناس عن الله. أو بكلمات أخرى المجتمع البشري بدون الله. وبينما رفضَ العالم سلطان الله، اختار لقيادته الشيطان المُسمَّى رئيس هذا العالم (يو 12: 31؛ 14: 30؛ 16: 11). وهو سيِّد قاسٍٍ، وفرعون بقسوته صورة مناسبة له. وشعب إسرائيل في مصر من الجهة الأخرى، يُمثِّل المؤمنين قبل تغييرهم. لقد كانوا تحت عبوديته، وأراد الله أن يخلِّصهم. نحن نعرف جيِّدًا ماذا يعني أن نئن تحت نير الشيطان، وأن نكون عبيدًا للخطيَّة (رو 6: 17)، «مُستعبدين لشهوات ولذََّات مختلفة» (تي 3: 3)، ولا نقدر أن نُحرّر أنفسنا.
ونلاحظ أنه عندما أتى موسى ليعلن لهم خلاص الرب، فإن فرعون قسى النير عليهم. وهي صورة لما يحدث مع النفوس التي بدأ روح الله يتعامل معها بالإحياء، وصارت تحنّ إلى الحرية الحقيقية، فإذ بالشيطان يهيج عليهم أكثر، ويحكم قبضته عليهم، لئلا يفلتوا من براثنه، كما ويشغلهم بالكثير من الأمور المربكة التي تجعلهم لا يعودون يفكرون في خلاص نفوسهم.
وفرعون لا يُعطي شيئًا، بل بالعكس فإن الشعب لما صرخوا إليه، ضاعف النير عليهم بغلظة واضحة. وهكذا الشيطان ليس فقط لا يعرف الشفقة، بل يجد متعته في إذلال البشر. عكس المسيح محب الخطاة ومبشر المساكين ومحرر العبيد (لو 4: 18). وبينما يوسففي ختام سفر التكوين أعطى إخوته الحنطة للشبع. فإن فرعون أعطاهم أولاً قشًّا فقط للسُّخرة، ثم بعد ذلك رفض أن يعطي القش. هكذا المسيح، وهكذا الشيطان. قال النبي: «ما للتبن مع الحنطة يقول الرب» (إر 23: 28). كلمة الله هي الحنطة المشبعة، وكل ما يقدمه الشيطان - إن أعطى - فهو التبن!
هل لا تزال أنت في هذه الحالة السيئة؟ كلمة الله تُخبرك عن فداء تمَّ فعلاً، وليس عن خلاص لا يزال آتيًا كالذي أعلنه موسى. الفداء بعبارة أخرى هو الخلاص من العبوديَّة المُرعبة للشيطان والخطية، بالإيمان بعمل المسيح على الصليب.

الأصحاح السادس
ع1-13: تجديد الوعد لموسى
عندما أتى موسى عبد الله إليه متضايقًا (ص5: 23) لم يوبِّخه بالمرَّة. وعلى العكس، استخدم الله هذه المناسبة ليعلن ذاته له من جديد كالربّ يهوه ـ الاسم الذي اتَّخذه لنفسه في علاقته مع إسرائيل. كان للآباء «الإله العلي» مالك السماء والأرض (تك 14: 22)؛ والآن وهو مزمع أن يبدأ شيئًا جديدًا، أخذ اسمًا جديدًا. وكالرب «يهوه» هو الذي لا يتغيَّر، الأمين لمواعيده. نحن الذين نؤمن بالربّ يسوع المسيح، نعرف الله باسم أكثر غلاوة هو «الآب»، الذي أعلنه الربّ يسوع لنا (يو 17: 26).
أعلن الله اسمه الجديد بالعلاقة مع إسرائيل لموسى، ثم بيَّن له في الأعداد (6- 8) خطَّته لخلاصهم، في وعد سباعي. وأكثر من ذلك وضع ختمه على هذا بقوله: «أنا الربّ» (ع 8). كم هو مُحزن أن نرى إسرائيل رغم كل ذلك، لم يسمعوا، وكانت هذه بداية لعدم الإيمان الذي ميَّز تاريخهم منذ ذلك الحين (ارجع إلى مزمور 106: 7).
نرى في الأعداد 10-13 أن موسى صار قلقًا مرَّة أخرى وفترت همَّته. واجتاز إيمانه صعوبة في التمسُّك باسم الله المُعلن ومواعيده.
ع14-30: نسب موسى وهارون
من ع14 وما بعده، نجد الله يهتم بالذين له، ومع أنَّهم كانوا يعيشون كغرباء، لكنَّه كان يراهم ويُسرّ بأن يدعوهم بأسمائهم. «يعلم الربّ الذين هم له» (2تي 2: 19).
وتُذكر هنا أسماء عدَّة أفراد من بيت لاوي، كان لهم دور هام، للخير أو الشرّ، في تاريخ إسرائيل: قورح وبنوه، أبناء هارون الأربعة وفينحاس..

الأصحاح السابع
ع1-13 موسى وهارون أمام فرعون ومعهما سلطان الله
في مزمور90 ”صلاة لموسى رجل الله“، نجد فيها حياة الرجل القوي مُحدَّدة بثمانين سنة (ع10) ومع ذلك، وفي هذه السن بالذات، بدأ موسى نفسه خدمته وإرساليته (ع7)، وكأنَّ الله وضع القوَّة الطبيعية للإنسان جانبًا، وأعطاه قوة من لدنه.
ابتدأ موسى وهارون يصنعان الآيات التي أعطاها لهما الربّ في أصحاح4 أمام فرعون. معلنة نصرة الله على الشيطان
ع14-25: الضربة الأولى: تحويل المياه إلى دم
قال الله في أصحاح 4: 9 إنَّهم إذا لم يُصّدقوا هاتين الآيتين، فإن هناك آية ثالثة، وهي آية خطيرة حقًا هي تحويل الماء إلى دم. الماء هو الذي يحفظ الحياة ويُنعشها، بينما الدم المسفوك يتكلَّم عن الموت. لقد أُعطيت كلمة الله للإنسان ليحيا بها ويتبارك، لكن إذا لم يقبلها ويؤمن بها، يعني ذلك دينونة وموتًا له. قال الربّ يسوع: «مَنْ رذلني ولم يقبل كلامي .... الكلام الذي تكلَّمت به، هو يدينه في اليوم الأخير» (يو 12: 48). كلمة الله المقدسة تُذيع «نعمة الله»، لكنَّها تتكلَّم أيضًا عن ”الدينونة لكل مَنْ لا يقبلها. وكل إنسان لا بد أن يتعامل مع كلمة الله بطريقة أو بأخرى: الآن للحياة أو أخيرًا للموت.
ما قاله الله بخصوص المصريِّين قد تمَّ. والنيل الذي هو عماد الحياة في البلاد، والذي عبدوه كإله، صار لهم كراهة وشيئًا مقززًا، فكان «الدم» في النهر وفي سواقيهم ومجاري مياههم. لذا ليتنا نتجنب الشرب من مصادر إنعاش هذا العالم المعادي لله والواقع تحت دينونته. بل إن الدم صار حتَّى في الأخشاب والأحجار (ع19)، وهكذا فإن كلام الربّ لا بد أن يتم.
فعل عرَّافو مصر بسحرهم بالمثل. بقوَّة الشيطان أمكنهم أن يُقلِّدوا ما يُسبِّب الموت. كان الأفضل والأنفع أن يُظهروا قدرتهم لشعبهم بتحويل الدم إلى ماء. لكن هذا ما لم يقدروا أن يفعلوه.

الأصحاح الثامن
ع1-15: ضربة الضفادع
بناء على أمر الربّ لموسى، مدَّ هارون يده فصعدت «الضفادع» وغطَّت أرض مصر. كفَّ موسى عن أن يجادل في أوامر الله، وصارت له ثقة في الذي أرسله، وقال لفرعون: «عيِّن لي متى أُصلِّي لأجلك؟» (ع9) صلَّى التلاميذ قائلين: «يا ربّ زِد إيماننا» (لو 17: 5). وحسن أن نطلب ذلك على الدوام.
ع16-19: ضربة البعوض
بعد الضفادع كان «البعوض» على كل الأرض. قلَّد العرَّافون هارون ثلاث مرات (7: 11، 22؛ 8: 7)، لكن الآن لم يستطيعوا، فصار حمقهم واضحًا للجميع. ولقد أعطى الرسول في 2تيموثاوس 3: 8، 9 اسم كبيري السحرة اللذين قاوما موسى: ”ينِّيس ويمبريس“. وهؤلاء يُمثِّلون المسيحيِّين بالاسم الذين لهم صورة التقوى بدون إيمان حقيقي. لكي تصير مسيحيًّا حقيقيًّا، لا ينفع أن تُقلِّد المسيحيِّين. يوجد مَنْ يذهبون إلى الاجتماعات المسيحية، ويقرأون في الكتاب المقدَّس، ويعملون أعمالاً خيريَّة ... بدون أن يكونوا مسيحيِّين حقيقيِّين. من السهل أن تُعطي انطباعًا أنَّك من أتباع الربّ، وتخدع الآخرين، وربَّما نفسك. وخطير جدًّا أن تفعل هذا لأنَّه لا يمكنك أن تخدع الله.
هل لك إيمان حقيقي؟ هل أنت تقلد الأتقياء وتعمل نظيرهم، أم أنك تقي فعلاً؟
ع20-32: ضربة الذُبَّان، ومخاتلة فرعون
كانت الضربة الرَّابعة أسرابًا مُكدِّرة من «الذُبَّان» الذي دخل بيوت المصريِّين، فأخرب كل شيء في مصر باستثناء أرض جاسان حيث يقيم الشعب. هذا الذُبَّان المزعج يحدثنا أدبيًا عن روح الغيرة والحسد التي تملأ بيوت أهل العالم، وتفسد عليهم حياتهم، والذي ينبغي ألا يكون في بيوت شعب الله.
ولقد أصبح فرعون الآن مُستعدًا أن يُقدِّم بعض التنازلات، فقال: «اذهبوا اذبحوا لإلهكم في هذه الأرض» (ع25). لكن هذا كان مستحيلاً، حيث أن الربّ كان قد أمر أن يذهبوا مسيرة ثلاثة أيام في البرية (ص3: 18). «ثلاثة أيام» كانت هي الفترة التي قضاها الربّ يسوع في القبر ـ بين موته على الصليب، وصباح يوم قيامته. إن موت وقيامةالربّ يسوع، هما أساس إيماننا، وعلامة انفصالنا التام عن العالم الذي رفضه. والعدو يريد أن يسلبهما منَّا، لأنَّهما يعلنان هزيمته. وعلى النقيض من هذا فإن عبادة بدون تذكُّر الصليب والقيامة، لا تُزعج الشيطان على الإطلاق. العالم يشيد بحياة ”يسوع“ ويجّلها. وحيث أن العالم له دياناته، فإنه لا يُمانع أن يكون لنا ديننا؛ لكن الانفصال الكامل مُمثَّلاً في موت المسيح، ووجوده الآن في السماء، يدين العالم ويتضمَّن أن كل ما فيه وما في الإنسان محكوم عليه.
جدول يبين الضربات العشر
الأصحاح التاسع
ع1-7: ضربة موت المواشي
وكانت الضربة الخامسة وبأً ثقيلاً على المواشي، لكن الله ميَّز مواشي إسرائيل، فلم يصبها ضرر، لأنَّهم سيحتاجون إلى حملان للفصح وللذبائح في البرية. ولكن فرعون أغلظ قلبه. ما أخطر هذا العمل! لقد شاهد ليس فقط ”قدرة الله، لكن أيضًا ”رحمته مرة بعد مرة، في رفع الضفادع والبعوض والذُبَّان، وفي كل مرة أبى أن يخضع ويتوب. كم من أُناس يُقسّون قلوبهم إزاء أعظم معجزة للنعمة: ابن الله باذلاً حياته لأجل خلاص الناس الهالكين.
ع8-12: ضربة الدمامل
طلعت الدمامل على كل المصريِّين وعلى بهائمهم، ومع ذلك بقيَ قلب فرعون جامدًا كالحجر. ولاحظ التعبير في عدد 14 «أرسل جميع ضرباتي إلى قلبك». فكيف يمكننا أن نفسر هذا العناد من جانب ملك مصر؟ الإجابة إنه كان رمزًا للشيطان نفسه. لقد عرف الشيطان أنَّ من هذا الشعب سيأتي شخص أعظم من موسى ـ أي المسيَّا الذي عندما يغلبه، سيخلِّص الناس من عبوديته. ولهذا فقد سعى لإبقاء شعب إسرائيل في العبودية أطول فترة مُمكنة. لكن عناد ملك مصر كان نتيجته أن أظهرت قوة الله، وأُعلن اسمه في كل الأرض (ع16، اقتُبس في رومية 9: 17).
ع13-35 ضربة البرد ورفعها
هذه هي الضربة السابعة، وموسى يخبر فرعون بها. ولأوّل مرة نرى بعض المصريِّين يخافون كلمة الله، ويضعون مواشيهم تحت حِمَى في البيوت.
يسمح الله بكوارث، ليذكِّر الناس بوجوده. الناس اليوم يفتخرون بتقدمهم العلمي، ويفتكرون أنَّهم أخضعوا قوى الطبيعة. لكن الله يُظهر للإنسان منتهى ضعفه أمام قوى الطبيعة العاتية، التي كلها طوع أمر الله. لقد سمح هنا ببَرَد عظيم لم يكن مثله (ارجع إلى أيوب 38: 22، 23)، كما يسمح اليوم بزلازل وأوبئة وغارت حشرية، تُبيِّن للإنسان كم هو صغير وحقير إزاءها. الله يسعى بكل طريقة ليوجِّه أفكار الناس إليه. وبواسطة هذه الظروف فكَّر أُناس في مصيرهم الأبدي، وأتوا إلى المخلِّص الوحيد (انظر مزمور 107). كم من نفوس طلبت في ضيقها الله، ووجدت الملجأ في الربّ يسوع، ليس فقط من العواصف الأرضيَّة، لكن فوق الكل من الدينونة الأبديَّة!
الله يُحدِّد بعناية الحد الذي تصل إليه التجربة. فهي لا تخرج عن النطاق الذي سمح به. «الكتَّان والشعير ضُربا ... وأمَّا الحنطة والقطَّاني (الحبوب على أنواعها) فلم تُضرب» (ع31، 32).
وبالنسبة لشعبه المحبوب فقد كانوا يتمتعون بحماية الله العجيبة وسط البَرَد والرعود (ع26).
ولقد قال فرعون: «أخطأت» (ع27). لكن هل كانت هذه توبة حقيقيَّة؟ نجد الجواب في ع34: «ولكن فرعون لمَّا رأى أن المطر والبَرَد والرعود انقطعت، عاد يُخطئ، وأغلظ قلبه».

الأصحاح العاشر
ع1-11: التهديد بالضربة الثامنة ومخاتلة فرعون.
في ع1 نجد أنَّ الله هو الذي يُغلظ قلب فرعون. كم هذا خطير! الله يتكلَّم مرَّة ومرَّتين (أي 33: 14)، وغالبًا أكثر من ذلك، ثم يأتي يوم يصبح فيه الوقت متأخِّرًا. كم من المرَّات تكلَّم الله إليك؟ لذلك تنبَّه عزيزي، قبل فوات الوقت!
ولقد كان التهديد بضربة «الجراد». والآن يقول عبيد فرعون عن أرض مصر إنَّها قد «خربت» (ع7). يوسف فيما سبق أنقذ وخلَّص الأرض، لكن فرعون أخربها، تمامًا مثل الشيطان الذي يقود العالم إلى خرابه.
ولقد قدم فرعون اقتراحًا جديدًا لموسى أن يذهب الرجال فقط ليعبدوا الربّ، بينما يبقى الصغار في مصر. لاحظ جواب موسى الجميل في ع9 وتأمَّل فيه وقت الاجتماع. إن الله يُسرّ أن يرى عائلات بأكملها من خاصَّته آتية إلى محضره لتعبده. إن المسيحية تعلم بخلاص أهل البيت (لوقا 19: 9؛ أعمال 16: 31). ومن البدء دعا الله إبراهيم لكي يوصي بنيه وبيته من بعده. واجتماعات العبادة ليست ”للكبار فقط“، بل إن للأولاد أيضًا امتياز الاشتراك بقلوبهم وأصواتهم فيها.
ع12-20: ضربة الجراد
كل ما تركه البرد، الآن أَكَلَه الجراد. وقال فرعون بعد هذه الضربة الجديدة مرَّة أخرى أخطأت“، لكنَّ من الواضح أنه لم يكن يريد سوى رفع ضربة الجراد ليس إلا. لكن الله لا يُشمخ عليه، لقد أضاع فرعون فرصة التوبة (قارن إرميا 46: 17). والآن بمجرَّد مرور الوقت الذي سامحه فيه الله تشدَّد قلبه ثانية بواسطة الربّ (ع20)، لأنَّه هو أغلظ قلبه أوَّلاً (9: 34، 35).
ع21-29: ضربة الظلام ومخاتلة جديدة لفرعون
أرسل الربّ «الظلام»، فكان ظلام دامس في كل أرض مصر ثلاثة أيام. وكان لهذا مدلول هام بالنسبة للمصريين، فبالإضافة إلى أن الشمس مصدر للنور والدفء، فإنها كانت تعبد في مصر تحت اسم الإله ”رع“، اتضح أنها هي نفسها خاضعة لإله الإسرائيليين الذي هو الخالق العظيم. لكن كان نور في مساكن بني إسرائيل!
يا لها من مُباينة: ظلمة في الخارج، ونور في الداخل للذين هم شعب الله! هكذا اليوم: قال الربّ يسوع «كل مَنْ يؤمن بي، لا يمكث في الظلمة» (يو 12: 46). في وسط عالم مملوء بظلمة الخطيَّة، فإن المؤمنين «أولاد نور» (أف 5: 8؛ 1تس 5: 5). كل شيء واضح لهم، فهم يعرفون حالة العالم وما ينتظره، ويعرفون حالة قلوبهم، ويوجد نور لسبيلهم (انظر مزمور 119: 105). ما يفعلونه يُرى من الجميع، ويشهدون لله الذي هو نور. هل الأمر هكذا معك؟ هل يوجد نور في قلبك؟
الآن نرى فرعون يأتي باقتراح جديد: «اذهبوا اعبدوا الربّ، غير أنَّ غنمكم وبقركم تبقى» (ع24). هذا يعني منع الشعب من تقديم ذبائح لله. وهذا هو تمامًا ما يحاول الشيطان أن يفعله: أن يُحرمنا من الشخص الذي هو الذبيحة الكاملة. يحاول العدو أن يسلبنا التمتُّع بالربّ يسوع، لا سيما عندما نريد أن نسجد، بأن نقدم للآب، الشخص الوحيد الذي هو كل مسرته.
أ لم يحدث أحيانًا كثيرة في اجتماعات العبادة أنَّ قلوبنا لم تتجاوب مع ما ينتظره الله؟ يقينًا نحن بهذا نخسر الكثير، ولكن فوق الكل يُسلب الله من التقدمة الغالية التي كان ينتظرها من الذين يعبدونه.
لكن رد موسى الحاسم على فرعون أوضح أن الرب ليس له الحق على قلوبنا أو أجسادنا فحسب، بل على كل ما نمتلك أيضًا.

الأصحاح الحادي عشر
الإنذار بالضربة العاشرة: موت الأبكار
رأينا حتى الآن تسع ضربات في أرض مصر. بقيت واحدة وهي أشدَّها هولاً، وكانت هي الأولى التي تم التلويح بها، ولكنها الأخيرة في تنفيذها.
في ع8 نرى موسى في حمو الغضب، مع أنَّه كان حليمًا جدًّا أكثر من جميع الناس الذين على وجه الأرض (عد 12: 3). لقد غضب أشد الغضب في مناسبات كثيرة ـ عندما كان مجد الله أو صالح شعبه في خطر (خر 16: 20؛ 32: 19؛ لا 10: 16؛ عد 16: 15؛ 31: 14). ترى هل نحن نغضب لمثل هذه الأسباب؟
الأصحاح الثاني عشر
ع1-14: فصح الرب
هذا الأصحاح يعتبر من أهم أصحاحات العهد القديم. كان الخلاص الموعود على وشك أن يتم، لكن في ذات الوقت كان القضاء المُرهب مُزمعًا أن يقع على أرض مصر.
«أجرة الخطيَّة هي موت» (رو 6: 23). الكل أخطأوا، إسرائيليون ومصريون على السواء، لكن بالنسبة لشعب الله، كان هناك «حَمَل» سيموت بالنيابة عنهم. أ ليست هذه صورة واضحة تمسّ القلب لحَمَل الله المذكور في مواضع كثيرة من الكتاب المقدَّس؟ لا سيَّما (إشعياء 53: 7؛ يوحنا 1: 29، 36؛ رؤيا 5: 6). الربّ يسوع المسيح هو الحَمَل الذي بلا عيب ولا دَنَس المعروف سابقًا قبل تأسيس العالم (1بط 1: 19، 20)؛ وقد أُسلم للموت في الوقت المُعيَّن من الله.
ولقد كان هنا غرض مزدوج للفصح. ففي ع7 الدم للحماية، وفي ع8 اللحم للتغذي. إن أهم موضوع في الفصح هو الدم الذي كانوا ”يجعلونه على القائمتين والعتبة العليا في البيوت التي يأكلونها فيها“. وبعد ذلك كان على بني إسرائيل أن يأكلوا الفصح، داخل البيوت المحمية بالدم، وبالمثل ينبغي أننا بالإيمان نخصص الذبيحة الكاملة في الجلجثة لنفوسنا. كان يجب أن يُشوى الحَمَل بالنار، وكان يؤكل على «أعشاب مُرَّة»، ليذكِّرنا بأن آلام نار الدينونة الإلهية الرهيبة التي احتملها المسيح في الجلجثة، كانت بسبب خطايانا عندما وقعت عليه.
كل العائلة كانت تأكل الفصح: الوالدين والأولاد، وكان يكفي للجميع (ع4). وبنفس الطريقة كل منَّا يجب بالإيمان الشخصي أن يقبل موت الربّ يسوع كالذبيحة الوحيدة لأجل خطايانا. قارئي العزيز هل لك مثل هذا الاختبار؟ إنه يوم لا ينسى من حياة شعب الله (ع14، 42).
ولقد كان رش الدم على بيوتهم يتضمَّن قبولهم حقيقتين:
(1) أنَّ الله كان سيضرب الأبكار.
(2) أنَّ الدم سيحميهم وعائلاتهم.
كان الله يرى الدم، بينما بنو إسرائيل من داخل بيوتهم لا يرونه. الله وحده يُقدِّر تمامًا قيمة عمل ابنه الحبيب. خلاصنا لا يتوقَّف على كيف نُقدِّره نحن، أو كيف نشعر به، لكن يتوقَّف كُليَّة على كيف يُقدِّره الله وأمامه دم الربّ يسوع الذي يمحو الخطيَّة تمامًا.
ع15-28: ترتيبات الفصح
كان يجب أن يُنزع الخمير الذي يرمز للخطية. فما كان يمكن أن يجتمع الخروف والخمير على مائدة واحدة. وبالمِثْل، نحن لا نقدر أن نتمتَّع بعمل المسيح بدون نزع الخطيَّة من حياتنا، بالاعتراف بها وإبعادها عن فكرنا.
ونحن، (مثل أولاد الإسرائيليين - ع26)، نسأل أنفسنا: ما هذه الخدمة لنا؟ أ ليست هي صورة لدم المسيح الثمين الذي يحمينا من الدينونة؟ كان الربّ قد قال: «فأرى الدم وأعبر عنكم» (ع13).
ع29-39: موت الأبكار
بينما كان بنو إسرائيل يأكلون الفصح في بيوتهم، آمنين بواسطة دم الحَمَل، كان الرُعب والحزن في الخارج في الليل لأن الملاك المُهلك كان يمرّ ويضرب البكر. كانت هذه هي الضربة العاشرة والأخيرة، وأكثرها هولاً، وكان صراخ عظيم في كل أرض مصر. وفيها نرى صورة لدينونة أكثر خطورة هي الموت الثاني (رؤ 20: 14) لجميع الذين لم يحتموا في دم حَمَل الله.
يُخبرنا ع29 أنَّه لم يكن فرق: فلقد وقعت الدينونة على الأسير الذي في السجن، كما وقعت على فرعون الجالس على كرسيه. كذلك أمام العرش العظيم الأبيض (رؤ 20: 12)، جميع الأموات سيظهرون صغارًا وكبارًا.
حان الوقت لشعب إسرائيل للرحيل من مصر. لقد أكلوا الفصح بعَجَلة، وأحقاؤهم مُمنطقة، وأحذيتهم في أرجلهم، وعصيهم في أيديهم (ع11)، مُظهرين بذلك أنَّهم شعب منفصل ـ غرباء وراحلون. أ ليس الأمر كذلك معنا؟ ينبغي أن يلاحظ الآخرون بغيرتنا للرب، وانفصالنا عن الأمور الأرضية، بحياة السهر والنشاط، وبالإجمال بسلوكنا العام، أننا قد اشترينا بالدم الكريم، وأننا مستعدون بين لحظة وأخرى للرحيل إلى وطننا السماوي.
ع40-51: خروج الشعب، وفريضة الفصح
الرب حدد أن يكون يوم الفداء هو بداية كل شيء (ع2؛ 1مل 6: 1)؛ كما قصد أن يكون الفصح فريضة دهرية. إن فكر الأعداء بخصوص الخروف ألا يذكر اسمه بعد (إر 11: 19). أما الرب الذي يقدر عمل ابنه كل التقدير فقصد أن يكون عمله موضوع ذكر دائم. «هي ليلة تُحفظ للربّ» (ع42). كما قال موسى للشعب: «اذكروا هذا اليوم» (ص13: 3). والرب في ليلة آلامه، وبعد أن أكل معهم الفصح، رسم عشاء الرب، وهي المناسبة التي فيها يتذكَّر المؤمنون في أوّل كل أسبوع في يوم الربّ، شخصه، إتمامًا لوصيته الكريمة: «اصنعوا هذا لذكري» (لو 22: 19؛ 1كو 11: 24، 25). فهل تجاوبت أيها القارئ العزيز مع طلبة الرب الغالية هذه؟
سبع ممارسات للفصح في الكتاب المقدس
1- الممارسة الأولى في أرض مصر ليلة خروجهم منها (خروج 12)
2- الممارسة الثانية في البرية (عدد 9)
3- كان الفصح هو أول عمل يعمل الشعب بعد عبورهم نهر الأردن، وامتلاكهم لأرض الموعد (يش 5).
4- الممارسة الرابعة أيام نهضة حزقيا الملك (2أخ 30)
5- الممارسة الخامسة: أيام نهضة الملك يوشيا (2أخ 35)
6- الممارسة السادسة بعد الرجوع من السبي البابلي (عز 6)
7- آخر مرة هي التي عملها المسيح مع تلاميذه، واشتهى أن يأكل الفصح معهم قبل أن يتألم (لو 22: 15).
الأصحاح الثالث عشر
ع1-16: تقديس الأبكار
يعلن الرب هنا حقه في الذين فداهم في الفصل السابق. بعض المؤمنين يفرحون بخلاصهم ولا يهتمون بالجانب الآخر، وهو أنهم ليسوا لأنفسهم، بل للذي مات لأجلهم وقام (2كو 5: 15). لكن الصوت الذي قال: «أرى الدم وأعبر عنكم» (12: 13)، هو بعينه الذي قال: «قدس لي كل بكر، كل فاتح رحم.. إنه لي» (ع2).
ومرة أخرى نرى في الأعداد 3- 7 كيف يرتبط عيد الفطير ارتباطًا وثيقًا بعيد الفصح (ارجع إلى 12: 15-20). وهذا معناه أن وضعنا تحت حمى الدم، ولزوم الحياة المقدسة أمران لا ينفصلان مطلقًا في كلمة الله، وهو عين ما نقرأه في تيطس 2: 14.
وفي ع8 يقول الرب: «وتُخبر ابنك في ذلك اليوم». ثم إن الأعداد 14 -16 تفترض أن أولادنا سيسألوننا (ربما يكون الابن بالمفرد الذي يسأل هنا هو البكر). إنه من الجميل أن أولادنا يلاحظون شيئًا مختلفًا فينا، فيوجهون الأسئلة إلينا، وعلينا في هذه الحالة أن نرد على تساؤلاتهم، ونقودهم إلى الفادي والرب.
ع17-22: الرحلة إلى إيثام
في ع19 نرى كيف أخذ بنو إسرائيل عظام يوسف معهم عند خروجهم من أرض مصر، كما استحلفهم في تكوين 50: 25، من قبل أكثر من مائتي عام. وظلت عظام يوسف مع الشعب طوال فترة تغربهم في البرية، حتى استقرت في مكانها في شكيم (يش 24: 32). والمعنى الروحي لذلك أن نكون حاملين في الجسد – طوال فترة تغربنا - إمانة الرب يسوع، لكي تظهر حياة يسوع في جسدنا (2كو 4: 10).
ونحن نقرأ هنا لأول مرة عن السحابة، تلك التي سترشدهم الطريق كله. وإن كان ص12 حدثنا عن الحمل والدم، فإن آخر ص13 يحدثنا عن السحابة، رمز جميل لعطية الروح القدس، مرشدنا طوال رحلة البرية. ص12 يحدثنا عن المسيح وموته فوق الصليب، وص13 يحدثنا عما تم يوم الخمسين.
وإذ أُطلق الشعب من مصر، كان عند الربّ دروس هامة كثيرة ليعلِّمهم إيَّاها، فلم يَهدهم في أقصر طريق (ع17). وباتباعهم في رحلتهم، نرجو أن نتعلَّم نحن أيضًا تلك الدروس عينها. الله لم يَعدَِّ الطريق فقط لشعبه، لكنَّه أراد أن يصحبهم في عمود سحاب نهارًا وعمود نار ليلاً. يا لها من نعمة! كان هناك ليقودهم خطوة بخطوة، وليحفظهم كما سنرى. بنفس الطريقة، الربّ يسوع فتح الطريق للسماء أمام المؤمنين، لكن قبل أن يصعد هو نفسه إلى هناك، أعطى الوعد المبارك: «ها أنا معكم كل الأيام» (مت 28: 20).
الأصحاح الرابع عشر
ع1-14: فرعون يتعقب الشعب
ظنَّ إسرائيل أنَّه تخلَّص من أعدائهم المصريِّين، لكنَّنا نراهم هنا يسعون وراء شعب الله، وكأنَّ شعب إسرائيل قد وقعوا في فخ. أمامهم البحر الأحمر, وخلفهم فرعون بمركباته وفرسانه وجيشه. يا له من مأزق حَرِج! لكن كانت هذه فرصة لشعب إسرائيل ليتعلَّم أنَّه لا توجد صعوبة تعسر على الربّ، بل بالعكس، كلَّما كانت الصعوبة أعظم، كلَّما أظهر الله قوَّته.
نحن جميعًا نقابل صعوبات أصغر وأكبر، وأحيانًا لا نعرف إلى أين نذهب، ويبدو أنَّه لا يوجد مَخرج. ألا نكون في أغلب الأحيان مثل شعب إسرائيل؟ أَمَا نمتلئ من الفَزَع، ونحاول بكل ما في وسعنا التغلُّب على الصعوبة بأنفسنا؟ لقد قال موسى للشعب: «لا تخافوا»، ثم أوضح لهم طريقة الإنقاذ: «الربّ يقاتل عنكم وأنتم تصمتون» (ع14). يعني هذا القول إنَّهم لا يعملون شيئًا سوى النظر إلى الربّ، ويعني أيضًا أن نحفظ أنفسنا من الخوف أو الهياج في مواجهة التجارب والصعوبات. فالشعب لا دخل له بالمعركة، بل هي بين الرب والمصريين. لقد استطاع الرب أن يخلصهم من الملاك المهلك، أ فلا يستطيع بالأولى أن يخلصهم من المصريين؟
ع15-31: الشعب يعبر البحر الأحمر، والمصريون يغرقون فيه
تأكَّد بنو إسرائيل أنَّهم لا يستطيعون أن يفعلوا شيئًا، ولا يقدرون أن يُخلِّصوا أنفسهم. عندئذ حان وقت الله ليتداخل. فقال: «قل لبني إسرائيل أن يرحلوا». كيف يفعلون هذا، والبحر أمامهم؟ لكن الإيمان يُطيع «بالإيمان اجتازوا في البحر الأحمر.. الأمر الذي لما شرع فيه المصريون غرقوا» (عب 11: 29).
ولقد انتقل ملاك الله وعمود السحاب ووقف بين معسكر إسرائيل وبين المصريِّين، وبذلك لم يكن هناك سبب للخوف. ينبغي أن نحفظ في بالنا أنَّ الله يريد أن يكون حاجزًا بيننا وبين صعوباتنا. بالنهار وبالليل (الله) يحرس خاصَّته ويعتني بهم. وفي كثير من الأحيان يُزيل أخطار لا علم لنا بها!
وقد تمَّ الخلاص، وكما يقول مزمور 136 في ثلاث مراحل:
(1) شقّ بحر سوف، لأنَّ إلى الأبد رحمته (ع13).
(2) وعبَّر إسرائيل في وسطه، لأنَّ إلى الأبد رحمته (ع14).
(3) ودفع فرعون وقوَّته في بحر سوف، لأنَّ إلى الأبد رحمته (ع15).
منذ أربعين سنة مضت، قتل موسى مصريًّا من ذاته دون انتظار للربّ، والآن أراه الله قوَّته في إبادة كل أعداء شعبه في لحظة. وأما بالنسبة لنا فإن المسيح مخلصنا أمكنه أن يبيد بالموت ذاك الذي له سلطان الموت أي إبليس، ويعتق أولئك الذين خوفًا من الموت كانوا جميعًا، كل حياتهم، تحت العبودية (عب 2: 14، 15).
والآن ماذا يعني «عبور البحر الأحمر» في حياتنا كمؤمنين؟ إنَّه يرمز إلى العمل الذي أتمَّه الربّ يسوع لخلاصنا. لكن بينما كانت ليلة الفصح رمزًا لخلاصنا من دينونة الله، فإنَّ عبور البحر الأحمر يكلِّمنا عن خلاصنا من قوَّة الشيطان ومن العالم. في الفصح نرى الله ضد خطايانا، وفي عبور البحر الأحمر، الله في صفنا ضد أعدائنا. إن موت الرب يسوع وقيامته، الذي نرى صورة له في عبور البحر الأحمر، يحدثنا عن انفصال شعب الله تمامًا عن «العالم الحاضر الشرير» (غلا 1: 4).

مقارنات بين الفصح وعبور البحر الأحمر
خروج 12
خروج14
خروف الفصح
عبور البحر الأحمر
في نصف الليل (ع29)
عند إقبال الصبح (ع27)
الفداء بالدم
التحرير بالقوة
الجلجثة
القيامة
بعدها أرهب صرخات عرفوها
بعدها أول ترنيمة رنموها (أول ترنيمة في الكتاب)

الأصحاح الخامس عشر
ع1-21: ترنيمة الخلاص
موسى كرمز للمسيح، ليس فقط صنع الخلاص العظيم في أصحاح 14، بل قاد الشعب في الترنيم في هذا الفصل. وهكذا المسيح، بعد إحراز النصرة على الأعداء في موته وقيامته، أصيح الآن قائد تسبيحات شعبه (مز 22: 22؛ عب 2: 12).
ونحن هنا نجد أول ترنيمة مسجلة في الكتاب المقدس. في مصر لم يستطع الشعب أن يُرنِّم، أما الآن، وقد تم الفداء، وقد رأوا ذراع الرب «المنشفة البحر مياه الغمر العظيم، الجاعلة أعماق البحر طريقًا لعبور المفديين» (إش 51: 10)، فقد فاضت قلوبهم بالفرح.
هل نعرف نحن هذا الفرح، وتنطلق ألسنتنا بالتسبيح للربّ؟ هل نعرف معنى الترنيم من قلوبنا، ليس فقط من شفاهنا؟ إنَّه يُمجِّد ذاك الذي خلَّصنا من الموت ومن قوَّة الشيطان. لقد دخل المسيح في الموت نيابة عنهم، وهو الذي قيل عنه: «دخلت إلى أعماق المياه والسيل غمرني» (مز 69: 2). وأيضًا «جازت فوقي جميع تياراتك ولُججك» (يون 2: 3)، كل ذلك ليضع الترنيمة الجديدة في أفواهنا، ليس الآن فقط، بل إلى أبد الآبدين.
ونحن نجد في هذه الترنيمة ثلاثة أفكار رئيسية: أولاً (ع1-3) الكلام عن الرب وعظمته؛ ثانيًا (ع4-12) الأعداء وهزيمتهم؛ ثالثًَا (ع13-17) الشعب وبركاته. وهو الترتيب عينه الذي نجده في ترنيمة العهد الجديد الشجية (رؤ 1: 5، 6).
في ع17، 18 يعلن موسى ماذا سيصنع الرب في المستقبل، فلقد تذوق الشعب نتائج النصرة مسبقًا بالإيمان، حيث أعد الرب لنفسه: ميراثًا؛ مسكنًا، مقدسًا، ومملكة.
ع22-27: مارة وإيليم
لقد افتُدي الشعب، وها هو الآن قد ابتدأ في رحلته إلى تنهي بأرض الموعد. وبالمثل تبدأ الحياة المسيحيَّة بالتغيير، وتختم أيضًا بالتغيير (في 3: 21). أو للتبسيط نقول إنها تبدأ بالتجديد، وتنتهي بالتمجيد؛ وبين الاثنين، وعلى طول الطريق، توجد اختبارات البريَّة. وهذه يغلب عليها طابع ”مارة“ وإن كانت لا تخلو من ”إيليم“.
لقد كان الاختبار الأوّل لبني إسرائيل هو ”مارة“، وكما بالمياه المُرَّة قد يسمح الله لنا بظروف مُؤلمة في الطريق لتعليمنا. هذه الظروف تُكدِّرنا وتُذلُِّنا لمرارتها، ونحن لا نريدها. كلّنا نحتاج أن نفهم أنَّ الربّ يسمح لنا بها لبركتنا، وبمجرد أن نطرح فيها الشجرة المقطوعة (التي تمثل صليب المسيح)، وبدون أن يحدث تغيير للظروف التي نجتازها، فإننا نجدها قد فقدت مرارتها، وتحولت إلى مياه عذبة. ويمكننا عندئذ أن نفتخر في الضيقات (رو 5: 3)، وأن نحسبه كل فرح حينما نقع في تجارب متنوعة (يع 1: 2). انظر أيضًا 2كورنثوس 12: 9. عندئذ نكون في وضع يسمح لنا بالتمتُّع ”بإيليم مكان الرَّاحة والانتعاش الذي يذكِّرنا باجتماعات القدِّيسين معًا، حيث أمر الرب بالبركة (مز 133: 3).

الأصحاح السادس عشر
ع1-12: تذمر الشعب، وتجاوب الرب
كان بنو إسرائيل قد تذمَّروا قبل البحر الأحمر (ص14: 11، 12)، وعند مارة (ص15: 24)، وفي برية سين (ص16: 2) وسريعًا سنرى تذمُّرهم عند رفيديم (ص17: 3). أ ليست هذه صورة صادقة لقلوبنا التي تميل لأن تنسى رحمة الله التي هي «إلى الأبد» (مز 136)؟ منذ أيام قليلة مضت سبح الشعب ورنم للرب من أجل الفداء والخلاص. وها هم الآن يتذمرون على موسى وعلى هارون. لكن الحقيقة أنَّهم كانوا يتذمَّرون على الله، كما قيل في ع8 «لاستماع الربّ تذمّركم الذي تتذمَّرون عليه ... ليس علينا تذمركم، بل على الربّ». أخي الحبيب: كم من المرَّات نشكو من ظروف سمح بها الله الذي هو محبَّة! لنتذكَّر أنَّ التذمر هو تذمر على الرب، ويدل على عدم اكتفائنا به.
والشيء عينه عندما نقلق من جهة أمور هذه الحياة. ألا يُحزن هذا قلب الربّ الذي قال: «لا تهتموا لحياتكم بما تأكلون وبما تشربون، ولا لأجسادكم بما تلبسون.. فلا تهتموا للغد» (مت 6: 25، 34). لقد عَرَف الربّ في أيام جسده ماذا يعني أن نكون في البرية، وأن نجوع هناك؛ لكنه في خضوعه الكامل للآب، رفض اقتراحات المُجرّب، وفي ثقة تامة بأبيه انتظر أن يسدد له احتياجاته.
ويا له من إله رحوم ومنعم! فبدلاً من أن يمطر عليهم نارًا وكبريتًا تأكلهم، أرسل إليهم خبزًا يأكلونه (مزمور 103: 10)؛ وبدلاً من تأديبهم، أظهر لهم مجده (ع7، 10). الأمر الذي حدث بصورة أعظم في ملء الزمان، عندما أرسل الله ابنه من أجل الناس الأشرار (لو 2: 9).
ع13-36: عطية السلوى والمن
لقد سُمي المن بهذا الاسم لأن بني إسرائيل سألوا في دهشة: «مَنْ هو»؟ لأنَّهم لم يعرفوا ما هو. فقال لهم موسى: «هو الخبز الذي أعطاكم الربّ لتأكلوا» (ع15). ونفهم من يوحنا6 أنَّ المَن بالنسبة لنا، أو بالحري الخبز الحقيقي «هو النازل من السماء الواهب حياة للعالم» (يو 6: 33)، أي الربّ يسوع. فالمسيح هو الذي يعطي الحياة الأبدية، وهو الذي يغذي هذه الحياة.
وكان المن يجمع من حوالي المحلة بواسطة الشعب. ويقدم لنا أصحاحنا العديد من الدروس العملية المرتبطة بما تقدم:
1- كمية المن الملتقط كانت تتوقف على شهية الفرد وقدرته على الأكل (ع18). وهكذا فإننا نأخذ من المسيح بمقدار ما نشتهيه. وبقدر ما ينشغل المؤمن بالمسيح فإنه يتغذَّى ويتقوَّى.
2- المن كان يواجه احتياجات اليوم فقط وليس الغد. وهكذا فعلى قدر شركتي اليوم مع المسيح، سيمكنني أواجه الصعاب التي في طريقي.
3- جمع المن يعملنا درسًا عن عيشة الإيمان (ع18 مع 2كو 8: 15). فالمن إذا حُفِظ في خيام الشعب كان يفسد، لكن حفظه في ”الثلاجات الإلهية“ كان يحميه من الفساد.
4- كان بنو إسرائيل يجمعون المن في الصباح، قبل أن تحمى الشمس، وإلا فإنه كان يذوب. وهكذا ليتنا نحن أيضًا يكون أول شيء نفعله في الصباح، أن نصرف وقتًا مع الربّ قبل أن يمتص عمل اليوم وقتنا، ولا نجد فرصة.
وكما أنَّنا لا نُهمل يومًا إشباع حاجات أجسادنا، فليتنا لا نهمل يومًا التغذي بالمسيح، ”الطعام الباقي للحياة الأبدية“ (يو 6: 27).
ويختم الفصل بتعليمات وضع ملء العُمر (وحدة حجوم تعادل عشر الإيفة، أو حوالي 2و2 لترًا) منًا، ووضعه أمام الرب للحفظ. هذا هو نصيب الرب. وهو يشير إلى الرب يسوع الذي أتى من السماء، إذ صار إنسانًا. ثم قام وتمجد في السماء بجسد ممجد. وهو بهذه الصورة لسرور قلب الآب. وهذا السرور سيشارك فيه الغالبون بحسب ما ورد في رؤيا 2: 17


الأصحاح السابع عشر
ع1-7: الماء من الصخرة المضروبة
تذمَّر الشعب أوَّلاً بسبب الجوع، والآن بسبب العطش. لم يكن هناك ماء، ولكن كانت هناك الصخرة وكان هناك الرب. ولقد استخدم الرب في نعمته هذه الحادثة لإعلان حقيقة ثمينة، يوضِّحها الرسول في 1كورنثوس 10: 4 «وجميعهم شربوا شرابًا واحدًا روحيًا، لأنَّهم كانوا يشربون من صخرة روحيَّة تابِعتهم، والصخرة كانت المسيح». فالصخرة كانت رمزًا للربّ يسوع نفسه الذي في اليوم الأخير من العيد وقف ونادى: «إن عطش أحد فليُقبل إليَّ ويشرب» (يو 7: 37).
قبل أن تُعطي الصخرة في حوريب ماء، كان يجب أن تُضرب بعصا موسى. وهكذا لتكون لنا حياة ويكون لنا أفضل (يو 10: 10)، كان يجب أن يُضرب ابن الله على الصليب بيد الله نفسه. لكن لنلاحظ أنه بسبب تذمر الشعب وعدم إيمانهم ضربت الصخرة، وهو ما سجله النبي إشعياء: «أنه ضرب من أجل ذنب شعبي» (إش 53: 8؛ قارن مع زكريا 13: 7).
وهكذا فبينما المن يشير إلى ابن الله المتجسد، فإن الصخرة المضروبة تشير إلى صليب المسيح، وما نتج عن ذلك من تدفق المياه التي تشير إلى عطية الروح القدس، التي يعطيها المخلِّص بعد أن مات وقام ثانية، لكل المؤمنين به.
ع8-16: الحرب مع عماليق.
بعد أن أُطعم الشعب وأروى ظمأه، صار مُعدًّا من الله لاختبار آخر وهو الحرب مع عماليق. بنفس الطريقة عندما يكون المؤمنون أقوياء في الربّ وفي شدَّة قوته (أف 6: 10- 13)، يكونون في وضع يسمح بمقاومة الأعداء.
وعماليق هو حفيد عيسو (تك 36: 12)، فإن كان عيسو هو صورة للجسد، فإن عماليق صورة لأعمال الجسد. ونحن علينا بالروح أن نميت ”أعمال الجسد“ (رو 8: 13). ونلاحظ أنه إن كانت مصر وفرعون انتهيا بالنسبة للشعب، ولكن ظهر عدو جديد هو عماليق، وهكذا معنا، لقد دين العالم في الصليب، وكذا رئيس هذا العالم، ولكن أعمال الجسد تلاحقنا طوال رحلة البرية. فلنتحذر!
شيء آخر هو أنه على شاطئ البحر الأحمر قال موسى: «الربّ يُقاتل عنكم وأنتم تصمتون» (خر 14: 14). فعلى الصليب كان الربّ يسوع وحده في المعركة لأجلنا، ولم يشترك معه أحد. لم يكن ممكنًا أن نشترك في خلاص أنفسنا. لكن بمجرَّد أن نخلص، تبدأ المُحاربات، ويستخدم الشيطان نقائصنا القديمة ليحاربنا ويضايقنا (ارجع إلى 1بطرس 2: 11). هل نتجاسر فنكُفّ عن الاعتماد على الربّ؟ بالعكس تمامًا لأنَّه على الصليب حارب بالنيابة عنَّا، والآن يحارب معنا ويحارب بنا، باعتباره يشوع الحقيقي. على أن النصرة لم تكن لتحسم من أرض المعركة، بل من فوق حيث كان موسى على رأس التلة، صورة للمسيح في السماء، موسى الحقيقي وهارون الحقيقي، «من ثم يقدر أن يخلص أيضًا إلى التمام جميع الذين يتقدمون به إلى الله، إذ هو حي في كل حين ليشفع فيهم» (عب 7: 25). ولنعلم لتعزيتنا أن يدي الرب يسوع في المجد لا يمكن أن تثقلا (قارن رومية 8: 34، 37). والدرس الأدبي الذي علينا أن نتعلمه في هذا هو أن النصرة لا تتوقف على مقدار قوتنا، بل على إيماننا في المسيح وصلواتنا له.
ومن الناحية العملية فإن يشوع كان هو رجل السيف (صورة لكلمة الله – عب 4: 12)، بينما موسى يعلمنا كيفية الصلاة (قارن مزمور 144: 1، 2). وما أشد ارتباط هذين الأمرين معًا: ”سيف الروح“ و ”الصلاة في الروح“! (أف 6: 17، 18).

الأصحاح الثامن عشر
ع1-12: مقابلة موسى مع يثرون:
يُقابلنا هنا يثرون حمو موسى مرَّة أخرى. وهو رمز لقبائل الأرض الذين في يوم قادم سيبتهجون مع شعب الله بسبب خلاص الله لهم، وسيمجدون الله (ع9، 10). وفي الوقت نفسه نلاحظ أنَّ صفورة وابنيها ـ رمز للكنيسة كما رأينا في أصحاح2. لم يشتركوا في ضيقات شعب إسرائيل، ولا في خلاصهم، وبنفس الطريقة ستُخطف الكنيسة من الأرض قبل أن يجتاز الشعب في الضيقة العظيمة، وبالتالي قبل بركتهم النهائية.
يذكِّرنا الاسم جرشوم، والذي يعني ”غريبًا“، بأنَّ الربّ يسوع مثل موسى، كان غريبًا، عندما كان هنا على الأرض (إر 14: 8). والكنيسة أيضًا متغربة على الأرض. لكن في هذا الوضع الصعب كانت معونة الرب له، كمعنى اسم الابن الثاني أليعازر. وهكذا الأمر معنا أيضًا.
في ع8 يشهد موسى بكل ما فعل الله لشعبه. يا له من مثال جميل لنا! دعنا لا نقصر في إخبار الآخرين كم صنع الرب بنا ورحمنا (مر 5: 19). ونجد نتيجة هذه الشهادة في ع11 حيث اعترف يثرون بعظمة الربّ، وبارك الربّ وقدَّم ذبائح وأكل مع شيوخ الشعب، وتمتَّع بالشركة مع شعب الله أمام الله.
ع13-27: مشورة يثرون لموسى
بسبب تردُّد موسى أرسل الربّ هارون ليساعده في قيادة الشعب للخروج من مصر (ص4)، والآن - بناء على نصيحة يثرون - خفَّف موسى عن نفسه جزءًا من خدمته. لقد كان يثرون حسن النية، وقد تبدو لنا نصيحته حكيمة، ولكنها تتجاهل قوة روح الله. وبهذه الطريقة نفسها أقيم الإكليروس في المسيحيَّة، وكثيرون يعتقدون أنَّ هذا حسن. وهو اختيار أُناس، ويُعدَّون بواسطة زملاء لهم، ليلاحظوا أمور الله والكنائس، فصار هناك سلم من الوسطاء بين الله والناس.
لكن الكنيسة لها ربّ واحد وفيه كل الكفاية للإشراف على كل ما يتعلَّق بخاصَّته. وجسد المسيح ليس له رأس سوى المسيح نفسه، وهو كاف للاعتناء بأعضاء جسده. والربّ يسوع لا يهتم فقط بالدعاوي الكبيرة (ع22)، والدعاوي العسرة (ع26)، لكن أبسط شيء يُوجِِِد في قلوب خاصته همًا، يوجِد في قلب راعينا المحب اهتمامًا. وحقًا إن ”أمورنا الكبيرة صغيرة أمام قدرته، وأمورنا الصغيرة عظيمة أمام محبته“!
أيها العزيز: لا تخف أن تتكلَّم إلى الربّ، فإن كان موسى يكِلّ (ع18)، لكن ربنا لا يكلّ على الإطلاق. اذهب للربّ يسوع، وكما قال الرسول بطرس: «مُلقين كل همِّكم عليه، لأنَّه هو يعتني بكم» (1بط 5: 7).
ومن الناحية النبوية يمكننا أن نرى في هذا التصرف أن المسيح لن يمارس السلطان وحده في زمان ملكه (مت 19: 28)، بل عندما يأتي مع ربوات قديسيه، سيوزع الملك على خاصته، وسيكون الكل لمجد الله.
ويختم الفصل بأن حمي موسى ”مضى إلى أرضه“. وبينما واصل الشعب طريقه عبر البرية نحو وطنه، رجع يثرون من حيث أتى. إن حياة الاغتراب وحياة الإيمان لا تلذ للكثيرين، حتى – بالأسف - بين المسيحيين المدعوين إلى السماء، والذين هم غرباء في هذا العالم (يو 17: 14، 16؛ 1بط 1: 17).
الأصحاح التاسع عشر
ع1-25: الشعب في سيناء وطلبهم للناموس
مع هذا الأصحاح يبدأ قسم جديد من سفر الخروج، وسنرى كل ما كان الربّ ينتظره من إسرائيل، والتعليمات التي أعطاها لهم. فحتى هذا الأصحاح رأينا ما كانه الرب بالنعمة لشعبه، لكن من الآن سنرى ما كان ينتظره الرب من شعبه ردًا على نعمته.
بعد برية شور (15: 22)، وبرية سين (16: 1)، وصل الشعب إلى برية سيناء، محمولين على «أجنحة النسور» (ع4)، إلى المكان الذي فيه سيُعلن الله فكره، ويُريهم الطريقة التي بها يعبدونه (10: 26). لم تكن العبادة مُمكنة في مصر كما رأينا. لكن الآن بعد أن صنع الله الخلاص وفصل خاصَّته، انتظر منهم ذبائح الحمد. وقد أعلن الربّ: «تكونون لي مملكة كهنة وأمَّة مقدَّسة» (ع6). ونحن نعلم أن هذا لم يمكن تحقيقه تحت مبدأ المسئولية البشرية، ولكن تحت مبدأ النعمة، أمكن تحقيقه، وقد استخدم الرسول بطرس التعبير نفسه بالنسبة للكنيسة، مع إضافة الكرازة بالإنجيل «وأمَّا أنتم ... كهنوت ملوكي، أمَّة مقدسة، شعب اقتناء، لكي تُخبروا بفضائل الذي دعاكم من الظلمة إلى نوره العجيب» (1بط 2: 9).
هذا الشعب المسكين بالأسف لم يعرف نفسه بالرغم من مارة ومريبة. وقد أعطى بجهل تعهُّدًا لم يطلبه الله منه، وهو: «كل ما تكلَّم به الربّ نفعل» (ع8). ولم يمضِ وقت طويل قبل أن يتضح كيف فشل الشعب في هذا التعهد!
أ لم نتعهَّد أحيانًا كثيرة بتعهُّدات صالحة، ثم أُصبنا بخيبة أمل عندما وجدنا أنفسنا غير قادرين على حفظها؟ يُقدِّم لنا رومية 7 بالمثل شخصًا يشعر بالفشل حيث يقول: «لأنِّي لست أفعل الصالح الذي أريده، بل الشرّ الذي لست أريده, فإيَّاه أفعل» (رو 7: 19). ليس منَّا مَنْ يستطيع أن يحفظ الوعد بقوَّته، فهل نيأس من محاولة عمل الصالح؟ بالتأكيد، لا.
نحن لنا آب يريد أن يضع قوَّته لحسابنا. افرِض أن طفلاً صغيرًا يظن أنَّه يستطيع أن يرفع كيسًا زنته 15 كجم، ماذا يقول له والده؟ حاول. وعندما يقتنع الطفل أنَّه لا يستطيع، يكون مستعدًا لأن يثق في والده أن يفعل ذلك بالنيابة عنه. هذا هو الدرس الذي كان على إسرائيل أن يتعلَّمه عند جبل سيناء. وهذا هو الدرس الذي يجب أن نتعلَّمه أكثر وأكثر. ظنَّ الشعب أنَّه في إمكانه أن يفعل الكل، لذلك كان الله عازمًا أن يُعلن من ذلك الجبل المُخيف متطلِّباته الإلهيَّة.
ويشير عبرانيين 12: 18-29 إلى هذا المشهد، وهو يوضح الفارق الكبير بين الجبل الملموس، وجبل صهيون؛ أو بكلمات أخرى بين الناموس والنعمة. الناموس المرعب، والنعمة التي تدعونا للقرب. وهنا ليس لنا موسى وسيطًا فوق الجبل الناري، بل لنا يسوع السماوي. ويختم المباينات بالقول: «ليكن عندنا شكر، به نخدم الله خدمة مرضية بخشوع وتقوى». ليس الخوف الناتج عن وصايا جامدة، ولا من تعهد أرعن، ولا من مظاهر قدرة الله المرعبة، بل الخوف الناتج من معرفتنا لنعمته الفائقة نحونا (مز 130: 4).

الأصحاح العشرون
ع1-17: الوصايا العشر
نجد هنا الناموس الذي أعطاه الربّ لشعبه. والوصايا توضح فساد الإنسان، إذ ينهى الرب عن أشياء كان المفروض ألا يفعلها الإنسان، لو كان فيه صلاح (قارن 1تيموثاوس 1: 9).
الوصايا الأربع الأولى تتعلق بعلاقة الإنسان مع الله، الله الذي هو واحد، والذي هو روح، والذي هو قدوس، ولكن أيضًا الله الممتلئ بالصلاح، ويريد أن يشرك شعبه في راحته.
وبعد الوصايا الخاصة بالله تأتي الوصايا الخاصة بالإنسان. وإذا كان الإكرام يليق أولاً بالله، فإنه بعد ذلك يليق بالوالدين، بحسب الوصية الخامسة. ثم ترد أربع وصايا مختصة بعلاقة الإنسان مع قريبه في حياته الاجتماعية. ثم تأتي الوصية الأخيرة، وهي مختصة بأنفسنا، وهي تكشف حقيقة خرابنا، وهي تقول ”لا تشتهِ“. وكوننا لا نشتهي، أمر مستحيل، كما لو طُلب منَّا أن لا نجوع من الآن فصاعدًا.
بالإجمال يمكن تلخيص الوصايا كلها في كلمة واحدة هي ”المحبة“. أن تحب الرب إلهك من كل قلبك، وأن تحب قريبك كنفسك (مت 22: 34-40؛ رو 13: 8- 10).
ولقد أعطي الناموس للشعب لكي يتمموه: «افعل هذا فتحيا» (لو 10: 28). لكن بكل أسف لم يستطع الشعب أن يفعل ما في الناموس، بسبب ضعف الطبيعة البشرية (رو 8: 3). وُجد شخص واحد، ولن يوجد غيره، تمَّم الناموس كله من الوصية الأولى إلى الأخيرة، وهو الربّ يسوع الذي أمكنه أن يقول: «أن أفعل مشيئتك يا إلهي سُررت، وشريعتك في وسط أحشائي» (مز 40: 8). وكما جاء في مزمور 119: 113 «وشريعتك أحببت». حقًّا بالنسبة للمسيح، كانت طاعته لوصايا الله ليست صعبة، بل بالعكس كانت كل مسرَّته.
ع18-26: تأثير الوصايا على الشعب
عند نزول الناموس ارتعب الشعب، وكانوا مُهدَّدين بالموت (ع18، 19). هذه الحادثة ذُكرت في عبرانيين12: 19 لتبين الفرق بين هذه الحالة، وبين حالة الشخص المُخلَّص بالنعمة الذي لا يُطلب منه أن يفعل أي شيء سوى أن يؤمن بالرب يسوع الذي عمل كل شيء. ثم من ع20 إلى نهاية الفصل لا نرى الإنسان كمن يقدر أن يعمل أعمالاً صالحة، وإن كانت ترينا إياه كساجد. ومن الواضح أن سيناء لم تكن هي المكان المناسب الذي فيه يلتقي الله مع الخاطئ (ع24). ويرينا (ع25) أن أعمال الإنسان وطقوسه ليس لها مكان في العبادة المقبولة عند الله. ثم يعلمنا (ع26) أنه لا ينبغي أن يرتفع أحد فوق إخوته، لأن الجسد في هذه الحالة سيَظهر لخزيه.
الأصحاح الحادي والعشرون
في الأقوال التالية سيرد ما يمكن أن نعتبره مذكرة تفسيرية تشرح بعض الوصايا: فالآيات 12-36 تعتبر تفسيرًا للوصية لا تقتل؛ ص22: 1-15 تفسيرًا للوصية لا تسرق؛ ص23: 1-19 تفسيرًا للوصية لا تشهد بالزور؛ ص23: 10-13 توسع في تفسير وصية حفظ السبت
ع1-11: السيد والعبد أو الأَمة
الجزء الأول في هذه الشريعة يقدم لنا شخصًا لا يميزه سلبيات الناموس، بل إيجابياته. فهو شخص أمكنه أن يتمم الناموس بشقيه: محبة الله ومحبة القريب. فهذا العبد العبراني أحب سيده، وأحب أيضًا امرأته وأولاده. وفي هذه الشريعة يمكننا بوضوح أن نرى صورة للرب يسوع المسيح، الوحيد الذي أكمل الناموس والوحيد الذي أحب.
يقول المسيح على لسان النبي زكريا: «لأن إنسانًا اقتناني (كعبد) من صباي» (زك 13: 5). وهو أتمَّ الناموس وأكثر جدًّا من الناموس. وكان يمكنه ذلك العبد الكامل أن يصعد إلى السماء، بكل الكرامة، دون أن يجتاز في الموت، لكنَّه كان سيبقى وحده. أمَّا هو فلسبب محبَّته العجيبة لأبيه ولنا، أراد أن يكون معه في المجد عروس مكوَّنة من كل المفديِّين. لقد دفع ثمن ذلك كاملاً. لقد سُفك دمه فوق الصليب، وثُقب جسده، وسنرى علامات المحبة بطول الأبدية. يُرينا لوقا 12: 37 الربّ يسوع في منظر سماوي آتيًا ليخدم خاصَّته «يتمنطَّق ويُتكئهم، ويتقدَّم ويخدمهم».
ع12-36: تفسير للوصية لا تقتل
أعطى الربّ لشعبه في الأصحاحات من 21 إلى 23 وصايا كثيرة، فهو في حكمته رأى مسبّقًا كل ما يمكن أن يحدث في الظروف العادية لحياة خاصَّته، مثل أخذ رهينة من رجل فقير (22: 26، 27)؛ أو مصادفة ثور ضال (23: 4). وفي هذه التشريعات كلها يأخذ الرب موقف الدفاع عن الطرف الضعيف، واضعًا إياه تحت حمايته.
بالنسبة لنا نحن المؤمنين تُقدِّم لنا كلمة الله الثمينة لا الحقائق الأساسيَّة لخلاصنا، لكن تعطينا أيضًا توجيهات لحياتنا اليوميَّة، وعلاوة على هذا، فنحن بخلاف شعب إسرائيل قد أُعطينا ”الروح القدس. فهو يسكن في المؤمن ويعطيه أن يعرف مشيئة الله بوضوح بخصوص كل تفاصيل الحياة اليوميَّة. وهو ينير ذهنه ويُريه ما يجب أن يفعل وما لا يجب أن يفعل. وليس ذلك فقط بل يعطي المؤمن القوة لكي يتممها، فهل نخضع له؟
ومن المهم أن ندرك هذا، أن الكتاب المقدس بالنسبة لنا نحن أولاد الله، ليس مجموعة قوانين كما كان الحال مع بني إسرائيل. بل إنَّه يعلن لنا إله المحبة، الآب الذي أفكاره ومقاصده صارت معلومة لنا. وما أحلى أقوال المسيح على مسامع المؤمن: «فكونوا رحماء كما أن أباكم أيضًا رحيم» (لو 6: 36). نعم إنَّنا نطيعه لا خوفًا من الدينونة، لكن لأنَّنا نحبّه.
إذا قارنَّا هذه الأعداد بما جاء في متى5 من ع17، نلاحظ أن ابن الله أتى لا ليتمِّم الناموس كلّه فقط، لكن ليقدِّم شيئًا جديدًا وأفضل. فبينما الناموس يأمر: «لا تقتل» يقول الربّ يسوع: «مَنْ قال لأخيه .. يا أحمق يكون مستوجب نار جهنم» (مت 5: 22). أ ليس هذا أصعب؟
بالحقيقة أراد الربّ يسوع أن يُظهر تعاسة ورداءة القلب البشري ويعطينا مقياسًا لقداسة الله. وفوق ذلك أراد أن يعلن قلبه بالذهاب إلى أبعد مِمَّا طلبه الناموس. قيل: «تحب قريبك وتُبغض عدوّك» (مت 5: 43)، ونحن كنَّا خطاة وفجارًا وأعداء لله (رو 5: 6، 8، 10)، فأين كنَّا نذهب لو طُبِّقت علينا الوصية «عين بعين وسن بسن»؟ لكان الله يُهلِك الجنس البشري المُتهم بقتل ابنه. لكن عوضًا عن ذلك تمَّم الربّ يسوع على الصليب عمليًّا ما علَّمه في متى5 بقوله: «يا أبتاه اغفر لهم لأنَّهم لا يعلمون ماذا يفعلون» (لو 23: 34).
في (ع32) يحدد الناموس ثمن العبد، وهو بعينه الثمن الذي ثمَّن به قادة أمة اليهود ابن الله الكريم (مت 26: 15)!
الأصحاح الثاني والعشرون
ع1- 15 التوسع في تفسير الوصية لا تسرق
نكرر هنا ما قلناه سابقًا، أن المسيح بمجيئه إلى العالم علَّم تعاليمًا أسمى من تعاليم الناموس، وعمل أيضًا بما علَّم. لذلك فهو يقول في مزمور 69: 4 «رددت الذي لم أخطفه». وعليه فإننا في المسيحية لا نتوقف عند سلبيات الناموس، بل نتجه إلى الإيجابيات: «لا يسرق السارق في ما بعد، بل بالحري يتعب عاملاً الصالح بيديه، ليكون له أن يعطي من له احتياج» (أف 4: 28).
ع16-31 أحكام مختلفة
الله في هذه التشريعات الممتدة من ص21 حتى آخر ص23 يدخل في كل تفاصيل الحياة، التي قد تنشأ من تعاملات الناس مع بعض. وقصده من ذلك أن يحفظ شعبه من التشبه بالأمم في توجهاتهم الشيطانية (السحر والوثنية - ع18، 20)، والنجاسة في العيشة (ع16، 19، 31)، والظلم (ع21-27)، وعدم احترام الله وتوقيره (ع21-31).

الأصحاح الثالث والعشرون
ع1-9 تفسير الوصية لا تشهد بالزور
اضطرَّ الربّ أن يقول لشعبه: «لا تقتل البريء والبار» (ع7). وقد أثبت تاريخهم بالأسف أنَّهم كانوا يحتاجون فعلاً إلى هذا الأمر، فلما أتى إليهم ”القدوس البار“ (أع 3: 14، 15)، لم يتورعوا أن يقتلوه.
وبالمثل أُعطيت لهم الوصيَّة الخاصَّة بالغريب (ع9، انظر أيضًا 22: 21؛ إرميا 22: 3؛ لاويين 19: 33، 34). وهكذا لنا في العهد الجديد العديد من الوصايا التي تحرض على الاهتمام بالغرباء (مت 25: 35؛ رو 12: 13؛ عب 13: 2). ولو أصغى إسرائيل إلى الأحكام المُعطاة لهم في هذه الأصحاحات، لَمَا ظلموا الغريب السماوي الذي جاءهم ذات يوم ليفتقدهم. فنحن نعلم كيف استقبلوا الربّ يسوع عندما نزل وعاش في وسطهم. «فإنَّكم عارفون نفس الغريب» (ع9). نعم نحن نعرف قلب الرب يسوع، ذلك الغريب السماوي، وكم كان قلبه رقيقًا بلا حدّ، وقد شعر بكراهيَّة واحتقار الذين أتى في وسطهم بالمحبَّة!
قال الربّ: «لأنَّكم كنت غرباء»، ولذلك تقدرون أن تفهموا الذين تقابلونهم من الغرباء. هذا هو سر المحبة، أن نضع أنفسنا في مكان الآخرين!
ع10-13 التوسع في وصية حفظ السبت
في هذه الآيات يُظهر الله عنايته بخليقته كلها: البهائم والنباتات والأرض، وحتى وحوش البرية. ليتنا نتعلَّم أن نحترم خليقة أبينا السماوي.
ع14-19 الأعياد الرئيسية الثلاثة
سيرد كلامًا موسعًا عن هذه الأعياد في تثنية 16. ولكن في هذه الأعداد ترد جزئية هامة، هي: «لا يظهروا أمامي فارغين» (ع15). ومن الجميل أن نربطها بما جاء في عبرانيين 13: 15 «فلنقدِّم به في كل حين.. ذبيحة التسبيح، أي ثمر شفاه مُعترفة باسمه».
ع20-33: توصية من جهة امتلاك الأرض
لم يُعطِِ الربّ لإسرائيل وصايا فقط، لكن أظهر لهم أعظم عناية، فأعطاهم رفيقًا في سياحتهم، ملاكه الذي كان يسير أمامهم ليهديهم ويقودهم في حروبهم. كما أنه أيضًا لم يترك شعبه في شك من جهة نهاية سياحتهم، ففي محبَّته أعدَّ لهم كل شيء، وعيَّن لهم حدود أرض الموعد (ع31).
بنفس الطريقة جهَّز الله كل شيء لرحلة خاصَّته (مؤمني العهد الجديد)، فأعطاهم المعزي، الروح القدس. والتحريض الوارد في ع21 «احترز منه، واسمع لصوته، ولا تتمرد عليه»، ربما يتجاوب مع تحريض العهد الجديد «لا تحزنوا روح الله القدوس الذي به ختمتم ليوم الفداء» (أف 4: 30). كما أن الله في رحمته جعل شعبه الآن يعرفون إلى أين ينتهي مسارهم، فنهاية رحلتهم مجيدة ومضمونة، الميراث الأفضل الذي أعدَّه الله لهم في السماء مع الربّ يسوع.
ومن بين تعليمات الله لشعبه، ربما هناك ما لا يمكننا قبوله وفهم الغرض منه بسهولة، مثل حرص الرب الواضح على انفصال شعبه عن الأمم المجاورة. ولم يكن ذلك يُمثِّل أية خسارة على شعبه، بل إن الله في محبَّته للشعب أراد حفظهم من فخ العدو (ع33).

الأصحاح الرابع والعشرون
المصادقة على العهد الأول
نجد هنا دخول الشعب في عهد مع الله، ولقد خُتم ذلك العهد بالدم (اقرأ عبرانيين 9: 18...). إن شعب إسرائيل، في ثقتهم بأنفسهم، كرروا مرَّة ثانية ومرَّة ثالثة بأن يفعلوا كل ما تكلَّم به الربّ (قارن ع3، 7 مع 19: 8). يا له من ادِّعاء! لقد ثبت أنَّه لا إسرائيل، ولا الإنسان عمومًا، يستطيع أن يتمِّم ذلك. المسيح، الإنسان الثاني، هو وحده الذي تمِّمه في حياته، ومع ذلك فقد احتمل لعنته في موته (غلا 3: 13)، لكيما يفدينا!
وفي نصف الأصحاح الثاني نرى كيف أظهر الله مجده لموسى والشيوخ. لقد «رأوا إله إسرائيل، وتحت رجليه شبه صنعة من العقيق الأزرق الشفاف، كذات السماء في النقاوة» (ع10 قارن مع حزقيال 1: 26). وعبارة ”تحت رجليه“، تذكرنا بالمسار المجيد للرب يسوع، كما تقدمه لنا البشائر الأربع؛ وعبارة ”كذات السماء في النقاوة“ توضح أن المسيح، ليس فقط أتى إلينا من السماء، ولا أنه فقط صعد إلى السماء، بل إنه بمعنى من المعاني لم يبرح السماء مطلقًا (يو 3: 13). وبمسيرة الرب يسوع هنا فوق الأرض، استعلن لنا مجد الله، في كل كماله الأدبي (مز 68: 24). لقد قال الربّ لتلاميذه: «الذي رآني، فقد رأى الآب» (يو 14: 9). وأما (ع11) فهو يعطينا لمحة للحرية المقدسة التي صارت من حق المفديين أن يتمتعوا بها، حرية المفديين في الشركة مع الله. فنحن على أساس كمال عمل المسيح، ووجوده لأجلنا في السماء، أصبحنا، وكأننا من الآن في البيت، في السماء!
موسى وهو هنا على الجبل، يذكِّرنا بمنظره على جبل آخر، عندما رآه التلاميذ الثلاثة: بطرس ويعقوب ويوحنا، وهم على الجبل المقدس، شاهدًا مع إيليا لمجد الربّ يسوع، وهما يتكلَّمان معه عن موته الذي به سيُتمم مطاليب الناموس (لو 9: 28- 36).

الأصحاح الخامس والعشرون
ع1-9: الأمر بإقامة خيمة الاجتماع
ابتداء من هذا الأصحاح، نأتي إلى بداية التعليمات الإلهيَّة الخاصة بالعبادة. وتعتبر خيمة الاجتماع أجمل وأكمل رموز العهد القديم، وهي مليئة بالدروس الروحية النافعة لنا. ونجد فيها على الأقل دروسًا ثلاثة:
1- تحتوي على ”شبه السماويات وظلها“ (عب 8: 5).
2- رمز للمسيح، الذي حل بيننا (يو 1: 14)، بمعنى نصب خيمته بيننا.
3- صورة للكنيسة: فإن كانت الخيمة هي مسكن الله في العهد القديم، فالكنيسة الآن هي مسكن الله (أف 2: 23).
ثم إننا منها نتعلم دروسًا في منتهى الأهمية: نظرة الله للخطية (الله بار)، ثم نظرة الله للخاطئ (الله رحوم). ومن هذا نتعلم بعضًا من الدروس الرائعة التي سنجدها في العهد الجديد بصورة حقائق واضحة ثابتة، أن الله خلصنا لا بالنعمة وحدها، بل أيضًا بالبر. وسنجد في باقي السفر تفصيلات دقيقة لهذا المسكن العميق جدًا في معناه.
رسم تخطيطي لخيمة الاجتماع
ع10-22: التابوت وغطاؤه
لا يبدأ أحد عند وصف بيت بالأثاث. لكن هنا أوّل شيء مذكور هو ”التَّابوت، وذلك لأنه رمز جميل للربّ يسوع المسيح، الذي هو مركز أفكار الله ومشوراته. كان التابوت مصنوعًا من خشب سنط (وهو خشب غير قابل للفساد، صورة لناسوت المسيح)، مغشى بالذهب النقي (صورة للاهوته). ونحن نجد الطبيعتين متَّحدتين في شخص الربّ يسوع، فقد كان هو الله حقًّا، كما كان إنسانًا. الآب وحده هو الذي يعرف حقيقة كنه هذا السرّ (مت 11: 27). وفوق التابوت كان هناك غطاء التابوت، المصنوع من الذهب النقي فقط. وهناك كان يرش الدم في يوم الكفارة (لا 16: 14، 15)، ويحدثنا عن عمل المسيح الكفاري في الصليب (رو 3: 25). لذلك فكان هذا المكان هو الذي فيه يتقابل الله القدوس مع الإنسان الخاطئ الأثيم، دون أن يهلكه (ع22). وأما ”كروبا المجد“ (عب 9: 5)، فقد كانا ناظرين بوجهيهما إلى غطاء التابوت (ع20)، مما يذكِّرنا بالأسرار الإلهيَّة العميقة التي «تشتهي الملائكة أن تطَّلع عليها» (1بط 1: 12).
ع23-30: المائدة الذهبية
المائدة في مادتها تشبه التَّابوت إلى حد ما، فكانت مصنوعة من خشب السَّنط، ومغشاة بالذهب. ولكن بينما التابوت يصور لنا المسيح الذي أتى بالله إلينا، والذي أمكنه أن يواجه كل متطلبات بره نيابة عن الإنسان، فإن المائدة من الجانب الآخر تمثِّل المسيح الذي يحمل شعبه دائمًا في محضر الله. وكان هناك إكليل من ذهب يحيط بالمائدة، يحدثنا عن مجد المسيح من جانب، وعن حمايته للمؤمنين من جانب آخر. والمائدة عادة تُصنع لوضع الأشياء عليها، فقد وُضع عليها اثنا عشر رغيفًا بترتيب، بحسب عدد أسباط إسرائيل (لا 24: 5، 6)، تمثل شعب الله في كمالهم. كما كان تُوضَع عليها أدواتها (ع29)، التي تمثِّل لنا كفاءة المسيح في خدمته لشعبه (مر 16: 20). ونرى في هذه المائدة رمزًا لكون كل شعب الله ممثلاً في المقادس السماوية، يحمله المسيح، ويحفظه في نور الحضرة الإلهية (المنارة).
ع31-40) المنارة الذهبية الطاهرة
كانت المنارة مصنوعة من ذهب نقي، والذهب النقي يصوِّر لنا مجد الله. وتُضيء بسُرجها السبعة، وهي تصوِّر لنا الشهادة لله. لقد كان المسيح في يومه هو الشاهد الأمين. واليوم الكنيسة مدعوَّة للشهادة له (رؤ 1: 12، 13، 20؛ ص2؛ ص3). وكانت المنارة تضاء بزيت الزيتون النقي (صورة للروح القدس). ولقد كانت قوة شهادة المسيح هي بالروح القدس، وهكذا شهادة الكنيسة اليوم.
ولكي يُحفَظ نور المنارة لامعًا كان يلزم استخدام الكاهن للملاقط والمنافض. وهكذا الآن، الكاهن العظيم ربنا يسوع المسيح، الماشي وسط المناير السبع، يسهر على نفوسنا حتى لا يوجد أي شيء يعيق النور الإلهي، من أن يُضيء بقوَّة.

الأصحاح السادس والعشرون
ع1-14 أغطية المسكن
في هذا الأصحاح نأتي إلى وصف المسكن نفسه، وكان يُشبه صندوقًا ضخمًا ذا ثلاثة جوانب بدون سطح وبدون قاع. وعلى سطحه وُضعت أربعة أغطية هي ما تحدثنا عنه هذه الأعداد.
الغطاء الأوَّل كان يسمى المسكن، كان مصنوعًا من ألوان مختلفة كالَّتي في الحجاب الذي نقرأ عنه فيما بعد في ع31؛ وأيضًا كتلك التي كانت في ثياب رئيس الكهنة للمجد والبهاء (28: 5). وكل لون من هذه الألوان الأربعة يحدثنا عن مجد من أمجاد المسيح المتنوعة.
فالبوص المبروم يحدثنا دائمًا عن كمالات المسيح كالإنسان البار (كما نراه في إنجيل لوقا).
والإسمانجوني يحدثنا عن شخصه باعتباره السماوي (إنجيل يوحنا)؛
والأرجوان، ليس الأباطرة، باعتبار المسيح ملكًا كبيرًا على كل الكون (إنجيل متى).
وأخيرًا القرمز، لون الدم، باعتباره العبد المتألم (إنجيل مرقس).
وكانت تُستخدم عُرى من أسمانجوني، وأشظَّة من ذهب، لوصل الشقق ببعضها، وهي تذكِّرنا بالرُبط السماوية الإلهيَّة التي تربط المفديِّين.
والغطاء الثاني (الخيمة) من شعر معزى: ويكلمنا عن الانفصال.
والغطاء الثالث من جلود كباش مُحَمَّرة: ويكلمنا عن التكريس.
والغطاء الرابع من جلود تُخس: ويكلمنا عن التحمُّل.
وهذه الصفات الثلاث كانت موجودة كاملة في الربّ يسوع لما كان هنا على الأرض، والله يريد أن يراها في كنيسته.
وأما أرضيَّة الخيمة فلم تكن سوى رمال البرية. ولذلك فإن الكاهن وهو يؤدي وظيفته في الأقداس، كان لا ينسى أنَّه غريب ومسافر. وهو ما يجب أن يتَّصف به المسيحي اليوم.
ع15-30 الألواح والعوارض
كانت الجوانب الثلاثة للمسكن مصنوعة من ألواح خشب السَّنط، مُغشَّاة بالذهب وقائمة على قواعد من فضة. وهي صورة للمؤمنين، فهم قائمون على أساس الفداء، ومكتسون ببرّ الله. ذلك لأن في كلمة الله يُشير الذهب إلى البر الإلهي، والفضة إلى الفداء. ولأنَّ الألواح كانت مُغشَّاة بالذهب، فهذه الصفة الإلهيَّة يجب أن تُميِّز المؤمنين الآن. ولكي تقف الألواح معًا ثابتة وتُقاوم رياح البريَّة، كانت تمسكها عوارض، وهذه تجعلنا نفكِّر في كل ما يوحِّد المفديين. على سبيل المثال، المحبَّة التي هي رباط الكمال. ويا للتعزية والتشديد الذي يجده مؤمن حديث في الإيمان، إذ يجد أخًا أكبر يمكنه أن يحدثه عن متاعبه الروحية، من ثم يركعا معًا في صلاة! ويوجد فوق كل ذلك، ”الروح الواحد“ (أف 4: 4)، الذي يربط كل أولاد الله، وبذلك يمكن ألا يُحمَلوا بكل ريح تعلم، بل يكونون صادقين في المحبة، فيكون كل الجسد مركبًا معًا، يُحَصِّل نموه وبنيانه في المحبة (أف 4: 14- 16؛ انظر أيضًا 1كو 10: 12). أخيرًا لاحظ اهتمام الرب الخاص بلوحي الركنين (ع24). فإن التعبير «ويكونان مزدوجين» يذكِّرنا بما جاء في يوحنا 17: 21، وما ورد في 1كورنثوس 1: 10؛ فإن تمتع المؤمنين بالشركة الحقيقية مع الرب، هو أساس تمتعهم بشركتهم بعضهم مع بعض.
ع31-37 الحجاب وستارة القدس
إذا تقدمنا في الخيمة من الداخل إلى الخارج، باعتبار أن هذا هو طريق الله الملاقاة الخاطئ، فإن الخيمة كانت تحتوي على ”قدس الأقداس“، وغير مصرح لأحد بالاقتراب إليه، وكان فيه ”تابوت الشهادة“ (ع33)؛ وبعد ذلك كان القدس، وهو منفصل عن قدس الأقداس بالحجاب. ويُخبرنا عبرانيين 10: 20 عمَّا يُمثِّله الحجاب، فيقول: «الحجاب أي جسده». وعليه فإن ناسوت ربنا يسوع هو الذي نجده في هذا الحجاب، حيث نجد تجميعًا للعديد من الرموز التي تحدثنا عن أمجاد المسيح وكمالاته، سبق أن رأينا جانبًا منها في المواد التي صُنعت منها الشقق الجميلة. ومن المهم أن نلاحظ أنه ليس تجسد ابن الله هو الذي فتح لنا طريق الأقداس، بل موته. لقد كان الحجاب صنعة حائك حائق، ويصنع بكروبيم، تذكِّرنا بملائكة القضاء التي منعت الإنسان من الاقتراب إلى شجرة الحياة (تك 3: 24). ولكن بموت المسيح انشق الحجاب، وما عاد هناك مانع يمنعنا من الاقتراب إلى محضره بالذات.
وأمام الحجاب، في القدس، كانت توضع المائدة والمنارة (ع35)، وأيضًا المذبح الذهبي (30: 6). وكان هناك سجف (أي ستارة) للقدس، ولكن بدون كروبيم، حيث كان الكهنة يدخلون إلى هناك لإتمام خدمتهم.

الأصحاح السابع والعشرون
ع1-8: مذبح النحاس
مذبح النحاس هو أكبر قطعة في خيمة الاجتماع، وكان مخصصًا لتقديم الذبائح. كان مصنوعًا من خشب السنط، الخشب الذي لا يفسد (صورة لناسوت المسيح)، ومغشى بالنحاس (الذي يحدثنا عن دينونة الله على الخطية). لقد صار المسيح إنسانًا من أجلنا، ليذوق بنعمة الله الموت.
ومذبح النحاس هو أول قطعة تقابل الداخل إلى خيمة الاجتماع، وكان في الدار الخارجية التي حول المسكن. وكل الذبائح التي سنتأمَّل فيها عند دراستنا لسفر اللاَّويين، كانت تُقدَّم على هذا المذبح. هناك كان يُسفك الدم، وكانت النار تلتهم أجزاء الذبيحة المختلفة. وعلى الصليب أكلت نار الدينونة الإلهية الذبيحة المقدَّسة، وسُفك الدم الثمين.
ع9-19: دار المسكن
حول المسكن من كل ناحية كان يوجد الدار وعلى حدودها أستار من بوص مبروم تفصلها عن خيام إسرائيل. ومع أن الدار له باب، لكن كل بني إسرائيل كانوا يقدرون أن يدخلوها ومعهم ذبائح. يقول المرنم: «هاتوا تقدمة وادخلوا دياره» (مز 96: 8).
وكانت تلك الأستار معلَّقة على أعمدة الدار، المقامة على قواعد من نحاس. وهذه الأستار من البوص المبروم تحدثنا عن ناسوت المسيح الخالي من الخطية، كما وأيضًا عن حياة البر العملي المدعو إليها كل شعب الله، التي يلاحظها الناس من الخارج. وسيرتبط بهذه الشهادة طبعًا الآلام من أجل البر. وأما القواعد النحاسية فهي مصنوعة من المادة التي صُنع منها المذبح، فالصليب الذي عليه مات ابن الله ليُكَفِّر عن خطايانا، هو الذي فصلنا عن هذا العالم الحاضر الشرير (غلا 1: 4؛ 6: 14). ولقد تألم المسيح من أجل البر حتى موت الصليب، تاركًا لنا مثالاً لكي نتبع خطواته (1بط 2: 21).
كان الشعب من الخارج يرى دخان الذبائح وهو يصعد من مذبح النحاس، فكانوا يتذكَّرون خطاياهم بصفة مستمرة، وقداسة الله التي يجب أن تستوفي حقَّها. ونحن أيضًا ليت منظر الصليب لا يغيب مطلقًا عن فكرنا!
إننا اليوم، بخلاف شعب إسرائيل الذي كان دائم الخوف، نتمتع بقول عبرانيين 10: 14 «بقربان واحد قد أكمل إلى الأبد المقدَّسين». ولذلك فإن المؤمن الآن يعرف السلام الكامل لأنَّه يعرف أن خطاياه قد مُحيت، ويستطيع أن يقف بدون خوف، ويتمتَّع بالسلام الكامل في محضر الله ونوره العجيب.
ع20، 21) زيت السرج
النور الوحيد داخل المسكن الذي لم يكن له نوافذ، كان سبع سُرج المنارة التي كانت تشتعل على الدوام. وكان يُستعمل للإنارة زيت الزيتون المرضوض والنقي، وهو رمز للروح القدس. فلقد كانت شهادة المسيح في هذا العالم بقوة الروح القدس، وهكذا ينبغي أن تكون شهادتنا نحن. فلن يمكننا أن نضيء اليوم ما لم نخضع للروح القدس، ونعطيه في حياتنا المكان الذي هو به جدير.

الأصحاح الثامن والعشرون
ع1-39: ثياب رئيس الكهنة للمجد والبهاء
هارون رمز للربّ يسوع باعتباره رئيس الكهنة العظيم، كما تُخبرنا رسالة العبرانيين. كان هارون يُمثِّل شعب إسرائيل أمام الربّ، كما يُمثِّل المسيح اليوم الذين له أمام الله. وثياب هارون تحدِّثنا عن كل ما يتَّصف به الربّ يسوع في الخدمة التي يقوم المسيح بها لأجل شعبه المفدي. وبالإضافة إلى ذلك فهي تحدثنا عن صفات المسيح وأمجاده المتنوعة باعتباره الكاهن العظيم الذي اجتاز السماوات.
كان الرِّداء (أو الأفود) هو أهم أجزاء الثياب (ع1-14)، وهو عبارة عن معطف بدون أكمام. ومثل الحجاب، كان منسوجًا ومُطرَّزًا بخيوط ذات ألوان مختلفة، سبق أن أشرنا إلى معانيها ونحن نتحدث عن أغطية المسكن (26: 1-14). لكن بالإضافة إلى هذه الألوان الأربعة كان يدخل في نسيج الرداء خيوط من ذهب. وكان هناك حَجَرا جزع عند الكتفين حيث يتَّصل الجزء الأمامي بالجزء الخلفي من الأفود، وكان ينقش على الحجرين أسماء الأسباط الاثني عشر. ألا يذكّرنا هذا بالربّ يسوع حاملاً كل واحد من خاصَّته على كتفيه القويتين (لو 15: 5)؟ خاصَّته معروفون بالاسم لديه، ودائمًا حاضرون في فكره. وأكثر من هذا، فهم يمثلون جزءًا من المجد والبهاء اللذين له (ع2)
بعد ذلك تأتي صُدرة الرداء (ع15-30)، وكانت توضع على الجزء الأمامي من الرداء. وعليها اثنا عشر حجرًا كريمًا بحسب أسماء الأسباط, فكانت بذلك دائمًا على قلب هارون (ع30). وهي صورة مؤثرة لمركزنا نحن الذين افتدانا الربّ يسوع. فنحن على كتفي الربّ يسوع القويتين، وأيضًا على قلبه، غرض محبَّته الدائم. كان هذا هو مكان التلميذ «الذي كان يسوع يحبه» (يو 13: 23).
هناك كلمة هامة تتكرر كثيرًا في هذا الفصل وهي كلمة ”دائمًا“، وهي تُعَبِّر عن ثبات مركزنا في المسيح، وأنه لا يستطيع أحد أن ينزعنا من يديه القويتين (يو 10: 28)، ولا أحد يفصلنا عن محبة المسيح (رو 8: 35).
كانت الأحجار مختلفة، لكن كلّها كريمة، وكلّ منها كان يعكس نور المنارة الواحدة بطريقته الخاصَّة. كذلك المؤمنون مختلفون الواحد عن الآخر، ومع ذلك فإن كل مؤمن مدعو أن يعكس بعض أمجاد الربّ يسوع. وعلى ذلك لا يجب أن نعمل مقارنة بين مؤمن وآخر، ولا أن نوجه سهام النقد لأحد، فكل واحد ثمين لقلب الشخص المبارك الذي يحمله. عندما نكون ميَّالين للشكوى من أحد المؤمنين، أو نجد من الصعب أن نحبَّه، لنتذكَّر أنَّ الربّ يحبَّه. ولكي تعكس هذه الأحجار، أو بالحري المؤمنون، النور الإلهي جيدًا، يجب أن يُنحتوا بالإزميل ويُصقلوا، أو بعبارة أخرى يُشَكَََّلوا بالتجارب. لكن بالمفارقة مع هارون، فإن الربّ يسوع لا ينتظر حتى يكمل هذا العمل لكي يحمل خاصَّته على قلبه.
وبعد ذلك تأتي جُبة الرداء (ع31-35)، التي يلبسها هارون، وكلها من أسمانجوني، وهي تكلِّمنا عن الصفة السماوية للربّ يسوع الكاهن العظيم «الذي انفصل عن الخطاة وصار أعلى من السماوات» (عب 7: 26). ويليق به أن تكون له شهادة على الأرض، ممثلة في ”إخوته الساكنين معًا في اتحاد“، والمدعومين بكهنوته السماوي، والذين يمثلون أطراف ثوبه ”أذيال الجبة“ (مز 133: 1، 2). والجلاجل (الأجراس) على أطراف الجبة، تذكِّرنا بالشهادة: ما يُسمع. وهي البرهان على أن رئيس الكهنة حي في الأعالي. فهل نحن نشهد لمن حولنا أن يسوع حي؟ والرُمَّانات تذكِّرنا بالثمر: الذي يجب أن يُرى في حياة أولاد الله، وهي تظهر فيهم طالما هم متَّصلون بجبة الشخص السماوي (يو 15: 5).
ولقد كان عدد الجلاجل وعدد الرمانات في جبة رئيس الكهنة متساويًاٍ. وهذا معناه أن أفعالنا وأقوالنا يجب أن تكون متوازنة. وأما عندما نشعر بضعفنا ونقصنا في شهادتنا وخدمتنا، فلننظر إلى الربّ يسوع، فهو أمام الله في كمال قداسته، والآب يتأمَّل ابنه الحبيب ويرانا فيه، فلا يرى ما يعيق خدمتنا أو يشوِّه عبادتنا. هذا هو معنى ”الصفيحة من ذهب“ (ع36- 38) التي على عمامة الكاهن من قدَّام، والمنقوش عليها «قُدسٌ للرب». عندما نتأمَّل الربّ يسوع، لا ننشغل بضعفاتنا، بل ننسبي بكمالاته، ونستطيع أن نقول مع المرنِّم «يا مجنَّنا انظر يا الله والتفت إلى وجه مسيحك» (مز 84: 9). ثم يختم هذا الجزء بذكر القميص، والعمامة، والمنطقة (ع39)، فيكون عدد قطع ثياب رئيس الكهنة سبعة.
ع40-43: ثياب بني هارون
هذه الثياب تجعلنا نفكر فيما ورد في مزمور 132: 9، 16 حيث كان الكهنة يلبسون البر والخلاص. وهو ما يجب أن يميزنا نحن باعتبارنا كهنة العهد الجديد

الأصحاح التاسع والعشرون
ع1-37: تقديس الكهنة
هارون بمفرده يمثل الرب يسوع، ولهذا كان يُمسح بمفرده، بدون سفك دم (ع7). أما هارون في ارتباطه مع بنيه، فإنه يعطينا صورة للعائلة الكهنوتية، وباتحادهم معه يمكنهم أن يقدموا ذبائح التسبيح لله. ولكن قبل أن يمكنهم هذا كان يلزمهم العديد من الأمور: أن تقدم ذبائح لهم. وكان يجب أن يقربوا إلى باب خيمة الاجتماع، وأن يُغسلوا بالماء (مع ملاحظة أنَّهم لم يكونوا يقدرون أن يغسلوا أنفسهم). وأخيرًا كانوا يلبسون ثيابًا جديدة تُعطى لهم، وهي تلك الموصوفة في أصحاح 28. وهكذا بالنسبة لنا، فقبل أن نقوم بأية خدمة مسيحيَّة، يجب أن يكون تقدُّمنا إلى الله بذبيحة المسيح الكاملة التي تكفِّر عن خطايانا، ثم يجب أن يتم غسلنا بماء نقي، وهو ما يسمى ”غُسل الميلاد الثاني“ (تي 3: 5؛ عب 10: 22). وأخيرًا مع أجساد نظيفة، يجب أن نلبس ثيابًا نظيفة. وفي حالة يهوشع الكاهن (زك 3: 3- 5)، ألبسه الربّ ثيابًا مُزخرفة عوضًا عن الثياب القذرة التي كانت عليه. هكذا يجب أن يكون سلوكنا الخارجي - المرموز له بالثياب – نقيًّا، ليطابق التطهير الداخلي لضميرنا. ويمكننا أن نفعل ذلك متى لبسنا الرب يسوع (رو 13: 14).
وبعد أن يتم تكريس الكهنة، فإنهم ما كانوا يفعلون ما يحلو لهم، بل لقد تكرسوا بهذه الطقوس ليؤدوا خدمة الله في هيكله. في العهد القديم كان من يقوم بالخدمة الكهنوتية هم فقط بنو هارون، أما اليوم فإن كل المفديين بدم المسيح صاروا كهنة لله أبيه (رؤ 1: 6). ونحن أيضًا، إذا كان الله قد خلَّصنا في محبَّته العظيمة، فذلك لكي نكون مكرَّسين تمامًا لخدمته.
الدم على الأذن اليُمنى، وعلى إبهام اليد اليُمنى، وعلى إبهام الرجل اليُمنى (ع20) كلها تُشير إلى أن هذه الأعضاء من الجسم، التي تكلِّمنا عن الطاعة والعمل والسلوك، قد تقدَّست لتعمل مشيئة الله، وذلك بقوة الروح القدس (دهن المسحة في ع21).
وهناك فكر جميل وهام، أن الكلمة المترجمة ”تقديس“ تعني حرفيًا ”ملء اليد“ (قارن 28: 41). فالتكريس في معناه الصحيح ليس أن أعطي نفسي للرب، فكيف أعطيه ما يمتكله بالفعل؟ بل على العكس إننا نفهم من هذا أن التكريس يعني أن يملأ الله يدي، أو بالحري قلبي، ليمكنني أن أردد التقدمة (المسيح) أمامه (ع24 قارن مع 1أخبار 29: 14).
كان ينبغي أن كبش الملء يُقدَّم، ثم بعد ذلك يؤكل من الكهنة. وبنفس الطريقة، فلكي يقوم المؤمن بأيَّة خدمة لله، يجب أن يتغذَّى بذاك الذي كان مُكرَّسًا لله حتَّى الموت. ويحرضنا الرسول أن نسلك في المحبة «كما أحبنا المسيح أيضًا، وأسلم نفسه لأجلنا، قربانًا وذبيحة لله رائحة طيبة» (أف 5: 2). كان على الكهنة أن يأكلوا كبش الملء ”عند باب خيمة الاجتماع“ (ع32)، أو بكلمات أخرى قبل أن يتقدموا ليخدموا الرب في القدس. وهكذا كان يُفعل لمدة سبعة أيام، وبذلك كان الكهنة يتغذون، ومشاعر التكريس فيهم تتجدد يومًا فيومًا.
ونتذكَّر أن الغطاء الثالث للمسكن كان مصنوعًا من جلود كباش (ص26: 14) وهو أيضًا يكلِّمنا عن التكريس مثل كبش الملء الوارد ذكره في هذا الأصحاح. كم كان الربّ يسوع مكرَّسًا! قال واحد بعد قراءته الأناجيل: ”هنا إنسان لم يفعل شيئًا لذاته على الإطلاق. كل ما فعله الربّ يسوع، فعله لله وللناس. كان تكريسه كاملاً“.
ع38-46: المحرقة الدائمة
هناك محرقات كان يجب أن تُقدَّم دائمًا(ع38)، ”في أجيالكم“ (ع42 قارن مع عدد 28: 3، 6، 19؛ عزرا 3: 5). وكانت هذه المحرقات الدائمة تعظم عمل الصليب أمام عيني الله.
ويختم الفصل (ع44، 45) بتقديس الخيمة والمذبح والعائلة الكهنوتية، وبذلك أمكن لله أن يسكن في وسط خاصته، بما يتناسب مع مجده. والرسول بولس ذكر العلاقة نفسها بين مسكن الله في الوقت الحاضر بالروح القدس في المؤمنين، والقداسة التي ينبغي أن تميِّزهم (1كو 3: 16، 17؛ 6: 19).

الأصحاح الثلاثون
ع1-10: مذبح البخور
تأخر الحديث عن مذبح البخور، لأنه كان يحب قبل الحديث عنه أن يتم تقديس الكهنة، الذين يمكنهم الاقتراب إلى الله. سبق لنا أن رأينا في أصحاح 27 ”المذبح النحاسي“ الذي كانت تُقدَّم عليه الذبائح. وهنا في أصحاح30 نجد المذبح الثاني المُغشَّى بالذهب الذي عليه كان هارون يوقد البخور. المذبح الأوَّل يكلِّمنا عن المسيح مُقدِِّمًا دمه للفداء، في المذبح الثاني نرى المسيح أيضًا ولكن كالشفيع. والمذبحان لا ينفصلان الواحد عن الآخر. فالمسيح هو أولاً الذبيحة، ثم الكاهن. والذي قدَّم دمه المطهر، يشغل الآن وظيفة الكاهن لكي يشفع في القديسين الذين تطهروا بدمه.
لم تكن تُقدم ذبيحة على مذبح الذهب، وهكذا بنفس الطريقة لا يحتاج الربّ يسوع أن يتألَّم أو يموت مرَّة أخرى. العمل قد أُكمل، والآن في هو السماء موضوع السجود والعبادة. وبه كل المفديين يقتربون ويُقدِّمون للآب السجود اللائق به. ومن المناسب أن نتذكَّر خلاصنا الثمين، وما حصلنا عليه من بركات، ولكن – لكي نكون ساجدين حقيقيين – ينبغي أن نقدِّم لله كمالات ابنه المحبوب.
ع11-16: فضة الفداء
كانت تدفع بأسلوب شخصي محض. وفي الوقت ذاته كان لها قيمة محددة يدفعها كل من الغني والفقير على السواء، وهو مبلغ زهيد يقدر الجميع أن يدفعه. وفي العهد الجديد نتعلم أن الله لا يميِّز بين خاطئ وآخر، وهو يقدم للجميع طريقة واحدة للخلاص، خلاصًا مجانيًا! لكن كم تكلف ذلك الشخص العجيب الذي دفع بالنيابة عنا أجرة خطايانا؟
ع17-21: المرحضة النحاسية
هي آخر القطع السبع الموجودة في خيمة الاجتماع، وكانت من نحاس (ع18)، ومكانها في الدار الخارجية بين المذبح النحاسي والقدس. فإن لم يغسل الكهنة أيديهم وأرجلهم في هذه المرحضة، لا يكونوا مؤهلين للخدمة، لئلا يموتوا. وهذا الاغتسال لا يكلِّمنا عن التطهير الشرعي والأبدي الذي تمَّ فعلاً بالدم المسفوك على مذبح النحاس، لكن يكلِّمنا عن ماء كلمة اللهالذي يُطهِّر المؤمن أدبيًا أثناء سيره في هذا العالم الملوث (يو 13: 10؛ أف 5: 26).
ع22-33: دهن المسحة
بعد الاغتسال بالماء من ”دنس الجسد“ (سلبيًا)، نجد دهن المسحة (الروح القدس)، الذي يعطي فضائل إيجابية. والمكونات المختلفة لهذا الدهن تُمثِّل لنا فضائل المسيح وأمجاده. ولم يكن مصرحًا سكبه على جسد إنسان (ع32)، بمعنى أنه لا يجوز استخدام مواهب الروح لتعظيم الإنسان. كما لم يكن مصرحًا صنع مثله، أي غير مصرَّح تقليد عمل الروح القدس.
يخبرنا مزمور 133: 2 أن هذا الدُهن الطيب ينسكب من على الرأس، وينزل على لحية هارون، ثم إلى طرف ثيابه: صورة رائعة للأفراح التي للمؤمنين بواسطة الروح القدس، بكمالات رأسهم المُمجد.
ع34- 38: البخور العطر
كان هذا البخور يتصاعد باستمرار لله، مُقدِّمًا له تفاصيل الكمالات العجيبة لابنه الحبيب.
الأصحاح الحادي والثلاثون
ع1-10: دعوة بصليئيل وأهوليآب لعمل الخيمة
لاحظ تكرار الأفعال ”دعوت“، ”ملأت“، ”جعلت“. فكلّ ما يتعلَّق بالخدمة كان بتوجيه من فوق من الله نفسه. حتَّى موسى لم يكن يقدر أن يختار العاملين. في سفر الأعمال نرى الروح القدس يفرز برنابا وشاول بالاسم للعمل الذي دعاهما الله إليه (أع 13: 2). بنفس الطريقة الخادم لا يقرِّر لنفسه فيفعل ما يُحِب. الله الذي يدعو، يعطي الحكمة اللازمة. أعطى الله لكل واحد منَّا مقدارًا من الموهبة، ففي أي شيء نستخدمها؟ ربَّما في المدرسة، في المكتب، في الدكان، في البيت، لكن الربّ يريد استخدام هذه المواهب بعمل الروح القدس لخدمته.
ع12-17: حفظ السبت
إذا أعطى الله خدمة، فهو يعطي الرَّاحة اللازمة لخدامه. في الأناجيل نحن نرى الرب يدعو تلاميذه، ويرسلهم، وبعد عوتهم من الإرسالية قال لهم أن يستريحوا قليلاً (مر 6: 7، 31). في هذا الجزء يرتبط الراحة بالسبت. السبتالذي جُعل لأجل الإنسان (مر 2: 27). دعنا نشكر الله من أجل الراحة التي يعطينا.
ع18: موسى يستلم لوحي الشريعة:
لمزيد من التفاصيل انظر أصحاح 32: 15-19؛ تثنية 9: 9-17
الأصحاح الثاني والثلاثون
خطية العجل الذهبي وتوابعها
كنا نتمنى أن ننتقل فورًا من التعليمات المعطاة بتأسيس خيمة الاجتماع في أصحاح 31 إلى بدء العمل فيها أصحاح 35، لكن بالأسف بين الاثنين تأتي صفحة سوداء في تاريخ شعب إسرائيل، إذ بينما كان الله يُعطي الناموس لموسى على الجبل، كان الشعب في أسفل الجبل يكسرون أول ثلاث وصايا، وحينما كان الربّ يُري عبده التعليمات الخاصة بعبادته، كان إسرائيل يُقيم لنفسه عبادة وثنية! وبينما نقرأ في ص33 عن شخص امتلأ بروح الله ليعمل مثال المسكن الذي يحدثنا عن المسيح، نقرأ هنا عن أشخاص وقد ملأهم الشيطان، يعملوا لأنفسهم إلهًا، ”ثور آكل عشب“! ويا للأسف أن هارون الذي كان قد أُعطي مركزًا عاليًا في الفرائض التي كنَّا نتأمَّل فيها، يقود الشعب إلى هذا العمل. حقًا ما أشر قلب الإنسان! وما أشد نكرانه للجميل (مز 78: 11؛ 106: 19-23)!
والوثنية ليست خطية إسرائيل، أو الأمم المحيطة وحدهم، بل حتى في المسيحية أيضًا. يذكِّرنا الرسول بولس بالمشهد الذي أمامنا قائلاً: «فلا تكونوا عَبَدة أوثان»؛ ثم يقول: «لذلك يا أحبائي اهربوا من عبادة الأوثان» (1كو 10: 7، 14). والوثن هو كل ما يأخذ مكانًا في قلوبنا يخص الربّ وحده.
ودعنا لا ننسى أن هذا حدث نتيجة غياب موسى فوق الجبل، وإذ غابت فكرة رجوع موسى إليهم، امتلأ قلب الشعب بالشر، وهو عين ما حدث عندما غاب وسيطنا العظيم ربنا يسوع المسيح فوق جميع السماوات، فقال العبد الرديء «سيدي يبطئ قدومه» (مت 24: 48-50).
في ع7 قال الربّ لموسى: «قد فَسَد شعبك الذي أصعدته من أرض مصر»، وأجاب موسى في شفاعته قائلاً للرب: «لماذا يا ربّ يحمى غضبك على شعبك الذي أخرجته من أرض مصر» (ع11). وكأنَّه يقول: بما أنَّه شعبك ويحمل اسمك، لا يمكن أن تفنيه. وفي يوحنا 17: 9 قال الربّ يسوع للآب وهو يتكلم عن خاصَّته: «لأنَّهم لك».
تصرَّف موسى هنا كشفيع كُفء، مع أنَّه كان قد قال للرب سابقًا: «لست أنا صاحب كلام» (ص4: 10). ربَّما كان ”ثقيل اللسان“، لكن الآن قلبه تحرَّك من أجل إسرائيل، ومن فضلة القلب تكلَّم الفم، وعرف بالروح القدس كيف يتوسل لصالح شعب الله. يا له من مثال لنا في هذا!
على أنَّه لو كان الناموس الذي يدينهم أُعطيَ للشعب، لمَا استطاع توسل موسى أن يمنع الربّ من إفناء إسرائيل. كان لا بد أن يحدث أحد أمرين: إمَّا الناموس، وإمَّا الشعب المُذنب يُطرح جانبًا. الله في رحمته سمح أن يضع الناموس جانبًا. وإذ كان لموسى فكر الله، فقد كسر لوحي الناموس في أسفل الجبل (ع19).
وبعد مئات من السنين، عندما نزل الرب يسوع من السماء إلى هذا العالم المذنب، لم يكن في فكره أن يبطل الناموس. على العكس هو تممه بصورة عجيبة، قبل أن يتجه إلى الصليب ليحمل في جسده لعنته (مت 5: 17، 18؛ غلا 3: 13).
ويخبرنا ع19، ع22 كيف حمي غضب موسى على الشعب وعلى هارون. وكما غار موسى للشعب أمام الرب فوق الجبل، فإنه غار للرب أمام الشعب أسفل الجبل. وعندما انتحى موسى بهارون أخيه، حاول هارون أن يُبرِّر نفسه عوضًا عن أن يتذلَّل. ظنَّ أنَّه يمكن أن يقنع موسى أن معجزة حدثت، والنار أخرجت عجلاً ذهبيًا! أ لا يذكِّرنا هذا بتعبير كثيرًا ما نقوله إنَّها ليست غلطتي؟
بعد ذلك نرى المهمة الرهيبة التي وُضعت على اللاويين، والتي نتعلَّم منها أن مجد الله يجب أن يكون أغلى على قلوبنا من الروابط العائلية (قارن متى 10: 37). كان بنو لاوي أُمناء، وأخذ الله ذلك في الاعتبار حين ائتمنهم على خدمته في خيمة الاجتماع (تث 33: 9، 10). الله لا يستخدمنا في خدمته قبل أن يضع أمانتنا أولاً تحت الاختبار.
نلاحظ أنه نتيجة نزول الناموس كانت موت حوالي 3000 رجل، بينما نتيجة نزول الروح القدس كان خلاص لنحو ثلاثة آلاف نفس (أع 2: 41).
كذلك نرى موسى شفيعًا مرَّة أخرى. ولقد اعترف بالحقائق كما هي دون محاولة إخفاء شيء كهارون، وطلب أن يقدم نفسه كفارة عن خطية الشعب، أي يُعاقَب بدلاً منهم. وهو في هذا يذكرنا بالرسول بولس الذي كان مستعدًا أن يُحرَم من المسيح لأجل إخوته حسب الجسد (رو 9: 3). لكن مثل هذه التضحية مستحيلة، إذ يؤكد الوحي أن «الأخ لن يفدي الإنسان فداء، ولا يعطي الله كفارة عنه» (مز 49: 7). لا يوجد شخص يستطيع أن يكفِّر عن الخطاة إلا ربنا يسوع، لأنَّه هو نفسه بلا خطية.
الأصحاح الثالث والثلاثون
ع1-6: توبة الشعب
في الأصحاح السابق نرى موسى - وقد امتلأ من الغضب المقدَّس - سحق العجل الذهبي، وقاد اللاويين في قصاص الشعب. وهنا نراه يقول للشعب إن الربّ لا يريد أن يصعد معهم. وهذا قاد الشعب إلى التذلل، وخلعوا عنهم زينتهم.
ع7-11: خيمة الاجتماع خارج المحلة
عمل موسى عملاً غير متوقع، إذ نصب خيمة لنفسه خارج المحلة بعيدًا عن الشعب (يجب عدم الخلط بين هذه الخيمة، وخيمة الاجتماع التي كنا ندرس تفاصيلها، والتي لم تكن حتى هذه اللحظة قد أقيمت بعد). كان لا يزال موسى يحب هذا الشعب، وأظهر أنَّه يحبهم عندما طلب من الرب أن يمحو اسمه من كتابه (32: 32)، لكنه عمل ذلك العمل بدافع مختلف. فالآن بسبب خطيَّتهم التي ارتكبوها، لم يكن ممكنًا للسحابة أن تظل فوق المحلة. فلكي تبقى تلك السحابة الغالية، التي هي رمز للمسيح، كان على موسى وآخرين معه أن يتركوا محلة إسرائيل.
ويستخدم الرسول هذا الفصل لتحريضنا، فيقول: «فلنخرج إذًا إليه خارج المحلة، حاملين عاره» (عب 13: 13). وطاعة لهذا التحريض، خرج مؤمنون كثيرون من المسيحية الإسمية، ليجتمعوا ببساطة إلى محضر الربّ يسوع، وباسمه وحده (مت 18: 20).
ويشوع، مع أنَّه كان غلامًا، لكنَّه أدرك أنَّ سعادته في عدم ترك المحضر الإلهي. هل سعادتنا نحن في الوجود حيث وعد الربّ يسوع بالحضور؟
ع12-23: حديث موسى مع الرب
خارج المحلَّة تكلَّم موسى مع الربّ وجهًا لوجه (ع11)، وكان موضوع كلامه الشعب في حالته المُحزنة. كان موسى ظلاً لمن هو أعظم منه ـ الابن الذي تكلَّم إلى الآب عن الذين أعطاهم له (يو 17: 9). ومع أنَّ موسى ترك المحلة، لكن كان قلبه لا يزال يحمل أولئك الذين كانوا فيها.
كان ممكنًا أن يُفكِّر موسى أنَّه ربح الكثير لأنَّ الربّ لم يفنِِ الشعب، وأن الله سيُرسل ملاكًا يسير أمامهم إلى كنعان. لكن لا، لقد قال موسى للرب إن هذا غير كافٍ. وكأنَّه يقول للرب: نحن نريدك أنت لتسير معنا. ولا يمكننا الاستغناء عنك. إنَّ الله يحب جسارة الإيمان، ويُسّر أن نطلب أشياء خاصة بمجده، وإن كانت تبدو عسرة.
وأخيرًا فإن موسى يطلب طلبًا ثالثًا من الرب، أكثر جرأة من سابقيه، وهو أن يرى مجده. ولم يكن هذا ممكنًا في العهد القديم، ولكن أمكننا نحن أن نراه في ربنا يسوع المسيح (يو 1: 14، 18؛ 2كو 3: 18؛ 4: 6). وسوف نتمتع بهذا على الوجه الأكمل عندما يأتي المسيح ويأخذنا لنكون معه إلى الأبد (يو 17: 24).
عندما طلب موسى من الله أن يُريه مجده، توقَّع بلا شك أن يرى رؤيا مثل التي في أصحاح 24: 10. لكن الله كان مزمعًا أن يريه شيئًا ثمينًا، ولكن بطريقة مختلفة، ما يمكن أن نسميه: ”مجد النعمة“ (أف 1: 6). لذلك أجابه الربّ قائلاً: «أُجيز كل جودتي قدامك». وهذه النعمة مرتبطة بإعلان اسم الرب (ع19).
ويا للعجب أن هذه المناسبة الحزينة التي أظهرت شر الشعب، هي التي سُر الله أن تكون مناسبة إعلان نعمة الله ومجده. ولكن موسى كان يجب أن يختبئ في نُقرة من الصخرة حتى يحصل على مثل هذا الإعلان من الله عاملاً بالنعمة. والصخرة ونُقرتها هي المسيح مائتًا لأجلنا فوق الصليب. واختباء موسى في الصخرة يشير إلى الكفارة (الكفارة تعني تغطية أو ستر). فبدون الكفارة يستحيل أن نرى مجد الله.

الأصحاح الرابع والثلاثون
تجديد العهد
أوضح الرب في الأصحاح السابق مجد النعمة، وأبرز أن مجده يظهر في جودته ونعمته (ع6). لقد نادى الرب أمام موسى باسمه المرتبط بالرحمة. لكن لاحظ أن هناك شرطًا إن أردنا التمتع بإعلان الرب هذا، وهو ما قاله لموسى هنا: «كن مستعدًا للصباح» (ع2). ليت الرب يمتعنا صباحًا فصباحًا بهذا الاستعداد القلبي، اللازم لنا لكي نتذوق رحمته التي هي أفضل من الحياة (مز 63: 1-3).
ثم لاحظ أن نعمة الله لا يمكن أن تنفصل عن حكومته. وهو ما يؤكده لنا ع7، فهو غافر الإثم والمعصية والخطية (هذه هي نعمته)، ولكنه لن يبرئ إبراءً (وهذا هو عدله في القضاء).
ونلاحظ أن الرب سبق أن قال إنه لن يصعد في وسط الشعب لأنه صلب الرقبة (33: 3)، وهذا بعينه السبب الذي جعل موسى هنا يطلب من الرب مسيره في وسط الشعب (ع9).
وللمرَّة الثانية كان موسى مع الربّ على الجبل لمدة أربعين يومًا. وكنتيجة لِما حدث، جعل الله نفسه معروفًا لعبده ولكل إسرائيل تحت اسم جديد «الرب اسمه غيُّور» (ع14). هذا معناه أن الرب يحب أن يكون وحده موضوع إكرام شعبه وسجودهم. قد يُدهشنا هذا الاسم لأنَّنا نقول إن الشخص قد يغير من شخص ينافسه على منصب أو خلافه، وأما بالنسبة لله، فلا يمكن أنَّ الوثن يكون منافسًا له، لأنَّه كيف لآلهة الذهب والحجر والخشب التي يصنعها الإنسان، تنافس خالق الكون؟ لكن عندما يُقال إن الله غيور، فهو غيُّور على شعبه. الربّ يعرف أنَّنا نكون سعداء حقًّا عندما نحبه وحده، وأما الأوثان فهي أباطيل كاذبة محبطة لآمال من يتعلق بها. ثم إن محبَّتنا له، حتى وإن كانت ضعيفة، لكنها ذات قيمة كبيرة لقلبه. لذلك فإن الرسول يوحنا، رسول المحبة، يختم رسالته بالقول: «أيها الأولاد احفظوا أنفسكم من الأصنام» (1يو 5: 21).
لقد حذَّر الرب شعبه من أن سكان الأرض سيكونون شركًا لهم (ع12). فالرب يعرف ضعف قلوبنا، ومن أين يمكن أن يأتينا الخطر، «فتُدعى وتأكل من ذبيحتهم» (ع15). ليت يكون عندنا الشجاعة الأدبية التي تجعلنا نرفض كل دعوة من أصدقائنا في الدراسة أو العمل، وحبذا لو عُرِفنا بين المحيطين بنا بأننا لا نقبل أي شيء يجعلنا نشارك في تصرفاتهم الردية (1مل 1: 9، 10).
وفي توضيح لما يتناسب معه، فإن الرب كرّر هنا بعض التعليمات التي سبق أن أعطاها في أصحاحات 21 إلى 23.
ونتعلم من الجزء الأخير من الفصل أنه كلما كنا في اتِّصال بالله متمتِّعين بإعلانات نعمته، ينعكس جماله علينا. كان وجه موسى يلمع مع أنَّه لم يكن يعرف ذلك. أولاد الله يجب أن يُظهروا لكل الذين حولهم الفرح الذي لهم، بوجوه بادية عليها علامات السرور والابتهاج. ليتنا نجعل العالم يرى بعض انعكاسات محبة الربّ يسوع في وجوهنا!
يُفسّر لنا الرسول في 2كورنثوس 3: 13- 18 لماذا كان موسى يضع برقعًا على وجهه. فقبل أن يجيء الربّ يسوع بالجسد، كان الناس الخطاة لا يحتملون حتى انعكاس المجد الإلهي (لأنَّ المجد الإلهي مناقض للخطية)، ولذلك لزم البرقع لموسى، لكن الآن ذلك البرقع أُبطل في المسيح. لذلك عندما أتى الربّ يسوع، أمكن أن يُرى الله فيه في كل مجد نعمته. وكنتيجة لذلك، نحن الآن «ناظرين مجد الربّ بوجه مكشوف» (2كو 3: 14، 18).
وهناك امتياز آخر لموسى هو أن ”يتكلم معه“. هذا التعبير ورد ثلاث مرات في نهاية الفصل (ع29، 34، 35). ويا للامتياز الذي لرجل الله! ويا للدلالة على العلاقة الوثيقة بينه وبين إلهه! ألا نجد هنا ارتباطًا بين الحديث مع الرب، والوجه اللامع؟ ليت الرب يمتعنا بكلا الأمرين معًا.
الله في أصحاح 34
إله النعمة: «الرب إله رحيم ورؤوف، بطيء الغضب وكثير الإحسان والوفاء» (ع6)
إله غيُّور: «لأن الرب اسمه غيُّور. إله غيور هو» (ع14).
إله المجد: وموسى في آخر الأصحاح ليس فقط تمتع بمشاهدة المجد كما في آخر ص33؛ بل أيضًا بأن يعكس هذا المجد.
وهكذا نحن على أساس النعمة، وليس بالانفصال عن القداسة، يمكننا التمتع بالمجد.

الأصحاح الخامس والثلاثون
ع1-3: تقديس يوم السبت
ليس الأمر هنا مجرد تكرار لشيء سبق الحديث عنه، بل هناك درس أدبي في الإشارة إلى السبت هنا، وهو أن الراحة تسبق العمل، وليس العمل يسبق الراحة. لهذا فقبل أن يتحدث عن بناء الخيمة، تحدث عن الراحة. لقد جلست مريم عند قدمي المسيح أولاً (لو 10: 39)، من ثم عملت العمل الحسن في التوقيت الحسن، إذ أحضرت طيبها، ودهنت قدمي سيدها (ع8 مع يو 12: 3).
ع4-35: اشتراك كل الشعب في العمل
من هنا سيبدأ العمل في خيمة الاجتماع، ولهذا فإن الوحي سيعيد الحديث ثانية عن قطع الخيمة المختلفة. والدرس الذي لنا هنا أن المعرفة شيء، وأن العمل شيء آخر.
نلاحظ في الأعداد من 5 إلى 19 تنوّع الأشياء التي كان على بني إسرائيل أن يُحضروها من أوتاد المسكن وشعر المعزى إلى الذهب وأثمن الأحجار الكريمة. كان يوجد لكل واحد شيء يُقدِّمه. بالمثل الآن، كل منَّا نحن الذين للرب يسوع نقدر أن نُحضر شيئًا يسهم في البناء. إظهار العاطفة مثلاً، وعمل المحبَّة للآخرين (رو 12: 8)، هي أشياء في متناول كل منَّا، وهي مرضية أمام الربّ. بل إن الصلاة الحارة لتقدم عمل الرب مهمة جدًا والرب يقدرها تقديرًا كبيرًا.
وشيء آخر مهم، وهو أن الشعب استطاع أن يقدم لبناء خيمة الاجتماع ما لم يكن قد سبق وقدمه لعمل العجل الذهبي. وبالطريقة عينها لن نقدر أن نكرس للرب، إلا ما لم نقدمه للعالم. وهذا تحذير للشباب، لئلا نضيِّع عمرنا هباء.
نلاحظ تعبيرًا يتكرَّر عدة مرات: «كل مَنْ أنهضه قلبه، وكل مَنْ سمحته روحه». فأن تحب الربّ وتحب الجماعة، هما شرطان ضروريان، لأن تعمل لأجله شيئًا حسنًا، أو لأن تعطي له شيئًا مقبولاً. وما لا يُعمل بالمحبة فهو ضائع، وليس له أجرة أمام كرسي المسيح.
وهناك بعض الأعمال كانت تُعمل في البيت وفي دائرة العائلة؛ مثل الغزل، ولذلك فلكي تعمل للرب، ليس من الضروري أن تصير مبشِّرًا أو مُرسلاً في بلاد بعيدة.
وكان للنساء «حكيمات القلب» (ع25)، أو اللواتي أنهضتهن قلوبهن بالحكمة (ع26) عمل خاص، وباقي النساء ـ مثل الرجال، أمكنهنَّ أن يأتين بشيء لعمل بيت الربّ (ع29). بنفس الطريقة اليوم، الشبان والشابات يقدرون أن يفعلوا أو يُقدِّموا شيئًا، ولو متواضعًا، لأجل الربّ يسوع وكنيسته. يضع الله في قلب البعض أن يُعلِّم (ع34)، والآخرون أن يصغوا بالطبع، وبذلك نكون جميعًا في الوضع الذي نخدم فيه بفاعلية.

الأصحاح السادس والثلاثون
بدء العمل في بناء الخيمة
في المَثَل الوارد في مرقس 13: 34- 37 يُقدِّم الربّ يسوع نفسه كإنسان مسافر ترك بيته وأعطى عبيده لكل واحد عمله. ونعلم أن الربّ يسوع أعدّ لكل واحد من قديسيه الذين هم له عملاً بحسب قدراتهم وأعمارهم. وعلى كل واحد منَّا نحن الذين نخص الربّ يسوع أن نعرف ماذا يريد منَّا، وإن لم نعرف، فلنسأله وهو لا بد أن يرشدنا إليه.
في مَثَل آخر في متى 25: 14- 30 عندما رجع السيد كان على عبيده أن يُقدِّم كل واحد حسابًا عمَّا أُعطي له. البعض نال المكافأة، لكن آخرون خزوا. يساعدنا الربّ لكي يجدنا عندما يجيء قد عملنا ما ينتظره منَّا.
وهناك درس خطير نتعلَّمه من أصحاحنا، أنَّ كثيرًا من التقدمات وصلت متأخرة. فوقت إتمام العمل أو تقديم التقدمة كان قد ولى. ربما بعضهم عمل بكل قوته، ولكن ليس فورًا، فضاعت عليهم الفرصة. ويا له من درس هام جدير بأن نتعلمه مبكرًا!
«فصار المسكن واحدًا» (ع13) وعلمنا العهد الجديد أنه يوجد ”جسد واحد“ (أف 4: 4). فعلى الرغم من انقسام المسيحية إلى طوائف كثيرة جدًا، ولكنها في نظر الله لا يوجد سوى جسد واحد، له رأس واحد هو المسيح، يسكنه روح واحد هو الروح القدس.
شيء لافت نجده بطول هذا الأصحاح، هو تكرار كلمة ”صنع“ بالفرد، وكأن العامل شخص واحد، والحقيقة أن كل العاملين كان لهم ”قلب واحد“ (قارن مع أعمال 4: 32).
وإذ أُحضِرت كل المواد اللازمة، وتعيَّن الصانعون، أمكن أن يبدأ بناء خيمة الاجتماع. وفي قراءة وصف الأجزاء المختلفة للخيمة، والأشياء التي فيها، سنجد فيها المزيد من التعاليم.
الأغطية ذُكرت أولاً، وأولها وأجملها كان يمكن رؤيته من الداخل فقط، وبواسطة ضوء المنارة، كلما دخل الكاهن إلى القدس. هكذا أمجاد الربّ يسوع المختلفة يمكن فهمها وتقديرها فقط بواسطة النور المُعطى من الروح القدس، وفي حضرة الله. أمَّا الغطاء الرابع أو الخارجي المصنوع من جلود التُخس، وأيضًا كل شيء من خارج الخيمة، لم يكن يلفت النظر، بالمُباينة مع هياكل البشر القديمة والحديثة. وهذا يذكِّرنا بالشخص المكتوب عنه «لا صورة له ولا جمال .. ولا منظر فنشتهيه» (إش 53: 2). ما كان يوجد شيء يُشبع المجد البشري الباطل، لأنَّ الربّ يسوع كان منفصلاً تمامًا عن العالم. ليت الرب يقنع قلوبنا فلا ننخدع بروح العالم، أو نسعي لمجده الباطل، بل نقنع أن نعيش هنا كما عاش سيدنا من قبلنا في هذا العالم!
ثم نقرأ عن ”ألواح المسكن“ (ع20)، وهذه كانت راسخة على قواعدها الفضية (ع24-30). وهي تذكرنا بالمفديين، وبتحريض الرسول: «اثبتوا هكذا في الرب أيها الأحباء» (في 4: 1).
و”الحجاب“ الثمين الذي كان يفصل القدس عن قدس الأقداس (ع35)، كان محمولاً على أربعة أعمدة، وهو يكلِّمنا عن ناسوت الربّ يسوع، كما تُقدّمه لنا الأناجيل الأربعة. فهو مسيَّا إسرائيل (إنجيل متى)، العبد المُطيع (إنجيل مرقس)، ابن الإنسان (إنجيل لوقا)، الذي من السماء (إنجيل يوحنا). ومثل الخيوط التي كانت تتَّصل ببعضها بدقة، الخيوط التي من اسمانجوني وأرجوان وقرمز وبوص مبروم، هكذا وجوه بشريته المختلفة، كل واحد منها كامل في ذاته، ومتصلة كلها في انسجام تام، وكلها معًا تُقدِّم لنا كمال حياة الربّ يسوع المسيح. لكن هذه الحياة الكاملة ما كانت لتُقرِّبنا إلى الله، بل بالعكس هي تُبعدنا عنه كثيرًا، لأنَّها صورت لنا النموذج الذي يرتضيه الله، وهو نموذج كامل كان من المستحيل أن نحاكيه. لذلك كان موته ضروريًا. ولمَّا بذل المخلِّص حياته على الصليب، وأسلم الروح، فقد شقّ الله الحجاب، وفتح للساجدين «طريقًا ... حديثًا حيًّا» (عب10: 20).

الأصحاح السابع والثلاثون
استكمال عمل أواني خيمة الاجتماع
بعد ذلك يأتي صنع التَّابوت وغطائه (ع1-9)، والمائدة (ع10-16). وكان لكل من التابوت والمائدة عصي يُحملان بها خلال رحلة البرية. وهذا يجعلنا نفكّر في سير الربّ يسوع لما كان هنا على الأرض. وكون العصى مُغشاة بذهب نقي، فهي تذكّرنا بقول النبي: «ما أجمل على الجبال قدمي المبشر بالسلام» (إش 52: 7).
وصُنعت بعد ذلك المنارة من ذهب نقي مع ساقها وكاساتها وعُجرها وأزهارها خارجة منها (ع17-24). ولقد كان عدد سرجها سبعة، وهو رقم الكمال. ولكن دعنا لا ننسى أن المنارة وقد كانت صنعة الخراطة، فهي تحملت الطرقات الكثيرة، كما أنها تضاء بزيت مرضوض (27: 20). وهذه كلها تذكرنا بالآلام التي احتملها سيدنا في طريق الشهادة لله في وسط عالم معادٍ، وشهادته لم تُقبل. وإذ رفض المسيح فإنه الآن يضيء في القدس السماوي، ويمكن لقديسيه أن يتأملوه بالإيمان.
ثم يأتي ”المذبح الذهبي“ (ع25-28) وكان مكانه في القدس أيضًا، أمام الحجاب، وهو رمز آخر للمسيح، الذي هو واسطة سجودنا وموضوعه، ففي اسمه نقترب إلى الله للسجود أو للصلاة. والبخور الذي كان يُقدَّم عليه حسب خروج 30: 34- 38 كان ”بخورًا عطرًا“ صنعة العطار مُملحًا نقيًا مقدسًا (ع29). والأعطار المختلفة التي كانت تُستخدم في صُنعه، تكلمنا عن كمالات ابن الله، وتقديرها في نظر الآب الذي نقدمها له. ومع البخور العطر يشير أيضًا إلى ”دهن المسحة“ (ع29).

الأصحاح الثامن والثلاثون
استكمال عمل أواني خيمة الاجتماع
يبدأ الفصل بالإشارة إلى ”المذبح النحاسي“ (ع1-7)، الذي كانت تُقدَّم عليه الذبائح، ثم إلى المرحضة التي من نحاس أيضًا (ع8). الله واجه حالتنا الخاطئة في الصليب، وهذا ما يُذكِّرنا به المذبح النحاسي. لكن ماذا عن الخطايا التي ارتكبناها بعد التغيير؟ يوجد مؤمنون كثيرون في قلق من أجلها. هل تُسبِّب لأحد أن يفقد خلاصه؟ شكرًا لله لأن ما عُمل لا حاجة لأن يتكرَّر مرَّة أخرى. قال الربّ يسوع لبطرس: «الذي قد اغتسل (وهذا يُعمل مرة واحدة للمؤمن خروج 29: 4) لا يحتاج إلاَّ إلى غسل رجليه» (يوحنا 13: 10). هذا الغسل للقدمين بعد السلوك، ولليدين لأجل الخدمة، كان يُعمل في المرحضة النحاسية، التي كانت تُصنع من ذات المادة التي يُصنع منها المذبح. وهنا يجعلنا نُدرك أن خطايانا بعد إيماننا لها ذات الثمن الذي دُفع عنها كالخطايا المُرتكبة قبل الإيمان. لكن شيئًا واحدًا يجب أن يُعمل، وهو أن نعترف بها بتذلّل وحزن لله الذي هو أمين وعادل حتى يغفرها (1يوحنا 1: 9)، إكرامًا لعمل الربّ يسوع الذي قد أُكمل على الصليب.
ولقد صُنعت المرحضة من مَرَايا النساء اللاَّتي تبعن موسى إلى باب خيمة الاجتماع (ع8). فإنهن في محضر الله، وفي اهتمامهنَّ ببيته، قادتهنَّ قلوبهنَّ أن يعطينَّ لا شيئًا عاطلاً، بل ليسلموا ما له الاهتمام الأكبر عند المرأة، وهو المرائي (التي تعبر عن الاهتمام بالذات - انظر متى 16: 24، 25). ولقد قدَّر الله ذلك، وذكره في كلمته.
الأعداد 9-20 تحدثنا عن”الدار“. وفيها ترد مقاسات باب الدار (ع18)، عرضه عشرون ذراعًا، أي حوالي عشرة أمتار. وهو يعطينا صورة لباب النعمة. فهو واسع، لأن الله يرحب بكل الخطاة، وسهل الدخول منه، لأن «كل من يدعو باسم الرب يخلص». فهل القارئ العزيز دخل من هذا الباب؟
ثم بدءًا من ع21 وحتى نهاية الأصحاح نجد كيف قدَّر الله في حسابه التكلفة للمسكن، آخذًا في الاعتبار كل ما صُنع وكل ما أُعطي لأجل بيته، حتَّى رزز الأعمدة، ولم يغفل شيئًا. ولقد عرف الله أيضًا ما كلّفته كل عطية للذين قدّموها، وكانت كلها ثمينة في نظره.
ذات يوم جلس الربّ يسوع تُجاه الخزانة يراقب ما يلقيه الناس فيها، وقدَّر الفلسين اللذين ألقتهما الأرملة المسكينة، وكان يعني بالنسبة لها أنَّها أعطت كل ما عندها (مر 12: 41- 44).
وأما بالنسبة لفضة الفداء فقد استُخدمت في صنع قواعد الأعمدة، للقدس وللحجاب (ع27). وكون الأعمدة تقف راسخة على قواعد فضية فهذا يدل على أن كل شيء يستقر على الفداء (قارن مع سفر العدد 3: 46- 51). والمؤمن أيضًا يستريح ويقف راسخًا بالإيمان على أساس الفداء (2كو1: 24).

الأصحاح التاسع والثلاثون
ع1-31: تجهيز الكهنة
في وصف ثياب هارون المقدَّسة، يلفت أنظارنا شيء لم يُذكر في أصحاح 28، وهو أن أسلاك الذهب مدّوها خيوطًا، وتم نسج الرداء منها، وكان لمعانها رمزًا للمعان المجد الإلهي لرئيس الكهنة العظيم، الذي كان يسطع بين مشاهد إنسانيته. ولنأخذ أمثلة على ذلك من البشائر الأربع، فمرة كان سيدنا نائمًا على وسادة في سفينة في وسط بحيرة طبرية، وفي اللحظة التالية أمر فأسكت العاصفة وهدأ البحر، حتى قال الذين في السفينة: «مَنْ هو هذا، فإن الريح أيضًا والبحر يطيعانه؟» (مر 4: 41). ومرة أخرى بكى عند قبر لعازر، وبعد برهة أقام الميت الذي كان قد أنتن (يو 11)! ولقد قَبِل أن يدفع الجزية، لكنه أحضر الدرهمين من فم سمكة خضعت له وأطاعته باعتباره خالقها (مت 17: 24-27). وهكذا مع كل تحرك لرئيس الكهنة العظيم، كانت تلمع خيوط الذهب منه، ويسطع مجد لاهوته، رغم أنه كان يبدو للذين حوله مجرَّد يسوع الناصري المُحتقر. ونلاحظ أن ثياب رئيس الكهنة كانت مترابطة معًا بسلاسل وضفائر وأطواق وأحجار، والمدلول الروحي لهذا أنه لا يمكن فصل أحد أمجاد المسيح إلا وتجد نفسك قد أنكرت كل الحق الخاص به. وبكل أسف فإن تاريخ الكنيسة يحدثنا عن كثيرين لم يخشوا أن يفعلوا هذا الشيء. ليت الرب يحفظنا مقدرين كل الأمجاد الأزلية والأدبية والرسمية، التي تكسو ربنا المعبود يسوع.
ع32-43: موسى يستلم العمل الذي تم
لم يصنع بنو إسرائيل كل عمل الخيمة فحسب، بل إنهم صنعوه «بحسب كل ما أمر الرب موسى، هكذا صنعوا» (ع32). وهذه العبارة ”كما أمر الربّ موسى“ تتكرر كثيرًا في هذا الأصحاح، وفي أصحاح 40. فالرب لم يترك شيئًا لتفكير الصُنّاع. بالمثل الآن في المسيحية، نجد في كلمة الله كل ما نحتاج أن نعرفه فيما يتعلَّق بطريقة العبادة لله. إن إضافة أي شيء لِمَا أعطاه الله لنا، أو إحلال شيء محله ظنًّا منَّا أنَّه يناسب أيَّامنا، هو عدم طاعة لله. انظر الجماعات المُسمَّاة مسيحيَّة، وانظر إلى تنظيماتها وطقوسها وزينتها وفخامتها.. إلخ. الله لم يأمر بشيء من هذا. والمؤمنون الذين يعرفون كلمة الله، لا يقبلون أن يشتركوا في مثل هذه الأمور. فضلاً عن ذلك يوجد فرق عظيم بين ترتيبات العهد القديم (وقد تأمَّلنا في عدد منها في سفر الخروج)، وما نقرأه في يوحنا4: 23، 24 أنَّ الساجدين الحقيقيين يسجدون للآب ”بالروح والحق“. فلقد استُبدِلت الآن الفرائض الخارجية والطقوس الجامدة بعمل الروح القدس. كما أن عبادتنا ليست رموزًا وظلالاً، لكنَّها حقيقيَّة ذات قيمة عظيمة قُدَّام الله الآن، وطول الأبدية.
ولقد استلم موسى العمل من الصناع، ورأى «وإذا هم صنعوه كما أمر الرب، هكذا صنعوا، فباركهم موسى». وهذا يُذكرنا بوقوفنا عن قريب أمام كرسي المسيح «وحينئذ يكون المدح لكل واحد من الله» (1كو 4: 5 مع 3: 12-15).
الأصحاح الأربعون
ع1-33: إقامة المسكن، خيمة الاجتماع
في اليوم الأول من الشهر الأول، قال الربّ لموسى أن يُقيم مسكن خيمة الاجتماع بكل ما فيه، مُعلنًا بذلك أن الله أقام علاقة جديدة مع شعبه. والكل صار جديدًا، والربّ نفسه عمل حساب كل شيء في هذا العهد. بقي فقط أن يوجد الكهنة في أماكنهم المُحدَّدة: «وتُقدِّم هارون وبنيه» (ع12، 14). لقد أُعدت الأقداس للسَّاجد، والحاجة الآن أن يُعدّ الساجد للأقداس. «تغسلهم ... وتُلبسهم .... وتمسحهم» (ع12- 15). وبذلك يُمكن للكاهن أن يبدأ ممارسة وظيفته المقدَّسة بكل خطواتها: مذبح النحاس، المرحضة، دخول القدس، تقديم البخور على مذبح الذهب.
هل يمكننا أن نتأخر إذا كان الله نفسه يقول: «وتُقدِّم بنيه»؟ إن الرب يسوع رئيس الكهنة العظيم؛ هاروننا الحقيقي، كأنه يقول: «ها أنا والأولاد الذين أعطانيهم الله» (عب 2: 13).
في الأعداد من 16 إلى 33 ينسب العمل كله لموسى، كل شيء يتعلَّق بالمسكن، حتى أصغر شيء، عُمل كما أمر الربّ تمامًا. وعبارة «كما أمر الرب موسى» تتكرر سبع مرات (ع19، 21، 23، 25، 27، 29، 32). والقسم يبدأ بالقول: «ففعل موسى بحسب كل ما أمره الرب. هكذا فعل» (ع16)، ثم يختم الحديث بالقول: «وأكمل موسى العمل» (ع33). وكل هذا يجعلنا نُفكِّر فيمن هو أعظم من موسى، الذي أكمل العمل الذي أعطاه الآب له ليعمل (يو 17: 4). لكن أمانة موسى على بيت الله، المشار إليها في عبرانيين 3: 2 إنما هي قبس ضئيل من أمانة الابن ”الذي هو أمين للذي أقامه“، فهو أعلن الآب، وقدَّس الإخوة، وبنى المسكن الحقيقي، الذي صار فيه رئيس كهنة، مؤسِّسًا نظامًا جديدًا (ليس ماديًا ولا منظورًا)، أمكننا فيه أن نعرف الله، وأن نقترب منه، وأن نعبده!
بيت الله على الأرض في سبع مراحل
1- خيمة الاجتماع التي أقامها موسى (خر40).
2- الهيكل الذي بناه سليمان، والذي دمره بعد ذلك نبوخذنصر (إر 52).
3- هيكل زربابل الذي بُني بعد الرجوع من السبي البابلي، والذي دمره تيطس الروماني (مت 24: 1، 2).
4- المسيح الهيكل الحقيقي، والذي نقضه اليهود، وأقامه المسيح في اليوم الثالث (يو 2: 19-22).
5- الكنيسة في الوقت الحاضر (1تي 3: 15؛ عب 3: 6؛ أف2 : 22؛..)، ونهايته الاختطاف إلى السماء.
6- الهيكل الذي سيُبنى بعد الاختطاف، ويدنسه النبي الكذاب (2تس 2: 4)، وسيخربه ملك الشمال.
7- الهيكل الألفي الذي سيبنيه الرب بنفسه (زك6: 12، 13).
ع34-38: مجد الرب يملأ الخيمة
وصلنا الآن إلى نهاية دراسة خيمة الاجتماع التي تُعطينا صورًا مختلفة وأوجهًا متعدِّدة لعمل الربّ يسوع ونتائجه. أوّل هذه النتائج هو أنَّ الله أتى في مجده ليسكن وسط شعبه (ع34، 35). هكذا أيضًا في بداية الكنيسة على الأرض، يوم الخمسين (أع2)، فعلى أساس كمال عمل ربنا يسوع المسيح وصعوده إلى السماء، نزل الروح القدس بقوة على المؤمنين الذين كانوا مجتمعين في مكان واحد. ومن هذا الوقت الله يسكن في «بيته» الكنيسة التي هي بحسب أفسس 2: 22 «مسكن الله بالروح». ورغم الخراب الذي دخل في الكنيسة، فالروح القدس لا يزال هنا، وهو القائد الإلهي الذي يقود ويهدي شعب الله، تمامًا كالسحابة التي كانت على خيمة الاجتماع تقود شعب الله في رحلته في البرية.

(هذا الموضوع منقووووووووووول)



Hsthv l,sn 2 _ stv hgov,[ (l,q,u lj;hlg) lj;hlg l,sd l,q,u

   

 

لو الموضوع عجبك اضغط على كل ليك اللى تحت

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
جون وسيم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 03-26-2012, 10:08 AM   #2
اشرف الكومندا
ابدى فعال
 
تاريخ التسجيل: Mar 2012
المشاركات: 108
معدل تقييم المستوى: 3
اشرف الكومندا عضو جديد
افتراضي رد: أسفار موسى 2 _ سفر الخروج (موضوع متكامل)

مشاركة
موضوع رائع جدا ربنا يعوض تعب محبتك
اشرف الكومندا غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

العلامات المرجعية

الكلمات الدلالية (Tags)
2, متكامل, أسفار, موسي, موضوع, الخروج, سفر


يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه للموضوع: أسفار موسى 2 _ سفر الخروج (موضوع متكامل)
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
أسفار موسى الخمس 1 - سفر التكوين ( موضوع متكامل ) جون وسيم العهد القديم 1 03-26-2012 10:08 AM
تفسير سفر الخروج مسموع minafaw العهد القديم 0 05-12-2011 01:13 AM
معانى كلمات سفر الخروج sallymessiha العهد القديم 0 11-05-2010 05:17 AM
تفسير سفر الخروج روما العسولة العهد القديم 2 12-30-2009 05:40 AM
*** موضوع متكامل عن القديس الأنبا موسي الأسود .... *** remooo سير قديسين 0 12-04-2009 11:46 PM

منتديات الحياة الابدية

↑ Grab this Headline Animator


جميع الأوقات بتوقيت GMT +2. الساعة الآن 02:05 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.8 Beta 2
Copyright ©2000 - 2014, vBulletin Solutions, Inc.
جميع الحقوق محفوظة لمنتديات الحياة الابدية
|