منتديات الحياة الابدية

مجلة الحياة الابدية - شات الحياة الابدية - الكتاب المقدس مسمـوع - قناة الطريق - altarektv - قناة الحقيقة - The Truth Tv

الكتاب المقدس الالكتروني - افلام دينية مسيحية - قناة سى تى فى - ctv - تفسير الكتاب المقدس - مكتبة الترانيم والبومات المرنمين - مكتبة العظات الدينية

مركز رفع الصور - صفحات الفيس بوك المسيحية - الاعلان على منتديات الحياة الابدية - ترانيم سماع وتحميل مباشر - السنكسار اليومي

Follow us Youtube Rss Twitter Facebook


العودة   منتديات الحياة الابدية > روحانيات الحياة الابدية > الكتاب المقدس > تفسير الكتاب المقدس > العهد القديم

الملاحظات

العهد القديم الكتاب المقدس,تفسير العهد القديم,العهد الجديد,كتاب العهد القديم,الانجيل,الانجيل العهد القديم,تحميل العهد القديم,تفسير الكتاب المقدس, اسفار العهد القديم,التوراة العهد القديم


أسفار موسى الخمس 1 - سفر التكوين ( موضوع متكامل )

سفر التكوين مقدمة الكاتب: هو موسى. ومع أنه ليس لدينا نصًا صريحًا على ذلك، لكنه أمر مسلم به منذ القديم، أن موسى هو صاحب الأسفار الخمسة المعروفة باسمه. طابع السفر:

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 11-25-2011, 06:55 PM   #1
جون وسيم
خادم للجميع
 
الصورة الرمزية جون وسيم
 
تاريخ التسجيل: Nov 2011
الدولة: مع المسيح
العمر: 35
المشاركات: 8,049
معدل تقييم المستوى: 12
جون وسيم عضو جديد
افتراضي أسفار موسى الخمس 1 - سفر التكوين ( موضوع متكامل )

مشاركة

سفر التكوين
مقدمة
الكاتب: هو موسى. ومع أنه ليس لدينا نصًا صريحًا على ذلك، لكنه أمر مسلم به منذ القديم، أن موسى هو صاحب الأسفار الخمسة المعروفة باسمه.
طابع السفر: سفر التكوين هو سفر البدايات. والسفر يسمى في الأصل العبري: ”في البدء“، من الكلمة الأولى التي وردت فيه، وهو ما يعطي السفر طابعه، ولكنه سُمي في الترجمة السبعينية ”سفر التكوين“، أو سفر الأنساب، نظرًا لكثرة ورود الأنساب فيه.
ويمكن اعتبار هذا السفر هو ”مستودع بذار الكتاب المقدس“. فكل الأفكار التي نبتت وأينعت فيما بعد في باقي أسفار الكتاب المقدس، نجد بذرتها في هذا السفر.
ويميز هذا السفر توضيح سلطان الله في الاختيار. فالله هنا هو الله الجالس على العرش.
تواريخ السفر: حيث أن كاتبه هو موسى، فإنه كُتب حوالي عام 1440 ق. م. ويغطي السفر فترة زمنية حوالي 2360 عام. من بداية الخليقة ولغاية موت يوسف.
موضوع السفر:
هذا السفر يحدثنا عن بداية كل شيء، إلا الله، الذي ليس له بداية. فيحدثنا عن بداية السماء والأرض 1: 1؛ وبداية الإنسان (1: 27)؛ وبداية السبت (2: 2، 3)؛ وبداية الزواج (2: 22-24)؛ وبداية الخطية (3: 1-7)؛ وبداية الذبيحة (3: 15، 21)، وبداية العائلة (4: 1-15)؛ وبداية المدنية (4: 16-21)؛ وبداية الحكومات (9: 1-6)؛ وبداية الأمم (10، 11)؛ وبداية الأمة المختارة (12: 1-3)
تقسيم السفر:
يمكن تقسيم السفر إلى جزئين رئيسيين: من ص1 إلى 11 قسم البدايات، وهو يتحدث عن أربعة أحداث هامة، وهي خلق الإنسان، وسقوط آدم، وطوفان الماء، وبلبلة الألسنة. ثم من أصحاح 12- 50 قسم البطاركة، حيث يتحدث عن أربعة من الآباء هم إبراهيم وإسحاق ويعقوب ويوسف.
التقسيم السابق هو التقسيم الموضوعي، ولو أن هناك تقسيمًا آخر يرتبط بتكرار كلمة ”هذه مواليد[1]“، حيث تكررت في هذا السفر 11 مرة، تقسم السفر إلى 12 قسمًا. وهذه المرات الأحد عشر هي: 2: 4؛ 5: 1؛ 6: 9؛ 10: 1؛ 11: 10؛ 11: 27؛ 25: 12؛ 25: 19؛ 36: 1؛ 36: 9؛ 37: 2.
ونلاحظ أن نحو خُمس السفر يغطي الحقبة الأكبر، حوالي 2000 عام، بينما أربعة أخماس السفر يغطي فترة نحو 300 سنة، حيث يركِّز الوحي النظر على تلك الأمة المختارة، والتي منها كان سيأتي المسيح حسب الجسد، الذي هو مشتهى كل الأمم، وموضوع انتظار كل الأجيال.
كلمات مفتاحية
مواليد 19 مرة حيث أن قصد السفر الأساسي التمهيد لمقدم نسل المرأة.


الأصحاح الأول
أيام تجديد الخلق الستة
توضح أول آية في الكتاب المقدس أنه قبل أي شيء من كل الأشياء التي نراها، كان الله موجودًا. فالله ليس له بدء. وهو في البدء خلق السماوات والأرض. واسم الجلالة في العدد الأول هو ”إلوهيم“، من مصدر كلمة تعني القوة. فالخليقة تعلن لنا قدرة الله السرمدية ولاهوتة. وهو اسم جمع، رغم أن الفعل برى بالعبري والذي يترجم خلق هو بالمفرد. وتعتبر هذه أول إشارة إلى الوحدانية والثالوث في الكتاب المقدس، ولو أنه في الأصحاح نفسه توجد إشارة أوضح إلى الثالوث في العدد 26 عندما قال الله: «نعمل الإنسان على صورتنا كشبهنا» (بالجمع).
وتوضح لنا أجزاء أخرى من الوحي مثل يوحنا 1: 3؛ عبرانيين 1: 2 أن أقنوم الابن هو الذي كان عاملاً في الخليقة.
وهذا الأصحاح يوضح أن السماوات والأرض تكونت أوَّلاً، (ربما من ملايين أو بلايين السنين). والآية الأولى من هذا الأصحاح تنفي أزلية الكون، فهو له بداية. كما تنفي أيضًا ألوهية الكون، فهو ليس جزءًا من اللاهوت، بل إن الله خلقه.
والإنسان عندما يريد أن يعمل شيئًا، يحتاج إلى مواد أولية ليبدأ العمل بها، لكن مع الله كان كافيًا أن يقول فقط، فيتكوَّن كل شيء من لا شيء (انظر مزمور 33: 6، 9؛ عبرانيين 11: 3).
ثم بدأت أيام تجديد الخليقة الستة، فظهر النور في اليوم الأوَّل؛ ثم البحر والسحاب في اليوم الثاني؛ ثم السهول والجبال والأشجار والنباتات مع الأزهار والثمار في اليوم الثالث؛ ثم الشمس والقمر والنجوم في اليوم الرابع؛ ثم الأسماك والطيور في اليوم الخامس. ألا تُدهشنا كل هذه الأعمال؟ الربّ يسوع مخلِّصنا هو أيضًا الذي كوَّن الجسم العجيب للحشرة الصغيرة، وهو الذي اختار لون الزهرة الجميل ورائحتها المنعشة. كيف يبقى كثيرون في عدم إيمان في مواجهة خليقة الله المُدهشة هذه، بينما كل واحدة من تفصيلاتها تكلِّمنا عن «قدرته السرمدية ولاهوته» (رو 1: 20)، فهي مثل كتاب ضخم مفتوح، يستطيع الإنسان الجاهل أن يقرأه، كما يستطيع ذلك الشخص المتعلِّم أيضًا.
يميز الوحي بين السماوات والأرض، وبين جندها (تك2: 1). ولذا فإنه يمكن القول إن الأيام الثلاثة الأولى مشغولة بتجديد السماء والأرض، بينما الأيام الثلاثة التالية مشغولة بجندها أو المخلوقات التي ملأتها كالآتي
اليوم الأول: النور اليوم الرابع: الشمس والقمر والنجوم
اليوم الثاني: فاصلاً بين مياه ومياه اليوم الخامس: الحيوانات البحرية والطيور
اليوم الثالث: تظهر اليابسة والعشب اليوم السادس: الحيوانات البرية والإنسان
دعنا أن ننظر في ما عُمِل في اليوم الأول وفي اليوم السادس. فقبل أي شيء آخر كان يجب أنَّ النوريُضيء المشهد، حيث كان الله مزمعًا أن يعمل، لأنَّ «الله نور» (1يو 1: 5). ولقد فَصَل الله بين النور والظلمة. بعد ذلك كنور العالم، أتى الابن ليعمل في عالم خيَّم عليه ظلام الخطيَّة. ثم آخر ما عمله الله هو الإنسان، وذلك لأن الإنسان هو أهم ما في خليقة الله.
ربَّما سمعت عن نظرية التطوُّر التي تدَّعي أنَّه على مدى ملايين السنين، تطوَّرت الحياة من الجرثومة إلى الحيوانات الأكثر تعقيدًا، وفي النهاية إلى الإنسان نفسه. ولا شك أن هذا التصوُّر لأصل الإنسان خطأ كامل. على كل حال، فإن هذا موضوع الخلق يعجز العلم أن يفسِّره، ولا يقدر أن يفهمه. لكن «كلمة الله» هي التي تُعلِّم، و«الإيمان» هو الذي يفهِّم (عب 11: 3). ويمكننا أن نقول بكل ثقة إن لنا في الأصحاح الأول من الكتاب المقدس كل ما نحتاج أن نعرفه ونؤمن به، بخصوص هذا الموضوع الكبير، موضوع الخليقة.
وعندما خلق الله الإنسان، فقد عمله على صورته ـ أي أعطاه أن يمثله في هذه الخليقة باعتباره رأسها. ثم كالفنَّان عندما يتأمَّل ما عمله، رأى الله أنَّ كل ما عمله ليس حسنًا فقط، كما في الأيام الخمسة الأولى، لكنه «حسنٌ جدًّا»
أيام تجديد الخليقة الستة، هل هي أيام حرفية، أم حقب جيولوجية؟
إننا نقف مع عدد كبير من المفسرين واللاهوتيين الذين يقولون إنها أيام حرفية من 24 ساعة. ونحن الذين نؤمن بأن الله هو الخالق، نعلم أن الخلق كان بكلمة قدرة الله، ونوقن أن النطق بكلمة لا يحتاج إلى حقب وعصور، ويؤكد ذلك ما يلي:
1- عبارة كان مساء وكان صباح: فهو لم يقل فقط إنها أيام، حتى نعتبرها فترة طويلة، كما في بعض أجزاء الوحي (2كو6: 2)، بل يضيف قائلاً: «كان مساء وكان صباح يومًا واحدًا».
2- المشابهة الواردة في الشريعة: فقول الرب «ستة أيام تعمل وتصنع جميع أعمالك.. لأن في ستة أيام صنع الرب السماء...» (خر20: 9-11)، يدعم فكرة أنها أيام حرفية وليست حقبًا.
3- آدم عاش 930 سنة، مثل معدل الأعمار العادي قبل الطوفان. رغم أنه عاش كل اليوم السابع وجزء من اليوم السادس. فلو كانت تلك الأيام حقبًا، لكان آدم عاش آلافًا كثيرة من السنين.
الأصحاح الثاني
ع1-3: السبت
بعد أن أتمَّ الله كل عمله، بارك يوم السبت وقدسه، فصار يوم راحته يومًا مباركًا ومقدَّسًا.
ع4-14: خلق الإنسان
في الخليقة نعجب بقدرة الله الذي رتَّب ونظَّم بلايين من النجوم في هذا الاتِّساع غير المحدود للسماوات، ووضع حدودًا للبحر، وأمسك بزمام البرق والريح، والذي أيضًا كوَّن الإنسان من التراب.
ونُعجب أيضًا بحكمته التي رتبت الأزمنة والأوقات، وأنشأت توازنًا في كل قوى الطبيعة، وعملت قوانين للنباتات وغرائز للحيوانات (مزمور 104: 24).
لكننا نعجب أيضًا من أجل صلاحه. لقد صنع السماوات وأبرز اليابسة من وسط المياه وعمل أنوارًا عظيمة «لأن إلى الأبد رحمته» كما يُخبرنا مزمور136. وهذا اللطف يذكرنا بالأم التي تهتم بتجهيز كل ما يلزم لطفلها قبل ولادته. هذا ما عمله الله قبل أن يخلق الإنسان ويضعه في الجنة. لقد وضع الله الإنسان في جنة الملذات (معنى الكلمة العبرية ”عدن“). حيث لن يلزمه شيئًا ليعمله، سوى أن يتمتَّع براحة خالقه.
لكن فوق الكل متَّعه الخالق بنسمة حياة مِن فيه، ليكون في توافق وشركة معه، بها تميَّز الإنسان عن باقي الخلائق التي لا تتمتع بهذا الامتياز.
الشجرة والنهر (ع9، 10)
نقرأ عن الشجرة والنهر في أول الكتاب المقدس (في جنة عدن – تك2) وفي آخره (في فردوس الله – رؤ22: 1،2) وهما يشيران إلى المسيح (شجرة الحياة) والروح القدس (نهر الحياة).
ورؤوس النهر الرباعية تذكرنا بالأناجيل الأربعة التي تحدثنا عن نعمة الله المنسابة إلى كل الخليقة:
النهر الأول فيشون وهو المحيط بجميع أرض الحويلة حيث الذهب، يكلمنا عن المسيح الملك كما في إنجيل متى،
والثاني جيحون وهو المحيط بجميع أرض كوش؛ يشير إلى المسيح العبد كما يحدثنا عنه إنجيل مرقس،
والثالث حداقل وهو الجاري شرقي أشور ؛ النعمة المتجهة حتى للأعداء كما نرى في إنجيل لوقا.
والرابع هو الفرات أي الغزير صورة للمسيح الكلمة ابن الله، كما نجده في إنجيل يوحنا.

ع15-25: آدم وحواء
هكذا يقول الربّ «أنا صنعت الأرض وخلقت الإنسان عليها. يداي أنا نشرتا السماوات وكل جُندها. أنا أمرت» (إش45: 12). هكذا وُضع الإنسان في مركز الخليقة. ودعا آدم جميع الحيوانات بأسماء، مُظهرًا سلطانه عليها. الظروف التي وُضع فيها كانت أفضل ما يمكن. زوَّده الله بكل شيء، فلم يحتج إلى شيء. وصيَّة واحدة فقط أُعطيت له، ليمتحن الله بها طاعته له، وهي ألاّ يأكل من شجرة معرفة الخير والشر التي في وسط الجنَّة. وأخيرًا أراد الله أن يُعطي لآدم قمَّة علامات محبته له، فعمل حواء زوجته بالطريقة المُبيَّنة هنا لتكون مُعينَة له.
آدم رمز للمسيح:
بعض المشابهات:
· آدم نام ليحصل على حواء. والنوم هو أقرب صور الموت في عالم لم يكن قد دخله الموت بعد، وأما المسيح فقد مات لكي يحصل على الكنيسة.
· فتح الرب الإله جنب آدم، والأشرار فتحوا جنب المسيح (يو19: 34)، قبل أن تتكوَّن الكنيسة.
· أصبحت حواء عظمًا من عظام آدم ولحمًا من لحمه، وهكذا نحن الآن «أعضاء جسمه، من لحمه ومن عظامه» (أف 5: 30).
· أخذت المرأة ذات اسم الرجل، هو امرء، وهي امرأة. وهكذا نحن أخذنا اسم المسيح (أع11: 26؛ يع2: 7).
بعض المفارقات
· الرب الإله أوقع السبات على آدم، أما المسيح فقال مات بإرادته واختياره (يو10: 17).
· آدم لم يكن يعرف حواء قبل أن ينام ويحضرها الرب له، وأما المسيح فقد أحب الكنيسة وأسلم نفسه لأجلها (اف5: 25).
· الرب الإله هو الذي بنى الضلعةامرأة لآدم، وهو الذي أحضرها له، وأما المسيح فهو الذي يبني كنيستهوهو الذي سيحضرها لنفسه (مت 16: 18؛ أف 5: 27).

الأصحاح الثالث
ع1-10: التجربة والسقوط
يبدو أن أيام الجنة كانت قليلة، وسرعان ما دخلت الحيَّة، أو بعبارة أخرى الشيطان (رؤ 20: 2) إلى الجنَّة. وحواء - بدلاً من أن تُغلق أذنيها وتهرب من المُجَرِّب، أصغت إليه. لنحترس ونحفظ أنفسنا من الإصغاء للعدو. خراف الراعي الصالح لا تعرف صوت الغرباء (يو 10: 5). وإذ وجدت الحيَّة في المرأة أُذنًا صاغية، دلفت إلى الداخل بين قلبها والله، وهَمَستْ كأنَّها تقول: الله لا يحبكما إذا كان قد منع عنكما شيئًا. وبذلك زرع الشيطان الكبرياء والطمع في ذلك القلب البشري المسكين، واعدًا إياه بالقول: «تكونان كالله».
بالمُباينة مع هذا، نرى في فيلبي 2: 6 المسيح يسوع «الذي لم يَحسِب خلسة أن يكون مُعادلاً لله، لكنَّه أخلى نفسه». وتجربة الربّ في البريَّة، تُرينا إياه رافضًا اقتراحات العدو نفسه، مُنتصرًا عليه عن طريق المكتوب.
«ثمَّ الشهوة إذا حبلت تلد خطية» (يع 1: 15). ولقد خُدِع الإنسان، فإن معرفته لكل من الخير والشر لم تعطيانه أية قوة ليعمل الخير أو ليتجنب الشر. كل ما في الأمر أن الضمير أشعره بعريه وعاره، فخجل من حاله بحسب الطبيعة. وأوراق التين التي خاطاها كل من آدم وحواء لأنفسهما، إنما تمثل محاولات الإنسان اليائسة لعلاج وتغطية بؤسهما الأدبي، لكن بلا طائل. قد نستطيع أن نخدع بعضنا بعضًا بالمظاهر الحسنة، لكن هذه لا قيمة حقيقة لها أمام الله، فلم تكن أوراق التين، ولا أشجار الجنَّة، ولا أي اعتذارات تنفع. فالله يعلم كل شيء «كل شيء عريان ومكشوف لعيني ذلك الذي معه أمرنا» (عب 4: 13).
إذا كان الشيطان هزم الإنسان في جنة عدن، وأسقطه في الخطية، فلقد جاء المسيح، الإنسان الثاني، الذي أمكنه أن يهزم الشيطان في كل من البرية وبستان جثسيمان، عندما أطاع المسيح الله حتى الموت.
ع11-19: الحساب والعقاب
آدم وضع اللوم على حواء، وحواء على الحيَّة، فأضافا الجُبن إلى الخطيَّة التي ارتكباها. لكن لم يخدع هذا الله الذي أعطى حُكمه مباشرة، ونحن لا نزال نحمله اليوم، وهو الموت. وفوق ذلك حكم على الرجل بالتعب والمشقَّة، وعلى المرأة بالألم والوجع، وطُردا من الجنَّة التي حُرست بالكروبيم.
وبالنسبة للحيَّة ـ أي الشيطان، ارتبط حُكم الله بالصليب، حيث نسل المرأة ـ الربّ يسوع ـ كان سيسحق رأس الحية، أي ينتصر على الشيطان، وكان هذا هو الجواب العجيب على دخول الخطيَّة إلى العالم. لم يكن ذلك مفاجأة لله، لكن حالما وُجد الشر، أعلن الله العلاج الذي سبق فأعدَّه. لكنَّنا نعلم الكُلفة التي تكلَّفها الربّ يسوع في هذا العلاج. «وأنتِِِ تسحقين عقبه» وبعبارة أخرى: لكي يسحق المسيح رأس الحيَّة، كان عليه أن يجتاز الآلام والموت التي اعترضت طريقه على الأرض.
ع20-24: نعمة الله وحكومته
«أجرة الخطيَّة هي موت» (رو 6: 23). وكان على الإنسان أن يبدأ رحلة المعاناة في هذا العالم الذي لُعِن بالخطية. ومع أن الرب نطق بالحكم، لكن الإيمان بالفادي ظهر في آدم الذي دعا اسم زوجته ”حواء“، أي أم كل حي. والله تجاوب مع هذا الإيمان، إذ صنع لآدم وامرأته أقمصة من جلد، عوض مآزر أوراق التين التي لا تستر. وواضح أن أقمصة الجلد هذه عُملت من ذبيحة قدمها الرب الإله بنفسه في الجنة، ولكنه في ملء الزمان قدم نفسه فوق صليب الجلجثة لعلاج الخطية.
والجميل أن الله لم يطرد الإنسان إلى خارج الجنة، إلا بعد أن أعلن له تلك الملامح المبدئية عن خلاصه بالنعمة، الأمر الذي تم في وقته في صليب الجلجثة.
في هذا الأصحاح نرى النهاية السريعة لتدبير الضمير، مؤكدًا أن أفضل الظروف لا تمنع من السقوط في الخطية.

الأصحاح الرابع
ع1-16: قايين وهابيل
من بداية التاريخ البشري ظهر طريقان للاقتراب إلى الله ممثل هنا بتقدمة كل من قايين وهابيل. قايين يمثل أولئك الأبرار في أعين أنفسهم. ولذلك فإنه رفض أن يفهم مبدأ الذبيحة، وبجسارة قدَّم من ثمر تعبه ـ ثمرًا من أرض ملعونة. بينما هابيل يمثل أول خط الإيمان (ارجع إلى عبرانيين 11: 4)، ولقد قدَّم بتواضع وبفهم، ذبيحة ترمز إلى ذبيحة الربّ يسوع.
ربَّما بدا الله قاسيًا على قايين الذي تعب أكثر من هابيل، لكن الله يقبل فقط ما يكلِّمه عن ابنه الحبيب.
ونحن في تكوين 3 نقرأ عن خطية الإنسان ضد الله، وفي تكوين 4 نقرأ عن خطية الإنسان ضد أخيه الإنسان. نتيجة للحسد، صار قايين قاتلاً لأخيه. «ولماذا قتله؟ لأن أعماله كانت شريرة وأعمال أخيه بارة» (1يو 3: 12). وعندما جاء الربّ يسوع أخيرًا إلى الأرض، قتله اليهود حسدًا من أجل كماله، الذي أظهر شر أعمالهم. وما حدث لقايين من عقاب بالتيهان في الأرض، صار أيضًا من نصيب اليهود الذين قتلوا ربنا يسوع.
ع17-24: عالم قايين
بدل من أن يندم قايين على جريمته، أراد أن يسري عن نفسه، فبنى مدينة، وهناك وجد كل فرد لنفسه حِرفة اكتفى بها. ونسوا هابيل. لكن الله لم ينسَ، ولو أنه سمح أن تمرّ عدَّة أجيال ليتضح إذا كان يوجد ندم أم لا. على العكس لم يُرَ سوى عُنف وقسوة قايين، وأضيف إليها روح التحدِّي التي وُجدت في لامك، فكان لا بد أن يأتي عليهم جميعًا الطوفان.
إنَّه الشيء ذاته اليوم مع العالم الذي صلب الربّ يسوع. كل شيء يسير كما لو أنَّ الصليب لم يكن، والناس قد رتَّبوا أنفسهم للعيشة المُريحة على الأرض. كل شيء موجود: التجارة والفن والموسيقى والعلم، وحتَّى الديانة، وكأنَّ لا شيء ينقص. لكن بالأسف «الربّ يسوع» ليس موجودًا، «وما أحد ذكر ذلك الرجل المسكين» (جا 9: 15).
مدرسة الإنسان ومدرسة المسيح:
لامك المفتري، مدير مدرسة الانتقام، كان ينتقم لنفسه لا سبعة أضعاف، بل سبعة وسبعين. بينما مدرسة المسيح الوديع والمتواضع القلب، فهي الغفران، لا سبع مرات، بل سبعة في سبعين (مت 18: 21، 22).
ع25-26: شيث عِوَض هابيل
بعد هذا الوصف المُحزن لأسرة قايين، يُرينا الله في شيث ونسله، صورة ”للإيمان. بدأ الناس يدعون باسم الربّ. وكأن الله يريد أن يقول إن هذا الذي مات، قد قُطع من أرض الأحياء، ووُجد نسل عوضًا عنه في عائلة شيث. ونحن لا نعلم من العالم القديم سوى هاتين العائلتين: عائلة قايين، وعائلة شيث. وهكذا اليوم لا يوجد في العالم سوى عائلتين: أولاد الله، وأولاد إبليس (1يو 3: 10).

الأصحاح الخامس
سلسلة أنساب شيث
رأينا في الأصحاح السابق سلسلة نسب قايين (4: 17-22)، وفي هذا الأصحاح نجد سلسلة نسب شيث. وهذا يذكرنا بقول الكتاب: «ليس الروحاني أولاً بل الحيواني، وبعد ذلك الروحاني» (1كو 15: 45). هنا نجد أول سلسلة نسب ستقود إلى المسيا، ”نسل المرأة“ المتنبأ عنه في الجنة. وفي هذه العائلة، لا ذكر لنشاط كثير مثل عائلة قايين. طبعًا كل واحد في عائلة الإيمان كان له عمله، لكن لا شيء يُذكر عنه. إن خطوات إنسان الله على الأرض لا تكاد تترك أي أثر، وهو لا يسهم كثيرًا في تقدم العالم، والتاريخ لا يقول عنه شيئًا ذا بال؛ فهو يولد، ويعيش، ويصير له أولاد، ويموت. نعم، الموت نتيجة الخطيَّة. والخُلاصة القصيرة للحياة الطويلة لكل من هؤلاء الآباء، تنتهي حتمًا بهذه الكلمة ومات. الشيطان الكذَّاب كان قد قال: «لن تموتا» (3: 4) لكن الله قال: «وإلى التراب تعود» (3: 19). وهذا الأصحاح يُعطي تأكيدًا خطيرًا لهذا. وبنعمة الله نعرف أنَّ الربّ يسوع نزل إلى تراب الموت(مز 22: 15)، ليعطي قيامة وحياة لكل الذين ماتوا في الإيمان.
ولقد كان قصد الله من الأعمار الطويلة، أن يدعم الشهادة الشفوية التي تنتقل من السلف إلى الخلف، لتكون في أضيق الحدود. حتى أنه من آدم إلى موسى، وهي فترة تربو على 2500 سنة يمكن أن تغطيها خمسة أجيال فقط.
ومع ذلك يوجد في هذا الأصحاح استثناء غريب لناموس الموت العام، هو ”أخنوخ“. عاش أخنوخ 65 سنة، وسار مع الله 300 سنة، والله أخذه. ولم يُذكر أي تفصيل عن سيره مع الله، أو انتقاله، الذي كان بمثابة الخطوة الأخيرة لهذه الرحلة الممتعة مع الله.
هل تعرف ماذا يعني السير مع الله حتَّى ليوم واحد من سنة واحدة؟
بسير أخنوخ بالإيمان، وُضع في قائمة الشهود اللاَّمعين في عبرانيين 11: 5، ونظيرهم، رأى المستقبل المجيد ـ ما وراء الأشياء الحاضرة، ورأى الربّ آتيًا ليملك «مع ربوات قدِّيسيه» (يهوذا 14). هذه الرؤية حفظته منفصلاً عن أولئك الذين كانوا على وشك أن تقع عليهم الدينونة. فما أبعد الفارق بين أخنوخ السابع من آدم عن طريق شيث، ولامك السابع من آدم عن طريق قايين، الذي تميز بالشهوانية والافتراء (4: 19-24)! ونظير أخنوخ، فإنَّ كل المؤمنين الأحياء على الأرض، سيُختطفون دون أن يروا الموت، لأنَّ الربّ يسوع آتٍ سريعًا لأجل قدِّيسيه. هل ستخطف لمُلاقاته؟ وهل أنت مُنتظر مجيئه؟
كما ختمت سلسلة قايين بلامك وبنيه الثلاثة، تختم سلسلة شيث بنوح وبنيه الثلاثة. وكم هو جميل أن يختم هذا الفصل بذكر نوح الذي معنى اسمه تعزية وراحة. وجميل أن نرى الله لا يُنزل دينونته على العالم، بدون أن يُعطي أولاً مواعيده بالتعزية والراحة.

الأصحاح السادس
ع1-12: القضاء والنعمة
كثر الناس على الأرض، وفي الوقت نفسه كثر الشر. وكانت صفتا الشر: الفساد والظلم (ع11)، وهما نتيجة قلب شرير. هل الإنسان اليوم أفضل؟ يكفي أن تفتح أيَّة جريدة لتجد أنَّ الإنسان لم يتغيَّر. وكلمة الله تعلن إن الناس الأشرار سيتقدمون إلى أردأ (2تي 3: 13). لذلك فكم من قادة عسكريين ضبطوا متلبسين بالنجاسة، وقادة سياسيين بالفساد، وأبطال رياضيين بالقسوة والإجرام. والله لا ينظر إلى إنجازات الإنسان، بل إلى قلبه (1صم 16: 7). وتقرير الله عن القلب هو تقرير مفزع (ع5)، ليس فقط قبل الطوفان، بل على مدى التاريخ البشري كله (إر 17: 9؛ مر 7: 21-23)
بنو الله من هم؟
يرى البعض أن بني الله هم نسل شيث، النسل التقوي الذي ظهر في ص5، بينما بنات الناس هن نسل قايين الشرير الذي ظهر في ص4، وأنه نتيجة هذا الخلط، نتج نسلا شريرًا وأراد الله محو الجنس البشري. بينما البعض الآخر – ومن بينهم كاتب هذه السطور – يعتقدون أن بني الله هم الملائكة الذين لم يحفظوا رياستهم (أو حالتهم الأولى)، بل تركوا مسكنهم (أي هجروا السماء نهائيًا) ومن هذا التزاوج الغريب نتج نسلاً غريبًا، هم العمالقة والطغاة، وأراد الله إبادة كل حياة من على الأرض، نتيجة هذه العزوة السماوية للملائكة في عالم البشر.
«فحزن الربّ أنَّه عمل الإنسان.. وتأسف في قلبه». ربَّما هذه الكلمات تُحيِّرك لأنَّها قد لا تتَّفق مع كون الله لا يُخطئ، لكن رداءة الإنسان تضطرّه لتغيير التدبير، كالوالدين اللذين، بسبب عصيان الابن، يتوقفان عن معاملته بالطريقة التي كانت له قبلاً. لذلك قرَّر الله أن يمحو الإنسان عن وجه الأرض ما عدا نوح، الرجل الوحيد في جيله الذي سار مع الله. ويمكن القول إن نوحًا، بخلاف إيليا، كان يمكنه أن يقول بحق: «وبقيت أنا وحدي» (1مل 19: 10)، فلم يكن في زمانه سبعة آلاف من الأتقياء المختبئين!
ولقد سبق أن ذكر الوحي أيضًا عن أخنوخ أنه سار مع الله. وهذان الشخصان فقط (أخنوخ ونوح) في كل العهد القديم، اللذان قيل عنهما هذا. ونلاحظ أن الأول تنبأ (يه14)، والآخر كرز (1بط 3: 19؛ 2بط 2: 5). الأول توعد الأشرار، والثاني كرز لهم. الأول قال ما قال ليشجع المؤمنين، والثاني ليحذر البعيدين.
ومع أنَّ نوحًا كان رجلاً بارًا وكاملاً بالمقارنة مع الناس في وقته (ع9)، لكن لم يكن يقدر أن يخلص من الدينونة باستحقاقه، بل بالنعمة وحدها (ع8). وهنا نجد أول ذكر لهذه الكلمة الشجية، والتي سنتقابل معها كثيرًا على صفحات الوحي، ولولاها لما خلص أحد على الإطلاق (أف2: 8).
ع13-22: فلك الخلاص
أتى الوقت الذي فيه يُعلن الله أفكاره لنوح، ويُعطيه تعليماته. من السهل أن تكون مفهومًا لشخص سائر معك. ولقد استجاب نوح بالإيمان لهذه التعليمات المُعطاة له من الله. «بالإيمان نوح لما أُوحيَ إليه عن أمور لم تُرَ بعد، خاف فبنى فُلكًا لخلاص بيته» (عب 11: 7). لم يكن لديه سوى كلمة الله، تُريه قرب وقوع الدينونة. وكانت ”الكلمة“ كافية له. بنى نوح الفُلك، وبه «دان العالم» (عب11: 7). كل ضربة من مطرقته وهو يبني الفلك، كانت تُعلن أنَّ الدينونة تقترب. «وكانت أناة الله تنتظر» (1بط 3: 20)... إذ كان الفلك يُبنىشيئًا فشيئًا. لكن كم شخص استفاد من أناة الله؟ لا أحد. بل كان جواب الناس على تحذيرات كارز البر هو اللامبالاة والاستهزاء. يوجد الآن في هذه الأيام مُستهزئون، لا يؤمنون بمجيء الربّ الثاني، ولا بالدينونة الآتية (انظر 2بط 2: 5؛ 3: 3- 5). إنهم يجهلون بإرادتهم ما يقوله الربّ عن الطوفان، ويعتبرون هذا الحادث أسطورة.

الأصحاح السابع
الطوفان، وهلاك كل ذي جسد
ختم الفصل السابق بأن نوحًا أطاع، ليس فقط بأن بنى الفلك، بل بأن بناه حسب كل ما أمره به الله (6: 22). وهنا نجده يطيع في الدخول إلى الفُلك في اللحظة التي أعطى فيها الله الأمر (ع5). إنَّه في طاعة الله يكمن سرّ أماننا. ونوح رجل الإيمان، اختبر ما سجله داود في المزمور «عند غمارة المياه الكثيرة، إياه لا تصيب» (مز 32: 6).
وعدد16 يذكِّرنا بباب آخر هو باب النعمة، وهو ما زال إلى اليوم مفتوحًا. لكن ترى إلى كم من الزمن سيظل مفتوحًا؟ نقرأ في متَّى 25: 10 «وأُغلق الباب». أخي العزيز، عندما يغلق الباب، على أي من جانبيه سوف تكون؟ هل في الداخل مع العريس السماوي، أم في الخارج ضمن الذين سيقرعون، فيأتيهم جواب الربّ عليهم «لا أعرفكم من أين أنتم؟» (لو 13: 27). ودعنا نلاحظ أن الربّ نفسه هو الذي أغلق الباب على نوح ومَنْ معه. والرب يغلق ولا أحد يفتح (رؤ 3: 7). وهذا يعني الأمان لنوح ولكل من معه في داخل الفلك، كما يعني الهلاك وضياع الرجاء لكل من هم خارج الفلك.
من الجانب النبوي يمثل نوح البقية التقية من الشعب الأرضي، الذين بعد اختطاف الكنيسة (الممثلة في أخنوخ)، سيعبرون بأمان خلال الضيقة العظيمة الآتية على العالم كله لتجرب الساكنين على الأرض، تمهيدًا لتأسيس عالم جديد تحت ملك المسيا.
أخيرًا أتى صبر الله إلى نهايته، وأمواج الدينونة المرعبة نزلت على الأرض. لم يكن يُنبئ عن الدينونة سوى الفُلك الذي بُنيَ. كل شيء كان يسير إلى الأحسن. كان العالم مستمرًّا في مجراه الطبيعي السعيد، فكانوا يأكلون ويشربون، يزوّجون ويتزوَّجون، ولم يعلموا حتَّى جاء الطوفان وأخذ الجميع (مت 24: 37- 39). يا له من مصير مرعب لأولئك الذين أعطوا آذانًا صماء لإنذارات النعمة! الكارز الحقيقي بالخلاص العظيم هو الروح القدس، وهو خلاص ابتدأ الرب بالتكلم به، «فكيف ننجو نحن إن أهملنا خلاصًا هذا مقداره؟» (عب 2: 3). والواقع إننا لن نأخذ مكاننا في فلك الخلاص، بل في المسيح شخصيًا الذي تحمل بالنيابة عنا كل تيارات الله ولججه التي طمت عليه وهو في الجلجثة (مز 42: 7).
وفي وسط هذا الطوفان الذي لم يحدث مثله، كان نوح وعائلته في أمان تام في حفظ الله نفسه. فكان يستحيل على الفلك أن يغرق، وهكذا يستحيل على كل من هو في المسيح أن يهلك.
لم يكن الطوفان فيضانًا محليًا، بل كان طوفانًا عالميًا:
1- لأن الله أمر بإدخل كل الحيوانات إلى الفلك. وكان بوسعه، لو كان هذا الطوفان محليًا فقط، أن يجعل ولو بعضهم يتجهون إلى حيث لا يوجد طوفان لحفظ نوعهم من الانقراض.
2- لأن كلمات الوحي تقول صراحة إن جميع الجبال الشامخة تغطت (7: 19).
3- الله وعد ألا يأتي بطوفان آخر (9: 11)، رغم حدوث طوفانات محلية عديدة.
4- أن بطرس اتخذ من هلاك العالم بطوفان الماء تصويرًا لما سيحدث في النهاية من هلاك العالم بالنار (2بط 3: 6).
الأصحاح الثامن
ع1-14 توقف المياه واستقرار الفلك
بدون بوصلة ولا أدوات ملاحية، فإن الفلك الذي كان الرب بنفسه ربانه، استقر على قمة جبالٍ أرارط. كان يبدو أنَّه في إمكان نوح أن يخرج من الفلك، لكنَّه انتظر. لقد كانت سمة العالم القديم هي العصيان (1بط 3: 20)، أما نوح ففعل كما أمرة الله. كان نوح قد دخل الفلك بأمر من الله، فلم يشأ أن يخرج منه إلاَّ بأمر الله، وانتظر ذلك بصبر.
والحمامة التي لم تجد مقرًّا لرجلها في أي مكان، ورجعت إلى الفلك، نرى فيها رمزًا للروح القدس ـ الذي لم يكن له مكان في عالم فاسد صدر حكم الله عليه. لكن عندما جاء الربّ يسوع، أمكن أخيرًا أن يستقر عليه الروح القدس بهيئة حمامة (مت 3: 16). والمؤمن اليوم، إذ له الروح القدس، لا يجد في هذا العالم غذاءً أو شيئًا يُشبع القلب. ولكن الإنسان الطبيعي يجد راحة فيه ـ مثل الغراب، الطائر النجس بحسب لاويين 11: 15، الذي يتغذَّى على الأشياء العفنة فيه.
ع15-22 خروج نوح من الفلك
أخيرًا خرج نوح من الفلك بأمر الله. وأول شيء عمله، هو أن بني مذبحًا، وقدَّم ذبيحة، لأنَّ الله له الحق الأوَّل على تلك الأرض المُطهَّرة من دناساتها. ولقد تمجد الله في القضاء (دينونة الطوفان)، ولكنه تنسم رائحة الرضا في المحرقة (ع21)، وعلى أساسها نسمع «لا أعود ألعن“، وأيضًا ”بارك الله“ (9: 1).
ليتنا نحن أيضًا نتمثل بنوح! أ لم نختبر في حياتنا خلاصًا، كبيرًا أو صغيرًا؟ دعنا لا ننسى أن نقدم الشكر لله عليه، ولا سيما على الخلاص العظيم الذي تمتعنا به (عب 2: 3).
أول مبنى في العالم الحاضر!
بينما قايين بمجرد أن خرج من محضر الرب بنى مدينة، فإن نوحًا بمجرد أن خرج من الفلك إلى الأرض المطهرة، فقد بنى مذبحًا. هذا هو أول مبنى في هذا العالم الحاضر، لكن بالأسف سرعان ما انحرف الإنسان عن بساطة الإيمان، وبنى برجًا (11: 4)! في المذبح نجد العبادة لله، وفي البرج - حيث بذرة العبادة الوثنية - نجد العبادة للشياطين!!
لأصحاح التاسع
ع1-7 بركة جديدة وتدبير جديد
قرَّر الله أنَّ قلب الإنسان شرير منذ حداثته (8: 21). آثار الخطيَّة في الأرض قد أُزيلت واكتسحتها مياه الطوفان، لكن منبع الشر كان لا يزال موجودًا في القلب البشري، الذي كل مياه الطوفان لم تقدر أن تطهِّره.
أمكن لله أن يبارك نوحًا وعائلته على أساس الذبيحة التي قُدمت، والتي تُشير إلى ذبيحة الربّ يسوع. كما أن الرب أعطاهم تدبيرًا جديدًا هو تدبير الحكومات على الأرض.
كيف تجاوب نسل نوح مع هذا الصلاح الإلهي؟ بنفس الطريقة مثل قايين في أصحاح4، بسفك الدم! سبق أن أنبأ الله بذلك، وعرف أن الظلم سيعود إلى الظهور، وسيوجد مجرمون وستُسفك دماء. نعم، ودم ابن الله نفسه كان سيُسفك، وهذا هو الدم الذي وحده يقدر أن يطهِّر من كل خطية (1يو 1: 7).
أُعطيت الأرض للإنسان الذي حكمها منذ ذلك الوقت بقسوة، وتحت نيره «كل الخليقة تئن وتتمخض معًا إلى الآن» (رو 8: 22).
ع8-17) العهد مع نوح وعلامته
وكعلامة لعهد الله مع نوح، أعطى الله قوس قزح. وأنت تراه عندما تمطر الدنيا، وهو علامة لرحمته ومُذكِّر لوعده أن لا يكون طوفان مرَّة أخرى (ع15). والمعنى الروحي لذلك بالنسبة لنا، أنه عندما تهب أعاصير الحياة، وتظلم السماء بالسحب السوداء، يمكننا أن نرفع عيوننا نحو السماء ونتذكر الله الصادق في مواعيده. إن وجود المسيح الآن عن يمين الله في الأعالي، لهو أعظم جدًا بالنسبة لنا من قوس القزح في السماء. وهو يؤكد لنا أنه قد عبرت عنا دينونة أكثر رُعبًا.
ع18-29: خطية نوح، ودخول اللعنة مجددًا
أول إشارة إلى الخمر
ترد هنا أول إشارة إلى الخمر في الكتاب المقدس، ولقد ارتبطت بالسكر والعري وفقد الوعي والكرامة.

نرى هنا حادثة مُحزنة، تُثبت لنا أنَّ أعجب الاختبارات لقدرة الله ومحبته، لا يجعل الإنسان أفضل (8: 21). ومع أن نوحًا أقيم من الله باعتباره أول حاكم على الأرض، ولكنه لم يستطع أن يحكم نفسه، فنقرأ أنه سَكر، ولم يعلم ماذا كان يفعل. وابنه حام كان صاحب العين المستهزئة بأبيها (أم 30: 17)، وجد استمتاعًا بمشاهدة خزي الخطية، كما يفعل العالم اليوم، فجلب اللعنة على ذريته. كثيرون يضحكون على السكارى، بدلاً من الشعور بالحزن لأجلهم. أمَّا سام ويافث، فقد أكرما أباهما، فنالا البركة من الرب (أف 6: 2، 3).
ترى هل نحن نستر كثرة من الخطايا، أما أننا نردد شرور الآخرين وفضائحهم (أم 10: 12؛ 17: 9)؟ تذكَّر أن يوسف لم يذكر في مسامع الآخرين ما فعله إخوته به.
سام وحام ويافث (ع18)
في العهد الجديد نرى كيف وصلت النعمة إلى نسل حام (أعمال8)؛ ونسل سام (أعمال9)؛ ونسل يافث (أعمال10).
الأصحاح العاشر
تفرق الشعوب
يرينا هذا الأصحاح تفرق شعوب العالم من بني نوح الثلاثة، سام وحام ويافث (ارجع إلى تثنية 32: 8). ويؤكد أن الشعوب تفرقت كل كلسانه (ع5، 20، 31)، مما يدل على أن هذا الفصل تاريخيًا يأتي بعد ص11، أصحاح بلبلة الألسنة.
إنَّه أقدم صفحة في تاريخ شعوب العالم، وفيه نقرأ عن بداية ممكلة بابل ومملكة أشور المعاديتان لله. وفي نمرود (ومعنى اسمه متمرد)، الأمر الذي تأكد من تصرفاته وأفعاله (ع8- 13)، نرى الإنسان الذي يغزو الأرض لنفسه، ويسبب الخوف والفزع، ليمكنه أن يملك عليها
ونحن في الأصحاحات 9، 10، 11 نرى الفشل الثلاثي بعد الطوفان؛ وبالأسف كانت بداية الفشل في رجل الله نوح في أصحاح9. أما في أصحاح 10 فنجد تطور الشر في نمرود الشرير، وأخيرًا قمة الشر نجدها في بابل في أصحاح11. نوح أساء استخدام البركات لضرره، ونمرود أساء استخدام الإمكانيات لضرر الغير. الأول سَكَر، والثاني أخذ يضرب العبيد رفقاءه (مت24: 49)، أما ثالثة الأثافي فنجدها في بابل الذي هو نظام مرتد معادي لله.
لقد سر الله أن يربط نفسه بـ ”سام“ (9: 26). وما أشد المباينة بين ”حام أبو كنعان“ (9: 22) و ”سام أبو كل بني عابر“؛ الأول جلب اللعنة على ذريته، والثاني جلب البركة على إلهه. في الأول نجد التاجر الفاجر، وفي الثاني نجد الغريب العابر.
(ع32) «هؤلاء قبائل بني نوح حسب مواليدهم بأممهم». نسل يافث (14 شخصًا)، ثم نسل حام (30شخصًا) وأخيرًا نسل سام (26 شخصًا). المجموع 70 شخصًا. وعندما نقارن ما ورد في تكوين46: 27 ونعرف أن بني إسرائيل الذين نزلوا إلى أرض مصر كانوا 70 شخصًا، فإن هذا يلقى ضوءًا على ما قاله الرب في تثنية32: 8 «حين قسم العلي للأمم (في تكوين 10)، حين فرق بني آدم (كما سنرى في تكوين 11)، نصب تخومًا لشعوب حسب عدد بني إسرائيل».

الأصحاح الحادي عشر
ع1-9 برج بابل وبلبلة الألسنة
تُذكَر بابل لأوَّل مرة في أصحاح 10: 10 كبداية مملكة نمرود. ثم من خلال الكلمة، نجدها صورة للعالم في شهوته وكبريائه، الذي يتظاهر بالاكتفاء الذاتي بدون الله.
بنى نوح فُلكًا في طريق الطاعة“، وبنى نسله بُرجًا ليتحدُّوا الله، الذي كان قد طلب مجددًا من نوح ونسله أن يملأوا الأرض (9: 1)، وأما هم فقد أرادوا بناء مدينة وبرج، لئلا يتبددوا على وجه كل الأرض! لكن الذين لم ينتشروا في الأرض تتميما لأمر الرب وبركته (9: 1)، تبددوا عليها قضاء من الرب عليهم.
ونحن في هذا نرى روح العالم اليوم، الذي يقول: ”الاتحاد قوة“. حتى في العالم الديني، يسير العالم بكل سرعة نحو الاتحاد، الذي سينتهي ببابل الزانية العظيمة، الوارد ذكرها في سفر الرؤيا 17، 18.
والقصد الحقيقي وراء هذا: ”نبني لأنفسنا اسمًا“. فالإنسان يسعي لتعظيم الذات. لكن في مواجهة هذا التحدِّي المُضحك، نستمع إلى كلمات الوحي عن تحدٍ آخر في مناسبة أخرى: «الجالس في السماوات يضحك. الربّ يستهزئ بهم» (مز 2: 4 قارن مع إشعياء 8: 9).
في مقابلة مع كل ما سبق نقرأ عن كنيسة الله في العهد الجديد. التي تأسسست على المسيح المقام من الأموات، وكوَّنها روح الله النازل من السماء (1تي 3: 15؛ مت 16: 18). عندما تكونت هذه الكنيسة يوم الخمسين، فإننا نقرأ أن الألسنة أعطيت لمن حصلوا على عطية الروح القدس، حتى يسمع جميع الأمم الذين فرقتهم خطية بابل، عظائم الله بلغتهم (أع2). ثم في رؤيا 5 نجد المفديين في السماء يحيطون بالخروف المذبوح، من كل قبيلة ولسان وشعب وأمة، وهم يرددون سبح الحمل الذي ذبح واشتراهم.
برج بابل، وبداية الوثنية
تقول الميثولوجيا القديمة أن نمرود مؤسس مملكة بابل، الذي كان جبار صيد (ضد) الرب (تك10: 8)، وزوجته الشريرة سميراميس، هما أول من أسس الديانة الوثنية، وممارسة السحر. وأن رغبتهم في بناء البرج كان لاستخدامه في الاتصال بالأرواح الشريرة. فليس سماء الطيور هي التي أرادوا الوصول إليها، ولا إلى سماء السماوات، بل كان قصدهم عبادة النجوم (قارن مع إشعياء 47: 12، 13). كأن تكوين 6 عالم الأرواح وصل إلى الأرض، وأراد أن يتدخل في حياة البشر؛ وفي تكوين 11 البشر هم الذين أرادوا الاتصال بعالم الأرواح وعبادة الشياطين. ويا لها من دلالة، أنه عندما كان الإنسان هو الضحية فإن الله تدخل فورًا. تدخل لكي يحفظ حياة الإنسان من التلوث، وقرر إبادة كل البشر، باستثناء نوح وعائلته. ولكن في تكوين 11 عندما اختار الإنسان بمحض إرادته أن يعبد الأرواح الشريرة (العبادة الوثنية)، فإن الرب صبر عليه، معطيًا إياه الفرصة. حيث إنه «ترك جميع الأمم يسلكون في طرقهم، مع أنه لم يترك نفسه بلا شاهد» (أع 14: 16، 17).
ع10-32: مواليد سام وتارح ودعوة أبرام
إن سر اهتمام الوحي بسلسلة سام، أنه هو الجد الأكبر لإبراهيم، والذي منه حسب الجسد كان سيأتي المسيح مخلص العالم (قارن لوقا 3: 36).
ملأ الشرّ الأرض مرَّة أخرى. ومن يشوع 24: 2 نتعلَّم أنَّ الناس أصبحوا عَبَدة أوثان. لم يتعلَّموا من الطوفان شيئًا. والله ترك الأمم يسلكون في طريقهم الذي اختاروه لأنفسهم، لكنه دعا إنسانًا، ”أبرام أن يخرج من أرضه ومن عشيرته، ويُحتمل أنَّه ترك حياة مُريحة في أور الكلدانيين، وذهب بدون أن يعلم إلى أين يريد الله أن يقوده. إذًا فإن كان هذا الأصحاح يفتتح برغبة أشخاص أن يبنوا مدينة عظيمة، فإنه يختم بإنسان ترك تلك المدينة وأعطاها ظهره. يفتتح بمسلك ”الساكنين على الأرض“، ويختم بتصرف العابرين الغرباء (فيلبي 3).
إبراهيم:
إبراهيم هو العاشر من نوح، كما كان نوح هو العاشر من آدم
في آدم نرى بداية الجنس البشري، وفي نوح نرى بداية الأمم، وفي إبراهيم نرى بداية الأمة
قيل إن اسم إبراهيم ورد في الوحي 308 مرة أي 44 × 7
الأصحاح الثاني عشر
ع1-8: طاعة أبرام وخروجه
«بالإيمان إبراهيم لما دُعيَ أطاع» (عب 11: 8). وكان أمر الرب له مصحوبًا بوعد بركة سباعي. وكان هذا كافيًا بالنسبة لأبرام. يا له من مثال! ونحن نعلم أن الطاعة شيء غريب على طبيعتنا، حتى عندما نعرف سببًا قويًا لهذه الطاعة، فكم بالحري كانت طاعة أبرام الذي لم يكن يفهم، والذي خرج دون أن يعلم إلى أين هو ذاهب. هذه هي طاعة الإيمان حقًا، أي أن تكون واثقًا تمامًا في الشخص الذي أعطاك الأمر.
إبراهيم في كل الكتاب يعطينا المثال للإيمان. والذي ميَِّز إيمانه هو التخلي عن الأشياء التي تُرى، من أجل غرض لا يُرى. وفي مباينة مع الذين اهتموا ببناء المدن الأرضية (قايين، ونمرود، وغيرهما). كان نظر أبرام مرفوعًا إلى المدينة الساوية، التي صانعها وباريها الله (عب 11: 10)، وهذا الانتظار مكَّنه من أن يعيش غريبًا ونزيلاً، ولذلك نراه دائمًا باعتباره رجل الخيمة والمذبح (ع8)، اللذين شهدا عن طابعه المزدوج باعتباره الغريب الساجد. غريب في العالم، وعابد للإله الحقيقي. وهو الطابع الذي يميِّز رجال الإيمان في كل مكان وزمان.
ع9-20: المجاعة وانحدار أبرام إلى مصر.
حدث جوع في الأرض، وبدون أن ينتظر أبرام التعليمات الإلهيَّة، نزل إلى مصر. لقد قال الرب له: «لنسلك أعطي هذه الأرض» (ع7). لو تمسك بالجزء الأخير من هذه العبارة لما ترك ”هذه الأرض“ إلى غيرها، ولو تمسك بالجزء الأول منها، لما خاف أن يقتله فرعون ويستحيي سارة.
انظر إلى أين قاده عدم الاتِّكال على الله: لقد أنكر زوجته، وبكذبه وضع نفسه في أخطر وأعقد وضع. فهو بقوله عن سارة إنها أخته، أصبح عاجزًا عن أن يفعل أو يقول أي شيء. ولكن الرب لم يتخل عنه. وتحقق أبرام مما نتحققه نحن جميعًا مرات كثيرة: «إن كنا غير أمناء، فهو يبقى أمينًا لن يقدر أن يُنكر نفسه» (2تي 2: 13).
ونحن من هذه الصفحة المُحزنة في تاريخه، نتعلَّم ما يمكن أن يفعله أعظم مؤمن تقي، عندما يترك المكان الذي وضعه الله فيه. قد يذهب إلى حد أن يُنكر علاقته بالربّ، كما حدث مع بطرس عندما جلس بين الخدم يستدفئ (مت 26: 69).
وهذا الوضع الخطأ الذي أخذه أبرام، هل كان يمكن أن ينتج منه بركة بالنسبة للمصريين؟ العكس هو الصحيح، فساراي في قصر فرعون تسببت في ضربات عظيمة على من في القصر. وانتهت بأن قال فرعون لأبرام: «هوذا امرأتك، خذها واذهب» (ع19). لكن بطريقة تختلف تمامًا عن الكلمة التي يفتتح بها هذا الأصحاح، والتي قالها الرب لأبرام ”اذهب“ (ع1).
وكما ضرب الرب فرعون هنا ليُجبره على أن يُطْلِِق زوجة أبرام، فإنه ضرب فرعون آخر وكل مملكته ليطلق نسل أبرام (خروج 7-14)!
الأصحاح الثالث عشر
ع1-4 رد نفس أبرام
رجع أبرام إلى كنعان، إلى النقطة ذاتها التي خرج منها، إلى مكان المذبح. بكلمات أخرى استرد أبرام شركته مع إلهه، التي ما كان بقادر أن يتمتع بها وهو في مصر (قارن مع رؤيا 2: 4، 5).
ع5-13 المخاصمة، والانفصال بين أبرام ولوط
الوقت الذي قضاه أبرام في مصر، كان وقتًا ضائعًا، والغنى الذي حصل عليه هناك، كان مصدر تعب له. كان هذا الغنى سببًا في اعتزاله عن لوط. لا يجوز أن تحدث مُخاصمة بين الإخوة في حضور سُكَّان الأرض (ع7)، فهذا يمثل إهانة شديدة لله، كما ويمثل ضررًا بالغًا للشهادة (1كو 6: 6؛ يو 13: 35).
ترك أبرام للوط اختيار المكان الذي يذهب إليه، وأظهر بعمله هذا روح الوداعة وإنكار الذات. لنتذكَّر هذا المثال عندما نجرَّب بأننا يجب أن ندافع عن حقوقنا. اختار لوط ما جذب قلبه العالمي لمسرَّة نفسه. فلقد ذكرته كل دائرة الأردن بأرض مصر (ع10)، بينما ترك أبرام لله أن يختار له (مز 47: 4). والله لا يخيِّب قط الذين يثقون فيه «عليك اتَّكل آباؤنا ... فلم يخزوا» (مز 22: 4، 5).
ع14-18: تأكيد الوعد لأبرام
بعد اعتزال لوط عن أبرام فإن الرب أكَّد امتلاك أبرام لأرض الموعد. وما أبعد الفارق بين لوط الذي ”رفع عينيه“ (ع10)، وأبرام الذي قال الله له: «ارفع عينيك وانظر» (ع14)، ثم «قُم امشِِ في الأرض، طولها وعرضها، لأني لك أعطيتها» (ع17). وكنعان لنا، هي رمز للسماء التي يجب أن نرفع عيوننا إليها، حيث يدعونا الله لأن نكتشفها بالإيمان. وبالمثل يدعونا الرسول بولس أن نفعل الشيء نفسه مع ميراثنا السماوي وبركاتنا الروحية «حتى تستطيعوا أن تدركوا... ما هو العرض والطول والعمق والعلو» (أف 3: 18).
الأصحاح الرابع عشر
سبي لوط وإنقاذ أبرام له
في مفارقة مع أبرام رجل الإيمان، فإن لوط يمثل المؤمن العالمي، الذي يسلك بالعيان. لفترة طويلة كان لوط يتبع عمه ويتصرف نظيره، مثل الكثيرين من الشباب الذين يتبعون مثال والديهم طالما كانوا معهم. ولكن ما أن وُضِع لوط في الامتحان اتضحت حقيقة حاله.
نقرأ في تكوين 13: 12 أن لوط نقل خيامه إلى سدوم. لكن هنا يقول إنَّه كان ساكنًا في سدوم (ع12). وفي أصحاح 19: 1 سنراه يؤدِّي وظيفة مَنْ يحكم حُكمًا. فما أن يختار المؤمن طريقًا زلقًا، فإنه لا يملك إيقاف الانحدار. ونتيجة أخذه هذا المركز الخطأ، وجد نفسه مشتركًا في معركة لا تخصّه. وعندما تحارَب الأربعة ملوك مع الخمسة، أُخذ لوط أسيرًا مع سكان سدوم. إذا كنَّا نختلط بإرادتنا مع أولئك الذين لا يخافون الله، فسنفقد حريتنا. وفوق ذلك، فإن شركة كهذه دائمًا تكون سبب عذاب للمؤمن، إذ كان لوط يعذب نفسه البارة يومًا فيومًا (2بط 2: 8)! واليوم العالم لا يهدأ، بل توجد حروب في كل مكان تقريبًا. لنحفظ أنفسنا من التحيُّز لجانب. ولنكن مثل أبرام غرباء، بل مثل مَنْ هو أعظم من إبراهيم ـ الربّ يسوع ـ الذي لمَّا كان هنا على الأرض، لم ينسَ مُطلقًا أنَّه من السماء.
من الجانب الآخر فإن أبرام وهو على الجبل لم تكن عنده مشاكل لوط. خيمته ومذبحه كانا كافيين له. لكن لمَّا سمع أن ابن أخيه أُخذ أسيرًا، لم يمنعه شيء عن الذهاب لمساعدته. كان ممكنًا أن يقول: أنا لا أريد أن أُدخل نفسي في ورطة (قارن أمثال 26: 17)، ولوط يستحق ما حدث له. أو أن يقول: ”أنا رجل مسالم، وأنا لست ندًا لتحالف ملوك انتصروا على خمسة ملوك دفعة واحدة“. لكن محبَّته لأخيه (ع14)، وإيمانه ومثابرته، جعلته يُحارب وينتصر، ويخلِّص الأسير!
ونلاحظ أنَّ أبرام لم يتوقَّف عند دان (ع15)، أي حدود الأرض، قائلاً: لقد فعلت كل ما أستطيع. لكنَّه تبعهم حتَّى شمال دمشق وانتصر عليهم، واسترجع كل الأملاك ولوطًا وكل ما له.
أخيرًا جاء عدو لأبرام أخطر من الأربعة الملوك، وقد هزمه إبراهيم، وهو ملك سدوم الذي ظنّ أنَّه بعطاياه يجعل إبراهيم مديونًا له. كان الله يُراقب ما يحدث، وليقوّي عبده، أرسل له مسبّقًا زائرًا هو ملكي صادق، الذي كان ملكًا وكاهنًا، كما توضِّح لنا رسالة العبرانيين 7: 1- 10؛ كما أنَّه كان رمزًا للربّ يسوع نفسه. وإذ تقوى أبرام وانتعش بهذه الزيارة، وتبارك ببركة الله العلي، أمكنه أن ينتصر على عروض ملك سدوم. لقد قال ملكي صادق إن الله هو مالك السماوات والأرض (ع19)، وأنه أسلم أعدء أبرام في يده (ع20)، وطالما أن أبرام يعرف مالك السماء والأرض، فإنه لن يأخذ شيئًا من ملك سدوم. ثم طالما أن الرب هو الذي دفع أعداءه ليده، فإن أبرام لا يستحق شيئًا.
إن القلب الشبعان بالمسيح هو الذي يستطيع أن يواجه كل عروض الشيطان بثبات. وكما رفض أبرام عطايا ملك سدوم، وعرف أن يقول لا، ليتنا نعرف أن نقول لا عندما يريد الشيطان أن يعطينا شيئًا. هذا ما فعله الربّ يسوع في البريَّة، عندما أتى الشيطان ليجرِّبه، وأراه كل ممالك العالم.

الأصحاح الخامس عشر
الله يعطي الوعد لأبرام ويثبته
في بداية هذا الفصل الجديد أعلن الرب لأبرام قائلاً: «أنا ترس لك، أجرك (الكثير) جدًا. كان أبرام يحتاج إلى هذه التأكيدات المباركة، وطالما أن الرب ترسه، فإنه لن يخشى بأس ”كدر لعومر“، وطالما أن الرب أجره الكثير جدًا، فإنه لن يندم على عطايا ”بارع“ التي سبق له أن رفضها (14: 2، 21).
«لا تخف»: ترد هذه الكلمة الهامة لأول مرة هنا في (ع1)، وترتبط بالإيمان، الذي يرد أيضًا لأول مرة في هذا الأصحاح (ع6). فالإيمان الحقيقي ينهي الخوف. وأما آخر مرة ترد فيها كلمة ”لا تخف“ فهي في رؤيا 2: 10 وترتبط هناك بالأمانة. فالخوف يجعلنا نجبن في الشهادة، ولكن الرب يحرضنا أن نكون أمناء إلى الموت.
الرب لم يخبر أبرام ماذا سيعطيه، بل أخبره من هو بالنسبة له. ليتنا نكتفي بالربّ يسوع! والذي امتلك العاطي، أفضل جدًا من الذي اكتفى بالعطية. فالذي له الربّ، له كل شيء (رو 8: 32).
عرف أبرام ذلك، وتمتَّع برضا الله، فأمكنه أن يحصل منه على أعظم أُمنية له: ابن وارث. وعده الربّ بذلك، وقد آمن إبراهيم، وصار بذلك أبًا لكل الذين يؤمنون (رو 4: 11). ويقول الرسول: «ولا بعدم إيمان ارتاب في وعد الله، بل تقوَّى بالإيمان مُعطيًا مجدًا لله، وتيقَّن أنَّ ما وعد به، هو قادر أن يفعله أيضًا» (رو 4: 20، 21).
العدد السادس من هذا الأصحاح يعلِّمنا أنَّه لكي نُحسَب أبرارًا، يكفي أن نؤمن بالله (أي نثق فيه، وليس فقط نؤمن بوجوده). ولأهمية هذا العدد، اقتُبس ثلاث مرات في العهد الجديد: (رو 4: 3؛ غلا 3: 6؛ يع 2: 23).
والعهد الذي قطعه الرب مع أبرام كان ينبغي أن يختم بالذبيحة (ع9، 10). إن موت المسيح هو الذي يجعل مواعيد الله قابلة للتنفيذ. والجوارح (ع11) تحاول أن تنال من الذبائح، صورة لمحاولات أجناد الشر الروحية في السماويات مهاجمة الحق الخاص بموت المسيح الكفاري. ولكن إيماننا يعمل مثل أبرام، يزجر تلك الجوارح.
ويختم الفصل (ع12-21) بما يوضح أن ”أبرام“ رجل الإيمان نال معرفة واسعة عن الوعد المعطى له من الله، وهذا دائمًا يحدث عندما يسمح الله أن يضع إيمان الواحد منا في الامتحان.

الأصحاح السادس عشر
هاجر، وولادة إسماعيل
من المؤسف بعد هذه البراهين الجميلة على إيمان أبرام، يُقابلنا فشل جديد في حياته. فلقد أراد بطريقة ما أن يساعد الله في إتمام وعده، فبدلاً من أن ينتظر بصبر حتَّى يُعطى الابن الموعود، سمع لساراي امرأته، وهاجر - الجارية التي يُحتمل أن يكون قد أحضرها من مصر عقب سقطته الأولى (ص12) – نراها على وشك أن تصبح أُمًّا لإسماعيل منه.
وكما وافق أبرام، في ضعف إيمانه، أن يشاركه أحد في سارة، لينجي حياته (ص12)؛ وافقت سارة هنا أن تشاركها أخرى في إبراهيم لتنجي سمعتها. ولقد نتج عن هذا صراع محزن في بيت الإيمان. ولما أذلتها سارة، هربت هاجر من وجه سيدتها.
لكن الرب الرحيم اعتنى بهاجر الجارية المسكينة، وتقابل معها وهي في طريقها. ونلاحظ قول ملاك الرب لهاجر: «ارجعي لمولاتك واخضعي تحت يديها» (ع9). نحن لا نحب أن نخضع، ومن العسير علينا أن نعترف بخطئنا، لكن هذا ما يطلبه منَّا الربّ، بمجرد أن يظهر ذاته لنا ونحن في طريق التيه والضياع.
ولقد دعت هاجر اسم الربّ الذي تكلَّم معها «أنت إيل رئي» (ع13) ـ أي أنت الله الذي تراني، أو الذي يُعلن نفسه. وملاك الرب (الذي يرد هنا في الوحي لأول مرة) هو بلا شك الربّ يسوع نفسه. يريد الله من وقت لآخر أن يُعلن نفسه لكل منَّا. فهل تمتعت أيها القارئ العزيز بهذا الإعلان الشخصي من رب المجد وهو يبحث عنك؟
وبالقرب من المخلص الحي سنجد حتمًا أنهار ماء حي، يحدثنا عنها ”بئر لحي رؤي“ (ع14 قارن مع يوحنا 4: 14).

الأصحاح السابع عشر
علامة الختان والوعد بإسحاق
ظهر الربّ من جديد لأبرام، وجدَّد وعده بإكثار نسله، وغيَّر اسمه إلى إبراهيم. وتغيير الاسم في كلمة الله دائمًا علامة على علاقة جديدة مع الشخص الذي مُنح الاسم الجديد. فهنا إبراهيم، ليس فيما بعد رجل الإيمان فقط، لكنه أبو كل المؤمنين (رو 4: 11). وبإعطائه هذا الاسم أبًا لجمهور من الأمم كان الله مفكِّرًا بمحبة ولذَّة في جمهور المؤمنين الذين سيُعتبر إبراهيم السلف أو الجد لهم. ويُسعدنا أن يكون كلّ قرَّائنا ضمن هذا الجمهور. وعلاوة على الملوك الذين يخرجون من إبراهيم (ع6) رأى الله مسبقًا «ابن داود»، الملك الذي كان في فكره لإسرائيل والعالم. ويبدأ العهد الجديد بنسب يسوع المسيح كابن داود ابن إبراهيم.
وأعطى الله لإبراهيم مع الاسم علامة العهد الذي بينه وبين إبراهيم، وهي الختان، الذي يُشير بدرجة ما إلى المعمودية (كو2: 11، 12)، وتعني عدم الاتكال على الجسد، وفي الوقت ذاته الانفصال لله.
وفي هذا الجزء أخذت سارة أيضًا اسمًا جديدًا (ع15)، وأتى الوعد بمولد إسحاق (ع16، 19)، ونجد إبراهيم يطيع وصيَّة الله المُعطاة له (ع23، 27).
الأصحاح الثامن عشر
ع1-15 ظهور الرب لإبراهيم، والوعد بمولد إسحاق
لقد أكرم الله إبراهيم بأن دعاه في الكتاب المقدس ثلاث مرات ”خليل الله“ (2أخ 20: 7؛ إش 41: 8؛ يع 2: 23)، وبالنظر لهذا اللقب فإن الرب عمل زيارة خاصة لإبراهيم في خيمته، وأكل معه! وليس ذلك فقط، بل أخبره عما هو مزمع أن يعمل بخصوص بيت إبراهيم نفسه (ع9-15)، وبالنسبة للعالم (ع20، 21). ولقد كانت هذه الزيارة سبب بركة لكل من سارة ولوط.
ولقد تصرف إبراهيم مع الضيوف السماويين بطريقة بسيطة دلت على سخاء قلبه، ولكن هذه البساطة لم تكن لترفع واجب الاحترام والتقدير، بالإضافة إلى نغمة السرور والفرح التي كانت بادية على تصرفاته طوال الزيارة.
وفي الأناجيل، نرى أشخاصًا قبلوا الربّ يسوع في بيوتهم: لاوي، مرثا، زكا (لو 5: 29؛ 10: 38؛ 19: 6) كان ذلك شرفًا عظيمًا لهم. لكن، هل تعرف أنَّك أنت أيضًا يمكن أن تستقبل مثل هذه الزيارات؟ نعم، تحت شرط واحد. قال الربّ يسوع: «إن أحبَّني أحد يحفظ كلامي ويحبّه أبي وإليه نأتي وعنده نصنع منزلاً» (يو 14: 23). ولكن إبراهيم ليس فقط نموذجًا نحتذيه في الشركة مع الرب، بل وأيضًا في أضافة الغرباء، كما أشار كاتب العبرانيين في ص13: 2. يجب علينا أن نكون مضيفين بعضنا بعضًا بلا دمدمة (1بط 4: 9؛ رو 12: 13).
ما أعظم الخبر الذي تنازل الرب بنفسه ليعلنه لكل من إبراهيم وسارة، بقرب وصول الابن الوارث، الذي طال انتظاره. ولقد شكَّت سارة في الوعد، وضحكت، إذ كان إبراهيم وسارة متقدِّمين في الأيام، لكن إجابة الله على عدم إيمانها في ع14، يجب أن يلمِّع في فكرنا دائمًا تلك الحقيقة المجيدة: «هل يستحيل على الربّ شيء؟»
ع16-33: إعلان الدينونة على سدوم وتشفع إبراهيم لأجلها
يقول المرنم: «سر الرب لخائفيه» (مز 25: 14؛ اقرأ أيضًا عاموس 3: 7). كان إبراهيم واحدًا ممن أمكن أن يقول الرب عنهم: «هل أخفي عن إبراهيم ما أنا فاعله» (ع17). وهذا يذكرنا بأن الرب لم يُرِد أن يسمِّي تلاميذه عبيدًا، بل سمَّاهم أحباء (يو 15: 15)، لأنَّه سُرّ بأن يُعرّفهم بأفكار أبيه. ومعرفة مقاصد الله لا يمكن أن تكون بالانفصال عن السلوك بالأمانة. ثم إن الرب كان يعرف أن إعلان هذا الخبر لإبراهيم لن ينتج عنه سوى تعاطف مع الهالكين، والرغبة المخلصة لإنقاذهم من الغضب الرهيب الآتي. أخي العزيز: نحن نعرف أفكار الله تجاه العالم. وكلمته النبوية تعلن الدينونة الرهيبة الوشيكة الوقوع على هذا العالم، فهل تحركنا عواطف الشفقة كما حدث من إبراهيم في ذلك اليوم؟ إننا نعرف عن يقين أن الملايين ينتظرهم مصير أروع جدًا من مصير سدوم وعمورة يومها، بل ربما من وسط بيوتنا وعائلاتنا هناك أشخاص لم يخلصوا بعد. هل نصلي من أجلهم؟
قبل هلاك سدوم وعمورة، أراد الله أن يتحقَّق من أنَّهم استحقوا القضاء، وقال: «وإلاَّ فاعلم». لو وُجد أي أمل في التوبة كما حدث بعد ذلك في نينوى، في زمن يونان (يون 3: 5- 10) لسُرّ الله بأن يغفر ويعفو بذات روح النعمة.
يدعونا 1تيموثاوس 2: 1-4 أن نصلي لأجل جميع الناس، لأن هذا حسن ومقبول لدى مخلصنا الله الذي يريد أن جميع الناس يخلصون وإلى معرفة الحق يقبلون.

الأصحاح التاسع عشر
هلاك سدوم وإنقاذ لوط وابنتيه
ما أشد المباينة بين زيارة الرب ومعه الملاكين لإبراهيم، وزيارة الملاكين للوط في سدوم. الأولى تمت وقت حر النهار، والثانية تمت عند المساء. في الأولى لم يتردد الرب عن قبول الدعوة، وفي الثانية تردد الملاكان كثيرًا في قبول الدعوة. في الزيارة الأولى كل من في بيت إبراهيم شارك بفرح في إعداد الوليمة، وفي الثانية لا نقرأ سوى عن لوط، هو الذي خبز الفطير للملاكين!
لم يكن القصد من زيارة الملاكين لبيت لوط أن يستمتعا بالشركة معه، فكيف يمكنهما أن يكونا في شركة مع مؤمن هذا وضعه؟ إنهما دخلا بيته فقط ليحمياه ويُنقذاه. ولوط نفسه لم يكن مستريحًا في تلك المدينة الفاسدة. من الخارج كانت للمدينة جاذبية، لكن ما كان يجري في الداخل، آلمه بشدة. ليتنا لا نغترّ بمظهر العالم الخارجي الخادع، بل انظر إلى ما يخفيه تحته. ليس سوى الله يعرف القلوب، واهتم الوحي بأن يخبرنا بأن لوطًا كان بارًا، وأنه لم يشترك مع أهل سدوم في شرهم، بل على العكس، كان كل ما يصل إلى ناظريه وإلى سمعه كان يسبب له العذاب (2بط 2: 7، 8). وشرّ رجال سدوم الرهيب والمعيب لم يحاول هؤلاء الأشرار أن يخفوه (قارن مع إشعياء 3: 9)، بل أظهروه ضدَّ الملاكين نفسيهما، لذلك، فإن الله الذي قال «وإلاَّ فاعلم»، لم يكن في حاجة إلى برهان أوضح من هذا على شرِّهم.
لم يؤخذ كلام لوط حتَّى من أصهاره مأخذ الجد. عندما يسير المؤمن فترة مع العالم، لا يعود صالحًا أن يُكلِّم العالميِّين عن الدينونة، لأنَّهم سوف لا يصغون إليه.
كانت نجاة لوط نتيجة استجابة صلاة إبراهيم في الأصحاح السابق. افتكر إبراهيم أنَّه لكي ينجو لوط، كان من الضروري أنَّ المدينة لا تهلك. ليس دائمًا يستجيب الله بالطريقة التي نتوقَّعها، لكنَّه يستجيب.
بالأسف، كان قلب لوط متعلِّقًا بما سيتركه خلفه، لذلك توانى، فاضطر الملاكان أن يُمسكا بيده وبيد امرأته، وبيد ابنتيه ويُخرجاهم بالقوة. لنسأل أنفسنا هذا السؤال: إذا كان علينا أن نترك العالم اليوم، هل نفعل ذلك بسرور؟ أم نكون مثل لوط، أو مثل زوجته التي دانها الله، إذ نشعر بأسف على ترك أشياء معيَّنة تعلَّقت بها قلوبنا؟
امرأة لوط تحولت إلى عمود ملح، عبرة لمن يعتبر. وهي تمثل من عاشر المؤمنين طويلاً، ولكن نصيبه كان مع أهل العالم، وكان العالم يملأ قلبه، فلا بد أن يهلك معه. قال المسيح: «اذكروا امرأة لوط» (لو 17: 32).
سدوم وعمورة تحوَّلتا إلى رماد، ونجدهما في خلال الكتاب مثالاً خطيرًا لِما ينتظر الذين يعيشون في الفجور (2بط 2: 6؛ يه 7). ومع ذلك، فإنه في يوم الدينونة، سيكون قصاصها أكثر احتمالاً من الذين رفضوا ابن الله الذي أتى إليهم بالنعمة (مت 11: 24).
ويختم هذا الفصل (ع30-38) بمشهد مؤسف، فلوط الذي استطاع أن يمتنع عن الشر في المدينة الفاسدة ”سدوم“، سقط في أبشع الخطايا وهو في الجبل! ويا للأسف أن البنتين اللتين نجتا من حريق سدوم وعمورة، أنجبتا للوط موآب وعمون، ونهايتهما ستكون مثل سدوم وعمورة (صف 2: 9).
الأصحاح العشرون
إبراهيم في جرار، وسارة في قصر الملك
مرة ثانية يتنكر إبراهيم لزوجته، ويستحق التوبيخ من الوثنيين (قارن أصحاح12). كانت خطية إبراهيم نصف كذبة (ع12، 13). كم هو أمر خطير أن نجد رجلاًعظيمًا مثل إبراهيم، ويحدث منه خطأ مشين كهذا، ويحدث منه بتكرار وإصرار. وللأسف عندما تنقطع الشركة لا يعرف المؤمن ماذا يفعل، ولا ماذا يقول. اسمع كلماته لأبيمالك: «وحدث لما أتاهني الله من بيت أبي» (ع13). أ هذا هو تقديرك يا إبراهيم لدعوة الله العجيبة، وظهور إله المجد، وكيف أعلن لك المدينة السماوية! بل إنها بالأسف لغة إبراهيم وهو مقطوع الشركة. وهو عين ما يحدث معنا عندما تنقطع شركتنا مع إلهنا، ونشارك أهل العالم نظرتهم للأمور. لكن الشيء المبهج أنه حتى وإبراهيم في هذه الحالة، فقد أكرمه الرب أمام الغرباء «فلم يَدَع إنسانًا يظلمهم، بل وبَّخ ملوكًا من أجلهم قائلاً: لا تمسُّوا مُسحائي، ولا تسيئوا إلى أنبيائي» (مز 105: 14، 15). لقد اعتبر الرب إبراهيم نبيًا[2] يتكلم نيابة عن الله (ع7)، ومتشفعًا يستجيب الله لدعائه (ع17)!
الأصحاح الحادي والعشرون
ع1-8: ولادة إسحاق
أتمَّ الله وعده، ووُلد إسحاق الابن الوارث لإبراهيم «في الوقت الذي تكلم الله عنه». وكان إسحاق رمزًا للربّ يسوع، الابن، «الذي جعله (الله) وارثًا لكل شيء» (عب 1: 2). وبعد ضحك عدم الإيمان في إبراهيم (17: 17)، وفي سارة (18: 12)، جاء ضحك الفرح والعرفان كمعنى الاسم ”إسحاق“ (ع3، 6).
ومن وراء إسحاق الابن المحبوب كان إبراهيم بالإيمان يتطلع إلى من هو أعظم، كقول المسيح: «أبوكم إبراهيم تهلل بأن يرى يومي فرأى وفرح» (يو 8: 56). إنَّها رؤية سعيدة للإيمان.
ع9-21: طرد الجارية وابنها
في (ع9) نقرأ عن ضحك مختلف عن الضحك السابق، هو ضحك الاستهزاء والسخرية في إسماعيل. إنه صورة للإنسان ”بحسب الجسد“، الذي لا يفهم شيئًا عن مقاصد الله الصالحة بالنعمة، وإتمامها في المسيح. إنه ابن الجارية، صورة للإنسان تحت عبودية الناموس، وبالتالي لا حق له لا في الوعد ولا في الميراث (غلاطية 3).
ما فعلته سارة يبدو لنا قاسيًا، وإبراهيم أيضًا افتكر أنَّه خطأ، لكن الله صادق عليه إذ أراد أن يُبيِّن في الرمز أنَّ الميراث خاص بالمسيح وحده، وأنَّ الإنسان بأعماله ليس له نصيب فيه. وتوضح لنا رسالة غلاطية أن المؤمنين هم أيضًا ”أولاد الموعد“، وأنهم نالوا امتياز التبني، وما عادوا عبيدًا، بل أبناء وارثين (غلا4: 6، 7، 21- 31).
ومع ذلك عامل الله هاجر وابنها بالنعمة. ولما فرغ الماء من القربة (وهي تمثل المصادر البشرية المحدودة، التي لا بد تفرغ إن عاجلاً أو آجلاً)، فإن الله الحي الذي ظهر لها سابقًا في أصحاح16 جدَّد عطفه لها، وأعطى ماء في البريَّة (ع19)، وفي رقة قلبه سمع حتى لصوت الغلام (ع17)!
هل اختبرت شخصيًّا أمانة الله نحوك في الظروف الصعبة؟
ع22-34 العهد بين إبراهيم وأبيمالك
في أصحاح20 كانت علاقة إبراهيم بأبيمالك سيئة. وتلقى إبراهيم توبيخًا قاسيًا من الملك الوثني، أما هنا فقد عادت العلاقة إلى وضعها الطبيعي. ولنا هنا صورة نبوية لما سيحدث في المستقبل عندما يكون لشعب الله المكانة الأولى في العالم، وتقول شعوب العالم: «إننا سمعنا أن الله معكم» (زك 8: 23). هكذا هنا قال الملك ورئيس جيشه لإبراهيم: «الله معك في كل ما أنت صانع» (ع22). وسعيا لعمل معاهدة معه. وهذه المرة نجد أن إبراهيم هو الذي يوبِّخ أبيمالك بكل الكرامة الأدبية التي تضفيها عليه معرفته بالله السرمدي (ع33). وأراه إبراهيم كم هو يُقدِّر تمامًا بئر الماء في البرية، تلك البئر التي اغتصبها عبيد أبيمالك من إبراهيم. نعم ما أحوجنا طالما نحن في البرية إلى المياه المنعشة والمنظفة، أي إلى كلمة الله (يو 15: 3؛ أف 5: 26). هل نُظهر للذين يريدون مصادقتنا، كم تعني بالنسبة لنا الكلمة التي أعطانا إياها الله؟ إن الذين يعطشون للحق والسلام والفرح سينقادون للبحث عنها لأنفسهم في هذا الكتاب الثمين، إذا كانوا يرون أنَّنا منه نحصل على جميع هذه البركات.

الأصحاح الثاني والعشرون
تقديم إبراهيم لإسحاق، وافتداء الله له
يعتبر هذا المشهد صورة مُسْبَقة للصليب. فالابن الوحيد، موضوع محبة أبيه يشير إلى الرب يسوع، الذي كان يجب أن يُقدَّم مُحرقة. «وأبصر إبراهيم الموضع من بعيد». كان الموضع معروفًا من قبل عند الله، وهذا الموضع هو جبل المُريا، حيث قدم داود في ما بعد ذبيحة كفارية، وحيث بُنيَ الهيكل أيضًا (2أخ 3: 1). ومكان الذبيحة هذا، كان في الوقت ذاته، مكانًا للسجود (ع5).
كم هي الأسباب التي نجدها هنا، التي تدعونا أن نُقدِّم السجود للآب وللابن اللذين «ذهبا كلاهما معًا» (ع6، 8)؛ أو بكلمات أخرى كان لهما الفكر الواحد، في شركة تامة لإتمام عمل الخلاص!
تُذكِّرنا طاعة إسحاق بطاعة الربّ في جثسيماني: «ليكن لا ما أريد أنا بل ما تريد أنت» (مر 14: 36). ونلاحظ أن إبراهيم لم يذبح ابنه فعلاً، وإسحاق لم يمت فعلاً، ولا كانت هذه الذبيحة في واقع الأمر تفيد شيئًا، لكن ما أرضى قلب الله هو الطاعة له. واتضح هنا ما قاله صموئيل النبي في ما بعد: «هوذا الاستماع أفضل من الذبيحة، والإصغاء أفضل من شحم الكباش» (1صم 15: 22).
لكن في مفارقة مع إسحاق الذي خضع فقط، فإن المسيح وضع نفسه فعلاً ومات (في 2: 8). ومفارقة أخرى هي أن إسحاق لم يكن يعلم ماذا سيفعل أبوه، وأما المسيح فنقرأ عنه: «خرج يسوع وهو عالم بكل ما يأتي عليه» (يو 18: 4). وأخيرًا بالمُباينة مع مُناداة الملاك لإبراهيم «لا تمد يدك»، لم يُسمع صوت عند الجلجثة ينقذ «الابن» من قضاء الله ضدّ الخطيَّة، بل بالحري قال الرب: «استيقظ يا سيف على راعيَّ وعلى رجل رفقتي» (زك 13: 7).
وقد ظهر إيمان إبراهيم بهذا العمل (يع 2: 21). كان الرب يعرف قلب إبراهيم، وأن له هذا الإيمان، لكن امتحنه ليُظهر هذا الإيمان للجميع. والشيء نفسه يحدث معنا. إذا كنت أقول إنِّي أومن بالربّ يسوع، فعليَّ أن أُظهر ذلك. إنَّ تجارب المؤمنين، غالبًا تأتي لهم لتُظهر حقيقة إيمانهم، لكي يراه الجميع.
ولقد أدرك إبراهيم بروح النبوة أن الله جهَّز لنفسه خروفًا للمُحرقة. وعندما ظهر الربّ يسوع في وسط الشعب، على شاطئ الأردن، قال يوحنا المعمدان: «هوَّذا حَمَل الله» (يو 1: 29)، وكان هذا الحمل هو الجواب الإلهي لجميع الخطايا التي تمَّ الاعتراف بها، ولم تغسلها مياه الأردن. وبذلك أُعلن السر العظيم الذي نجد ظله في أصحاحنا هذا.
أُخذ إسحاق من على المذبح، وكأنَّه أُقيم من الأموات في مثال (عب 11: 19)، رمزًا لقيامة الربّ يسوع الحقيقيَّة من الأموات، بنتائجها المباركة لنفسه ولنا. فله، قد أُعطيت عروس، هي الكنيسة؛ ولأجل هذا، ذُكرت رفقة في ع23. ولنا، فقد تمتعنا بالبركات السماوية التي نجد صورة لها في عددي17، 18.
”الخروف للمحرقة“ (ع7، 8)
في هذا الفصل نجد أول إشارة ”للخروف“ في الكتاب المقدس، ولكننا سنقرأ بعد هذا عن الخروف أو الحمل كثيرًا (خر 12؛ 29؛ لا 1؛.. إش 53: 6؛ يو 1: 29، 36؛ 1بط 1: 18). وعندما نصل إلى سفر الرؤيا نجده سفر الحمل حيث يتردد اسم الخروف (أو الأدق الحمل) فيه 28 مرة.
وأما المحرقة فإنها ترد في هذا الفصل 6 مرات. وهي تذكرنا بتشفعات إبراهيم الستة من جهة سدوم في ص 18. ورقم 6 هو رقم النقص، فلا شفاعة إبراهيم هي الشفاعة الكاملة، ولا محرقته؛ إنما هما فقط رمز لشفاعة المسيح الأعظم ولمحرقته الأسمى.

الأصحاح الثالث والعشرون
موت سارة ودفنها
بعد قيامة الربّ يسوع من الأموات، وَضَع الله إسرائيل - الشعب الذي أتى منه المخلِّص حسب الجسد - جانبًا. ونرى ذلك في موت سارة بعد قيامة إسحاق الرمزيَّة.
بخلاف المقبرة التي اشتراها إبراهيم، لم يكن له شيء في أرض كنعان هذه، مع أنَّه وُعِد بها. بنفس الطريقة، المؤمن لا يمتلك شيئًا في الأرض. إنَّها مكان موت بالنسبة له، منذ أن صُلب سيِّده فيها. الأرض للمؤمن إنَّما تذكِّره بآلام ابن الله وموته، وهي المكان الذي ليس له فيه شيء دائم.
بشراء إبراهيم لحقل المكفيلة، أظهر إيمانه بالقيامة. بالنسبة له، كان يعلم أن سارة تحيا في حالة أسمى ومكان أسعد. لكنه أراد أن يمتلك المكان الذي كان سيضع فيه جسدها، حيث أن هذا الجسد سيقوم. والثمن الكامل المدفوع في المغارة والحقل، يذكرنا بالثمن الكامل المدفوع في الصليب، ليعتقنا المسيح من الموت (عب 2: 14)، وبذلك فقد أبطل الموت وأنار الحياة والخلود بواسطة الإنجيل (2تي 1: 10).
لم يشأ إبراهيم أن يكون مديونًا للعالم، تمامًا كما رفض في أصحاح14 عطايا ملك سدوم، لذلك دفع الثمن كاملاً للمغارة والحقل بدون مساومة. وهكذا ينبغي للمسيحي أن يكون معروفًا بين جميع الذين يتعامل معهم في العالم باستقامته وأمانته التامة. ويحرضنا الرسول بأن لا نكون مديونين لأحد بشيء (رو 13: 8). وأن نسلك بلياقية عند الذين هم من خارج (1تس 4: 12). وأن نكون معتنين بأمور حسنة ليس قدام الرب فقط، بل قدام الناس أيضًا (2كو 8: 21).

الأصحاح الرابع والعشرون
زواج إسحاق برفقة
في موت سارة (التي تشير إلى الأمة التي منها جاء المسيح بحسب الجسد – ص 23)، وقيامة إسحق الرمزية (صورة لقيامة المسيح من الأموات - ص 22)، بداية حالة جديدة للأشياء. وليضمن الأب أن يـأتي النسل الموعود به، كان عند الأب خطة، تشرح لنا تفصيلاتها في هذا الفصل، وهو أن يأخذ لابنه عروسًا. لكن هنا يدخل شخص ثالث، وهو كبير بيت إبراهيم ووكيله، والذي يعطينا صورة ورمزًا للروح القدس، الذي أُرسل للأرض بعد صعود المسيح، ليجمع الذين يكوّنون الكنيسة؛ عروس المسيح. وبذلك نرى الأقانيم الثلاثة: الآب، والابن والروح القدس، كما سبق أن رأيناهم متَّحدين في عمل الخليقة. ونراهم هنا لهم مسرَّة مشتركة في اختيار ودعوة وجمع المفديِّين، واتِّحادهم بالمسيح المُقام. وهذه العروس كان يجب أن يؤتى بها من مكان بعيد. إنَّها من بين الذين كانوا بعيدين عن الله، فاختارهم رفقاء لابنه!
ويذكِّر الرسول بولس الأفسسيين قائلاً: «أنتم الذين كنتم قبلاً بعيدين» (أف 2: 13). بالنسبة للمسيح، لا يمكن أن يرجع إلى العالم كما هو الآن، لكن الكنيسة هي التي ستترك العالم لتقترن بعريسها في السماء.
ومن الناحبة العملية، يا لها من صورة رائعة للاتِّكال على الله نراها في عبد إبراهيم! في بيت سيده تعلَّم أن يعرف الربّ، والآن يتعامل معه شخصيًّا، فقدَّم طلبة لله في ع12. ليتنا لا ننسى، عندما نُكلَّف بأمر ما، أن نتكلَّم عنه أوَّلاً مع الربّ. وفي الحال أتى الجواب الإلهي على صلاة العبد، فلقد أتت رفقة قبل أن ينتهي من صلاته. ونجد في إشعياء 65: 24 وعدًا مُماثلاً: «ويكون أنِّي قبلما يدعون أنا أُجيب، وفيما هم يتكلَّمون بعد أنا أسمع». كانت رفقة من ناحيتها مثالاً للتكريس والاستعداد. لقد فعلت أكثر مِمَّا طُلب منها، حيث استقت لجماله أيضًا، وفعلت ذلك بسرعة «فأسرعت وركضت» (ع18، 20). هذان أمران يجب أن نلاحظهما وننفذهما في واجباتنا الصغيرة، وفي حياتنا المنزلية اليومية. واستقاء الماء له دلالة أدبية، هو أن نجلب الانتعاش للنفوس التي تحيط بنا. ونحن يمكننا أن نفعل ذلك لو كنا قريبين من مجاري كلمة الله، ونتمثل بذاك الذي كان يعرف أن يغيث المعيى بكلمة (إش 50: 4).
وكما أن العبد كان يلاحظ رفقة، يجب أن نتذكَّر أن هناك مَنْ يلاحظنا ويكتب أمامه سفر تَذكِرة لِما نفعله. من الطريقة التي بها عَمِلت رفقة هذا العمل البسيط، تأكَّد عبد إبراهيم أنَّها ستكون زوجة نشيطة وامرأة فاضلة لإسحاق كالتي يصفها الحكيم في أمثال31. وقبل أن يتقدَّم العبد أكثر، انحنى وشكر الربّ (ع27).
وهكذا قاد الربّ عبد إبراهيم إلى أقرباء سيِّده. كان قد قال له سيِّده «لا تأخذ زوجة لابني من بنات الكنعانيِّين الذين أنا ساكن بينهم» (ع3). أيها الأعزاء يجب أن تضعوا هذا الأمر بعمق في قلوبكم: ألا تكونوا تحت نير مع غير المؤمنين (1كو 6: 14، 15). إن الشاب المؤمن، والشابة المؤمنة، يجب أن يتزوج كل منهما فقط من عائلة الله؛ أي بشخص مؤمن.
ويا لها من شهادة أدَّاها عبد إبراهيم عن سيِّده، الذي كان يفتخر بأن يكون عبده (ع34- 36). فيقول عنه، صار عظيمًا، وغنيًا، وله ابن وارث لكل ما لإبراهيم. وهذا ما يعمله الروح القدس الآن، الذي يُعلن لنا عن عظمة الله الآب وعن أمجاد الابن. وهذا ما يجب علينا نحن عبيد الربّ أن نفعله، ونعرف كيف نتكلَّم عن إلهنا.
الطريقة التي تكلَّم بها عبد إبراهيم عن سيِّده، والغنى الذي ظهرت علاماته في الهدايا التي قدَّمها، أثرت بشدة في قلب رفقة، فقرَّرت قائلة: «أذهب» (ع58). وأنت يا من سمعت كثيرًا عن الربّ، وكان لك فرصة التمتع بغنى نعمته في بيت أبويك، هل قررت في قلبك أن تذهب وتكون له؟ إنَّه ليس بعد عشرة أيام كما قال أخوها وأمها، ولا في الغد. بل يحرّضك روح الله أن تفعل هذا «اليوم».
ثم بدأت الرحلة الطويلة لرفقة عبر البريَّة (ع61). لقد تركت كل شيء خلف ظهرها، وتبعت الرجل الذي قادها. هكذا الكنيسة عروس المسيح تعبر الآن طريقها المُتعب والممتلئ بالآلام في هذا العالم الذي هو بريَّة لها، بينما الروح القدس يشغل قلبها بالمحبوب الذي لم تره، لكن تؤمن به، وهو آتٍ لمُلاقاتها.
يا لها من لحظة سعيدة ستكون للكنيسة، عندما يُدخلها الربّ يسوع كعروسه إلى بيت الآب.
صارت رفقة زوجة لإسحاق وأحبَّها من ذلك الوقت فصاعدًا. لكن بالنسبة للربّ، فهو أحبَّ خاصَّته بالفعل، وقلبه ينتظر أكثر منَّا اللحظة السعيدة للشبع الأبدي لمحبَّته الإلهيَّة.
ينقسم هذا الفصل إلى ثلاثة أقسام:
1- ع1- 9 الشخص البارز فيه هو إبراهيم، رمز لله الآب
2- ع10-61 الشخصية البارزة فيه هو العبد، صورة للروح القدس
3- ع62-67 الشخصية البارزة فيه هو إسحاق، رمز للمسيح ابن الله.
وفي هذه الأقسام الثلاثة نجد ما يتجاوب مع قول الرسول: «مختارين بمقتضى علم الله الآب السابق (ع1-9)، في تقديس الروح (ع10-61)، لطاعة يسوع المسيح (ع62-67)» (1بط 1: 1، 2)

الأصحاح الخامس والعشرون
ع1-6 زواج إبراهيم من قطورة
إن الأصحاحات الختامية لحياة إبراهيم تقدم لنا العديد من الصور النبوية
ص21 ميلاد الابن ”لما جاء ملء الزمان“.
ص22 الصليب وقيامة الابن.
ص23 تنحية إسرائيل، الأمة التي منها أتى المسيح حسب الجسد (مرموزًا إليه بموت سارة).
ص24 دعوة الكنيسة لتشارك المسيح في مجده السماوي.
وهنا بعد ”عرس الخروف“ يأتي نسل كبير لله، هم أولاد الإيمان: الأمم الكثيرة في الملك الألفي (رؤ 7: 9)، ونرى صورة لهم في أولاد قطورة، لكن إسحاق وحده (رمز للمسيح) هو الوارث لكل شيء (عب 1: 2؛ أف 1: 10)
ع7-11 موت إبراهيم
أخيرًا مات رجل الإيمان العظيم إبراهيم، ودُفن في مغارة المكفيلة، مُنتظرًا القيامة. والأصحاح الحادي عشر من رسالة العبرانيين، الذي تحدث كثيرًا عن حياة الإيمان في إبراهيم، أشار أيضًا إلى موته، إذ يقول إنه مات ”في الإيمان“، ومع أنه لم ينل المواعيد، لكنه نظرها من بعيد، وصدقها وحياها، وأقر بأنه غريب ونزيل على الأرض. ولهذا فإن الله يتكلَّم عنه على رأس أولئك الذين لا يستحي بهم الله أن يُدعى إلههم. ولا عجب أن يُعلن الله في الكتاب عن نفسه عدَّة مرَّات أنَّه ”إله إبراهيم“.
ع12-18 مواليد إسماعيل
يرد ذكر مواليد إسماعيل ليس لأنه هو الأكبر، بل لأن الوحي يريد التركيز على السلسلة التي منها كان سيأتي المسيح، ولهذا فإنه بعد الإشارة إلى مواليد إسماعيل، يُفسح المجال على اتساعه للحديث عن إسحاق ونسله. ومن الجانب الآخر فإننا نرى هنا أن أولاد إسماعيل كثيرون وناجحون وأقوياء (ع16)؛ أما إسحاق فسنرى أن ظروفه في البداية كانت غير موفقة، وذلك لأن الإيمان لا بد أن يمتحن.
ع19-34: ولادة كل من عيسو ويعقوب ومسلكهما
كما امتحن الله إيمان إبراهيم وسارة، كذلك امتحن إيمان إسحاق ورفقة. ونقرأ في ع21 أن إسحاق صلَّى إلى الربّ لأجل امرأته لأنَّها كانت عاقرًا، فاستجاب له الربّ. وولدت رفقة ولدين، يختلف الواحد عن الآخر تمامًا، ليس فقط في المظهر الخارجي (أشعر وأملس)؛ أو في مهنة كل منهما (صياد وراع)؛ أو في طريقة عيشتهما (رجل البرية، وإنسان كامل - بحسب ترجمة داربي إنسان بيتي - يسكن الخيام)؛ لكن فوق الكل بالنسبة لحالة قلبيهما.
يعقوب رغم الطريق الخاطئ الذي سلكه، أظهر أنَّه قدَّر مركز الكرامة في العائلة للبكر، بما يتبع ذلك من الميراث الثمين الذي من نصيبه. وأما عيسو فكان شهوانيًا وأمور الله لا تمثل بالنسبة له شيئًا ذا قيمة. وبكل حماقة، لأجل شهوة وقتيَّة، باع بكوريَّته المُعطاة له من الله. وبدون أدنى اكتراث يقول الوحي: «فأكل وشرب ومضى. فاحتقر عيسو البكورية» (ع34).
ولم يكن هذا مجرد قرار أهوج من شخص أحمق، بل إنه يتضمن احتقارًا لله نفسه، وكأنه يقول له: إن أعظم عطاياك في نظري لا تساوي طبق عدس، أُشبع به نهمي. لذلك فلا عجب أنَّ الله أعلن في نهاية العهد القديم عن هذين الأخوين قائلاً: «أحببت يعقوب وأبغضت عيسو» (ملا 1: 2، 3). ثم يعلن الله في عبرانيين 12: 16، 17 أن عيسو كان مستبيحًا.
قارئي العزيز: البكوريَّة صورة لامتيازك أنت يا من رُبيت في عائلة مسيحيَّة. هل تُقدّر هذا الامتياز؟
ثلاثة أولاد، وثلاثة دروس
قال الكتاب: «وأما كل الذين قبلوه فأعطاهم سلطانًا أن يصيروا أولاد الله أي المؤمنين باسمه الذين ولدوا ليس من دم ولا من مشيئة جسد ولا من مشيئة رجل» (يو1: 12، 13).
· قايين كان مرفوضًا، وهو يمثل الذين ولدوا من دم (أي بالتناسل الطبيعي)
· إسماعيل كان مرفوضًا، وهو يمثل الذين ولدوا من مشيئة جسد (رغبة سارة في الحصول على الولد).
· عيسو كان مرفوضًا، ولم يحصل على البركة رغم رغبة إسحاق في إعطائها له، وهو يمثل مشيئة الرجل.

الأصحاح السادس والعشرون
ع1-11: إسحاق عند أبيمالك ملك جرار
لم يَستَفِد إسحاق من اختبار أبيه المُحزن في أصحاحي12؛ 20، فبسبب الجوع في الأرض ذهب إسحاق ليتغرب في جرار، وإذ كان يخاف، فقد أنكر هو أيضًا زوجته، وخدع أبيمالك. مع الفارق أن سارة كانت فعلاً أخت إبراهيم من أبيه (20: 12)، ولكن ليست من أمه، فصارت له زوجة، كعادة تلك الأيام. ولكن ليس كذاك الحال مع إسحاق ورفقة.
ونحن أيضًا كم من المرات لنقص الشجاعة أنكرنا المسيح، إن لم يكن بكلامنا فبتصرفاتنا.
ع12-33 غني إسحاق ووداعته
بعد فشل إسحاق السابق، نجد صفحة جميلة من حياته. فلكي يحفظ نفسه وبيته من المجاعة زرع، والرب باركه، فأصاب مئة ضعف. لكن الفلسطينيين حسدوه، فطمّوا آبار أبيه إبراهيم، فحفرها إسحق ثانية. أراد أعداء آخرون أن يمنعوه من امتلاك الآبار، لكنَّه لم يفشل، وحفر آبارًا أخرى.
والآبار هي صورة للكلمة وحقائقها الثمينة، تلك الحقائق التي تمتع بها الجيل السابق لنا، ولكن علينا أن نحفرها لأنفسنا، أي نقرأ الكلمة بمثابرة حتَّى تُصبح ملكًا لنا. الحفر عمل مُتعب، ويتقدَّم ببطء، ولأجل ذلك نحتاج إلى صبر ونشاط. فليتنا نُثابر على دراسة كلمة الله، متذكِّرين أنَّ لنا عدوًا يطلب أن يطمّ آبارنا ويملأها ترابًا (ع15)، وبعبارة أخرى يملأ حياتنا «بأمور الأرض» ليحرمنا من الكلمة الحيَّة.
ليتنا أيضًا نتعلَّم روح الوداعة التي كانت لإسحاق، فإنه لم يخاصم، كقول الوحي في 2تيموثاوس 2: 24، وكان حلمه معروفًا عند جميع الناس (في 4: 5)، واحتمل الأخطاء التي صُنعت معه، دون أن يرد على الشر بمثله (1بط 2: 23). ولقد ظهر له الرب ليشجعه ويؤكد له المواعيد (ع24)، وهذا أعظم بما لا يقاس من كل مضايقات الفلسطينيين.
ونلاحظ أن هذا الأصحاح وإن بدأ بمجاعة (ع1)، فإنه ختم بشبعة (أي الشبع – ع33)، لأن الرب ظهر (ع2)، والمذبح بُني (ع25). بعد ذلك ذهب إليه أبيمالك وأحد أصحابه ورئيس جيشه، وطلبوا أن يعملوا عهدًا معه. وهذا يذكِّرنا بما قاله الحكيم: «إذا أرضت الرب طرق إنسان، جعل أعداءه أيضًا يسالمونه» (أم16: 7).
الآباء الأربعة
o كان إبراهيم رجل المذابح، وهو بنى أربع مذابح (12: 7، 8؛ 13: 18؛ 22: 9)
o وكان إسحاق رجل الآبار، وهو حفر أربع آبار (26: 19، 20؛ 21؛ 22؛ 25)
o وكان يعقوب رجل الأعمدة، فأقام أربع أعمدة (28: 18؛ 31: 45؛ 35: 14؛ 35: 20)
o وأما يوسف فكان رجل الثياب الأربعة (القميص الملون في بيت أبيه؛ وثوب العبيد الذي تركه في يد امرأة فوطيفار وهرب، وثياب السجن التي خلعها ليقابل فرعون؛ وثياب البوص كالحاكم المتسلط على كل أرض مصر).
ع34، 35: زواج عيسو
كانت لعيسو فرصة سماع القصَّة الجميلة لزواج أبيه وأمه بحسب فكر الله. لكنَّه أظهر من جديد احتقاره لمشيئة الله في اختيار زوجتيه من بنات الكنعانيين الذين منهم فصل الله عائلته. وبذلك سبَّب مرارة شديدة لإسحاق ورفقة.

الأصحاح السابع والعشرون
إسحاق يبارك كل من يعقوب وعيسو
المنظر هنا مؤلم جدًّا. عائلة معروف فيها الله، ومع ذلك ظهر وسطها الغش والطمع والكذب. إسحاق صار أعمى جسديًّا، كما أنه روحيًّا فَقَد التميِّيز، لدرجة أنَّ أكلة طيِّبة له كانت أهم من الحالة الروحية لأولاده. وبدون أن يطلب معرفة فكر الله، قرر أن يعطي البركة للابن الذي فضَّله. وأما رفقة فإنها من جانبها نصحت يعقوب أن يسرق أخاه ويغش أباه! وبدا أن عيسو هو المستقيم الوحيد في هذه العائلة! لكن الله عرف قلبه النَّجس، وتمَّت مشيئته بالرغم من (ولا نقول عن طريق) هذه المؤامرة.
ثلاثة أخطاء في هذا الفصل
في البداية، من إسحاق: قرار خاطئ:
نتيجة لذلك، من رفقة ويعقوب: حل خاطئ،
في النهاية، من عيسو: توجه خاطئ، أن يقتل أخاه يعقوب.
بالنسبة ليعقوب، حصل على مرغوبه. وبمساعدة أمه نال البركة التي كان يشتهيها. لكن أما كان أفضل له ألف مرة أن يثق في الله، بدل أن يتصرف هذا التصرف المعيب؟ لقد أعلن الرب عن قصده من جهة يعقوب وهو بعد في البطن، ولم يفعل شرًا أو خيرًا، وقال صراحة إن ”الكبير يُستعبَد للصغير“ (25: 23). والله لا ينسى كلامه ولا يغيِّره. يقينًا كان يعقوب سيوفر الكثير من الأتعاب التي تحتم عليه أن يحصدها نتيجة فعلته هنا. ما أجمل قول المرنم: «انتظر الرب واصبر له» (مز 37: 7).
وبالنسبة لموقف إسحاق من عيسو (ع30-40)، فإن الوحي في عبرانيين 12: 16، 17 يربط هذه الأعداد بما جاء في أصحاح 25: 29- 34. هناك رأينا عيسو المسكين، وقد اشترى أكلة عدس بثمن باهظ مقابل كل المواعيد الإلهيَّة. وهنا لما أراد أن يرث البركة رُفض، مع أنه طلب البركة بدموع. أولاً احتقر عطايا الله، والآن أدرك – ولكن متأخرًا - الخطأ الذي وقع فيه، «وصرخ صرخة عظيمة ومُرَّة جدًّا» (ع34). يا له من مثال خطير!
وبالأسف، العالم اليوم مليء بالناس الذين مثل عيسو، يبيعون نفوسهم الثمينة مُقابل متعة عابرة. برنامج حياتهم أن يأكلوا حسنًا، ويشربوا حسنًا، ويلعبوا ويتمتَّعوا بالحياة بكل وسيلة مُمكنة (انظر مزمور 17: 14؛ فيلبي 3: 19). هؤلاء سيستيقظون متأخرين يقظة مُخيفة، ليكتشفوا جهلهم وحُمقهم، وستُذرف كل الدموع في ذلك المكان المُخيف، حيث ”البكاء وصرير الأسنان“، ولكن بلا فائدة، مثل دموع عيسو.
بدءًا من ع41 نجد أن متاعب يعقوب على وشك أن تبدأ. وكانت أوّل نتيجة للمؤامرة التي رتبتها رفقة مع يعقوب: كراهية أخيه عيسو له، لدرجة أنَّه أراد أن يقتله. فاضطر يعقوب أن يترك بيت أبيه، ويقطع رحلة طويلة، ويقضي 20 عامًا في المنفى، مليئة بالحزن والتعب، بعيدًا عن أرض الموعد، ولم يرَ أمّه ثانية، رغم أنها ظنت أن غربة يعقوب ستكون ”أيامًا قليلة“ (ع44). لقد أخذت هي أيضًا جزاءها.
قد نُعجب للأهمية المُعطاة لقصَّة حياة يعقوب في كلمة الله. لكن السبب أنها مُشابهة لحياتنا. قصة تتميَّز بسقطات وتقصيرات، لكن أيضًا مع عمل نعمة الله المُقترن بالصبر وطول الأناة.

الأصحاح الثامن والعشرون
ظهور الرب الأول ليعقوب
سبق أن أشارت سارة على إبراهيم مشورة صائبة بإخراج ابن الجارية من البيت، ولكن في آخر الأصحاح الاسبق نجد رفقة تشير على إسحاق مشورة غير صائبة بإخراج ابنها، ابن البركة، من البيت! ولقد كان هذا جزءًا من الحصاد الذي تعيَّن على هذه العائلة أن تحصده (غلا 6: 7)، نتيجة شر الأصحاح السابق.
وفي الأعداد الأولى من هذا الفصل نجد إسحاق يؤكد البركة ليعقوب، ويوصيه بأن يأخذ زوجة له من بيت بتوئيل، من بنات لابان أخي رفقة. ثم نجد أن عيسو يحاول تحسين صورته في عيني والديه، بأخذه زوجة ثالثة له من بنات إسماعيل.
وبدءًا من ع10 نجد يعقوب يُشرع في الرحلة، ويترك بيت أبيه. كان الله مُزمعًا أن يُعرِّفه بيته؛ ”بيت إيل“، أي بيت الله. من الأفضل ألا ننتظر حتَّى نترك بيوت آبائنا مثل يعقوب، لنقابل الربّ. قد يكون الله إله والدينا، لكنه يجب أن يصير إلهنا نحن أيضًا.
كان الله يُعرِّف نفسه لرجال العهد القديم، الذين لم يكن عندهم الكتاب المقدس بعد، بالأحلام والرؤى.
وصل يعقوب إلى بُعد نحو 80 كيلومترًا من بيته، ولكن السماء كانت دانية له جدًا. ولقد رأى يعقوب هنا حلمًا غريبًا. ماذا يعني ذلك السُلَّم الذي كانت تصعد عليه الملائكة وتنزل؟ إنَّه رمز العلاقة بين السماء والأرض. كيف تأسَّست هذه العلاقة؟ ليس بواسطة الملائكة، بل بواسطة ابن الله نفسه، الذي وهو من السماء، نزل إلى الأرض، وإذ أكمل عمله، رجع ثانية إلى المجد. بالنعمة أظهر الله للإنسان ”باب السماء“ (ع17).
قال يعقوب عندما استيقظ: ”ما أرهب هذا المكان!“ وهكذا فإن الضمير الملوم لا يمكن أن يجد الراحة، حتى في محضر إله النعمة (لو 5: 8).
لكن الفصل يختم بمساومة غريبة من يعقوب مع الرب. فمع أن الله أعطى المواعيد ليعقوب من مطلق النعمة، وأعطاها له غير مشروطة، لكن يعقوب أراد جعلها مشروطة: يقدم عبادته للرب مقابل أن يقدم الرب له المأكل والملبس! وماذا يُمكننا أن نُعطي الله إلاَّ ما يأتينا من يده (1أخ 29: 14). لما تساءل المرنم: «ماذا أرد للرب من أجل كل حسناته؟». اكتشف أن لا شيء ليعطيه للرب، بل مزيد من البركات يحصل هو عليها، فكانت إجابته: «كأس الخلاص أتناول وباسم الرب أدعو» (مز 116: 12).
وكثيرون حتى اليوم لا يمكنهم فهم نعمة الله، ويظنون أن عطايا الله للإنسان تحتاج إلى ما هو أكثر من الإيمان لنمسك بها، ويظنون أنه بمجهوداتهم يصبحون أكثر استحقاقًا لتلك العطايا!

الأصحاح التاسع والعشرون
يعقوب عند خاله لابان، واقترانه بليئة وراحيل
في هذا الأصحاح نرى عناية الله بيعقوب التي وعده بها (28: 15)، والتي قادته إلى أقارب أمّه، خاله لابان، الذي معه سكن عدَّة سنوات. مرَّة أخرى نشهد لقاءً بقرب بئر، ربما هو نفسه البئر الذي قرأنا عنه في تكوين 24 حيث التقى العبد برفقة. لكننا هنا لا نسمع صلاة من المسافر، مثل المرة الأولى؛ ولا نقرأ أنه قدم السجود لما شعر بيد الرب القائدة له. وفي بيت لابان، نقرأ أن يعقوب حدثه بجميع هذه الأمور (ع13)، لكننا لا نقرأ عن اسم الله يذكر ولو مرة واحدة في الجلسة، ولا كيف بارك الله العائلة (قارن 24: 35)! بل لا نقرأ أنه حدثه عن الحلم في بئر سبع، حيث ظهر له الرب وأعطاه المواعيد. تُرى هل نحن نذكر اسم إلهنا عندما نتحدث مع أقربائنا ومعارفنا؟
ونحن في هذا الفصل نرى يعقوب يتصرف عكس إبراهيم، إذ ”بالعيان تغرَّب في غير أرض الموعد“ (قارن عبرانيين 11: 9). ثم إنه بحسب بركة أبيه له كان المفروض أن يكون سيدًا لإخوته، وأن يُخدم، لكننا نراه هنا يَخدِم عشرين سنة! وتتكرر الخدمة ومترادفاتها في هذا الفصل سبع مرات (ع15، 18، 20، 25، 27، 27، 30)! إننا نرى يعقوب هنا تحت ما يُسمَّى حكومة الله، أو ”مدرسة الله“. ومعاملات الرب معنا في هذه المدرسة لا تُرى في الحاضر أنها للفرح بل للحزن، لكنها أخيرًا تؤول للخير للذين يتدربون بها؛ فإن قصد الله من معاملاته التأديبية هو أن نشترك في قداسته (عب 12: 11). والفصل الذي دخله يعقوب سيستمر عشرين سنة، فيها سيجتاز في ظروف مُذِلَّة قريبة الشبه بخدمة العبيد. وكيف علَّمه الله الدرس؟ بأن سمح أن ما يُعمل مع يعقوب ما عمله هو مع الآخرين، فأمكنه أن يدرك شيئًا عن بشاعة الخطية. لقد خدع أباه، ومع أنه هو الأصغر، تظاهر بأنَّه الأكبر. والآن جاء دوره ليتعامل مع أب، فيخدعه ذلك الأب، ويعطيه الكُبرى عوضًا عن الصُغرى! وكثيرًا ما جَعَلنا الله في حياتنا نقول، كما قال الملك أدوني بازق قديمًا: «كما فعلت كذلك جازاني الله» (قض 1: 7).
ورغم كل الفشل البشري كان الرب يتمم قصده، ومن ليئة أتى ”لاوى“ و ”يهوذا“ (ع34، 35)، ومنهما كان سيأتي الكاهن والملك، ومن راحيل أتى ”يوسف“ (30: 22-24)، البكر. فما أعظم حكمة إلهنا التي لا يعوقها شر الإنسان أو الشيطان، بل يجعل الكل يخدم مقاصده!
من الناحية الرمزية فإننا نقرأ في هوشع 12: 12 «خدم إسرائيل لأجل امرأة، ولأجل امرأة رعى». ويعطينا يعقوب هنا صورة لمن هو أعظم منه، شخص الربّ يسوع، الذي قطع رحلة طويلة وأتمّ عملاً صعبًا لكي يجذب لنفسه قلب الكنيسة، وكل قلب من قلوبنا. كان عمل عبد إبراهيم (في ص24) رمزًا للروح القدس باحثًا عن العروس. أما هنا فنرى المسيح كالمخلِّص آتيًا شخصيًّا ليربح ثقة ومحبة مَنْ قصد أن تشاركه في الأبديَّة. ما الدافع الذي جعله يتَّضع هكذا؟ إنَّه المحبة. فالرب أحبّ شعب إسرائيل (إر 31: 3)، والمسيح أحبّ الكنيسة (أف 5: 25)، وأحبّ كل واحد منَّا (غلا 2: 20)، ومحبته العجيبة شدَّدته في طريق الخدمة التي وصلت إلى موت الصليب. ولقد مات المسيح وقام. ويقول للكنيسة التي تنتظره «ها أنا آتٍ سريعًا» (رؤ 3: 11). ووقت الانتظار هذا «في عينيه كأيام قليلة بسبب محبَّته لها» (ع20). ونحن بدورنا ينبغي أنَّ محبَّتنا له تجعلنا نخدمه وننتظره بشوق.
الأصحاح الثلاثون
ع1-24 أولاد يعقوب من نسائه الأربع
تُقدِّم لنا هذه الأعداد بقية أولاد يعقوب (انظر 29: 31-35)، باستثناء بنيامين، الابن الوحيد ليعقوب الذي وُلد في أرض الموعد (35: 16-18). وهذه صفحة مهمة في العهد القديم، حيث أنَّ أولاد يعقوب الاثني عشر، سيصيرون بدورهم رؤساء الآباء الاثني عشر (أع 7: 8)، وفيهم تمَّت المواعيد المُعطاة لإبراهيم وإسحاق، وكذلك ليعقوب نفسه. وبالرغم من وجود أشياء كثيرة مُحزنة في هذه العائلة، لكن كانت عين الله عليها، وأراد أن يُباركها، فقال فيما بعد: «ما أحسن خيامك يا يعقوب، مساكنك يا إسرائيل!» (عد 24: 5). بنفس الطريقة، عائلات المؤمنين اليوم غالية على قلب الربّ. ويُريد الربّ أن يبارك كل أفرادها. إنَّ الرب يعرفك بالاسم، ويعرف ماذا يريد أن يصنع منك، وهو الآن يُعدَّك للخدمة التي اختارها لك.
ع25-43: الرب يبارك يعقوب
الجميل أن مولد يوسف (الذي يرمز للمسيح)، وضع حدًا لخدمة العبيد في حياة يعقوب، وأثار فيه الأشواق للعودة إلى أرض الموعد. ومن الناحية الروحية نجد أنه من اللحظة التي يأخذ المسيح فيها مكانه في قلوبنا وبيوتنا، يمكننا أن نتذوق معنى الحرية الحقيقية والأشواق الروحية.
لكن لابان حاول تعطيل يعقوب في تنفيذ عزمه، ونجح في ذلك لعدة سنوات أخرى. ويعقوب في هذا المكان، بدا وكأنَّه نسي الله، لكن الله إله بيت إيل لم ينسه. انظر إليه وهو مشغول ويدبِّر الحيل بمكر ضدَّ لابان ليغتني، مُستخدِّمًا ذكاءه ومجهوداته الخاصَّة! وكم هو منظر محزن أن نشاهد مؤمنًا في صراع مع أهل العالم لأجل الممتلكات الأرضية. كان إسحاق في هذه النقطة أفضل جدًا من ابنه يعقوب (ص26: 15-22). وفي 1تيموثاوس6: 6- 10 يعقد الرسول بولس مقارنة بين التقوى والرغبة في الغنى، فيقول: وأمَّا «التقوى مع القناعة فهي تجارة (ربح) عظيمة». وعليه فإن التقوى ربح أعظم من أي ربح مادي. لكن أين علامات التقوى في حياة يعقوب، وهو هنا بعيد عن بيت أبيه، ليس له مذبح، وبالتالي لا اتصال بينه وبين الله؟ ثم أين حياة القناعة (التي تكلِّمنا عنها خيام الآباء)، تلك الخيام التي كان ليعقوب نفسه سابق علاقة بها (25: 27)؟
والرسول بولس الذي كتب هذا لابنه تيموثاوس، كان قد تعلَّم شخصيَّا أن يكون مكتفيًا في أيَّة حالة كانت (في 4: 11). ليس من السهل أن يكون الواحد مكتفيًا دائمًا بما هو فيه، لكن أ ليس هذا أفضل شهادة للذين حولنا، بأنَّنا مكتفون بما يعطينا الله؟ لقد أعطانا الله ابنه الوحيد، ومعه كل شيء (رو 8: 32) وهذا كافٍ.

الأصحاح الحادي والثلاثون
هروب يعقوب من حاران، وتعقب لابان له
رغم كل طرق يعقوب المؤسفة، يجب أن نذكر صبره. لقد احتمل بدون تذمّر، المشقَّة والحرمان، وكذلك الأخطاء الصادرة من لابان. ونجده يعدِّدها في الأعداد 39- 41. لكن ما شدَّده وعضَّده، تَذَكُّره للأرض التي أعطاها الله لإبراهيم ونسله، ولم ينسَ أيضًا الوعد الذي أعطاه له الله في بيت إيل، أن يُرجعه إلى أرض كنعان. لقد حفظ ذكرى هذا الرجاء في قلبه، وجاء الوقت لإتمامه أخيرًا.
أ ليس لنا نحن المؤمنين أيضًا، وعد لا يخيب من الله بخصوص وطن سماوي سيُدخلنا إليه عن قريب؟ هذا الفكر، وهذا الرجاء يعطياننا كل الصبر، وكل الشجاعة اللاَّزمة لمواجهة الصعاب، واحتمال حتَّى الأخطاء الصَّادرة ضدنا من الآخرين (يع 5: 7، 8).
حسن أن أطاع يعقوب كلام الرب له (ع3)، ولكن أ ليس هروبه دون إخبار خاله بعزمه، دليل على تزعزع ثقته في الله. إن الله الذي أعطى الأمر ليعقوب بالرجوع، ما كان سيسمح للابان بإعاقته (ع24). وما كان يجرؤ لابان إلا على الرضوخ، لأنه من عند الرب خرج الأمر (قارن مع24: 50)
لما سمع لابان أن يعقوب هرب (ع22)، تبعه سبعة أيام، حتى أدركه في جبل جلعاد. كان عمر لابان في ذلك الوقت حوالي 140 سنة، بمعنى أن ”رجله والقبر“، ولكنه كان مكَّارًا وبخيلاً ومُرائيًّا، وقلبه ملآن بالطمع والحَسَد. تظاهر لابان بالحب لابنتيه ولأولادهما، والحقيقة أنه ما كان يعنيه سوى مصلحته الشخصية (ع15)، كما ادَّعى بأنَّه يخاف الربّ (ع29، 53)، والواقع أنه كان يبحث عن آلهته الكاذبة.
أمر مُحزن أن نرى راحيل لا تزال متعلِّقة بهذه الأصنام (ع32). مِمَّا كُتب عن رفقة، نستطيع أن نتأكَّد أنَّها تركت تلك الأصنام مسرورة، عندما خرجت من بيت أبيها مع عبد إبراهيم.
هكذا توجد أشياء كثيرة في العالم، نظن أنَّنا نقدر أن نأخذها معنا في الطريق ونحن ذاهبون إلى وطننا السماوي. وقد نقدر أن نُخبِّئها لفترة من الوقت في أعماق قلوبنا عن عيون الذين حوالينا. ليت الرب الذي وحده يعرف خفيات القلب (مز 44: 20، 21)، يقنع قلوبنا، فنتخلص مبكرًا من تلك الأوثان، ونتخلى فورًا عن أي شيء في قلوبنا يأخذ مكان الربّ يسوع.
أخيرًا .. افترق يعقوب عن لابان (ع45-55)، وكانت الرُجمة علامة الانفصال بين الاثنين. وهكذا ينبغي ألا تكون مصالح مشتركة بين المؤمن وأهل العالم، حتى لو كانوا من الأقرباء.

الأصحاح الثاني والثلاثون
ع1-21: يعقوب في طريق العودة إلى أرض الموعد
عند مغادرة يعقوب أرض كنعان، رأى ملائكة (ص28: 12)، وفي طريق عودته إليها قابله ملائكة الله. ويُخبرنا كاتب العبرانيين في أصحاح 1: 14 أنَّ الملائكة تخدم المؤمنين «أ ليس جميعهم أرواحًا خادمة مُرسلة للخدمة لأجل العتيدين أن يرثوا الخلاص؟» فنحن أيضًا ننتفع بعناية الملائكة وخدمتهم لنا، حتَّى وإن كنَّا لا نراهم.
في بيت إيل أراد الله في صلاحه أن يُظهر ليعقوب أولئك الخدام الذين كان مُزمعًا أن يستخدمهم في العناية به أثناء نفيه. والآن في طريق رجوعه، رأى ملائكة ”محنايم“ تُرحِّب به راجعًا إلى أرض الموعد (ع1، 2). لكن يعقوب لم يكن في الحالة التي تجعله يبتهج بهذه الرؤيا. كان ضميره شاعرًا بالذنب، وحتى لو كان لابان خلفه، فإن عيسو أمامه، وكان يفكر في كيفية اللقاء به. أ ليس غريبًا أن من رأى جيش الله، وعرف أن هذا الجيش لحسابه، يعود ويخشى من إنسان، ولو كان عيسو؟!
ولقد قسَّم يعقوب القوم الذين معه (ع7). وليست المشكلة في تقسيم القوم، بل المشكلة الحقيقة أن قلبه كان مقسمًا! والدليل على ذلك أن يعقوب وجد أن مصدر الراحة هو الصلاة، فصلى يعقوب هنا صلاته الأولى المسجلة في الكتاب المقدس (ع9-12)، ولكنه بعد أن قام من الصلاة واصل الاستعدادات والتكتيكات. لقد سلَّم للرب طريقه، ولكنه لم يتكل عليه (مز37: 5)، وكأنه لم يكن واثقًا أن الرب يقدر أن يحميه من عيسو. ألا يحدث هذا منا في بعض الأحيان؟
لم يكن ضمير يعقوب مستريحًا. ونحن أيضًا عندما نشعر بأنَّنا أخطأنا ضدَّ أحد، يكون مستحيلاً على قلوبنا أن تتمتَّع بمحبَّة الربّ. لاحظ قول يعقوب «سيِّدي عيسو»، «عبدك يعقوب» (ع18، 20). بينما بركة أبيه جعلته سيِّدًا لأخيه. ألم يكن من الأفضل، بدلاً من هذا التظاهر والترتيبات الماهرة، أن يتقدَّم يعقوب بجراءة، ويطلب الصفح من أخيه الذي أخطأ إليه؟
ع22-32: الرب يصارع يعقوب
ليلة أخرى تاريخية في حياة يعقوب، بعد ليلة حلم بئر سبع (ص28). وكان الصراع مع الملاك في تلك الليلة يلخص كل تاريخ يعقوب حتى تلك الليلة الفاصلة. فهو كان يريد دائمًا أن يحصل على البركة بمجهوده وذكائه، وبالتالي كان دائمًا في صراع مع الله. لكنه اكتشف هنا أن «ليس بالقوة يغلب إنسان» (1صم 2: 9). ماذا يمكن أن تفعل قوة الإنسان ضد قوَّة الله؟ حركة واحدة فقط (ع25) وصارت قوَّته لا شيء. عندئذ نزع يعقوب الثقة الذاتية، وتعلَّم ذلك الحق الأساسي في حياة كل مؤمن: «حينما أنا ضعيف، فحينئذ أنا قوي» (2كو12: 10).
وإذ وصل يعقوب إلى معرفة ذاته، فقد أمكنه أن يغلب بالإيمان قائلاً: «لا أطلقك إن لم تباركني» (ع26 قارن مع هوشع 12: 4). ويا لها من نصرة عن طريق الصلاة! كانت بركة ليعقوب أن يُدعى اسمه إسرائيل ـ اسم له مكان هام في مقاصد الله، وفي الكلمة، وفي التاريخ. هذا الاسم الذي يكلِّمنا عن المسيح الغالب أمير الله، إسرائيل الله الحقيقي.
لن ينسى يعقوب أبدًا هذا المكان ”فنيئيل“. وعصاه التي سيتوكأ عليها من الآن فصاعدًا ستذكره به. صحيح في هذا المكان انخلع حق فخذه، ولكن روحه تحررت (قارن مع رومية 7: 24، 25). ومن الجانب الآخر قال الربّ يسوع: «خير لك أن تدخل الحياة أعرج أو أقطع، من أن تُلقى في النار الأبدية ولك يدان أو رجلان» (مت 18: 8).
وفنيئيل معناها ”وجه الله“. حتَّى الآن كان يعقوب يعرف فقط بيت إيل ـ أي بيت الله، والآن تقابل وجهًا لوجه مع الساكن في هذا البيت!
ولقد «أشرقت له الشمس إذ عبر فنيئيل» (ع31). سبق أن غربت الشمس في حياته (28: 11)، ودخل بعدها إلى ليل طويل، ولكن بنهاية الاغتراب عند لابان، ورجوعه لأرض الموعد، وللعلاقة والشركة مع إلهه، أشرقت له الشمس من جديد.

الأصحاح الثالث والثلاثون
ع1-16: لقاء يعقوب مع عيسو
غيَّر الربّ اسم أبرام إلى إبراهيم، فلم يَعُد يُدعى بالاسم القديم مرَّة أخرى. لكن ليس هكذا مع يعقوب صاحب الحيل، الذي ظل محتفظًا بالاسمين إلى نهاية حياته، وهذا يصور لنا الطبيعيتن في المؤمن.
الهدية الكبيرة التي أرسلها يعقوب إلى عيسو، لم تغيَّر قلب عيسو، وإن كانت أظهرت قلب يعقوب. فلقد صلى يعقوب للرب في الأصحاح السابق لكي ينجيه من عيسو، والرب بطريقة عجيبة غيَّر قلب عيسو فعلاً (ع4). واتضح أن الهدية الغالية، التي وثق فيها يعقوب أكثر من صلاته لله، لم يكن لها لزوم، وعيسو على ما يبدو من ع 8 لم يفهم الغرض منها.
على أن يعقوب ما زال هو يعقوب، ولم يتعلم أن يثق في إلهه، كلي القدرة والسلطان. فنراه يتملَّق عيسو، ويخدعه قائلاً: إنَّه ذاهب إلى سعير (ع14)، ولكنَّه ذهب إلى سكوت.
ع17-20: تباطؤ يعقوب في الوصول إلى بيت إيل
ليس فقط لم ينفذ يعقوب ما قاله لعيسو، بل الأسوأ أنه لم ينفذ ما قاله للرب، فلم يذهب إلى بيت إيل، بل ذهب بالأسف إلى سكوت، حيث بنى بيتًا (ع17)، واشترى حقلاً (ع19)، مُنكرًا بهذين التصرفين صفته كغريب. (انظر عبرانيين 11: 9). وكان لهذا أوخم العواقب، كما يُظهر لنا أصحاح34.

الأصحاح الرابع والثلاثون
مأساة دينة وتوابعها
كانت شكيم مكانًا مناسبًا لرعي المواشي، لكن بكل أسف أجمل شاة في بيت يعقوب ضاعت في ذلك المكان! لقد اهتم يعقوب، في نهاية الأصحاح السابق، بالربح المادي أكثر من الشهادة لله، فكانت النتيجة الرهيبة ما نقرأه في هذا الأصحاح (قارن أمثال 15: 27).
وإن كان أهل العالم الأشرار - من قبل الطوفان، وإلى نهاية الزمان - يميزهم النجاسة والشراسة، فكم هو مؤسف أن عائلة يعقوب ارتُكبت فيها هاتين الكارثتين. فهذا الفصل المحزن يبدأ بحادثة زنى، ويختم بمجزرة!
إن الشركة مع الأشرار، جلبت على يعقوب المرار، وعلى بيته الفضيحة والعار. وبالأسف تدنست ابنته الوحيدة دينة. ثم بالحيلة والخديعة مارس أبناء يعقوب الشرسين مجزرة مرعبة، لرد الشرف، جعلت يعقوب يضطرب ويخاف مما قد ينتج عن فعلة أولاده الأشرار، ولكن الله لم يتركه في تلك الحالة البائسة، كما سنرى في الأصحاح التالي

الأصحاح الخامس والثلاثون
ع1-15: يعقوب في بيت إيل
تكلَّم الرب إلى يعقوب مرة أخرى قائلاً: «قُم اصعد إلى بيت إيل وأقم هناك، واصنع هناك مذبحًا لله». بيت إيل، بيت الله، كان هو المكان حيث يمكن التمتُّع بمحضر الربّ. هذا الصوت نفسه، يُخبر المؤمن كل أوّل أسبوع: لا تهتم بالأمور الأرضيَّة، وتعال تمتَّع بمحضر مُخلِّصك، لتسجد له بالروح والحق. هناك يمكنك أن تقدِّم بالروح القدس ذبيحة الشكر للذي خلَّصك من الموت.
يا له من امتياز أن نُطيع ونذهب معًا لنعبد الله! لكن قبل أن نتمتَّع بهذا الامتياز، يجب أوَّلاً أن يحدث شيء، وقد عرف يعقوب هذا. ونحن بالمثل يجب أن نتذكَّر هذا. كان في خيامه أشياء مُخبَّأة لا تتَّفق مع محضر الله القدوس، مثل تماثيل آلهة لابان، التي كانت في خيمة راحيل، وهذه تغاضى عنها يعقوب طويلاً، لكن الآن جاء الوقت لتطهير أنفسهم، والتخلُّص من الآلهة الغريبة (قارن هوشع 14: 8). فطمرها يعقوب تحت البُطمة، كشيء لا قيمة له، ولا يستحق سوى الدفن، وبذلك أمكنه أن يصعد إلى بيت إيل. ما عاد هذا المكان مرعبًا ليعقوب (قارن 28: 17). فبني هناك مذبحًا، وسمع من الله تأكيدًا للمواعيد. يجب أن يتذكَّر المؤمن أنَّه بنفس الطريقة، لا يمكنه أن يتقدَّم أمام الله في الجماعة، بدون أن يكون قد حكم على ذاته وأفعاله.
ع16-20: ولادة بنيامين وموت راحيل
نرى الآن مرحلة جديدة في حياة يعقوب، حدث وهو في ترحاله: ولادة بنيامين، وفي الوقت ذاته موت راحيل. طريق المؤمن بالمثل فيه أفراح وأتراح. ولقد أقام يعقوب عمودين: واحد للأفراح والآخر للأحزان (ع14، 20).
كلا الاسمين اللذين أُعطيا للطفل، يُكلِّماننا عن الربّ يسوع: ابن أوني (ابن حزني) وهو اسم ذاك الذي سينوح عليه إسرائيل «كنائح على وحيد له» (زك 12: 10)؛ واسم ذاك الذي كان مُجرَّبًا في الأرض «رجل أوجاع ومُختبر الحَزَن» (إش 53: 3). لكنَّه في الوقت نفسه بنيامين الحقيقي ـ ابن يمين الآب ـ الشخص الذي قال له الله: «اجلس عن يميني» (مز 110: 1). والاسمان معًا يُريان أنَّ آلام المسيح وأمجاده لا ينفصلان (لو 24: 26- 46).
يوجد اسم آخر في هذا الأصحاح، يجعلنا نفكِّر في المسيح أيضًا، وهو «بيت لحم» (ع19)، حيث وُلد المخلص. ولقد أُقيم قبر راحيل هناك. ومكان الدموع الذي ذُكِر في بداية الأناجيل (مت 2: 18)، أصبح هو نفسه المكان الذي أُعلن منه أعظم فرح لجميع الشعب (لو 2: 10).
ع21-29: جريمة رأوبين، وموت إسحاق
هذه النجاسة التي امتعت رأوبين لدقائق معدودة، سببت لأبيه وله أحزانًا مديدة. ويعقوب إلى يوم وفاته لم ينس تلك الفعلة النكراء (49: 2، 3)، وبسببها خسر رأوبين البكورية (1أخ 5: 1).
الآن بعد ولادة بنيامين (ع12)، أمكن أن يذكر أسماء الأسباط الاثنى عشر لأول مرة (ع22-26)، ولو أننا سنجدهم بعد ذلك كثيرًا على صفحات الوحي.
وأخيرًا مات إسحاق (ع27-29)، الذي عاش أطول من أبيه إبراهيم، وأطول من ابنه يعقوب. ودفنه ابناه عيسو ويعقوب. لقد كان رجل السلام والوداعة، فتمتع بكثرة الأيام، ورأى خيرًا (مز 34: 11-14).

الأصحاح السادس والثلاثون
عيسو ونسله
كانت عائلة عيسو ناجحة، إذ شملت أمراء كثيرين. يشتهي الإنسان أن يكون قائدًا أو رئيسًا، لكن كم هو أفضل أن يكون الواحد مُطيعًا لله، من أن يُعطي أمرًا للناس، وأن يَخدِم خاصة الرب، عن أن يُخدَم من أهل العالم! هذا ما علَّمه الربّ لتلاميذه، عندما قال: «أنتم تعلمون أنَّ الذين يُحسبون رؤساء الأمم يسودونهم، وأنَّ عظماءَهم يتسلَّطون عليهم، فلا يكون هذا فيكم، بل من أراد أن يصير فيكم عظيمًا، يكون لكم خادمًا. ومَنْ أراد أن يصير فيكم أوَّلاً، يكون للجميع عبدًا» (مر 10: 42- 44).
وبين هؤلاء الأمراء المتناسلين من عيسو، يذكر ”عنى“ الذي وجد الحمائم (أي الينابيع الحارة) في البرية (ع24). مثل هذه الينابيع لا يمكن أن تروي العطش، وتمثل كل ينابيع الأرض. بالإضافة إلى ”عماليق“ الذي صار ألد أعداء إسرائيل على مدى تاريخه الطويل.
يُذكر أن عيسو هو أدوم (ع1، 8). لقد تغيَّر اسم يعقوب المُخادع إلى إسرائيل أمير الله (35: 10)، لكن اسم عيسو، صار ”أدوم“، الذي معناه أحمر، إشارة إلى ”الأحمر“ الذي اشتهاه: طبخة عدس(25: 30). فكّر في هذا: عيسو وكل نسله، من جيل إلى جيل، اشتهروا بأكلة العدس التي من أجلها باع بكوريَّته، وخسر البركة!

الأصحاح السابع والثلاثون
ع1-11 يوسف وأحلامه
هذا الأصحاح يبدأ لنا قصَّة حياة يوسف الجميلة. وهذه الحياة لها لذَّة خاصة في كل الكتاب، لأنَّه لا توجد شخصية تُقدِّم الربّ يسوع في رمز، مثلما تُقدِّمها حياة يوسف. كان يوسف (مثل الربّ يسوع) موضوع محبَّة أبيه، فعمل له قميصًا ملوّنًا (قارن مت 3: 17؛ أع 2: 22)، وكذلك كان مثله موضوع كراهية وحَسَد إخوته بني إسرائيل (يو 3: 19؛ مت 21: 38)؛ وذلك لأنَّه شهد ضدَّ شرّهم (ع2)، وفي الوقت نفسه شهد لهم عن مجده القادم، الذي لم يؤمنوا به. فالمسيح مركز كل النبوات المتعلِّقة بالأرض (ع7)، والمتعلِّقة بالسماء (ع9). كان هو الشاهد الأمين الحقيقي (رؤ 19: 11) ضدَّ العالم وأعماله الشريرة (يو 7: 7)، والشاهد عن أمجاده القادمة (مت 26: 64).
ع12-17: يوسف مرسل من أبيه إلى إخوته
يوسف مثال لنا في الطاعة. وعندما أرسله أبوه ليفتقد إخوته، مع أنَّهم أبغضوه، قال: «هنذا» (ع13). لكن ما أعظم المثال الذي لنا في الربّ يسوع الذي قدَّم نفسه في طاعة كاملة، عندما أراد أبوه أن يرسله! «هنذا أجيء لأفعل مشيئتك يا الله» (عب 10: 9؛ مز 40: 7، 8).
كان على يوسف أن يذهب في طريق طويل ليبحث عن إخوته. ألا يُذكِّرنا هذا بابن الله الذي جاء لكي يطلب ويخلِّص ما قد هلك (لو 19: 10)؟ إنَّه أخلى نفسه، مع أنَّه الله صار إنسانًا، ووضع نفسه وأطاع حتَّى الموت موت الصليب (في 2: 7، 8).
ع18-36: رفض يوسف وبيعه للأمم
المؤامرة ضدَّ يوسف بكل تفاصيلها تكلِّمنا عن الصليب. لقد تآمروا على قتل ذاك الذي أتى ليخدمهم. تشاوروا ليقتلوه (انظر مز 109: 5؛ إر 11: 19؛ يو 11: 53 «يزدحمون على نفس الصدِّيق، ويحكمون على دم زكي» (مز 94: 21).
نزعوا ثيابه عنه (مز 22: 18)، وطرحوه في البئر، صورة للموت. كل هذه الآلام صارت على المخلِّص إلى أقصى درجة. وأخيرًا باعوا يوسف بعشرين من الفضة كعبد للغرباء. والأعظم من يوسف بيع بثلاثين من الفضة «الثمن الكريم الذي ثمنوني به» (زك 11: 13). ثم سلَّمه اليهود إلى بيلاطس. كم كان ذلك مؤلمًا على نفس يوسف! فكم كان أعظم ألمًا لذاك الذي كان يوسف رمزًا ضعيفًا له، عندما دخل في كل تلك الأحزان وفي الموت نفسه بدافع المحبة لك ولي.
وفي الختام لا يجب أن نغفل تصرف إخوة يوسف مع أبيهم. كان تصرفًا فظًا وقاسيًا، ولكن كان يعقوب هنا يواصل حصاد ما زرعه (غلا 6: 7)، فذاك الذي خدع أباه بجدي من المعزى (ص27)، خدعه أولاده بتيس مع المعزي!
أفكار تعليمية هامة نجدها في حياة الآباء الأربعة:
في إبراهيم نجد الاختيار والدعوة.
في إسحاق نجد البنوة والميراث.
في يعقوب نجد التدريب والتهذيب.
في يوسف نجد الآلام والأمجاد.

الأصحاح الثامن والثلاثون
خطية يهوذا وولادة فارص وزارح
يأتي هذا الأصحاح معترضًا في قصة حياة يوسف، مصورًا لنا شر الأمة (حالة يهوذا)، بالمقابلة مع كمال المسيح (الذي كان يوسف ظلاً باهتًا له). والروح القدس قبل الاسترسال في تاريخ يوسف، يعطينا صورة لتاريخ الشعب القديم، بينما يوسف الحقيقي بعيدًا عنهم. فهم يميزهم محبة المال والنجاسة والإدعاء المزيف.
إن يهوذا الذي باع يوسف في الأصحاح السابق، زنى مع كنته في هذا الأصحاح. وهكذا هذا الشعب الذي رفض المسيح الحقيقي عندما أتى إليهم، سيقبل ضد المسيح في المستقبل، وهذا هو الزنى الروحي بمعناه البشع.
وأما الدرس الأدبي الذي نحتاج إليه كلنا شبانًا وشيوخًا، أن عدم مخافة الرب تجلب علينا: الفقر (ضياع الخاتم)، والفضيحة (ضياع العصابة)، والضعف أو ضياع القوة (فقد العصا – أم6: 26، 32و33؛ 5: 10). فلنكن حكماء، ونحذر من الخطية!
الأصحاح التاسع والثلاثون
ع1-12 انتصار يوسف على الخطية
بالمقارنة مع ما نقرأه في الأصحاح السابق، نجد يوسف في مصر شابًا يخاف الله ويحفظ نفسه طاهرًا. لمَّا أتت التجربة رفضها (ع8)، ولم يسمع لها (ع10)، بل وهرب (ع12). قارن بين وضعه في ع10، وبين شمشون في قضاة16: 16, 17. وكانت النتيجة أنَّ الربّ الذي كان مع يوسف في بيت فوطيفار (ع2, 3)، كان معه أيضًا وهو في السجن (ع21- 23)، بعكس شمشون الذي فارقه الربّ. ليس المهم أين نكون، طالما كان الربّ معنا؛ وهو سيكون معنا إذا بقينا ثابتين وأمناء. كذلك كان الربّ يسوع كإنسان، فأمكنه أن يقول لتلاميذه: «وأنا لست وحدي لأن الآب معي» (يو16: 32).
أيها الشاب المؤمن: قد تترك بيت أبيك يومًا ما لتعيش في أوساط خطرة، فكيف يمكنك الانتصار على إغراء التجربة؟ لما سأل المرنم: «بم يزكي الشاب طريقه؟»، كانت الإجالبة الفورية هي: «بحفظه إياه حسب كلامك» (مز119: 11). فليت مثال يوسف، وهو بعيد عن عائلته، يكون حافزًا لك على الانتصار على ما يواجهك من معارك ضارية!
ع13- 23: مزيد من الآلام ليوسف
كان على يوسف أن يجتاز في آلام أخرى، إذ تألم بالظلم، نتيجة شكاية كاذبة. وهذه أيضًا تكلِّمنا عن آلام المخلِّص.
أُخذ البار ووُضع في السجن «آذوا بالقيد رجليه. في الحديد دخلت نفسه» (مز 105: 18). هكذا مع المسيح «فألقوا أيديهم عليه وأمسكوه» (مر 14: 46). لقد تجاسروا بوضع أيديهم النَّجسة على ابن الله القدوس! كما نقرأ أيضًا: «وكان رؤساء الكهنة والشيوخ والمجمع كله يطلبون شهادة زور على يسوع لكي يقتلوه» (مت 26: 59). «وأُحصيَ مع أثمة» (مر 15: 28). بينما هو «لم يفعل شيئًا ليس في محله» (لو 23: 41).
عن يوسف يقول الوحي مرَّة أخرى: «لكن الربّ كان مع يوسف» (ع21، 23)، وكان هذا سبب تعزيته، وسر نجاحه. ليت هذا يكون اختبارنا نحن أيضا دائمًا وفي كل مكان!
يوسف كرمز للمسيح، وثيابه الأربعة (قارن فيلبي 2: 6-10)
القميص الملون في بيت أبيه: «إذ كان في صورة الله، لم يحسب خلسة أن يكون معادلاً لله»
ثوب العبيد في بيت فوطيفار: «أخلى نفسه آخذًا صورة عبد»
ثوب المذنبين في بيت السجن: «وضع نفسه وأطاع حتى الموت موت الصليب»
ثياب البوص وهو حاكم على أرض مصر: «لذلك رفَّعه الله أيضًا وأعطاه اسمًا فوق كل اسم، لكي تجثو باسم يسوع كل ركبة.. ويعترف كل لسان أن يسوع هو رب لمجد الله الآب»
الأصحاح الأربعون
حلم رئيس السقاة ورئيس الخبازين
السجن كان مليئًا بالذين أذنبوا بالجرائم المختلفة؛ كم هو مؤثر أن يُرى يوسف في وسط هؤلاء المُذنبين، لا يتعالى عليهم لأنَّه البريء دونهم، كما لا نراه ثائرًا ولا مُتبرمًا، بل لا يزال يخدم! وهذا يأخذ بأفكارنا وقلوبنا مرَّة أخرى للكامل وحده الذي أتى ليشاركنا في حالتنا الشقيَّة، وليخدمنا بالمحبَّة، وفوق كل شيء، يحمل في جسده خطايانا ودينونتها.
ساقي مصر والخباز اللذان أذنبا إلى سيدهما، يمثلان كل الجنس البشري «لأنَّه لا فرق إذ الجميع أخطأوا» (رو3: 22، 23). أخطأوا ضدَّ الله، واستحقوا غضبه ودينونته، لكن هنا يأتي الفرق: البعض يسمع بشارة الخلاص بالنعمة ويقبلها بالإيمان (أف2: 8)، وهؤلاء نرى صورة لهم في رئيس السقاة؛ بينما البعض الآخر يرفض البشارة، فيتُرك للمصير الرهيب ـ الموت الثاني، وهؤلاء نرى صورتهم في رئيس الخبازين. يوجد فريقان لا ثالث لهما: المُخلَّصون والهالكون. فمن أي الفريقين أنت؟
الخبَّاز لم يستطع أن ينجو من حكم الملك عليه بالموت، لكن توجد الآن فرصة لك أنت لكي تنتقل من الموت إلى الحياة، ومن الهلاك إلى الخلاص، وذلك بقبول إنجيل نعمة الله. واللصان على الصليب مثال لهذين الفريقين. واحد بقيَ غير مُبالِ، ومات في خطاياه، لكن الآخر طلب: «اذكرني يا رب» وحصل على هذا الجواب المُدهش: «اليوم (ليس في ثلاثة أيام) تكون معي (ليس في قصر ملك، بل) في الفردوس» (لو23: 43).
في ع14 طلب يوسف من الساقي قائلاً: «تذكرني». لكن ما يدعو للأسف، أنَّنا نقرأ في ع23: «ولكن لم يذكر رئيس السُقاة يوسف، بل نسيه». أيُّها المؤمنون بالربّ يسوع، الذين انتفعتم بخلاصه العظيم: أ لا نكون في أوقات كثيرة غير شاكرين، ناسين الذي صنع لنا هذا الخلاص؟ الربّ يسوع إذ علم ميل قلوبنا، قال للتلاميذ، عندما أخذ خبزًا وشكر وكسر وأعطاهم: «اصنعوا هذا لذكري» (لو22: 19).

الأصحاح الحادي والأربعون
ع1-36 حلم فرعون وتفسيره
تذكَّر الساقي يوسفَ بمناسبة حُلم فرعون، ولم يكن من السهل عليه أن يقول: «أنا أتذكَّر اليوم خطاياي» (ع9)، ولا كان ممكنًا أن يتكلَّم عن يوسف دون أن يذكر أين وكيف تقابل معه. ونحن بدورنا عندما نشهد للربّ يسوع مخلِّصنا، لا يجب أن نخشى أن نعترف بحالة الخطيَّة والتعاسة التي كنَّا فيها.
انزعج فرعون بسبب حُلم، وبالمثل ترى اليوم الناس منزعجين وقلقين من أجل المستقبل المجهول. لكن كلمة الله تُعلن كل ما سيحدث، على أن النبوَّة لا يدركها مَنْ ليس له روح الله. لم يستطع فرعون أن يفسر حُلمه، وعبثًا طلب ذلك من حكماء مملكته. عندما يكون الأمر متعلِّقًا بالله، فالحكمة البشريَّة لا تنفع. ثم أتى يوسف إلى المشهد، وفُتحت له أبواب السجن ليخرج ويقف أمام فرعون. وأجاب يوسف فرعون بالحكمة النازلة من فوق، قائلاً: «الله يُجيب بسلامة فرعون» (ع16). ولم ينسب التفسير لنفسه، بل لله (قارن دانيآل2: 28). لقد كان اسم الله دائمًا على لسان يوسف. لاحظ التكرار اللافت لاسم الله في خلال أحاديثه المعتادة (39: 9؛ 40: 8؛ 41: 16؛ 41: 51، 52؛ 42: 18؛ 45: 5، 9؛ 50: 19، 20؛ 50: 24).
أصغر مؤمن يعرف كلمة الله، لديه معلومات عن المستقبل، أحسن من أذكى السياسيِّين في العالم. الله، بواسطة الروح القدس «أعطانا بصيرة»، وأصبحنا ”نعلم كل شيء“ (ارجع إلى يو16: 13؛ 1يو2: 20؛ 5: 20).
من الناحية الروحية العالم اليوم يعيش في شبع عظيم، ولكن بعد اختطاف الكنيسة ستأتي مجاعة رهيبة، ليس للخبز.. بل لاستماع كلمات الرب (عا8: 11). إن زمان النعمة سينتهي عن قريب، فهل أنت مستعد أيها القارئ العزيز؟
ع37- 52: رفعة يوسف
الآن تُفتح صفحة هامة في حياة يوسف. فبعد الآلام تأتي الأمجاد (مز105: 17- 21 قارن مع لو24: 26). الذي أُذل وطُرح في البئر وبيع لبلاد غريبة عبدًا، ووُضع في بيت السجن، صار الآن ”سيِّد الأرض“ (ص42: 30)، ومخلِّص العالم، والذي أمامه تنحني كل الركب (ع43)! كل واحد من هذه الألقاب يتكلَّم إلينا عن ذاك الذي احتُقر ورُفض مرَّة، والذي سيُكرم سريعًا من الجميع، ويتمجَّد إلى الأبد. الناصري الذي طوعًا صار عبدًا، رفَّّعه الله وأعطاه اسمًا فوق كل اسم (في2: 9)، وهو الآن مُكلَّل بالمجد والكرامة (عب2: 7، 9).
شيء آخر كان له قيمة عند يوسف أكثر من كل أمجاد مصر، وهو عروسه أسنات التي أعطاها له فرعون (ع45). أُخذت من بين الأمم ـ أي من بين الذين لم يكن لهم حق في أي نصيب مع عائلة إسرائيل. كان هذا طبقًا لمشيئة الله ونعمته. فالمسيح المُمجَّد أعطاه الله عروسًا ـ الكنيسة المكوَّنة من أولئك الذين كانوا غرباء عن عهود الموعد (أف2: 12)، وهي لها تقدير كبير على قلبه، وسيُحضرها لنفسه لتشاركه مجده.
ثلاث زيجات في سفر التكوين:
في حواء عروس آدم: نجد فكرة السر العظيم (أف5: 29).
في رفقة عروس إسحاق: نجد فكرة التعيين الأزلي (رو8: 29).
في أسنات عروس يوسف: نجد فكرة أنها عطية من الله (يو17)
وبالنسبة للمسيح نجد هذه الأفكار المتتابعة: في آدم نرى الموت وفتح الجنب، وفي إسحاق نجد القيامة والصعود، وفي يوسف نجد المجد والملك
اسم ابني يوسف يذكرنا لهما مدلول جميل: ”منسى“ (ع51) ومعناه نسيان؛ ثم ”أفرايم“ (ع52) ومعناه ثمرًا مضاعفًا. ونسيان الماضي في حياة المؤمن ينبغي أن يسبق الثمر (في3: 13). وبالنسبة ليوسف فقد صارت المذلة من متعلقات الماضي، والآن بدأ الثمر المضاعف لمجد الله (قارن إشعياء53: 11).
ع53-57: بداية سني الجوع
كل ما يقوله الربّ لا بد أن يُتمِّمه. هكذا تمَّ كل كلام يوسف الذي أعلنه له الله، وبعد أن مرَّت سبع سني الشبع، ابتدأ الجوع.
يجرِّب الله كل وسيلة مُمكنة ليأتي بأفكار الناس إليه، وهذا هو السبب الذي لأجله تأتي أوقات سلام، وتتبعها أوقات حرب ـ أوقات شبع وأوقات جوع. وفي حياة كل فرد: أوقات فرح وأوقات حزن، أوقات فرج وأوقات ضيق.
لكن بالأسف نادرًا ما يفكِّر الناس في أن يشكروا الله من أجل الأفراح التي يعطيها، أو أن يهرعوا إليه في وقت الضيق.
وكما أمر فرعون: «اذهبوا إلى يوسف» (ع 55)، هكذا الله الآن يقول لجميع الناس: «اذهبوا إلى يسوع»، والمخلِّص نفسه ينادي: «تعالوا إليَّ» (مت11: 28). ليتنا نفعل ذلك دائمًا، فنأتي إلى الذي يُعطي بسخاء ما نحتاجه لتغذية نفوسنا، وليتنا نعرف أيضًا كيف ننتفع من فرص البركات الروحية كاجتماعات القديسين مثلاً لنملأ منها مخازن ذاكرتنا وقلوبنا. فما نخزنه، يعطينا قوَّةً وفرحًا في الربّ، حتَّى في أوقات العَوَز والوحدة والفشل. ثم ليتنا لا ننسى التعليم المتضمن في ع55 «والذي يقول لكم افعلوا» (قارن مع يو2: 5).

الأصحاح الثاني والأربعون
إخوة يوسف في مصر لأجل الحنطة
بينما كانت هذه الأمور حادثة في مصر، لا يُقال شيء بالمرة عن عائلة يعقوب. وكأنَّ الله يقول: ”بما إنَّكم ارتكبتم هذه الجريمة، ويوسف ليس في وسطكم الآن، فلست أجد سرورًا في ذكر أي شيء يتعلَّق بكم“. هكذا في تاريخ الجنس البشري المُحزن، وإسرائيل بصفة خاصة، بعد رفض المخلِّص، ليس عند الله ما يقوله فيما يختص بهم لفترة على الأقل. لكن الله في صبره غير المحدود، لم ينس خلائقه رغم عصيانهم، ولا أغمض عينه عن يعقوب وعائلته، لكنَّه كان ينتظر الوقت المناسب، ليستعيد العلاقة بهم، وقد جاء بحدوث الجوع.
إذا كان الله يسمح حتَّى بين خاصَّته، بتجارب مثل الاحتياج أو المرض، إنَّما ليوجِّه الالتفات إلى المسيح، يوسف الحقيقي، آخذًا مركزه اللائق به في حياتهم. ما أعظم صبر الله حقًّا، الذي ينتظرنا حتَّى نصل إلى هذه النتيجة!
أيها القارئ العزيز .. لا تظن أن مرور الزمن يمكن أن يمحو أقل خطيَّة، فهي أمام عيني الربّ حتَّى ولو نسيناها نحن، فسنعطي عنها حسابًا إن عاجلاً أو آجلاً. ولكن الله في محبَّته يُرحِّب بك آتيًا إليه.
لقد قال الإخوة العشرة: «نحن أمناء» (ع11، 31). قالوها أمام ذاك الذي يعرف عنهم كل شيء، والذي لو كان ذكر قد لهم اسمه فقط، لبرهن لهم بأنهم غير أمناء. كيف يظن البشر أنهم يستحقون أي شيء، وقد رفضوا ابن الله الوحيد ربنا يسوع المسيح؟!
من الجانب الآخر، يمكننا أن نرى بسهولة أنَّ يوسف لم يكن يقصد الانتقام من إخوته عندما استقبلهم بخشونة، لكنَّه عرف بالخبرة رداءة قلوبهم، وكان غرضه ردَّ نفوسهم، ومساعدتهم على الوصول إلى التوبة الحقيقيَّة. وكما سنرى في قراءتنا هذه الأصحاحات أنَّه استخدم لهذا الغرض: الشدَّة واللطف، التخويف والتشجيع، الاتِّهام ودعوتهم إلى الوليمة ـ كل شيء كان يُعمل بحكمة عظيمة، وهذا يُرينا كيف يتعامل معنا الربّ عندما نكون في حاجة لأن يوقظ ضمائرنا وقلوبنا.
وغني عن البيان أن اتهام يوسف بأنهم جواسيس لم يكن صحيحًا. فإخوة يوسف لم يكونوا جواسيس، لكن هذا الاتهام أحضر ضمائرهم أمام الله، وذكَّرهم بخطيتهم وظلمهم لأخيهم. وهكذا معنا، أحيانًا نُتَّهم بشيء غير صحيح، فبدلاً من أن نُبرِّر أنفسنا، لنرجع إلى الله لنعلم ماذا يريد أن يعلِّمنا بهذا الأمر غير السار لنا.
ذهب عشرة إخوة من عند يعقوب ليبتاعوا الحنطة، وعادوا إليه تسعة فقط. وهذا الأب الشيخ المسكين اشتكى في لوعة قائلاً: «صار كل هذا عليَّ؟» (ع36)، مع أن الواقع أن كل شيء كان يجري لخيره. لقد كان عليه أن يتعلَّم أنَّه إذا كان الله له، فلا شيء يكون ضدَّه (انظر رومية8: 31). بعد قليل جدًا كان سيعلم أعظم خبر: أن يوسف حي بعد، وسيتم اجتماع شمل العائلة كلها!

الأصحاح الثالث والأربعون
إخوة يوسف في مصر ثانية، ومعهم بنيامين
كان إخوة يوسف خائفين كثيرًا، علامة على أنَّ ضمائرهم لم تكن مستريحة. كان عليهم أن يرجعوا إلى يوسف ويُعطوا تفسيرًا للفضة التي وُجدت في عِدالهم. لقد عملت النعمة ذلك لهم، لكن حتَّى عمل النعمة يترك الضمير في الخاطئ خائفًا. عندما يوجد لوم على ضمائرنا، يجب ألاَّ نبقى بعيدين عن الربّ، بل نُسرع إليه معترفين بكل شيء. إنَّه ينتظرنا، كما كان يوسف بلا شك ينتظر رجوع إخوته بشوق أكثر من شوق شمعون، الذي كان مقيَّدًا في مصر.
العدد الثامن يُخبرنا بما يجب أن نفعله: «نقوم ونذهب ونحيا» (قارن لوقا15: 18).
أمكنهم أن يُقنِعوا أباهم بأن يَدَع بنيامين يذهب معهم، وأخيرًا أخذ الرجال هديَّة من أفخر جنى الأرض (ع11) وذهبوا. لكن، هل كان يوسف الغني والذي مخازنه ملآنة، يحتاج شيئًا؟ دائمًا يميل الإنسان أن يُقدِّم شيئًا لله ثمنًا لِما يتناوله من بين يديه، لكن من جانب الله كل شيء يُعطيه مجانًا، ولا يمكن أن يقبل شيئًا، ولو كان أحسن ما ينتجه الإنسان.
البلسان والعسل والكثيراء واللاذن والفستق واللوز (ع11)، لا يمكن أن تشبع الجائع. الإنسان يحتاج إلى الحنطة السماوية، وهذه لا توجد إلا عند يوسف الحقيقي. قد يكون لدى العالم أطايب، لكن ليس عنده ما يشبع الجوع الأبدي للتفس البشرية.
كان من الصعب على إخوة يوسف أن يقبلوا أن دينهم قد سُدِّد. فبلا شك، أنَّ حسابات وكيل يوسف كانت سليمة عندما قال: «فضَّتكم وصلت إليَّ» (ع23). لقد سدَّد يوسف الثمن عن إخوته. هكذا المسيح قد وفَّى كل شيء لأجل سلامنا. وديننا قد سدِّد تمامًا، وهو وحده الذي يعرف كم كلَّفه ذلك.
ومع ذلك فطالما يوجد خطية لم يُحكم عليه، لا يمكن التمتُّع بفرح الشركة. أن يأكلوا طعامًا معًا فهذا تعبير عن الشركة، حيث يشترك الكل في حديث مشترك على المائدة. أ ليس كذلك مائدة الربّ، حيث يفكِّر المؤمنون معًا في آلام حبيبهم وسيدهم؟ أما هنا فإن خطيَّتهم غير المحكوم عليها، أوجدت حائلاً بين يوسف وإخوته، لذلك أكل يوسف وحده، وإخوته وحدهم. لقد تعذَّر وقتئذ أن تكون لهم شركة معه.
يوسف رجل الدموع
بقراءة هذه الأصحاحات، نجد أنه يقال عن يوسف إنه ”بكى“ سبع مرات: (42: 24؛ 43: 30؛ 45: 2، 14؛ 46: 29؛ 50: 1، 17). ونلاحظ أنه لم يبكٍِِ في البئر، ولا في السجن، فهو لم يبكِ على حظه المائل؛ لكن دموعه كلها جاءت بعد رفعته، وكانت دائمًا دموع المحبة، التي تذكِّرنا بدموع الربّ يسوع (انظر يوحنا11: 35؛ لوقا19: 41).

الأصحاح الرابع والأربعون
المحنة العظيمة وبنيامين
في هذا المشهد نرى كيف أن الشبكة أحكمت حول إخوة يوسف، وتم ذلك بيد أمينة وماهرة، قادتهم إلى الاعتراف المذل: «ماذا نتكلم؟ وبماذا نتبرر؟ الله قد وجد إثم عبيدك» (ع16). وهي لغة مختلفة تمامًا عن لغتهم السابقة: «نحن أمناء» (42: 11، 31). وهذا يجعل مسألة خلاصهم أقرب بكثير مما كانت عليه في أي وقت مضى.
وهذه الأحداث التي نتأمَّلها الآن، لها صفة نبويَّة. فإسرائيل، التي نحيت في الوقت الحاضر إلى حين، بسبب رفضهم للمسيح، يوسف الحقيقي، سيقودها الرب في المستقبل للاعتراف بجريمتهم العظيمة، وسيرون في الناصري الذي احتقروه وصلبوه، الشخص الذي جعله الله ربًّا ومسيحًا (أعمال2: 36)، وفي الوقت نفسه ابن الإنسان الذي سيملك على كل المسكونة. لكن لكي يصلوا إلى هذه النقطة وهذا التدريب للضمير، سيجتاز إسرائيل وبالأخص يهوذا، فترة تُسمَّى الضيقة العظيمة (رؤ7: 14). والمحنة الرهيبة التي اجتاز فيها إخوة يوسف، إلى أن اعترفوا بجريمتهم، تشير إلى ما تعيَّن على الشعب اليهودي أن يقاسيه، قبل أن يعترف بمسياه ويكرمه.
وكلمات يوسف الأخيرة في ع17 أراد بها يوسف أن يأخذ أفكار إخوته إلى الوراء أكثر من عشرين سنة، إلى ذلك اليوم عندما كانوا بالقُرب من البئر، حيث وقفوا جامدين غير متأثِّرين بضيقته وتوسلاته (42: 21)، وعندما جمدت عواطفهم أمام أبيهم الشيخ، فأخبروه بأن يوسف مات. ترى هل هم الآن في وضع يجعلهم يدركوا فيه آلام أخيهم الأصغر وأبيهم أيضًا؟
ولقد نجح يوسف أخيرًا في أن يمسّ قلوبهم، وكم كان مؤثِّرًا أن يسمع يهوذا يتكلَّم عن أبيهم الشيخ، وعن الأخ الأصغر الذي ولد في شيخوخته (ع20).
يا له من درس لنا نحن أيضًا! هل نعرف كيف نشعر بشعور الآخرين: بأفراحهم، وبالأخص بأحزانهم؟ لكن فوق الكل، هل نعرف مقدار محبَّة الآب للابن، وحُزنه عندما رأى وحيده المحبوب مُسلَّمًا في أيدي الأشرار، وحُزنه عندما صرخ صرخته الخالدة، ولم يكن في إمكانه أن يُجيب، بسبب خطايانا التي وُضعت عليه؟ هل نستطيع أن ندخل إلى إدراك عُمق آلام الابن عندما أحسَّ بثقل العدل الإلهي، وفي ضيق نفسه الشديد تُرك من الله لأجلنا؟
أ ليست قلوبنا ـ نقولها بكل حزن ـ كثيرًا ما تكون جامدة أمام هذه الحقائق التي يريد روح الله القدوس أن يشغلنا بها؟

الأصحاح الخامس والأربعون
ع1-15: يوسف يُعَرِّف إخوته بنفسه
أخيرًا جاءت اللحظة التي انتظرها يوسف طويلاً. كم كان عليه أن يُمارس الصبر! لو أنَّه عرَّف إخوته بنفسه سريعًا، كان إخوته بالضرورة سيُكرمونه، لأن هذا أمر حتمي، كحُزَمهم التي سجدث لحزمته في الحلم، ولكن قلوبهم كانت ستبقى باردة وخائفة.
لقد تعلَّم إخوة يوسف الآن، أنَّ حاكم مصر الذي له كل هذا المجد، ليس إلاَّ ذاك الذي أبغضوه ورفضوه! ليس فقط أنه ما زال حيًا، بل الكل مخضع له (عبرانيين2: 8)، وأن تعاملهم الإجرامي معه كان هو الوسيلة لتحقيق أحلامه!
كم تحيّروا لمّا رأوا يوسف يعاملهم بنبل ونعمة، فلا ينتقم لنفسه، ولا حتَّى يعيِّرهم، بل فقط يطلب خيرهم وسعادتهم. أ لم يكن قلبه مملوءًا بالفرح، فرح الرَّاعي الذي وجد خروفه الضال؟
والآن .. كان عليهم أن يأتوا إلى أبيهم برسالة طيِّبة؛ أخبار سارة عن مجد الشخص الذي سامحهم. بالمثل، أ ليست لمفديي الربّ الذي تقابلوا مرة معه، وعرفوا غفران خطاياهم، رسالة طيبة، إنجيل النعمة، ليُخبروا به الآخرين؟
لكن ليذهب كل واحد أوَّلاً إلى والديه وأهل بيته ويُخبرهم: لقد تقابلت مع الربّ يسوع الفادي الذي سامحني. كما أنه عليه أن يذهب ويخبر أبيه بكل مجده، وذلك في اجتماعات القديسين للسجود.
ويلفت النظر اهتمام يوسف بأن يسرع إخوته بحمل تلك الأخبار إلى أرض كنعان (ع9، 13). فهو يعلم أن هناك أشخاصًا معرضون للهلاك بسبب الجوع، وهناك من قلبه يابس، ينتظر الكلمة الطيبة لتفرحه. وما زال العالم مليء اليوم بأمثال هذين الفريقين.
ع16-28 رجوع إخوة يوسف لإحضار أبيهم إلى مصر
صنع يوسف لإخوته خيرًا بدل شر. وهذا ما يعلِّمنا إياه الربّ (متى5: 44)، وهذه هي الطريقة المضمونة لربح قلب أي شخص. لكن بالأسف قليلاً ما نُمارس ذلك.
فكَّر إخوة يوسف أن يُحضروا أفخر ما عندهم (ص43: 11) قليلاً من البلسان وقليلاً من العسل .. قليلاً من هذا ومن ذاك. لكن الآن أدركوا، كيف أنَّ كل ذلك لا يُعتدَّ به. فرعون نفسه وَعَدهم بخيرات جميع أرض مصر، وفي الوقت نفسه قال لهم: «لا تحزن عيونكم على أثاثكم» (ع20). وبالنسبة لنا فنحن لنا الآن التمتع بمحضر الربّ وبأمجاده، وعليه فكل ما نضحي به لأجل تلك المتعة وذلك المجد لا يعتبر بذي قيمة (مرقس10: 29، 30؛ فيلبي3: 8). وليس ذلك فقط، بل إننا الآن نعلم علم اليقين أن المسيح حي، وهو جالس فوق جميع السماوات، ولقد أرسل إلينا الروح القدس الذي هو عربون ميراثنا المجيد (أف1: 14).
لاحظ أنَّ يوسف لم يُعطِِ إخوته فقط مكانًا ليسكنوا فيه عند مجيئهم بعائلاتهم (ع10)، بل أعطاهم أيضًا كل ما يحتاجونه للطريق: عجلات (الربّ يسوع يحملنا)، وزادًا للطريق (كلمته هي غذاؤنا)، وحُلل ثياب (المسيح يظهر في حياتنا). وأخيرًا التحريض من شخص يعرف جيدًا إخوته وطبائعهم: «لا تتغاضبوا في الطريق». وتُعتبر أغلى نصيحة كانوا يحتاجون إليها، ونحتاج نحن أيضًا باستمرار لها.

الأصحاح السادس والأربعون
ع1-7 يعقوب في الطريق إلى مصر
بدأت عائلة إسرائيل رحلتها مارَّة ببئر سبع ـ بئر القَسَم، الذي يؤكِّد المواعيد ليعقوب. «فكلَّم الله يعقوب وقال: لا تخف من النزول إلى مصر» (ع3). وقال إشعياء فيما بعد: «لا تخف يا دودة يعقوب» (إش41: 14). لقد عرف يعقوب ضعفه أنَّه ليس إلاَّ دودة! ما أبعد الفارق بين يعقوب سابقًا، الذي كان يعمل كل ما يريده هو، وبين يعقوب الآن الذي يخاف أن يخطو خطوة واحدة بدون إذن الرب. كان هذا نتيجة معاملات تدريبية طويلة مع يعقوب أثمرت شخصية ”أمير الله“! الذي يأتمر به.
ع8-27: أسماء وعدد النفوس التي نزلت إلى مصر
جملة النفوس التي نزلت إلى مصر هي ست وستين نفسًا. يضاف إليهم يعقوب نفسه، ثم يوسف وابناه فيكون المجموع سبعين نفسًا. وأما في أعمال 7: 14 فيذكر نساء بني يعقوب وهؤلاء عددهن 9 (حيث إن امرأة يهوذا كانت قد ماتت ص38؛ وربما أيضًا امرأة شمعون قارن ع10)، يضفن إلى 66 فيكون المجموع 75.
يقول الوحي عن هذه الهجرة. «فانحدر إلى مصر وتغرَّب هناك في نفر قليل» (تث26: 5)، لكن الله نزل معه إلى مصر (ع4). وعندما صعد بنو إسرائيل من مصر على أيام موسى كانوا شعبا كبيرًا، إذ إنهم نموا وامتدوا جدًا في أرض مصر.
ع28-34: يوسف يستقبل عائلته
إلى الآن كانت محبَّة يوسف لإخوته، ومقدار صَفحُه عنهم، هو الذي أمامنا أكثر من أمجاده وغناه. أ ليس هذا درسًا ثمينًا لمعاملتنا مع إخوتنا ـ درس المحبة والمُسامحة؟ كما نرى في محبَّة يوسف لأبيه يعقوب، وتقديره له، واهتمامه به، ورغبته الشديدة في رؤياه، والإسراع لمُلاقاته، مثالاً جميلاً لنا في علاقتنا بوالدينا؟
ثم جاء اللقاء المؤثر مع الابن المحبوب الذي جهَّز كل شيء لسعادة أهله. وهذا يذكرنا بوعد سيدنا الذي قال: «في بيت أبي منازل كثيرة ... أنا أمضي لأُعد لكم مكانًا ... حتَّى حيث أكون أنا تكونون أنتم أيضًا» (يو14: 2، 3).

الأصحاح السابع والأربعون
ع1-12: فرعون يقابل عائلة يوسف
كان من الممكن أنَّ يوسف في عظمته، يخجل من عائلته الفقيرة المكوَّنة من رعاة، أتوا في طلب القمح وهم في حالة الجوع. لكن على العكس، نجد أنَّ يوسف اعترف بهم كإخوته. وبالنسبة لفرعون، لأنَّهم إخوة يوسف، كان ذلك كافيًا لأن يجعلهم شركاء في كل المجد الممنوح لذاك الذي خلَّص مصر. وهذا أيضًا يذكِّرنا بالربّ يسوع الذي لا يستحي أن يدعونا إخوة (عب2: 11)، والذي لأجله صرنا مقبولين في المحبوب (أف1: 6). وهو يطلب من الآب قائلاً: «أيها الآب، أُريد أنَّ هؤلاء الذين أعطيتني يكونون معي حيث أكون أنا لينظروا مجدي الذي أعطيتني» (يو17: 24).
أدخَل يوسف أباه إلى فرعون. أوَ ليس جميلاً أن نرى إنسانًا فقيرًا شيخًا متوكِّئًا على عصاه، يُبارك أقوى إنسان على الأرض! «وبدون كل مشاجرة؛ الأصغر يُبارك من الأكبر» (عب7: 7). بالنسبة لله الذي ينظر نظرة تختلف عن البشر، فإن يعقوب المؤمن الضعيف، أكثر أهمية في عينيه من أقوى إنسان في العالم.
وما أجمل أن نجد يوسف العظيم يهتم بأصغر التفاصيل. فيقول الوحي: «وعال يوسف أباه وإخوته وكل بيت أبيه بطعام على حسب الأولاد» (ع12). هكذا المسيح مع كل واحد منا، يعرف ما نحتاج، وقادر أن يملأ كل احتياجنا. وقد يكون إيماننا ضعيفًا، لكن ليس كذلك أمانته!
ع13-26: مصر في أثناء المجاعة
لقد تم حُلم فرعون تمامًا كما فسر يوسف، وسني الشبع تلتها سني الجوع. وهذا أظهر يوسف كالمُبقي على الحياة ومخلِّص العالم. هكذا المسيح هو محور كل النبوات، وقريبًا جدًّا سيُبسط سُلطانه على كل الكون، وتسجد قدَّامه كل قبائل الأرض (مز22: 27). لكن المؤمنين لا ينتظرون حتَّى يصير ذلك له، لكي يُكرِّموه، لأنَّ النعمة عملت فيهم. والربّ يسوع أشبع أولاً جوعهم الروحي، ثم يواصل عمله فيهم، حتَّى يتم إخضاع كل شيء لله، تمامًا كما فعل يوسف، وجعل كل شيء في أرض مصر خاضعًا لفرعون.
وهكذا معنا، فينبغي أن نكون كُلية لله. فالمسيح قد اشترانا لله (رؤ5: 9)، ولقد اشترانا بثمن (1كو6: 19، 20)، وما عدنا ملكًا لأنفسنا، بل صرنا عبيدًا ليسوع المسيح (ع23 قارن يعقوب1: 1). وفي الوقت نفسه ينبغي أن نكون متَّكلين عليه بالتمام، ليس فقط لسد أعوازنا، بل لكي يكون هناك ثمر في حياتنا (ع24).
ع27-31: يعقوب يطلب الدفن في كنعان مع آبائه
تقترب حياة يعقوب الطويلة الآن من نهايتها. وقد اعترف أمام فرعون أنَّ أيامه كانت قليلة ورَديَّة (47: 9). لم يَعِش طويلاً كإبراهيم وإسحاق، ومرَّ في ظروف مؤلمة متعدِّدة، وأضاع سنين كثيرة من عمره. ليحفظنا الربّ من إضاعة حياتنا في ما لا طائل من ورائه. ونحن في الصِِغَر لا نعتقد أنَّ الحياة قصيرة. ليتنا نتعلَّم مبكِّرًا في حياتنا الدرس الذي تعلَّمه يعقوب في فنيئيل، بعد اختبارات متنوعة ولسنين كثيرة في بيت لابان. نعم نتعلم أنَّه لا شيء في الإنسان، وأن الكل في المسيح.
وكانت وصية يعقوب الوداعية ليوسف أن لا يدفنه في مصر بل يدفنه مع آبائه، واستحلف ابنه بذلك. ثم «سجد إسرائيل على رأس السرير» (ع31)، أو كما يقول في عبرانيين11: 21 «سجد على رأس عصاه»، تلك العصا الذي تذكره برحلات الغريب. ألا يجب أن يكون هذا الوضع مُميِّزًا لنا في حياتنا؟

الأصحاح الثامن والأربعون
مقابلة يعقوب مع يوسف قبيل موته
نلاحظ أنه ليس لدينا الكثير من تفصيلات أيام إبراهيم الأخيرة، ولا أيام إسحاق الأخيرة، بعكس ما نجد بالنسبة ليعقوب. والسبب لأن في حياة يعقوب تظهر نصرة النعمة بصورة لافتة. إن تدريب الله مع ذلك الشيخ العزيز أثمر في النهاية أثمارًا مباركة. وفي أصحاحنا هذا يراجع يعقوب مجرى حياته، مرحلة تلو مرحلة، فجاءت ذكريات عزيزة إلى ذاكرته.
لوز التي تُدعى بيت إيل، حيث أظهر الله ذاته له. وأفراتة حيث ماتت راحيل. هذا معناه أنه استعرض معاملات الرب الرحيمة معه، كما استعرض الأحزان التي صادفته، فوجد أن هذه كلها إنَّما تُظهر رحمة الله ومحبَّته غير المتغيِّرة التي قادته وحملته، وكانت مصدر تعزية له. وهذا ما سيحدث معنا عندما نصل إلى خاتمة حياة كانت تحت إشراف الرب.
ثم تأتي بعد ذلك بركة يعقوب لابني يوسف. وعن هذا يقول كاتب العبرانيين11: 21 «بالإيمان يعقوب عند موته بارك كل واحد من ابني يوسف». وعندما أعطى الأصغر بركة الأكبر، لا بد أنَّ ذهنه رجع إلى ما ذُكر في أصحاح27. إنه الآن أعمى، كما كان إسحاق وقتئذ، إلا أن يعقوب كان يعرف فكر الله. وقد قيل إن يعقوب لم يسلك مستقيمًا إلا بعد أن صار أعرجَ، ولم يرَ بوضوح إلا بعد أن صار أعمى.
قال يعقوب ليوسف: «لم أكن أظن أني أرى وجهك، وهوذا الله قد أراني نسلك أيضًا» (ع11). وهناك رجلان من رجال الإيمان يمكن أن نذكرهما جنبًا إلى جنب؛ في سليمان نجد الله الذي يعطي فوق كل شيء، أكثر جدًا مما نطلب (1مل3: 5-13)، وهنا في يعقوب نجد الله الذي يعطي أكثر جدًا مما نفتكر (قارن أفسس3: 20).
«الله الذي رعاني» (ع15)، وقد عرف بالاختبار العملي الشاق متاعب الراعي (ص31: 38- 40)، والآن اتَّخذ مكان الخروف، وقدَّر عناية راعيه الدقيقة له. كثيرون منَّا منذ أيام الصِغَر وهم أطفال سمعوا عن الراعي الصالح ـ الربّ يسوع نفسه (يو10: 11، 14). ماذا يعمل لقطيعه؟ لقد بذل حياته مرَّة عنهم، والآن هو يُربضهم في المراعي الخضر، ويوردهم إلى مياه الراحة، ويعتني بهم كما اعتنى الله بيعقوب طوال حياته.
هل تعرف مَنْ هو الراعي؟ هل تقدر أن تقول مثل يعقوب هنا، ومثل داود في مزمور23: 1 «الربّ راعيَّ»؟

الأصحاح التاسع والأربعون
يعقوب يبارك أولاده، ثم يُسلِم الروح
المستوى الروحي ليعقوب هنا وصل إلى القمة، فنطق بالبركة وبالنبوة. وهذا الأصحاح يكشف لنا بصورة عجيبة أشياء سوف تحدث في المستقبل، وفيه نجد مقدمًا كل تاريخ هذا الشعب بصورة مركزة.
في ”رأوبين“ نرى إسرائيل تحت حكم القضاة، كيف زني الزنى الروحي البشع، فتحولوا من عبادة الله ليعبدوا الأصنام. ثم في ”شمعون ولاوي“، نرى قسوتهم وظلمهم، في تعاملهم مع بعض، فنتيجة الوثنية تأتي القسوة، وهو ما نجده في آخر سفر القضاة، حتى كاد أن يفنى سبط بنيامين!
في ”يهوذا“ (ومعنى اسمه الحمد) نرى اختيار الله أولاً لداود الملك، «مرنم إسرائيل الحلو» (2صم23: 1). لكن عين النبوة تمتد إلى ”ابن داود“، ربنا يسوع المسيح، حيث تقول النبوة: «لا يزول قضيب من يهوذا، ولا مشترع من بين رجليه، حتى يأتي شيلون (أحد أسماء المسيَّا)، وله يكون خضوع شعوب» (ع10). فالمسيح هو «الأسد الخارج من سبط يهوذا» (رؤ5: 5).
ثم في ”زبولون ويساكر“ يُرى إسرائيل في الوقت الحاضر، مُشتَّتًا، منهمكًا في النشاطات التجارية، ولكنه فقد بركته وشهادته.
ثم عن ”دان“ يقول: يكون «حية على الطريق، وأفعوانًا على السبيل»، وهو ينطبق على الأمة عندما ينفجر النشاط الشيطاني بعد اختطاف الكنيسة، وتقبل الأمة ”النبي الكذَّاب“، ”الآتي باسم نفسه“ (يو5: 43). على اعتبار أنه هو ”مسيَّاهم“. وبالنظر إلى هذا المنظر المُرعب الذي يرسمه يعقوب للنهاية، ستجد البقية التقيَّة لهذا الشعب المسكين في الربّ ملجأها الوحيد. وتأتي صرختهم: «لخلاصك انتظرت يا ربّ» (ع18). هذه هي ساعة التجربة العتيدة أن تأتي على العالم كله لتجرب الساكنين على الأرض (رؤ3: 10). وستجتاز البقية التقية من هذا الشعب في هذا الضيق، وهو ما نراه في كلام يعقوب عن ”جاد“: «يزحمه جيش»، ولكن في النهاية ستكون النصرة لهم بظهور المسيا «لكنه يزحم مؤخره» (ع19).
وفي كل من ”أشير“ و ”نفتالي“ نجد طابع الزمان السعيد تحت ملك المسيح، حيث يعم الخير، كما نتبينه في الخبز السمين ولذات الملوك (ع20)؛ وتنطلق الألسنة بحمد الرب، كما نراه في الأيلة التي تعطي الأقوال الحسنة (ع21).
ويختم يعقوب بالحديث عن كل من ”يوسف“ و ”بنيامين“. ويوسف، الذي في ماضيه كان مضطَهدا من إخوته (ع23)، مثل المسيح في مجيئه الأول، لا بد أن يرتفع فوق الجميع، صورة للمسيح يوم ملكه، حيث يتم القول: «لذلك رفَّعه الله أيضًا، وأعطاه اسمًا فوق كل اسم، لكي تجثو باسم يسوع كل ركبة» (في2: 9، 10). وأما بنيامين فنرى فيه صورة للمسيح في دينونته العادلة، سواء دينونة الأحياء قبل الملك، حيث «في الصباح يأكل غنيمة»، أو دينونة الأموات بعد الملك، حيث «عند المساء يقسم نهبًا» (ع27)
والمؤمن مع أنه يعرف أنَّه لن يكون موجودًا على الأرض يوم يملك المسيح، إلاَّ أنَّه يجد لذَّة في معرفة هذه الأشياء، ويفرح بمعرفة أنَّ يوسف الحقيقي المسيح الذي أُبغض مرة، سيكون له السلطان الكامل، وعن طريقه ستعم البركة كل العالم.
وكما استحلف يعقوب ابنه يوسف، صاحب السلطان في مصر، في ص47: 29-31 أن يدفنه مع آبائه، كرر الأمر لكل أبنائه، مؤكدًا عليهم رغبته في أن يدفن في مغارة المكفيلة. غروب بهيج، بعد حياة عاصفة! وهنا نحن لا نحس برعب الموت، بل تم فيه قول الحكيم: «أما الصديق فواثق عند موته» (أم14: 32).
مات يعقوب! ورغم أنَّه عاش 17 سنة في أرض جاسان، لكنَّه لم ينسَ أرض كنعان، ولا مواعيد الله التي أُعطيت له في بئر سبع (ص46: 4). ولقد أظهر أمام أولاده تقديره وارتباطه بكنعان، بالتعليمات المحددة والواضحة التي أعطاهم من جهة دفنه. كان يجب أن يدفن في مغارة المكفيلة، انتظارًا ليوم القيامة مع بقية أفراد عائلته التي سبقته إلى هذه المغارة. وكان إبراهيم قد اشتراها بثمن كامل وأمام شهود كثيرين، لتأكيد حقهم فيها.

الأصحاح الخمسون
ع1-14: دفن يعقوب
كان دفن يعقوب مصحوبًا بجنازة عظيمة. وهكذا كان الحال مع الكثيرين من أبطال الإيمان في العهد القديم، أمثال يهوياداع الكاهن، والملك حزقيا (2أخ24: 16؛ 32: 33). أمَّا اليوم، فبالنسبة للمؤمنين الذين يتركون هذا العالم، لا يحتاج الأمر إلى مثل هذه الجنازات، فالموت قد قُهر، ويُقال عنهم ببساطة «الراقدون بيسوع» (1تس4: 14). فالموت للمؤمن فقد شوكته ورُعبه، وما هو إلاَّ رقاد ينتهي بالقيامة، التي ستكون عند مجيء المسيح.
لكن لا ننسى، أنَّه بينما الموت قد فقد قوته، وليس له سلطان على المؤمن، لكن الربّ يسوع تكلَّف في ذلك كثيرًا، فكان عليه أن يواجهه بكل أهواله أثناء ساعات الصليب.
ع15-26: المشاهد الأخيرة في حياة يوسف، وموته
بعد موت يعقوب، حزن يوسف مرَّة أخرى بسبب شك إخوته في محبته. فقالوا لعل يوسف ينتقم لنفسه. لكن ما كان أرق تجاوب يوسف مع هذا الشك من جانب إخوته، إذ كرر عليهم درس المقاصد الإلهية، وأعطاهم تأكيدًا آخر باهتمامه بهم وبأولادهم. وبالمثل، قد نشك نحن أحيانًا في محبة الربّ، رغم كثرة علامات المحبة التي أظهرها لنا. وعلينا أن ندرك أن قلب الرب يسوع الرقيق يتأثَّر كثيرًا من هذا الشكّ، ويظهر ذلك من قوله لفيلبس: «أنا معكم زمانًا هذه مدته، ولم تعرفني يا فيلبس» (يو14: 9).
في نهاية سفر التكوين، وقبل أن ينتهي الأصحاح الأخير من هذا السفر الذي فيه الخطوط العريضة لكل أسرار الله، نجد يوسف يقول في ع24: «إن الله سيفتقدكم». هكذا الإيمان الذي هو «الثقة بما يُرجى، والإيقان بأمور لا تُرى» (عب11: 1). «الله سيفتدكم» هذه هي كلمات يوسف الأخيرة لإخوته، المُشار إليها في عبرانيين11: 22 «بالإيمان يوسف عند موته، ذكر خروج بني إسرائيل، وأوصى من جهة عظامه». ويوجد مَنْ هو أعظم من يوسف، ترك لنا تأكيدًا آخر في نهاية كتاب الله بقوله: «أنا آتي سريعًا» (رؤ22: 20).
ليت كل واحد من الذين فداهم الربّ، يُجيب من القلب: «آمين تعال أيها الربّ يسوع» (رؤ22: 21).



[1] عبارة مبادئ الواردة في ص2: 4 هي بعينها في العبري: مواليد.

[2] هنا نجد أول إشارة إلى كلمة نبي في الكتاب المقدس، ومنها نتعلم أن النبي ليس بالضرورة من يخبر بما سيأتي به المستقبل، بل هو شخص يتكلم نيابة عن الله. ( هذا الموضوع منقوووووووووووووول )



Hsthv l,sn hgols 1 - stv hgj;,dk ( l,q,u lj;hlg ) l,sd

   

 

لو الموضوع عجبك اضغط على كل ليك اللى تحت

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
جون وسيم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 03-26-2012, 10:08 AM   #2
اشرف الكومندا
ابدى فعال
 
تاريخ التسجيل: Mar 2012
المشاركات: 108
معدل تقييم المستوى: 3
اشرف الكومندا عضو جديد
افتراضي رد: أسفار موسى الخمس 1 - سفر التكوين ( موضوع متكامل )

مشاركة
موضوع رائع جدا ربنا يعوض تعب محبتك
اشرف الكومندا غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

العلامات المرجعية

الكلمات الدلالية (Tags)
1, متكامل, أسفار, موسي, موضوع, التكوين, الخمس, سفر


يتصفح الموضوع حالياً : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه للموضوع: أسفار موسى الخمس 1 - سفر التكوين ( موضوع متكامل )
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
تفسير سفر التكوين لابونا انطونيوس فكري لكل اصحاحات سفر التكوين big_eng_moth الكتاب المقدس المسموع 1 08-25-2012 01:29 AM
معانى كلمات سفر التكوين remooo العهد القديم 0 10-17-2011 03:48 AM
مقدمة في سفر التكوين MAMY العهد القديم 20 02-13-2010 09:28 PM
*** موضوع متكامل عن القديس الأنبا موسي الأسود .... *** remooo سير قديسين 0 12-04-2009 11:46 PM

منتديات الحياة الابدية

↑ Grab this Headline Animator


جميع الأوقات بتوقيت GMT +2. الساعة الآن 11:35 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.8 Beta 2
Copyright ©2000 - 2014, vBulletin Solutions, Inc.
جميع الحقوق محفوظة لمنتديات الحياة الابدية
|