مشاهدة النسخة كاملة : ( 160 ) شخصيه من الكتاب المقدس


elraiek G
09-15-2010, 02:30 AM
رجال الكتاب المقدس ( 160 ) شخصيه من الكتاب المقدس (http://www.sg-es.net/vb/showthread.php?t=26013)


آدم ..
"وقال الله نعمل الإنسان على صورتنا كشبهنا"
(تك 1 : 26)


مقدمة
قد لا يعرف التاريخ البشري شخصيات كثيرة اختلف حولها الكتاب (http://www.sg-es.net/vb/showthread.php?t=26013)والشعراء و رجال (http://www.sg-es.net/vb/showthread.php?t=26013)الدين والعلم والأدب والفلسفة والاجتماع والفن كما اختلفوا حول أبينا آدم، وقد لا يعرف التاريخ شخصيات كثيرة استعصت على الفكر البشري، واختلف الناس في الحكم عليها، وتنوعت وتباينت نظرياتهم ومذاهبهم وآراؤهم كما اختلفوا حول أول إنسان ظهر على هذه الأرض!! فمنهم من رفعه إلى قمة المجد، وألهه، كما فعل ايبكتيتوس الفيلسوف الرواقي القديم!! ومنهم من هوى به إلى أسفل وأحط الدركات، كما فعل منتاني، الذي رآه حيواناً قذراً من أحط وأقذر الحيوانات!! ومنهم من عاد به إلى أزمان قديمة، كصاحب نظرية النشوء والارتقاء؟! ومنهم من رده إلى عصور أقرب وأحدث، آخذاً بنظرية الكتاب، كما فعل تويبني أعظم مؤرخ في القرن العشرين، الذي كتب مؤخراً في مجلة اتلانتيك منثلي يقول: "إن عمر الجنس البشري لا يمكن لآن يزيد بحال ما على ستة آلاف سنة!!".
على أنه مهما تختلف هذه النظريات وتتنوع، ومهما يكن حظها من الاقتراب إلى الحق أو البعد عنه، فمما لا شبهة فيه، أن العصور الحديثة أخذت تؤكد -أكثر من أي وقت مضى- أن قصة آدم، كما وردت في الكتاب، هي أدق وأصح القصص عن الإنسان الأول، وأنها لا تتدانى أو تباري في الإيجاز والعمق والبساطة والجمال!! وأن البشر ية، كما يقول بروفيسور مور "لم تتقدم بعد خطوة واحدة، رغم القرون الطويلة، وراء الوصف الأخاذ المدون في سفر التكوين عن الخليقة"!!
كم يكون إذاً فذاً وجميلاً، ونحن ندرس شخصية أبينا آدم الأول، أن نقف قليلاً من هذه القصة، وما حف بها من قصص وتقاليد وأساطير ونظريات، لنخرج بصورة واضحة مجلوة عن آدم!! من هو!! وكيف جرب وسقط وعوقب؟!! وكيف خلص وأخذ طريقه مرة أخرى إلى الفردوس؟!!

آدم من هو؟!!

لا مندوحة، ونحن بصدد دراسة وتحليل شخصية آدم، من الاعتراف بأن شخصيته من أعقد وأعسر الشخصيات التي واجهها العقل البشري، وذلك لأنه فضلاً عن كونه أول وأقدم إنسان، وقد باعد بيننا وبينه التاريخ. ولم يترك لنا من قصته سوى بضع صفحات متناثرة هنا وهناك بين أساطير وتقاليد الشعوب، فإن المؤرخين والكتاب والشراح والمفسرين لا ينظرون إليه كشخصية مجردة منفردة تتميز وتختلف عن غيرها من الشخصيات، بل ينظرون إليه كمثال ورمز للجنس البشري بأكمله، بما في هذا الجنس من مزايا وعيوب وأمجاد وسقطات، ومن ثم عجزنا عن أن ندرك ملامحه الحقيقية، إذ اختفت شخصيته الخاصة وراء شخصيته الرمزية!! كما أن موسى عندما تحدث عنه لم يقصد أن يعطينا تاريخاً مفصلاً أو مجملاً لحياته بقدر ما آثر أن يرينا إياه كصنعة يدي الله، ونقطة البدء في التاريخ البشري، وكيف تفاضلت نعمة الله عليه، فأعدت له وللأجيال المنحدرة منه الفداء المجاني العجيب!!
على أنه مهما تكن الصعوبة في فهم شخصيته، مما لا شك فيه أن الجمال والحكمة، والعظمة كانت من أظهر صفاته!!


الجمال . .
ومن المؤكد أن آدم لم يكن جميلاً فحسب، بل لعله أجمل رجل خلق على هذه الأرض، وقد كان الربيون اليهود يعتقدون أن الله عندما أراد أن يصنعه، تمثل بشراً سوياً، ثم أبدعه على الصورة التي تمثل بها، وقد ساير الكثيرون في الكتاب (http://www.sg-es.net/vb/showthread.php?t=26013)المسيحيين هذه الفكرة، فقالوا أن آدم كان أشبه جماله بابن الله على جبل التجلي!! وسواء صح رأي هؤلاء أو أولئك أو لم يصح، فمن المؤكد أن آدم كان يتمتع بجمال مذهل أخاذ، وكيف لا يكون كذلك وهو ختام عمل الله المبدع في الخليقة؟!! وكيف لا يكون كذلك، وقد صنعه الله بكيفية متميزة متفردة عن غيره من المخلوقات؟!! فهذه كان يقول لها: لتكن فيكون؟!! أما هو فقد قال فيه: "لنعمل الإنسان على صورتنا كشبهنا" وقد اختلف الشراح في المقصود بصيغة الجمع الواردة في هذه العبارة، فذهب البعض إلى أنها دليل التعظيم والإجلال اللائقين بشخص الله، وهو دليل، فيما نعتقد ضعيف، لأن صيغة الجمع لم تظهر في لغة البشر كدليل التعظيم والإجلال عند الملوك وغيرهم من السادة والعظماء إلا في وقت متأخر نسبياً من التاريخ، ولو صح هذا المعنى لكان من اللازم أن تكون كل كلمة تقال من الله أو توجه إليه تعالى ترد في صيغة الجمع، لأنه هو وحده المتفرد في العظمة الدائمة الأبدية!! وذهب غيرهم إلى أن الله كان يتحدث في تلك اللحظة مع الملائكة وجند السماء!! وذهب آخرون إلى أنه كان يتحدث إلى الأرض ذاتها، وما بها من مخلوقات! على أن الرأي الراجح أن المقصود بصيغة الجمع هنا هو أن الله كان يتحدث إلى ذاته في الثالوث الأقدس العظيم!
وأن الإنسان بهذا المعنى، لم يخلق كغيره من المخلوقات السابقة، بل جاء نتيجة المشورة والتدبر والحكمة الإلهية الخاصة، أو في لغة أخرى، جاء وليد قرار خاص متميز منفرد عن غيره من قرارات الله! وهل يمكن لآن يحدث هذا دون أن يأتي آدم قطعة فريدة رائعة في الجمال؟!! يضاف إلى هذا كله، أن آدم خلق بدون خطية، فخلق بذلك محرراً من المرض والضعف والوهن والقبح والتشويه والدمامة التي تسببها الخطية!!.. وألا يتفق هذا مع التقليد اليهودي الطريف الذي يقول: أن آدم بعد أن طرد من جنة عدن قال للملاك الواقف لحراسة طريق شجرة الحياة: ولكن متى أعود إلى الجنة مرة أخرى؟!! فأجابه الملاك: عندما ترجع بالوجه الذي أعطاه لك الله في الجنة!!
أجل فلقد غيرت الخطيئة وجهه الجميل البريء الحلو، ورسمت عليه سحابة قاتمة سوداء من الظلال، بعد أن سلبته النقاوة والدعة والهدوء والبراءة والرقة والبهجة وغيرها من المقومات الأساسية الأصلية لكل جمال ملائكي دائم!!.



الحكمة . .
وقد اختلف الشراح والمفسرون في مدى الحكمة التي أوتيها آدم، فذهب بعضهم مذهب التقليد اليهودي الذي زعم أنه أوتي من الحكمة ما لم يؤته الأولون والآخرون، وأنه كان أعلى فهماً وإدراكاً من موسى وسليمان وغيرهما من الحكماء، بل ومن الملائكة أنفسهم، وأن الله قال لهؤلاء، عندما خلقه، أنه سيكون أكثر فطنة وحكمة منهم جميعاً، ولكي يبرهن على هذا جاء لهم بحيوانات البرية وطيور السماء، وطلب إليهم أن يدعوها بأسماء، فعجزوا، وعندما أحضرها إلى آدم قسمها جميعاً إلى أجناس وفصائل، ودعا كل ذات نفس باسمها الخاص كجنسها وفصيلتها .. وسار التقليد في طريقه الخيالي، فقال أن حكمة آدم ترجع في جوهرها إلى السماء التي أنزلت إليه جميع مفاتيح الحكمة والفهم البالغ عددها ألف وخمسمائة مفتاح وأن آدم فقد هذه المفاتيح بالسقوط إذ استردتها السماء مرة أخرى، وقد شارك بعض الكتاب (http://www.sg-es.net/vb/showthread.php?t=26013)المسيحيين الأوائل هذا الرأي، وأن يكن في غير جموح، إذ قالوا أن أرسطو الفيلسوف اليوناني العظيم كان مثل آدم في حكمته!!.. وذهب الرأي المعاكس إلى أن آدم لم يؤت من الحكمة شيئاً، وأنه كان أدنى إلى الطفولة الساذجة وعدم الفهم، ومن هنا نشأت أسطورة الإنسان الوحشي القديم!!. على أننا نعتقد أن كلا المذهبين غير صحيح، وأن كليهما مغرق في الخيال بعيد عن الواقع والحق.. لقد خلق آدم، كما يرى كل متأمل متعمق في قصة الكتاب (http://www.sg-es.net/vb/showthread.php?t=26013)ذا ملكات ومواهب، وخلقت له الجنة، ووضع فيها ليعملها ويحفظها، أو في لغة أخرى ليدرب هذه الملكات والمواهب، كما وضعت له شجرة معرفة الخير والشر، وحرمت عليه ثمرتها، لا لأن الله يريد أن يحرمه من معرفة الفارق بين الخير والشر بل لأنه يريد له هذه المعرفة، ولكن بطريقته هو لا بطريق الشيطان، كان الله يريد لآدم أن يعرف الخير، وبضده يمكنه معرفة الشر، وكان الشيطان يريد العكس، إذ يريد أن يعرف آدم الشر، وبضده يمكنه معرفة الخير! ومن هنا نعلم أن الجنة كانت مدرسة آدم ومركز تعليمه وتدربه! كما أن الأسلوب الرمزي الذي استعمله الله في تعليمه وتدريبه يشجع على الاعتقاد بأنه كان وسطاً في المعرفة والإدراك. وأنه كان يحتاج إلى زمن وكفاح طويلين، حتى يصل إلى ما تخيله له المغرقون في الخيال والتصوير من علم وإدراك وحكمة! يضاف إلى ذلك أن قصة الكتاب (http://www.sg-es.net/vb/showthread.php?t=26013)تشجعنا على الاعتقاد أن آدم كان أذكى من حواء وأقل عاطفة، أو في لغة أخرى، أنه كان يتفوق عليها في الذكاء، وكانت تتفوق عليه في العاطفة.. وإذا سرنا في طريق الاستطراد، يمكننا أن نقول ونحن نوازن بين عقله وقلبه، أن عقله كان أقوى من قلبه، وأكثر تنبهاً وأصالة وإدراكاً .. ولعل هذا هو السبب الذي جعل الشيطان يبدأ التجربة بالانفراد بالمرأة دون الانفراد به.


العظمة . .
وما من شك بأن آدم كان عظيماً، وإن كنا لا نتفق مع التقاليد اليهودية التي زعمت، بأنه كان مهيب الطلعة، رائع المنظر، فارع القوام، إلى درجة أنه كان يستطيع خوض المحيطات دون أن يغطيه ماؤها إلى النصف كما كان يمكنه أن يرى الأرض من أقصاها إلى أقصاها، وهو واقف على قدميه، وقد بدت عظمته هذه أمام الملائكة فأخطأوه ذات مرة وحسبوه الله فسجدوا له، لولا أنه زجرهم، ونبههم إلى شخصه، كما تقول ذات التقاليد، أن الله داس على رأسه بعد السقوط، فتقلص طوله، ومع ذلك بقى أطول رجل على ظهر الأرض!!
ومع ذلك، فمما لا شبهة فيه أن آدم كان عظيماً وكيف لا يكون كذلك. وقد خلقه الله على صورته وشبهه إذ قال: "نعمل الإنسان على صورتنا كشبهنا" ومن المتفق عليه أن الصورة والشبهة يفيدان معنى واحداً. وإن كانت كلمة الشبه تعتبر تأكيداً وتخصيصاً للصورة. إذ تعبر عن التماثل القوي الكائن بين الأصل والصورة. ولكن كيف يمكن لآن يكون آدم على صورة الله وشبهه، وكيف يمكن لآن يكون هناك تماثل بين الله وبينه؟!! لقد ظن البعض أن التماثل قائم في الشبه بين الله المثلث الأقانيم، والإنسان ذي الطبيعة المثلثة -في نظر هؤلاء- الروح والنفس والجسد، ولكن الكثيرين من المفسرين يستبعدون هذا التفسير، إذ يستبعدون التثليث في طبيعة الإنسان!! كما يستبعد الجميع، بداهة التماثل بين الإنسان من الوجهة البدنية، والله، إذ أن الله منزه عن اللحم والدم!!
والرأي المسلم به أن التماثل قائم أولاً بين الإنسان، من الوجهة الطبيعية، والله، أو في معنى آخر، بين الإنسان، كإنسان ذي ملكات خاصة، وبين الله، أو في تعبير آخر بين الإنسان، كشخص، وبين الله، كشخص.
فالإنسان هنا كشخص الله له مقومات الشخصية الثلاثة: الفكر، والشعور والإرادة، مع هذا الفارق الحاسم أن الله له هذه المقومات في كمالها اللانهائي بينما يحوزها الإنسان في المعنى الجزئي المحدود، فمثلاً هناك فرق بين فكر الله وفكر الإنسان، فالله هو الإله المدرك لذاته، والمدرك لكل شيء صنعه، وما إدراكنا نحن مهما امتد واتسع إلا كومضة ضعيفة باهتة، إزاء نور معرفته الكامل، وإدراكه اللانهائي، بل أن المسافة القائمة بين إدراك أي إنسان أو ملاك، وإدراك الله أكثر بما لا يقاس من المسافة القائمة بين إدراك الإنسان نفسه وإدراك الملاك، أو المسافة القائمة بين إدراك الطفل وإدراك الفيلسوف!!..
وما يقال عن الفكر يمكن أن يقال عن الشعور أيضاً، والشعور هو ذلك الإحساس المثير العام الذي ينهض في أعماق الشخصية ويعبر عما بها من عواطف وانفعالات!! وهو بهذا المعنى أساس كل ما نعرف أو نختبر من لذة أو بدونه يفقد الفكر حوافزه، والإرادة دوافعها ومحركاتها، وإذا جاز للشعور البشري أن يضعف أو يخبو فإن مشاعر الله هي النار الآكلة والوقائد الأبدية!!
وما يصح في القول عن الشعور يصح أيضاً في القول عن الإرادة، وفي الواقع، أن الإرادة -كما وصفها أحدهم- إن هي إلا النفس في العمل، أو النفس حين تضبط عن نفسها، ولا يمكن للأفكار أو المشاعر أن تنساب إلى الوقائع العملي، ما لم تكن هناك إرادة تحولها إلى ذلك!! وقد أعطى الله هذه الإرادة للإنسان واحترامها على الدوام فيه!!..
ويكفي الإنسان عظمة أن يكون على صورة الله وشبهه في هذه كلها، مهما يكن الفارق بينهما كالفرق بين شعاعة النور والشمس الكاملة!!..
على أن التماثل قائم أكثر من ذلك بين الإنسان، من الوجهة الروحية، وبين الله، إذ أنه لا يمكن أن يستريح أو يهدأ أو يشبع بعيداً عن الله ولو أعطيته الدنيا بأكملها، ولعل هذا ما حدا بتوماس كارليل أن يقول ذات مرة:
"إن شقاء الإنسان يرجع فيما أعتقد إلى عظمته، أو إلى اللانهائية الكامنة فيه، اللانهائية التي لم يستطع أن يغطيها أو يدفنها تحت نهائيته، ولو أن وزراء المال في أوربا الحديثة تكاتفوا مع تجار الأثاث والأطايب لما أمكنهم أن يحققوا السعادة لإنسان واحد من ماسحي الأحذية"..
كان ثلاثة من الشبان يزورون المتحف الأهلي بواشنطون، وقد توقفوا عند صندوق زجاجي بداخله عدة أباريق زجاجية، اثنان منها ممتلئان ماء، وبآخر مواد من جير وفسفور وحديد وكلسيوم، وبغيره أيدروجين ونيتروجين وأوكسجين، وكتب على الصندوق: جسد رجل يزن مائة وخمسين رطلاً، وقال الثاني: وهل هذا كل ما في؟! وهل لا يوجد ما هو أكثر؟!! فأجابه رجل كان واقفاً إلى جواره: نعم توجد نسمة القدير التي تجعل من كل هذه المواد إنساناً حياً!!.
وهنا عظمة الإنسان ومجده!! العظمة التي تجعلنا نغني مع شكسبير:
أي قطعة من العمل هذا الإنسان!!
كم هو رائع في عقله!!
لا نهائي في ملكاته!!
وفي صورته وحركته!!
وكم هو مندفع ومثير!!
في أعماله كملاك!!
وفي إدراكه كإله!!
آدم ولماذا خُلِّق؟!!

أما وقد عرفنا من هو آدم فمن السهل أن نعرف لماذا خلق؟!! لقد خلق كما يقول قانون الإيمان ليمجد الله أو كما قال أغسطينس: "قد خلقتنا لنفسك، وقلوبنا لن تجد الراحة إلا بين يديك" وبهذا المعنى يمكن أن نقول أن آدم خلق ليمجد الله بالعبادة، والسيادة، والإثمار في الأرض!!


العبادة . .
وربما ندرك هذه الحقيقة في الاسم الذي أطلقه الله على آدم، وقد اختلف الشراح في معنى هذا الاسم، فقال البعض أنه من الأديم أي من التراب الذي يذكره على الدوام بمركزه في حضرة الله، ومن الله، وقال آخرون. أنه يعني الأحمر إذ كانت بشرته حمراء، أو من التراب الأحمر!! فإذا أضفنا إلى ذلك أن كلمة "إنسان" تعني في اللغة اليونانية المرفوع النظرة، وفي اللغة الإنجليزية الكائن المفكر، وعند علماء فلسفة اللغات "الكائن النبيل الطلعة" أدركنا أن الإنسان خلق قبل كل شيء، وبعد كل شيء ليعبد الله، عبادة الإنسان الوديع المتضع، الذي يرفع عينيه على الدوام إلى الأعالي، مستغرقاً في الفكر والشعور والتعبد، لامع الوجه كأنه ملاك!!
وهنا يبلغ المرء لذته الكاملة ونشوته العميقة، بل هنا يمكنه أن ينشد مع الشاعر المتصوف:
وليت الـــــذي بيني وبينك عامــر وليتك ترضى والأنام غضــــاب
إذا نلت منك الود يا غاية المنى وبيني وبين العالمـين خــــراب
فليتك تحلو والحيـاة مــريــــــــــرة فكل الذي فوق التراب تراب


السيادة . .
وخلق آدم أيضاً ليسود، إذ هو وكيل الله ونائبه على هذه الأرض. ومن ثم أعطاه الله أن يملأها ويخضعها، ويتسلط على سمك البحر، وعلى طير السماء، وعلى كل حيوان يدب على الأرض، وهذا التسلط لخير هذه المخلوقات وخيره، أو كما قال جورج آدم سميث "إن علاقة الإنسان بالحيوان نوع من العناية، فهو يرعاها بحكمته فلا تهيم، وهي تخدمه وتعينه في أعماله" وهنا لا نملك ألا أن نقول مع دكتور ديل: "إني أرفض أن أتنازل عن عظمتي وسيادتي في مواجهة الكون المادي، إذ أني أعظم من الشمس، وأعظم من البحر، وأعظم من الكواكب، وأعظم من النجوم، أعظم منها جميعاً، إذ أنها خاضعة لي، وأنا سيد، وهي مربوطة، وأنا حر".


الأثمار . .
وما كان آدم ليبقى في الأرض بمفرده، أو هو وحواء فقط، بل خلق على صورة الله، وخلق ذكر وأنثى، وخلق لينال بركة الله ويثمر ويكثر ويملأ الأرض، وذلك لأنه بالطبيعة التي صنعه الله عليها يأبى الانفراد والعزلة إذ هو دائب الحنين للاتصال بالآخرين ومعاشرتهم، وسجنه القاسي البعد عن المجتمع، والحرمان من التجارب مع غيره، يضاف إلى ذلك أن هذا الإثمار فيه الزيادة المستمرة الدائمة في تمجيد الله وتعظيمه!! إذ أنه يلد على مدى الأجيال ما لا يعد أو يحصى من بني البشر الذين يرفعون أيديهم وشفاههم وقلوبهم بالحمد والسبح لله وخدمته كل يوم!! ويكفي ما قاله أحدهم: إن الله عندما يريد أن يصنع في الأرض عملاً عظيماً ومجيداً يخلق طفلاً!!

آدم وكيف جرب وسقط وعوقب؟!!

ومن واجبنا ونحن نبحث تجربة آدم وسقوطه أن نستضيء بقول الرسول: "وآدم لم يغو لكن المرأة أغويت" 1تي 2: 14 لنرى أن التجربة عند آدم تختلف عنها عند حواء، إذ أن سقوط المرأة كان وليد الخداع "الحية غرتني".. لقد جاءت الحية إلى المرأة كمن يطلب لها الخير، ويريد أن يرفعها إلى مركز الله، وأخفت عنها الجنة المهدمة والحزن والشقاء والدموع والمأساة والموت، وما إلى ذلك مما سيصيب الجنس البشري على توالي الأجيال!! أما آدم فقد سقط بعين مفتوحة، إذ يظن البعض أنه شك في كلمة الله، عندما أبصر حواء تأكل من الشجرة، دون أن تموت في الحال، كما كان يتوقع.. على أن ملتون يذهب في التفسير مذهباً آخر، إذ يقول في خياله الشعري في الفردوس المفقود: أن آدم أكل من الشجرة مدفوعاً بحبه لحواء، إذ آثر أن يموت معها، دون أن تهلك وحدها!! وسواء صح هذا الرأي أو ذاك فإن سقوط أبوينا استتبع أكثر من نتيجة وعقاب!!


العار . .
لقد جاءتهما الخطية بالخجل والخزي والعار، إذ أدركا أول كل شيء أنهما عريانان، ولعل هذا أول ما يحس به المرء عند ارتكاب الخطية!! ولعل هذا هو الدافع الذي يجعله يرتكب الخطية في الظلام!! "وهذه هي الدينونة أن النور قد جاء إلى العالم وأحب الناس الظلمة أكثر من النور لأن أعمالهم كانت شريرة لأن كل من يعمل السيئات يبغض النور ولا يأتي إلى النور لئلا توبخ أعماله" (يو 3: 19- 20)، وكلمة الخطية على الدوام مقارنة وملاصقة للعار والخزي، إذ أنها تهدر في الإنسان كل ما هو آدمي وإلهي إذ تقتل فيه المروءة والشرف والكرامة والنبل والإنسانية، وتسفل به إلى الحيوانية القذرة المنحطة، ألم تعر آدم، وتكشف نوحاً، وتغطي داود بالوحل، وتنحط بأمنون إلى أسفل الدركات!! على ألا تنسى على الدوام ما اصطلح رجال (http://www.sg-es.net/vb/showthread.php?t=26013)النفس على تسميته بعقدة أوديب، عقدة ذلك الفتى اليوناني القديم، الذي قتل أباه، وتزوج أمه، وعندما أدرك بشاعة عمله، فقأ عينيه، ووقع بنفسه أفظع عقاب يجرؤ عليه إنسان!!


الخوف . .
وإذ سمع آدم وحواء صوت الرب الإله ماشياً في وسط الجنة عند هبوب ريح النهار فزعاً وخافاً، وهذا ما تصنعه الخطية دائماً بمرتكبها، إذ تظهره في مظهر الضعيف الأعزل الذي تمسك به حبال آثامه وشروره، فلا يستطيع الهروب من عدل الله، مهما حاول إلى ذلك سبيلاً، لقد ظن آدم وحواء في باديء الأمر، أن التعدي والأكل من الشجرة، سيجعلها مثل الله، وفي مستواه تعالي، ولكنهما تبينا آخر الأمر، أنهما أضافا إلى ضعفهما ضعفاً، إذ لم يجسرا على النظر إلى الله فحسب، بل خشيا حتى من مجرد الاستماع إلى صوته عند هبوب ريح النهار!! والخطية توهم المرء على الدوام أنه قوي، وجسور، حتى يرتكبها، فإذا به يكتشف أنه ضعيف، وجبان، وأنه أعجز من أن يواجه نفسه، أو المجتمع، أو صوت الله!! وقد جاء صوت الله إلى أبوينا عند هبوب ريح النهار، أو قبيل الغروب، كما يرجح بعض المفسرين عندما سكنت الطيور إلى الأعشاش، والحيوانات إلى المرابض، ولم تكن هناك نأمة أو حركة، ما خلا الريح التي هبت، وجاء معها صوت الله، قوياً مؤثراً، يبلغ الشغاف والأعماق، وهكذا يأتينا هذا الصوت عندما نرتكب الخطية، بقوة لا تغالب أو تناهض، في الحوادث والأحداث التي تمر بحياتنا وفي تأنيب الضمير المرهب، وعذاباته، وضرباته التي هي أقسى من لذع السياط، أو طعنات السيوف، فننكمش، ونتقلص، ونفزع، وتصنع منا الخطية جبناء كما يقول شكسبير!!


العداوة . .
والخطية سر كل نزاع وخصام وعداوة في الأرض، إذ لا سلام قال إلهي للأشرار، وإذ سقط أبوانا الأولان، ضعفت المحبة بينهما، فلم تكن في جمالها الأول، كما نشأت بينهما وبين الحية عداوة قاسية، وأكثر من ذلك قتلت محبتهما لله!! أما أن محبتهما لم تكن كالأول، فذلك يبدو من محاولة آدم إلقاء التبعة على زوجته، دون أن يهتم بحمايتها أو تحمل ذنبها، كما كان ينتظر منه كمحب مخلص غيور، ولا ننسى أيضاً أنه عندما ذكرها أمام الله لم يقل "زوجتي" و "حواء" بل قال "المرأة التي أعطيتني" مما يدل على أن محبته لها لم تعد في قوتها الأولى!!.. أما العداوة للحية فقد أضحت عداوة دائمة مستمرة أبدية!! ومن المستطاع ملاحظتها إذا ذكرنا العداوة القائمة بين الجسد والروح في الإنسان الواحد، وبين المؤمن وغير المؤمن على طوال الأجيال!!..
أما العداوة لله فتبدو في البعد عنه، وعدم الشوق إليه، ومن هنا نعلم لماذا يعيش الإنسان على الدوام في الفزع والرعب والقلق والفوضى وعدم الاستقرار؟!! بل هنا نعلم لماذا تبدو حياته مجموعة من الأشتات والمتناقضات، أو كما يصفه بسكال الفيلسوف: "مزاج فريد من المتناقضات، جمع الكرم والخسة، والسمو والصغار، والقوة والضعف، حتى أصبح لغزاً عسير الحل… وهو بطبعه يميل إلى التصديق، ويميل إلى الشك، شجاع وجبان، راغب في الاستقلال وخاضع لشهواته، محتاج دائماً إلى شيء ما، مضطرب، قلق، سريع الملل، تخدعه حواسه، ويخدعه خياله، ويخدعه حبه لنفسه، فلا يرى الأشياء كما هي وإنما يراها من وراء ستار، ولا أدل على ذلك من اختلاف نظرات الناس إلى شيء واحد باختلاف أشخاصهم وبيئاتهم وعواطفهم ونزعاتهم.. يستطيع أن يقتل إنساناً مثله، ولكن ذبابة تستطيع أن تقتله هو"!!


الموت . .
وأجرة الخطية هي موت، وقد مات آدم وحواء في اللحظة التي سقطا فيها، وانفصلا عن الله، لقد ماتا في الحال الموت الروحي والأدبي، إذ لم تعد لهما الشركة الجميلة الحلوة المقدسة مع خالقهما المحب وأبيهما القدوس، بل لم يعد لهما ذلك الإحساس، الذي ألفاه ودرجا عليه، إحساس الحنين إليه والشوق إلى رؤياه!! بل لقد شعرا للمرة الأولى بأن غبشة من الظلام استولت على عيونهما، فلم يعودا يميزان للمرة الأولى بالفرق بين الحق والباطل، والنور والظلام، والجمال والقبح، والخير والشر، بل شعروا بما يشبه السم الزعاف القاتل يسري في بدنيهما فيخدر في كيانهما كل المعاني والحقائق ويقتلهما في بطء وعذاب وقسوة!! وإلى جانب هذا كله شعرا بالموت المادي يأخذ السبيل إلى جسديهما بالضعف والوهن والتعب والمرض والانحلال!!
وهكذا أدركا صدق الله القائل: "لأنك يوم تأكل منهما موتاً تموت".


الحياة المعذبة . .

طرد آدم وحواء من الجنة فطردا بذلك من الحياة الوادعة الآمنة المستريحة، ولعنت الأرض بسببهما، فضعفت خصوبتها، وتحول الشطر الأكبر من اليابسة إلى البراري والصحاري والقفار، وكان على آدم أن يجد لقمته بالتعب والجهد وعرق الجبين: "ملعونة الأرض بسببك بالتعب تأكل منها كل أيام حياتك وشوكاً وحسكاً تنبت لك وتأكل عشب الحقل. بعرق وجهك تأكل خبزاً حتى تعود إلى الأرض التي أخذت منها لأنك تراب وإلى تراب تعود" وكان على حواء أن تعيش حياتها متألمة كزوجة وأم، وفقد الاثنان سيادتهما على العدد العديد من الحيوانات إذ استضرت وتوحشت وسار الركب البشري يئن مجهداً مثقلاً متعباً يقول مع يعقوب عن الحياة: "قليلة وردية" ومع موسى في مزموره الباكي: "وأفخرها تعب وبلية" ومع بولس: "فإننا نعلم أن الخليقة تئن وتتمخض معاً‍‍"

آدم كيف خلص وأخذ طريقه مرة أخرى إلى الفردوس!!؟‍‍

على أن قصة آدم لم تنته بالطرد أو الموت أو الهلاك، وهيهات لها أن تكون كذلك، وقد سبقت نعمة الله فأعدت له الخلاص المجاني الكامل العظيم‍‍ ولعلنا نستطيع ونحن نتابع هذا الخلاص أن نلاحظ!!

إن الله أعلن خلاص آدم قبل إعلان عقابه

وهذا واضح مما نقرأ في سفر التكوين إذ قال الله للحية، قبل أن يحكم على آدم: "وأضع عداوة بينك وبين المرأة نسلك وبين نسلها هو يسحق رأسك وأنت تسحقين عقبه" أو في لغة أخرى، إن آدم سمع حكم الخلاص قبل أن يسمع حكم الموت!! وهل هناك برهان على عمق رغبة الله في خلاص البشر كهذا البرهان؟!! وهل هناك دليل على أن الله يسر بالرحمة والرأفة ولا يسر بموت الخاطيء كهذا الدليل؟!!.. سار الشاب البائس في إحدى ليالي الشتاء القارسة البرد يتخبط في ظلمات المدينة، وقد أفقده الإدمان على المسكر كل شيء كان يمتلكه، إذ باع ملابسه وأثاثه وكل ممتلكاته، ولم يتبق له منزل أو ثوب أو حذاء‍‍ فخرج في شوارع المدينة حاسر الرأس، حافي القدم، ممزق الثياب، وأخذ يضرب في الطرقات والشوارع والأزقة على غير هدى، حتى بلغ ملجأ من ملاجيء اللقطاء والبؤساء‍‍ وإذ دلف بقدميه المتعبين، وبطنه الجائع، يطلب لقمة واداما، ومبيت ليلة واحدة إذا أمكن، وجد عدداً كبيراً من أمثاله التعساء والمساكين ينتظرون ما ينتظر، ويطلبون ما يطلب، فجلس في وسطهم، وإذا بواعظ يتحدث إليهم قبل تناول الطعام عن الله وجوده وحبه ورحمته وحنانه بانياً كلامه على ما ورد في سفر أيوب الأصحاح السادس والثلاثين والعدد الخامس: "هوذا الله عزيز ولكنه لا يرذل أحداً" وأكد الواعظ أن الله لا يرذل أو يحتقر المنبوذ والضائع والمتروك والمهمل من جميع الناس، وأن رحمته واسعة وبعيدة ولا نهائية، وأن محبته موجودة وإحسانه كالبحر الطامي ومن غير حدود‍‍ وإذ سمع الشاب هذه الأقوال استيقظ في قلبه شعاع من نور وأمل، وبدا له كما لو أن الظلمة العميقة الضاربة حوله توشك أن تتمزق، فركع على قدميا وصرخ إلى الله وهو يقول: "إني أعلم يا إلهي أنك قوي عزيز، ولكنك لا تحتقرني، لقد دمرت نفسي بالمسكر، ولكن لا تحتقرني!! اغفر لي خطاياي وساعدني لأحيا حياة جديدة" وسمع الله له، وأنقذه من وهدته، وجلب له سلام القلب، وخير الحياة، حتى لقد ألف أن يقول في حياته الجديدة. فقد كنت في الخطية قبلا بدون حذاء، وبدون مأوى، وبدون مسيح!! أما الآن فقد نلت في المسيح كل شيء!!

أن الله أعلن خلاص آدم بالدم

لقد حاول آدم وحواء تغطية الخطية تغطية مشوهة حمقاء: "إذ خاطا أوراق تين وصنعا لأنفسهما مآزر" وهما أول من يعلم أنها لا يمكن أن تبقى أو تستر، أما الله فقد ستر عريهما وخزيهما بذبيحة: "وصنع الرب الإله لآدم وامرأته أقمصة من جلد وألبسهما" إذ "بدون سفك دم لا تحصل مغفرة".
وهنا ندرك أمرين أساسيين أصيلين في الخلاص، أنه أولاً وقبل كل شيء، من صنع الله، والله وحده: "وصنع الرب الإله.." وأنه ليس للإنسان في إعداده وترتيبه أدنى نصيب أو مجهود أو مشاركة، إذ يرجع في جملته وتفصيله إلى فضل النعمة الإلهية المجانية الكاملة.. والأمر الثاني أن الخلاص بالدم، والدم وحده! وهنا نلمح كما قال أحدهم: "شجرة الخلاص في بذرة أو نسر الإنجيل في بيضة" بل هنا نرى النبوة الأولى عن الصليب، والتفسير الحاسم لما جاء في الكتاب (http://www.sg-es.net/vb/showthread.php?t=26013)من تعاليم وشرائع ورموز ونبوات وطقوس وفرائض!! الأمر الذي بدونه تضحى هذه كلها ألغازاً وأحاجي ومعميات، بل هنا نجد الجواب الأوحد من الله المخلص للعالم الخاطيء الآثم الملوث الشرير، والدواء الناجع للينبوع البشري الدفاق الممتليء بالصديد، والإعلان الشامل لما ينشده البشر في كل جيل من راحة إزاء الآلام، وتعزية في الضيقات، وستر للخجل، وتهدئة للخوف، وتغطية للعار، وما إلى ذلك مما تئن به الخليقة وتتخمض!!..
ألا يجمل بنا إذاً -ونحن في هذا المقام- أن نحول أنظارنا قليلاً من آدم الأول إلى آدم الثاني، ومن أبي البشرية في الخطية إلى إلهها في الخلاص، وألا يجمل بنا ونحن في هذا المقام أن نهتف مع الرسول قائلين: "فإنه إذ الموت بإنسان بإنسان أيضاً قيامة الأموات. لأنه كما في آدم يموت الجميع هكذا في المسيح سيحيا الجميع.. وهكذا مكتوب أيضاً صار آدم الإنسان الأول نفساً حية وآدم الأخير روحاً محيياً.. الإنسان الأول من الأرض ترابي والإنسان الثاني الرب من السماء" بل ألا يمكننا أن نقول هنا أيضاً مع هنري فان دايك: "أنه لو انتزع الرجاء المبارك من الكتاب (http://www.sg-es.net/vb/showthread.php?t=26013)المقدس (http://www.sg-es.net/vb/showthread.php?t=26013)أن نسل المرأة يسحق رأس الحية فلن يتبقى هناك سوى جنة مهدمة، وإنسان مشرد، وطوفان غامر، ونيران ملتهبة، وناموس رهيب، ومرامير يائسة، ونبوات صارخة: "من مفرج على الحزن قلبي في سقيم، هوذا صوت استغاثة بنت شعبي من أرض بعيدة.. ألعل الرب ليس في صهيون أو ملكها ليس فيها".. "أليس بلسان في جلعاد أم ليس هناك طبيب فلماذا لم تعصب بنت شعبي" ولكن شكراً لله لأنه لم يعطنا هذا الرجاء فحسب بل أعطانا إياه منذ فجر التاريخ، وعلى الصفحات الأولى من كتابه العظيم!!

إن الحكم على آدم كان لإتمام هذا الخلاص

فالعقاب الذي أوقعه الله على أبوينا الأولين لم يكن لمجرد العدالة الإلهية فحسب، بل كان أكثر من ذلك تحتمه وتلزم به رحمته الفائقة!! فلو أن آدم وحواء أكلا من شجرة الحياة وهما خاطئان، لكانت الحياة لهما أمر عقاب وعذاب، ولكان بقاؤهما في الجنة هو الجحيم بعينه، ولكن الطرد والتشريد والتعب والألم ولذعة الضمير لهما الباب الضيق والطريق الكرب إلى الفردوس المردود.
عندما حكم على دانتي بالنفي، وطرد من فلورنسا، وحرم عليه أن يراها حتى الموت، سار الشاعر الشريد يضرب في المنفى على غير هدى، وإذ امتلأت نفسه من الأحزان والمتاعب والعذابات، صدف عن الأرض، وحن إلى السماء وكتب كتابه العظيم الخالد "الكوميديا الإلهية"!! وهل أنا وأنت والمؤمنين جميعاً إلا دانتي الشريد تنتزعه نعمة الله من التعلق بالأرض عن طريق الآلام والأوجاع والضيقات!! وهل أنا وأنت والمؤمنون جميعاً إلا ذلك الركب الذي يسير في موكب الحياة وقد قيل عنه: "تجربوا في هزء وجلد ثم في قيود أيضاً وحبس رجموا نشروا ماتوا قتلاً بالسيف طافوا في جلود غنم وجلود معزى معتازين مكروبين مذلين وهم لم يكن العالم مستحقاً لهم. تائهين في براري وجبال ومغاير وشقوق الأرض.."؟‍
دعونا إذاً نشكر الله لا على الشمس المشرقة فحسب بل على الغيوم أيضاً!! ولا على الماء الرقراق بل على الأمواج المزبدة كذلك، ولنهتف من الأعماق مع الرسول قائلين: "ونحن نعلم أن كل الأشياء تعمل معاً للخير للذين يحبون الله الذين هم مدعوون حسب قصده، لأن الذين سبق فعرفهم سبق فعينهم ليكونوا مشابهين صورة ابنه ليكون هو بكراً بين أخوة كثيرين والذين سبق فعينهم فهؤلاء بررهم أيضاً. والذين بررهم فهؤلاء مجدهم أيضاً"!!..

elraiek G
09-15-2010, 02:32 AM
2

قايين ..
"وإن لم تحسن فعند الباب خطية رابضة"
(تك 4: 7)
مقدمة
إن مأساة قايين الكبرى أن كلمة "خطية" وردت لأول مرة في الكتاب المقدس في سياق الحديث عن قصته المفجعة الدامية!! وفي الواقع أن كلمة "خطية" وكلمة "قايين" كلمتان متقابلتان متلازمتان حتى ليسهل أن نضع أحدهما موضع الأخرى ونحن في أمن من الزلل والخطأ والتجني!! أليس قايين هو أول بشري يمكنه أن يقول: "ها أنذا بالإثم صورت وبالخطية حبلت بي أمي" بل أليس قايين هو الأحرى بالقول: "وأما أنا فجسدي مبيع تحت الخطية.. فإني أعلم أنه ليس ساكن في (أي جسدي) شيء صالح لأن الإرادة حاضرة عندي وأما أن أفعل الحسنى فلست أجد.. ويحي أنا الإنسان الشقي من ينقذني من جسد هذا الموت".. ولئن كان داود وبولس قد وجدا من ينقذهما من جسد هذا الموت، ومن الخطية الموروثة والفعلية، فإن قايين لم يجد إلى الخلاص سبيلاً، لأنه رفضه، عندما عرض عليه، بغباوة وعناد وحماقة وشر!!
في اجتماع ديني وقف ثلاثة: طبيب، ومحام، ومهندس، ليتحدث كل منهم، ويضع تعريفاً للخطية، مستمداً من طبيعة مهنته وعمله، فقال الطبيب "أن الخطية مرض" وقال المحامي: "إنها التعدي" وقال المهندس: "إنها الهدم والتدمير"، وقد كانت الخطية عند قايين هي الثلاثة معاً، إذ كانت المرض، والتعدي، والهدم والتدمير، بل وأكثر من ذلك، إذ لاحقته بأقسى جزاء يلحق بإنسان في هذه الأرض، ألا وهو العذاب والطرد والتشريد وعدم الاستقرار حيثما تجه وأني ساد.. وإذا كان العالم الإنجليزي هكسلي قد دحض نظرية التطور النفسي، ووصف الإنسان الخاطيء بالقول: "أعلم أن هناك دراسة انتهت إلى نتيجة محزنة للنفس كدراسة تطور الإنسانية، فمن وراء ظلام التاريخ إلى اليوم، بين الإنسان أنه خاضع لعنصر وضيع فيه، مسيطر عليه بقوة هائلة!! إنه وحش ولكنه وحش أذكى فقط من الوحوش الأخرى، إنه فريسة واهنة عمياء لدوافع تقوده إلى الخراب، وضحية لأوهام لا نهائية، جعلت كيانه العقلي هما وحملا، وأضنت جسده بالهموم والمتاعب والصراع، لقد بلغ شيئاً من الراحة، وانتهى إلى نظام عملي في الحياة على ضفاف النيل أو ما بين النهرين، ولكنه هو هو لآلاف السنين ما يزال يصارع بحظوظ مختلفة، مصغياً إلى دوافع لا نهائية من الشر والدم والبؤس ليشق طريقه بنفسه بين جشع الآخرين وطمعهم!! لقد قاتل واضطهد الذين حاولوا دفعه وتحريكه عما هو عليه، ولكنه لما تحرك خطوة عاد باكياً ضحاياه بانياً قبورهم".. إذا كان هذا العالم قد وصف الإنسان الخاطيء بهذه الصورة فإنه أعطانا، وهو لا يدري، صورة دقيقة رهيبة لأول قاتل وسافك دم على هذه الأرض!!
دعونا إذاَ نتأمل للعظة والعبرة شخصية قايين من هو وما طباعه وأخلاقه؟؟ وما الخطايا المميتة التي ارتكبها؟؟ والعقاب المريع الذي أصابه نتيجة خطاياه؟؟


قايين من هو وما طباعه؟!!
لا يحتاج المرء إلى عناء كبير، وهو يتأمل قصة قايين كما وردت في سفر التكوين. مضافاً إليها ثلاث عبارات أخرى قصيرة حاسمة وردت في العهد الجديد في الرسالة إلى العبرانيين، ورسالة يوحنا الأولى، ورسالة يهوذا –في أن الخطية صنعت من هذا الإنسان مخلوقاً بشعاً مريعاً يقف على رأس المجرمين العتاة في كل التاريخ، ولعل الرسول يوحنا لم يجد لهذا السبب، وصفاً يصف به قايين أدق من القول: "كان قايين من الشرير" أي أنه كان من الشيطان، كما أن الفرع جاء من الأصل، وكما أن الغصن جزء من الشجرة، وكما أن الماء العكر جزء من الينبوع الموحل!! فهو ابن الشيطان وتابعه وربيبه، ومن ثم فكل صفاته وطبائعه أثمة شريرة شيطانية، وإذا كان من المتعذر الإحاطة بها جميعاً، في هذا المقام، فليس أقل من أن نشير في كلمات إلى أهمها وأظهرها، ولعلها:


الضراوة والوحشية . .
يعتقد بعض الشراح أن قايين كان -من الناحية البدنية- أقوى وأصح من أخيه هابيل، ويرجع هذا في نظرهم لا لأنه استطاع أن يقضي على أخيه ويقتله فحسب، بل لأن حواء إذ لاحظت ضعف هابيل الجسدي، من مولده، إذا قورن بأخيه، أطلقت عليه الاسم هابيل، الذي يعني "الضعف" أو "البطل" بينما يرجح آخرون أن حواء أطلقت هذا الاسم على ابنها الثاني تعبيراً عن ألمها ويأسها ومرارتها وخيبة أملها من الحياة كلها، ومن ابنها قايين، الذي بدا على غير ما كانت تحلم وتتمنى؟ وسواء صح هذا الرأي أو ذاك، فمما لا شك فيه أن قايين يقف على رأس تلك السلسلة الطويلة من الأبناء الذين ولدوا حسب الجسد، بينما يقف هابيل على رأس الصف المقابل من أبناء الموعد والروح!! وكما كان أبناء الجسد يبدون على الدوام في عنف وضراوة ووحشية، وفي مواجهة أبناء الروح، كما بدا اسمعيل في مواجهة اسحق، وعيسو في مواجهة يعقوب، هكذا نرى من اللحظة الأولى في التاريخ البشري كيف يبدو قايين أولهم وأبوهم في ضراوته ووحشيته وعنفه إزاء أخيه الطيب الوادع الآمن هابيل!!


الكبرياء والاعتداد بالذات . .
وما من شك بأن قايين كان متكبراً، صلفاً، شديد الاعتداد بالنفس، والذات، ويبدو هذا بوضوح من الطريقة التي تخيرها، وهو يقدم تقدمته لله، إذ أنه لم يقدم التقدمة التي أمر بها الله، قدم التقدمة التي ظن هو أنها أفضل وأعظم بحسب تفكيره وعقله، بل أن سقوط وجهه بعد التقدمة يدل إلى حد كبير على أنه كان في الأصل ذا طبيعة متعالية شامخة!!
والكبرياء من أشر الرذائل التي تصيب الإنسان، وهي دليل بالغ على الحماقة والغباوة والجهل!! إذ ليس في أي بشري ما يدعوه إلى التسامي والتعالي والتشامخ، إذ يكفي أن ندرك مركزنا إزاء الله والكون والأبدية والحياة والواجب حتى نتضع ونصغر ونتلاشى!! كان الذهبي الفم يقول: إن أساس فلسفتنا التواضع، وكان كلفن يقول: لو أنك سألتني عن النعمة الأولى والثانية والثالثة التي ينبغي أن نتحلى بها في الحياة المسيحية، لأجبتك أنها أولاً وثانياً وثالثاً، وإلى الأبد.. التواضع.. كان جورج واشنطون كرافر من العلماء المبرزين، وقد سأل الله ذات يوم قائلاً: يا رب ما هو الكون؟!! فأجابه الله: يا جورج إن الكون أوسع وأكبر من أن تدركه أنت!! ولعلك تطالبني فيما بعد بالاهتمام به؟!! وإذ أحس العالم المتواضع مركزه من الله والحقيقة سأل إلهه: يا رب ما هو الفول السوداني؟!! فأجابه الله: الآن تسأل سؤالاً يتناسب مع حجمك؟!! اذهب وسأعينك على فهمه!! وقضى جورج المتواضع بقية حياته يجري بمعونة الله تجاربه العديدة على هذا النبات حتى انتهى إلى نتائج مذهلة عجيبة!!


الحسد . .
والحسد هو الرذيلة النكراء التي تملكت قايين وأسقطت وجهه، عندما رفض الله تقدمته وقبل تقدمة أخيه، وهي الرذيلة الوحيدة التي يقول عنها الكسندر هوايت أنها تولد وتنمو وتثمر في الحال، إذ يكفي أن ترى غيرك يفضل عليك، حتى تشعر في التو واللحظة أن نيران الجحيم بأكملها قد استعرت فيك؟!! ومن القديسين من نجح في مكافحة كثير من الرذائل ولكنه سقط في رذيلة الحسد!! ولقد قيل إن الشياطين عجزت ذات مرة عن إسقاط أحد الرهبان!! مع أنهم جربوه بأنواع مختلفة من التجارب، وإذ اشتكوه إلى رئيسهم قال: دعوه لي، ثم ذهب إليه وقال له: هل علمت أن زميلك اختير أسقفاً على الإسكندرية، وكان هذا كافياً لإسقاطه!!.. ما أحوجنا جميعاً إلى روح وصلاة توماس شبرد مؤسس جامعة هارفورد، ذلك الرجل الذي جرب ذات مرة بأن يحسد زميلاً شاباً من الخدام، لأن مواعظه أخذت المكان الأول على صفحات الصحف، بينما أخذت مواعظه هو مكاناً منزوياً خفياً، وذات يوم ظهرت عظة للشاب قرأها الجميع، وكانت موضع الحديث والتقدير والإعجاب!! وما أن سمع شبرد الناس يتحدثون عنها حتى استعرت نيران ملتهبة في أعماق نفسه، فدخل إلى مكتبه، وهناك اجتاز في تلك الليلة جثسيماني، وفي منتصف الليل انبطح على وجهه في أرض الغرفة، وهو يصارع بعرق ودموع العاطفة البغيضة التي استولت عليه، وقبيل الفجر، كان قد انتصر تماماً، إذ أخذ يصلي بنفس هادئة، ومحبة عميقة، ليبارك الله أخاه وزميله الواعظ، لكي ينجح ويتقدم أكثر فأكثر.. وكانت هذه بمثابة نقطة التحول في حياة الواعظ البيورتاني العظيم!!. وسمع التاريخ عنه، أما زميله الواعظ فلا نكاد نعرف حتى مجرد اسمه!!


الأنانية وحب الذات . .
وهل هناك من شك في أن قايين كان أنانياً، بل كان غارقاً في الأنانية وحب الذات؟!! ألم ير الدنيا وكأنما هي أضيق من أن تتسع له ولأخيه، وكأنما لا تستطيع أن تحملهما معاً متعاونين متحابين متساندين؟!! بل ألا تبدو هذه الأنانية في قوله لله: "أحارس أنا لأخي" وهي عبارة إن دلت على شيء، فإنما تدل على الإثرة والذاتية وعدم الاهتمام بالآخرين؟!! ومن له في الدنيا أفضل من هابيل، ومن رعايته وحراسته والحدب عليه؟!! ولكنها هي الأنانية التي لا تفكر في الواجب، بل ترى فيه، وفي الاهتمام بالغير، ثقلاً وعبئاً ونكراً، حتى ولو كان هذا الغير هو أعز وأقرب الناس إلينا، أو في لغة أخرى، هو أخونا ابن أمنا وأبينا!!.. لم يقل قايين قولة لويس الخامس عشر المنكرة: أنا وبعدي الطوفان!! لأن الطوفان لم يكن قد جاء بعد ليغرق الدنيا بأكملها، ولكنه أثبت بما قال وفعل أنه أبو لويس وأبو الأنانيين جميعاً على اختلاف أجناسهم ولو أنهم في كل العصور والحقب والأجيال!! هناك صورة مشهورة لمصور بريطاني عنوانها: "أحارس أنا لأخي" وهي عبارة عن مقعد حجري على نهر التيمز، وقد جلس عليه ستة أو سبعة من التعساء البؤساء المشردين، ممن لم يكن لهم مكان في المدينة، فأتوا إلى ذلك المكان ليقضوا فيه ليلتهم، وتراهم في الصورة وقد ناموا وهم جلوس على المقعد، وكان ثلاثة منهم من العمال العاطلين، ورابع من الجنود المسرحين، وإلى جواره امرأة تحتضن طفلها وتميل برأسها على زوجها الجالس إلى جانبها، والجميع مستغرقون في النوم، وعلى مقربة من المكان فندق عظيم، يتلألأ بأنواره الفخمة التي يسكبها هنا وهناك!!.. والمعنى الذي يقصده المصور من صورته هذه، واضح وظاهر، إذ أن هؤلاء البؤساء ليس لهم مكان بين أخوتهم من رواد الفندق الفخم القريب!!


الخداع والمكر . .
والخداع والمكر من الصفات البارزة في قايين والتي دعته إلى أن يخفي في نفسه أمر مؤامرته وغدره، ثم يدعو أخاه إلى الحقل دون أن يستبين هذا من الأمر شيئاً، وقد قيل في بعض التقاليد أنه تحدث إلى أخيه مهنئاً إياه على الذبيحة التي قبلها الله، وقيل في تقاليد أخرى، أنه دعا أخاه ليذهب وإياه إلى الحقل للتريض والنزهة!! وسواء صح هذا الرأي أو ذاك أو لم يصح فمن المؤكد أن شيئاً خبيثاً شريراً كان يلمع في عيني قايين، وأن هابيل الوادع الآمن لم يستطع تبينه ومن ثم ذهب ضحية ثقته بأخيه الذي لم يكن أهلاً لهذه الثقة!!


الكذب . .
وكذلك قايين واضح في الجواب الذي رد به على الله عندما سأله قائلاً: "أين هابيل أخوك" إذ قال: "لا أعلم"، وليس عجباً أن يكذب قايين، بل العجب ألا يكذب وهو من الشرير ، أي من ذاك الذي قال عنه المسيح "متى تكلم بالكذب فإنما يتكلم مما له لأنه كذاب وأبو الكذاب" (يو 8: 44) والكذب من الصفات الأصيلة في الأشرار والشياطين، إذ هم بطبيعتهم منحرفون عن الحق، وكارهون له!! ومن ثم فالشيء من معدنه لا يستغرب، وكل إناء ينضح بما فيه كما تذهب وتقول الأمثال!!


العالمية . .
ونقصد بالعالمية ههنا ما ذهب إليه أوغسطينس عندما تحدث عن الفرق بين قايين وهابيل في كتابه العظيم: مدينة الله إذ قال: "إن قايين، مؤسس مدينة العالم، ولد أولاً، ودعى قايين أي اقتناء، لأنه بنى مدينة، وبذلك انصرف انصرافاً كلياً للاهتمام بأمجاد العالم وهمومه، ولقد اضطهد ذاك الذي اختير من العالم، أما هابيل فهو أول سكان مدينة لله، وقد ولد ثانياً، وقد أطلقه عليه الاسم هابيل أي البطل، لأنه أبصر بطل العالم، وقد خرج من العالم بموت غير عادي، وهكذا جاء الاستشهاد على الأرض مبكراً، ومن أسف أن الرجل الأول الذي مات من البشر مات من أجل الدين". وإن كنا لا نتفق مع أوغسطينس في الربط بين معنى الاسم قايين والمدينة التي بناها ذلك الرجل القديم، إلا أننا نؤيده تماماً في أن قايين خرج من لدن الرب، ليسكن في أرض "نود" أو أرض "البعد" حيث وضع هناك أساس المدينة المستقلة المنعزلة المتباعدة عن الله!! ولقد ضرب بنوه في هذه المدينة بسهم وافر من الحضارة إذ كان منهم يوبال الذي كان أباً لكل ضارب بالعود والمزمار، وتوبال قايين الضارب كل آلة من نحاس وحديد، ولكنها -أي المدينة- مع ذلك عجزت عن أن تتحقق لهم الراحة والسعادة والبهجة والسلام، إذ ولدت بعيدة عن الله، وفي أحضان الشر والشهوانية والفساد والإثم!!


قايين والخطايا المميتة التي ارتكبها رغم تحذير الله . .
أما وقد أدركنا طبيعة قايين الشريرة فلنتحول قليلاً لنتأمل الخطايا المميتة التي ارتكبها هذا الرجل، وتزداد هذه الخطايا بشاعة ورهبة وشناعة إذا لاحظنا أن الله لم يتركه ليقدم عليها أو يندفع فيها دون تنبيه أو تحذير!! وهذه الخطايا هي:


خطية عدم الإيمان . .
وهي أول خطية يبرزها ويحددها الكتاب لنا، وتتمثل في القربان الذي قدمه قايين إلى الرب من ثمار الأرض، على العكس من أخيه الذي قدم ذبيحة لله من أبكار غنمه ومن سمانها!! ولا أحسب أن هناك كلمات أفخم وأدق وأروع من كلمات دكتور أ.ب. سمبسون عندما وصف الاثنين بالقول: "إن الرجلين اللذين وقفا على أبواب عدن ليعبدا الله يمثلان الجنس البشري في انقسامه إلى مؤمنين وغير مؤمنين!!. أما الرجل الأرضي فيبدو في ديانته كما لو أنه أكثر طرافة وكياسة وجمالاً، إذ يقدم من أثمار تعبه ومن أولها وأحسنها!! أو في لغة أخرى، أنه يقدم زهور الربيع العطرة النقية، وثمار الصيف الناضجة الغنية، وربما بدا مذبحه أكثر بهاءً وجمالاً إذا قورن بالمذبح الخشن غير المصقول الذي قدم هابيل عليه الذبيحة العاصية والتي تبدو في صفرة الموت لحمل دام محتضر ملتهب!! غير أن تقدمة قايين في جملتها ليس إلا نكراناً تاماً شاملاً لكل ما قال الله عن لعنته للأرض وأثمارها، وعن حقيقة الخطية والحاجة إلى مخلص مكفر، الأمر الذي أوضحه الله لآدم وحواء عندما صنع لهما أقمصة من جلده، والذي لا شك أنه أكده أكثر من مرة في تعاليمه ووصاياه لكليهما!! ولم تكن ذبيحة هابيل صوى اعتراف وديع متضع بكل هذه، وقبول صريح واضح لطريقة الله في الغفران والقبول".
والواقع أن كاتب الرسالة إلى العبرانيين يتحدث بكيفية جازمة عن هذه الحقيقة بالقول: "بالإيمان قدم هابيل لله ذبيحة أفضل من قايين"، وهل يمكن أن يكون هناك إيمان ما لم يكن هناك إعلان سابق يثق به هذا الإيمان ويرجوه ويعتمد عليه؟!! أجل فهابيل لم يقدم ذبيحته لمجرد التصور أو الاستحسان البشري بل لابد أن الله أعلن من البدء للبشر بوضوح وجلاء أنه "بدون سفك دم لا تحصل مغفرة"!!
والعمل الأول للإيمان هو أن نثق بما يقول الله عن الخطية!! ولا عبرة بعد ذلك بما يمكن أن يقوله الفكر أو الشعور عنها، فإذا حلا لبعض الفلاسفة والملحدين تجاهلها. فلن يفيد هذا التجاهل شيئاً، وستبقى الخطية رغم ذلك أرهب حقيقة عرفها التاريخ البشري، وإذا زعم غيرهم أن الخطية ضرورة من ضرورات الاجتماع، فزعمهم كاذب وليس الحق فيه، وستبقى الخطية كما قال عنها الآباء الأولون: إنها إرادة الإنسان الفاسدة تعاكس إرادة الله المقدسة، أو كما قال عنها اليهود: إنها العجز عن بلوغ الهدف، أو كما قالوا عنها أيضاً: إنها خضوع الإنسان لرغبات الجسد التي تقاوم إرادة الله، أو كما وصفها الكتاب في تعبير دقيق جامع مانع بالقول: "والخطية هي التعدي" (1يو 3: 4) وأياً كان نوع هذا التعدي ووجهته، وسواء كان موجهاً ضد النفس، أو ضد الآخرين، أو ضد الله مباشرة، فهو على أي حال التعدي الذي يستجلب غضب الله ودينونته ونقمته. وما يصح في القول عن الفكر يصح في القول عن الشعور أيضاً، إذ لا ينبغي أن نزن الخطية أو نقيسها بميزان أو مقياس الشعور، إذ يكفي أن نؤمن بأننا خطاة لأن الله قال هكذا!! وهذا ما فعله هابيل إذ أخذ مكانه كخاطيء فوجد في الحال سبيله إلى الخلاص من خطيته!! على العكس من أخيه الذي كان الشعور هو المضلل الأكبر له، إذ لم يشعر في البداءة بخطيته، أو بحاجته إلى الخلاص!! وعندما شعر بالخطية في النهاية، كان شعوره أفدح وأثقل من اللازم، وأدعى إلى اليأس والقنوط، الأمر الذي دعاه يصرخ صرخته المرة: "ذنبي أعظم من أن يحتمل".
على أنه لا يكفي أن يثق الإنسان بما يقوله الله عن الخطية، بل ينبغي أن يثق بما يقوله أيضاً عن الخلاص، وقد قال الله في كلمته في هذا الشأن، فأبى قايين أن يصدقها، وقبلها أخوه بإيمان وخضوع وتسليم، والجنس البشري كله لا يخرج في جميع العصور والأجيال عن واحد من اثنين إما منكر لهذه الكلمة أو مصدق لها، كيف لا والصليب هو الحقيقة الكبرى التي كانت ترمز إليها جميع الذبائح في العهد القديم و"كلمة الصليب عند الهالكين جهالة وأما عندنا نحن المخلصين فهي قوة الله.. لأن اليهود يسألون آية واليونانيين يطلبون حكمة. ولكننا نحن نكرز بالمسيح مصلوباً لليهود عثرة ولليونانيين جهالة وأما للمدعويين يهوداً ويونانيين فبالمسيح قوة الله وحكمة الله لأن جهالة الله أحكم من الناس وضعف الله أقوى من الناس" (1كو 1: 18، 22-24).
كان الاسكتلندي العجوز يركب عربته ذات يوم، وإذا به يسقط تحت ثقل خطاياه، وتبادره نفسه بهذا السؤال الملح: "ماذا تقدم لله لكي يرضى عليك؟!" وفكر في أن يقدم دموعه وخدماته وعهوده وإصلاحاته ولكن هذه جميعها لم تعطه الراحة والأمن والسلام!! وإذا به يسمع صوتاً هامساً من الأعماق يقول له: قدم المسيح!! وإذ قدمه امتلأت حياته كلها بالفرح والبهجة والسلام والسعادة!!
ومن الملاحظ أن الله لم يهمل في أن ينبه قايين، بعد أن رفض تقدمته، إلى أنه يحسن أو لا يحسن بالقدر الذي يرفع الذبيحة أو لا يرفعها‍‍ وهكذا تكشف لنا هذه القصة القديمة إلى أي حد يهتم الله بإعلان سياسته الثابتة الأبدية في الخلاص!!


خطية قتل هابيل . .
وهي الخطية الثانية الرهيبة التي ارتكبها قايين، وقد ارتكبها مع سبق الإصرار دون أن ينتفع بتحذير الله وإنذاره، وقد اتسمت هذه الخطية على الأقل بثلاث سمات، إذ كانت أولاً الخطية القريبة من الباب، ولعلنا نستطيع أن نفهم اقترابها من قايين إذا أدركنا معنى القول: "إن أحسنت أفلا رفع وإن لم تسحن فعند الباب خطية رابضة". والشراح في ذلك يذهبون ثلاثة أو أربعة مذاهب، فمنهم من يفسرها بهذا المعنى: إن أحسنت أفلا رفع لوجهك، وإن لم تحسن فعند الباب خطية رابضة، وهؤلاء يعتقدون أن الرفع هنا مقصود به الوجه الذي سقط وامتلأ خزياً، وعلى رأس هؤلاء يقف كايل وديلتش وجيزينيس، بينما وجد غيرهم ممن توسع في فهمه لمضمونها فقال إن المقصود هو إن أحسنت أفلا رفع لمركزك على اعتبار أنه البكر، وعلى رأس هؤلاء يقف بشن.. ووجد آخرون ممن فسروها على هذا المعنى: إن أحسنت أفلا رفع لذبيحة، وهؤلاء يذهبون إلى أن مركز قايين بجملته يتحدد على أساس الذبيحة التي يقدمها أو يرفضها، فإذا قدمها فإنه يحسن صنعاً ويسلك السبيل السوي الذي عينه الله وإن لم يحسن إذ ظل على كبريائه وعناده ورفضه فهناك سوء وخطر ينتظرانه عند الباب ولعل لوثر وكلفن في مقدمة الآخذين بهذا الرأي وإن كان لوثر يذهب إلى أن المقصود بالرفع هو رفع حمل الخطية نتيجة الذبيحة بينما يتجه كلفن إلى أن المقصود بالرفع هو القبول الإلهي للذبيحة والمعنيان على أي حال مقتربان ومتفاعلان!! على أن هناك مذهباً آخر طريفاً يقول إن قايين حمل تقدمته المرفوضة التي لم ينظر إليها الرب وألقى بها عند الباب وكان يراها في دخوله وخروجه فتشعل نفسه غضباً وغيظاً ورأى الله أن تجربته هناك فطلب إليه أن يرفعها بالقول: إن أحسنت أفلا رفع للتجربة- حتى لا تتحول إلى وحش كاسر يوشك أن ينقض عليك!! وسواء صح هذا الرأي أو ذاك أو غيره، فمن الواضح أن التجربة كانت قريبة جداً من قايين، وأنها تربض على بابه، فإذا لم يفزع منها ويهرب، فإنها لا تلبث أن تنقض عليه وتفتك إذا حبلت لأن: "كل واحد يجرب إذا انجذب وانخدع من شهوته ثم الشهوة إذا حبلت تلد خطية والخطية إذا كملت تنتج موتاً" (يع 1: 14 و15). إن الخطية تبدأ أولاً بخيوط أو هي أدق من خيوط العنكبوت تلف بالخاطيء، ثم لا تلبث أن تتحول هذه الخيوط إلى قيود وأغلال دونها القيود والأغلال الفولاذية!!
سار فاوست في طريقه مع الشيطان وقد اتفقا على أنه إذا نجح الشيطان في إشباع رغبات فاوست يضحى له عبداً، أما إذا لم يشبعها فإن له الحق أن يتحلل من سيطرته وسيادته، وقبل الشيطان ذلك، وأخذ ينتقل بفاوست من شر إلى شر، ومن متعة إلى متعة، وفي كل مرة يسأله: هل شبع؟! وإذ بالجواب يأتيه على الدوام كلا، واستنفذ الشيطان كل المتع والشهوات والشرور وأعلن ذلك لفاوست!! فقال له هذا: إذاً فأنا حر!! وأجابه الشيطان: أنت حر، وحاول فاوست أن يرجع، ولكنه أدرك أن الخطية قيدته وهو لا يدري بقيود من حديد!!.
والسمة الثانية في الخطية التي ارتكبها قايين وحشيتها وقسوتها إذ أنها: رابضة عند الباب" والمعنى في الأصل يشير إلى أن الخطية وحش كاسر يجسم على مقربة من قايين، ويوشك أن يمزقه تمزيقاً، وفي الواقع أن الخطية التي ارتكبها قايين كانت بالغة الفظاعة والوحشية!! كيف لا والصريع أخوه ابن أمه وأبيه، أخوه الحلو البريء الوادع الآمن؟!! أخوه الذي كانت تحلو معه العشرة، وكان يتقاسم وإياه الحياة في ألوانها المتعددة المختلفة!! تخيل أحد الكتاب هابيل وكأنما يصيح في اللحظة الأخيرة لأخيه الغادر المتوحش: أي أخي ابن أمي وأبي ماذا ستفعل؟!! إنك إذ تقتلني ستقتل أبهج ذكريات الحياة عندما كنا نسير هنا وهناك على مقربة من عدن، نلعب ونتحادث ونكافح ونضحك!! بل إنك إذ تقتلني ستقتل أثمن ما فينا على الأرض إذ ستقتل الثقة والصدق والمحبة والشرف والإيثار والأخوة!! ويحك يا أخي لا تفعل هكذا!! ولكن قايين فعل خطيته الشنعاء على أقسى وأرهب وأحط ما يمكن أن يكون الفعل الشنيع. والسمة الثالثة والأخيرة في هذه الخطية: إنه كان من الممكن لقايين أن ينتصر عليها لو أراد، إذ لوح له الله بهذا في القول: "وأنت تسود عليها" أجل فلئن كانت الخطية مقتربة دانية من قايين، ولئن كانت أكثر من ذلك، تتوق وتشتاق إلى الوثوب عليه، إلا أن قايين كان يمكنه أن يتغلب عليها، لو أنه اتجه إلى الله وتمشى وراء إرادته الصالحة!! والله على استعداد أن يساعد كل إنسان مجرب، بل على استعداد أن يهيء له من الأواضع والظروف والمساعدات ما يمكنه من التغلب على تجاربه مهما تبد هذه التجارب مخيفة رهيبة قاسية!! وإذا كانت الطبيعة كلها، كما يقولون، تقف بكل قواتها إلى جوار الإنسان الذي يريد أن يعيش مستقيماً!! فإن الله على استعداد أن يقف بكل سلطانه وقوته إلى جانب الإنسان المجرب الذي يطلبه!!


خطية عدم التوبة . .
وهي الخطية الثالثة التي يذكرها الكتاب لقايين، ويبدو أن كل خطية ارتكبها كانت تمهد وتعد للخطية التي تأتي بعدها!! فخطية عدم الإيمان بالذبيحة ورفضها، مهدت وأعدت لخطية قتل هابيل، وخطية القتل هذه انتهت به إلى الخطية الثالثة: ونعني بها خطية الإصرار وعدم التوبة!! قال له الله بعد أن ارتكب جريمته: "أين هابيل أخوك" ولم يكن يقصد الله من قوله هذا أن يريه قايين أين يوجد هابيل أخوه؟! فالله يعلم أين يثوي هابيل ويضطجع! ولكن الله قصد أن يثير قايين ويدعوه إلى الاعتراف والتوبة؟! ومن الملاحظ أن الله لم يقل له أين هابيل وحسب بل قال له أين هابيل أخوك، ولعله قصد بذلك أن ينبهه إلى عظم الجرم الذي ارتكبه ضد أخيه!! إن القتل في حد ذاته، بشع رهيب، ولكنه أبشع وأرهب إذا ارتكبه ضد الأخ المحب العزيز.. ولعل هذا القول يعزز إلى حد كبير ذلك التقليد القديم الذي يقول إن قايين بعد أن قتل أخيه حار في أين يخفي جثته!! وإذا به يرى غرابين يتقابلان، ويقتل أحدهما الآخر، وإذا بالغراب القاتل يحفر بمنقاره وقدميه حفرة يدفن فيها الآخر، وإذ رأى قايين هذا المنظر قال: الآن علمت ماذا أفعل بهابيل ثم حفر حفرة ووضعه فيها، ووراه تحت التراب!! وعلى أي حال لقد حاول قايين أن يتخلص من الخطية بالإصرار عليها ودفنها!! ولكن هل يستطيع حقاً أن يدفن الخطية ويغطيها بعيداً عن عيني الله؟!! كلا وألف كلا!! وما عمله إلا الحماقة الكبرى التي كان عليه أن يتحاشاها بالاعتراف الصريح!! كان من الممكن أن يأتي إلى الله ويقول: أنا أعلم أين أخي!! لقد قتلته بحماقتي وشري، وليس لي من عذر أتقدم به إليك سوى أن ألوذ برحمتك التي وسعت كل شيء وتتسع للمجرم والخاطيء والأحمق والشرير: "ارحمني يا الله حسب رحمتك حسب كثرة رأفتك أمح معاصي اغسلني كثيراً من إثمي ومن خطيتي طهرني لأني عارف بمعاصي وخطيتي أمامي دائماً إليك وحدك أخطأت والشر قدام عينيك صنعت لكي تتبر في أقوالك وتزكوا في قضائك" ولو قال قايين هذا أو شيئاً من مثل هذا لغفر له الله خطيته الشنيعة..
كان أحد ملوك فرنسا يسير في رفقة ملك أجنبي في سجون طولون، وقال الملك الفرنسي للملك الضيف أنه مستعد أن يفرج في الحال عن أي سجين يقع اختياره عليه، وأخذ الملك الضيف يسأل المسجونين واحداً بعد الآخر عن السبب الذي من أجله جاءوا إلى السجن، وإذا بهم جميعاً يدعون أنهم دخلوا السجن ظلماً وعدواناً، إلا واحد لاحت عليه الذلة والانكسار، وإذ سأله الملك عن سبب دخوله السجن أجاب: لقد ارتكبت إثماً كبيراً، ولا أعلم لماذا خففوا الحكم على هكذا مع أني كنت أستحق حكماً أقسى وأشد! وعندئذ وقع اختيار الملك عليه، وقال: أنت هو الشخص الوحيد الذي أجد فيه شيئاً يحتاج إلى الغفران على العكس من جميع هؤلاء الأبرياء المظلومين!.. أجل لأنه "إن قلنا أنه ليس لنا خطية نضل أنفسنا وليس الحق فينا. إن اعترفنا بخطايانا فهو أمين وعادل حتى يغفر لنا خطايانا ويطهرنا من كل إثم. إن قلنا أننا لم نخطيء نجعله كاذباً وكلمته ليست فينا".


قايين والعقاب المريع الذي أصابه نتيجة خطاياه . .
بعد أن تحدثنا عن قايين وطبيعته الشريرة، والخطايا المميتة التي ارتكبها، يجدر بنا أن ننتهي بالحديث عن العقاب المريع الذي أصابه نتيجة خطاياه، وهذا العقاب إن تحدث عن شيء، فإنما يتحدث قبل كل شيء عن عدالة الله الساهرة الحية التي لا تموت، وقد بدت هذه العدالة في قصة قايين في أكثر من مظهر إذ كانت أولاً العدالة الكاشفة، أو العدالة التي لا يمكن أن يخفي عليها شيء، أو تبهم لديها الأمور، بل هي العدالة التي تزن الظاهر والخفي بميزان دقيق وهي أيضاً العدالة الساهرة التي لا تغفل أو تنام، بل ترقب وتلاحظ كل ما يجري على الأرض، وترى من حقها التدخل بين الإنسان وأخيه، إذ أن حقها في الواقع أسبق على كل حق، بل أساس كل حق، ومصدر كل حق.. وقد يتصور قايين أنه ليس لأحد حق محاسبته أو محاكمته على ما فعل، ولكنه سرعان ما يتبين أنه واهم، وأن ديان كل الأرض، قد أوقفه أمام كرسيه ليعطي حساباً عما فعل ضد أخيه.. وهي إلى جانب ذلك العدالة الطيبة التي تفزع لموت هابيل، وتستمتع إلى صرخات دمه المرتفعة من الأرض، لتقتص له من قاتله، محققة ما قاله المرنم: "عزيز في عيني الرب موت أتقيائه".. وعلى أي حال فإن عقاب قايين كان عقاباً شاملاً تناوله من كل جانب من جوانب الحياة، وقد ظهر بوضوح على الأقل في أربعة مظاهر:

الفشل الروحي

وقصة قايين بجملتها ليست إلا قصة الفشل الروحي العميق، على أوسع ما تشمل عليه كلمة الفشل من معنى، لقد دعته أمه قايين أي "اقتناء" إذ قالت: اقتنيت رجلاً من عند الرب" والرأي الراجع أنها دعته بهذا الاسم وهي تعتقد أنه النسل الموعود الذي سيسحق رأس الحية، والذي سيثأر لها من عدوها المكروه البغيض، الذي أخرجها وزوجها ونسلها من جنة عدن بالتجربة والكذب والخداع، ولعل كلمات الكسندر هوايت هي خير ما يمكن أن يقال هنا على وجه الإطلاق!! قال هوايت: "لقد أخطأت حواء في فهمها لقايين إذ ظنته يسوع المسيح!! وعندما رأته يوم مولده لم تعد تذكر حزنها، إذ كانت المرأة المبتهجة السعيدة!!.. بل إن جنة عدن بكل ما فيها من أزهار وثمار لم تعد تصبح بعد موضع الاهتمام أو التفكير من اليوم الذي تدانت فيه السماء من الأرض، واقتنت حواء ابنها البكر من عند الرب!! وليس عجباً أن تخطيء حواء في فهم قايين إذ يكفي أن تضع نفسك موضعها!! لقد جلبت هذه المرأة على نفسها وعلى زوجها الطرد إذ أصغت لأبي الكذاب!! ولكن الله جاءها في محنتها ويأسها، وفتح لها كتاب وعوده بأفضل وعده إذ وعدها بأن نسل المرأة سيسحق رأس الحية، وبذلك يفتديها من كل الشر الذي جلبته على نفسها، وعلى زوجها.. والآن تبارك الرب هوذا نسلها بين يديها، وها هو يأتيها في صورة حلوة مبهجة للقلب، سماوية، في صورة رجل من عند الرب!! فهل تكون حواء بعد ذلك جاحدة القلب ملحدة المشاعر وهي تنظر إلى ابنها على اعتبار أنه النسل الموعود؟؟ وهل تكون مخطئة إذا قالت هذا هو إلهنا الذي انتظرناه، الإله الذي جاء لنا برجل من عنده؟!! ومع كل هذا فنحن نعلم أن قايين لم يكن المسيح!! وأن ملاك البشارة الواقف في حضرة الله عبر عن حواء وسارة وراحيل وحنة وأليصابات وسائر النساء الأخريات في إسرائيل، وجاء إلى عذراء مخطوبة لرجل اسمه يوسف، وقال لها: "سلام لك أيتها المنعم عليها، الرب معك، مباركة أنت في النساء" "فقالت مريم تعظم نفسي الرب".. أجل لم يكن قايين هو النسل الموعود، أو على الأقل، الأمل الباسم، والأغنية الطروب، واللحن الشادي، في أرض متعبة!! بل كان الإنسان الذي تمثلت فيه المأساة والفشل وخيبة الأمل، على أوسع صورها وأرهب معانيها!! لقد كان عند أبويه في بدء حياته حلماً جميلاً، ولكن سرعان ما تحول إلى كابوس مريع ليس لأبويه فحسب بل لنفسه وأخيه وجميع المتصلين به أو الآتين من نسله!! أجل فليس هناك شيء يبدد الأحلام، ويضيع الأمل كما تفعل الخطية!!


العوز المادي
لم نعلم كم عاش قايين من السنين، وكم طال به العمر، لكننا مع ذلك نعلم أنه عاش طوال حياته في عوز مادي، وفي احتياج دائم، إذ لعنه الله بضيق ذات اليد، في القول: "فالآن ملعون أنت من الأرض التي فتحت فاها لتقبل دم أخيك. متى عملت الأرض لا تعود تعطيك قوتها" أو في لغة أخرى، إنه وجد الشوك في موضع الزهور، ووجد الحسك في موضع البقول، ووجدت اللعنة الدائمة تصاحب ما يزرع ويستنبت، اللعنة التي ذكرها الكتاب عن جماعة تمشت في طريقه عندما قال: "زرعتم كثيراً ودخلتم قليلاً. تأكلون وليس إلى الشبع. تشربون ولا تروون، تكتسون ولا تدفأون، والآخذ أجره يأخذ أجره لكيس منقوب.. انتظرتم كثيراً وإذا هو قليل ولما أدخلتموه نفخت عليه.. لذلك منعت السموات من فوقكم الندى ومنعت الأرض غلتها ودعوت بالجر على الأرض وعلى الجبال وعلى الحنطة وعلى المسطار وعلى الزيت وعلى ما تنبته
الأرض وعلى الناس وعلى البهائم وعلى كل أتعاب اليدين" أجل فلقد لحقت اللعنة قايين في كل هذه، فكان في عداء دائم مع المحصول الوفير. واللقمة الهانئة، والعيش الرغيد، والحظ الحسن -إن جاز أن نستعمل هذا التعبير- وهكذا أدرك أن الخير المادي كالروحي سواء بسواء يرجع إلى أمر الله ومشيئته وإرادته دون أن يرجع في قليل أو كثير إلى حكمة الإنسان أو يقظته أو تعبه أو مجهوده أو عمله أو ما أشبه مما يظن الناس أنها تحدد المعايش والأرزاق على هذه الأرض!!

التعب الجسدي

لم تكن لعنة قايين في ذلك العوز المادي الذي سيصاحبه طوال الحياة فحسب بل كانت في التعب الدائم الذي يحرم عليه الاستقرار في بقعة واحدة من الأرض، لقد كان عليه أن ينتقل من مكان إلى مكان سعياً وراء الرزق بما يصاحب هذا الانتقال من تعب وضيق ومشقة، لقد عاقبه الله بالقول: "تائهاً وهارباً تكون في الأرض" والكلمة العبرانية المترجمة "تائهاً" تشير في الأصل إلى حالة التردد والاضطراب والتيه التي تصاحب الإنسان الحائر الذي لا يعرف أين يتجه، أو المعيي الذي يسقط من الجوع، فإذا أضيفت إليها حالة الهروب أو الحالة التي تنشأ من الفزع والخوف وعدم الاطمئنان، أدركنا إلى أي حد كان قايين أشبه بالرحالة المكدود الذي يسعى في البيداء المقفرة أو الجواد التعب الذي يقطع الفيافي من غير هدف!! وهكذا يؤكد الكتاب لنا أن الله لا يمنح أو يمنع اللقمة النهائية فحسب بل يمنح السكن المريح أو الوسادة اللينة!!


العذاب النفسي
وهو العذاب الذي سجله قايين في القول: "ذنبي أعظم من أن يحتمل إنك قد طردتني اليوم عن وجه الأرض ومن وجهك أختفي وأكون تائهاً وهارباً في الأرض فيكون كل من وجدني يقتلني" والشراح مجمعون على أن هذه اللغة ليست بحال ما لغة الاعتراف والتوبة، بل هي لغة اليأس والقنوط لمجرم هاله الحكم القاسي الذي صدر ضده، ومما يشجع على هذا الاعتقاد أن الكلمة "ذنبي" يمكن أن تترجم "عقابي"، والواقع أن قايين كان مأخوذاً بالعقاب أكثر من إحساسه بالجرم!! وكان مدفوعاً بالخوف، أكثر من اندفاعه بالتوبة، ولعل هذا يبرز بوضوح في القول: "كل من وجدني يقتلني" وأين يوجد هذا القاتل والأرض لم تعمر بعد؟!! أهو الخوف من الوحوش كما يزعم بعض المفسرين ممن يقولون أن الكلمة "من" يمكن ترجمتها "ما" وبذلك ينصرف المعنى إلى وحوش الفلاة والبرية؟!! أو هو الخوف من المستقبل حين تأتي ذراري أخرى من آدم تثأر منه للمقتول، كما يذهب آخرون؟!! لا ندري وكل ما ندريه أن صيحته هنا على أي حال ليست إلا صيحة الضمير في قصيدة رائعة، يرينا فيها قايين الرحالة المتعب، وهو يفزع من نجوم الليل، وهمهمة الرياح وخشخشة الأوراق، وصوت العصافير، ويتوهم أنها ضواري كواسر توشك أن تنقض عليه، وتفتك به!! بل رأينا إياه صريع الأرق والضيق والوسوسة والمخاوف! أجل ليس هناك أرهب من صوت الضمير إذا تيقظ، وأقصى من عذاباته إذا حاسب ودان!! والفنان المشهور فيرناند كوكمون يرنا قايين في أخريات حياته، وحوله من تبقى من نسله، وما يزال هو الإنسان المتعب التائه الزائغ البصر الذي يندفع في طريقه دون أن يلوى على شيء أو يستقر على قرار إذ هو أشبه الكل باليهودي التائه الذي حقت عليه لعنة الله بعد أن صلب المسيح!!
على أننا لا يمكن أن ننتهي من الحديث عن قايين دون أن نذكر تلك العلامة التي أعطاها له الله لكي لا يقتله كل من وجده، ونحن لا نعلم ما هي؟!! أهي تحول غريب في وجهه كما تزعم بعد التقاليد اليهودية؟!! أم تغير تام في لون جلده؟!! أم هي نوع من الملابس كان عليه أن يرتديه؟!! أم شيء يشبه القرن نبت في رأسه؟!! أم علامة على جبينه؟!! أم غير ذلك من العلامات؟!! لا نعلم، ومن العسير على أحد أن يجزم بنوع هذه العلامة وهيئتها؟!! ولكنها إن تحدثت وأكدت شيئاً فإنها تتحدث وتؤكد أن الله لا يحاكم إلى الأبد ولا يحقد إلى الدهر، وإنه في وسط الغضب يذكر الرحمة، وأنه حتى قايين الآثم الشرير الذي لم يرحم أخاه يمكن أن يجد رحمة عند الله.
ليت إيمان قايين كان قد اتسع لرحمة أشمل وأعم عند الله، ولم يخف فقط من الذين يقتلون الجسد ولكن النفس لا يقدرون أن يقتلوها بل خاف بالحري من الذي يقدر أن يهلك النفس والجسد كليهما في جهنم، إذاً لشملته رحمة الله، ولالتقى هو وأخوه في السماء في ظلال ذلك الذي هو وسيط عهد جديد، ودمه الذي هو دم رش يتكلم أفضل من هابيل.

elraiek G
09-15-2010, 02:34 AM
( 3 )

أخنوخ ..
"وسار أخنوخ مع الله ولم يوجد لأن الله أخذه"
(تك 5: 24)


مقدمة
لا أعلم كيف فاتني أن أتعمق في دراسة شخصية أخنوخ، ولا أعلم كيف فاتني -لسنوات متعددة- أن أقترب أكثر من هذا الشعاع من النور الذي أضاء في فجر الحياة البشرية، ولا أعلم لماذا لم أصدق في هذه الهالة التي لفت وجه الرجل السابع من آدم، الذي يقول البعض: إنه اسمه يعني "المبتدئ" أو "الجديد" أو "المكرس" وعلى أي حال فإن العدد "سبعة" رمز الكمال في لغة الكتاب، ويبدو أن الرجل كان بمثابة بداية جديدة أو نقطة تحول في مفهوم التكريس وعمقه وجلاله ومجده أمام الله والناس،.. هل يرجع الأمر إلى أن الكلمات التي جاءت عنه كانت قليلة ويسيرة في أربع آيات في سفر التكوين وآية واحدة في الرسالة إلى العبرانيين، واثنتين أخريين في رسالة يهوذا؟!! أم لأننا مرات كثيرة لا تستلفت القصة أنظارنا إن لم تكن مصحوبة بوقائع معينة، تعين على الرؤيا أو تحديد الملامح؟!! أما لأننا في عجلة الحياة وسطحيتها وضجيجها وعدم تعمقها نغفل عن أن نطل على الجواهر المتلئلئة المضيئة، فلا نرى الرجل الذي كان أشبه بالفلته النادرة في عصره فعاش الحياة ولم ير الموت، لأنه عاش أجمل حياة على الأرض، وبرح الدنيا إلى حياة أبدية أسمى وأجمل، دون أن توضع على شفتيه كأس المنون ليجرعها، كما يجرعها كل إنسان على الأرض؟!!.. لقد أفلت أخنوخ وإيليا من الموت، ولن يوجد على شاكلتهما إلا أولئك الأحياء الذين يعيشون دون أن يروا الموت في المجيء الثاني السعيد!!.. من يكون هذا الرجل وما هي السمات التي يمكن أن تتميز بها شخصيته الرائدة العظيمة؟.. إنه في تصوري هو "المتصوف" الأول في الحب الإلهي إن جاز هذا التعبير؟!!.
فإذا قرأنا عن قافلة المحبين لله، الذين يركضون في سباق الحب الإلهي، فسنجد هذا الرجل أول المتسابقين في فجر الحياة البشرية!!.. لقد فتحت عينيه على الله، وإذ رآه لم يعد يرى شيئاً في الوجود غيره، فتن بالله، واستغرقه الحب الإلهي، وكان أسعد إنسان في عصره يسير هائماً مع الله، وقد ازدادت سعادته بهذا اليقين الذي ملأ قلبه أنه أرضى الله،.. وإذا صح أن رجلاً إنجليزياً عطوفاً تحدث ذات يوم إلى غلام كان يمسح حذاءه، وكان البرد قارساً،.. وقال الإنجليزي للغلام بعطف عميق: يا غلام.. هل أنت مقرور؟، وأجاب الغلام بابتسامة عميقة: لقد كنت كذلك يا سيدي إلى أن ابتسمت في وجهي!!.. إذا صح أن وجهاً بشرياً يطل على آخر فيصنع الابتسامة ويشيعها فيه، فكم يكون الله الذي أطل على أخنوخ ورضى عنه وأحبه!!.. إنها قصة جميلة رائعة، تستدعي تأملنا وتفكيرنا، ولذا يمكن أن نرى أخنوخ من عدة نواح.


أخنوخ من هو؟!!
لا أستطيع أن أتصور أخنوخ دون أن أراه الإنسان ذا الهالة والوجه النوراني، وهل يمكن لإنسان أن يعيش مع الله، ويسير في صحبة الله، دون أن تطبع الصورة الإلهية، أو الجمال الإلهي عليه؟. لقد صعد موسى إلى الله أربعين يوماً وأربعين ليلة، وعاد وجهه يشع بالنور وهو لا يدري، ولم يعرف حقيقة حاله، إلا من فزع الإسرائيليين الذين لم يستطيعوا أن يبصروا هذا الإشعاع من النور دون رهبة أو إجلال أو فزع، ولقد تعود موسى أن يضع البرقع على وجهه، ليغطي هذا النور كلما اقترب من الناس أو التقى بهم، فكيف يمكن أن يكون أخنوخ الذي تعرف على الله وهو في الخامسة والستين من عمره، وسار مع الله ثلاثمائة عام بأكملها من ذلك التاريخ؟!! وإذا صح أن "دانتي" كان يرسم على وجهه -وهو يكتب الكوميديا الإلهية- كل التأثرات والانفعالات التي تجيش في نفسه، فإذا كتب عن السماء، فهو أرقى إلى الملاك وهو يكتب، مأخوذاً بالصور السماوية الرائعة،.. وإذا تحول إلى الجحيم يدير وجهه، وكأنما الشيطان ينعكس من خلال ملامحه ونظراته، فهو أدنى إله وأقرب،.. وإذا صح أن الحياة تطبع على وجه الإنسان في الأربعين من عمره -كما يقال- معالمها من ذات السلوك الذي يسلكه بين الناس، فإن الرجل الذي يسير ويستمر مع الله في سيرة ثلاثمائة عام متوالية، لابد أن ينال من الجمال الإلهي ما لم يعرفه معاصروه أو أجيال كثيرة تأتي بعده،.. وهو الرجل النافذ النظر، البعيد الرؤيا، الحالم الوجدان، الذي يمد بصره إلى ما وراء المنظور، فيرى من لا يرى، شخص الله الذي آمن به، واستولى على كيانه وسيطر على كل ذره من تفكيره وعواطفه وبنيانه،.. وإذا كانوا قد قالوا: أن المصور المشهور "هولمان هانت" عندما قيل له كيف يستطيع أن يصور المسيح ويرسمه دون أن يكون قد رآه،.. أجاب: إني سأراه وأعيش معه، سأراه طفلاً في مذود بيت لحم، وسأذهب وراءه إلى مصر، وأعود معه إلى الناصرة، وأصعد وإياه فوق جبل التجلي، وأجول معه في جولاته بين الناس، وأتمشى وراءه في أورشليم، ولن أترك مكاناً ذهب إليه دون أن أذهب، وسأرسمه مأخوذاَ بهذه كلها، فإذا صح أن هذا المصور يعيش بخياله مع المسيح على هذا النحو الجليل فإن أخنوخ -وهو يضرب بقدميه في كل مكان، وقد أخذ الله بلباب حياته- لابد أن يكون الإنسان السارح الفكر البعيد الخيال، الممتد الرؤيا، الكثير التأمل، بل لعله من أقدم الشخصيات التي صلت فأطالت الصلاة، وناجت فمدت المناجاة، وهل يمكن أن يسير مع الله وهو أصم أو أعمى أو أبكم، لقد استيقظت حواسه بأكملها، فهو سامع مع الله، متكلم معه، وهو الذي سيجد من الشركة مع الله، ما يعطيه أن يشدو ويترنم ويسبح ويغني!!.. فإذا أضفنا إلى ذلك أن هذا الرجل كان واحداً من أقدم المحبين الذين ملأ حب الله قلوبهم بل لعلنا نذهب أكثر فنراه المتصوف الذي بلغ أعلى درجات الحب الإلهي،.. فإذا كان اليونانيون قد جاءوا بعد آلاف السنين ليفصلوا أنوع الحب، وكانت هناك كلمات ثلاث مختلفة عندهم الأولى Evrn وتعني حب الشهوة ليس بين الرجل والمرأة، بل كل الأنواع التي تستحق أن تملك كمثل حب الجمال أو الخير، أو الحب الذي هو أساس الحياة الأدبية كحب الفضيلة، أو أساس الحياة الفنية كتذوق الجمال، أو أساس الحياة الفلسفية، وقد رأوها في حب الآلهة، أو الأبدية أو الخلود.. وكانت الكلمة الثانية Phibein وهي حب الخير غير الأناني الذي يعني بالإنسان والصديق والوطن وما أشبه، وكان اليونانيون يصفون به أعلى الناس، وقد وصفت به أنتيجون، الفتاة التي تابعت أخاها حتى القبر، وظلت إلى جوار جثته حتى ماتت، ووصفت به نبلوب التي ظلت عشرين عاماً تحدق في الفضاء البعيد تنتظر مجيء زوجها وسفنه الضائعة،.. والكلمة الثالثة Agapan وقد استخدمت في أكثر من معنى، وشاعت عباراتها بالمعنى السالف للكلمتين، وإن كانت تعبر عن الحب القوي العميق!!.. إذا كان أخنوخ في فجر الحياة البشرية لم يفصل أو يفرق بين هذه الأنواع، إلا أنه عاشها، فقد عاش يتذوق الحب الإلهي، ولعله صاح طوال حياته للناس: "ذوقوا وانظروا ما أطيب الرب، كما صاح المرنم الذي تغنى بذلك بعد آلاف السنين، أو لعله قال: "إلى اسمك وإلى ذكرك شهوة النفس بنفسي اشتهيتك في الليل أيضاً بروحي في داخلي إليك أتبكر لأنه حينما تكون أحكامك في الأرض يتعلم سكان المسكونة العدل. يرحم المنافق ولا يتعلم العدل. في أرض الاستقامة يصنع شراً ولا يرى جلال الرب" كما قال إشعياء فيما بعد!!. وعاش الحب الذي خرج به عن نفسه، واستغرق لا العشرين عاماً التي عرفتها بنلوب وهي تحدق في الفضاء البعيد، والتي لم تر بغير زوجها بديلاً،.. ولم ير زوجها بغيرها بديلاً –حتى في جنات الآلهة كما سرح الخيال الوثني- وظلا كلاهما على الوفاء بعد حروب تراوده حتى التقيت آخر الأمر،.. إن حب أخنوخ لله، كان هو التصوف الذي أشرنا إليه، والذي عاشه ثلاثمائة عام، وتجاوز به حاجز الموت حتى التقى بالله ليسبح في بحر الحب الإلهي إلى آباد الدهور !!.
وكان أخنوخ –ولا شك كما وصفه الكسندر هوايت- أسعد إنسان في عصره، ورغم أن العصر الذي عاش فيه –كما سنرى- من أشر العصور وأفسدها،.. لكن الرجل مع ذلك وجد جنته الحقيقية في السير مع الله،.. إنه لم يفزع من الله كما فعل آدم عندما زاره الله في الجنة، وكان عرياناً يخجل من خطيته، ويتنافر بالخطية تلقائياً عن محضر الله أو السير معه،.. إلا أن أخنوخ كان على العكس، لقد أدرك ترياق الله من الخطية، وتعلم كيف يتقرب إلى الله بالذبيحة، بل يلتقي المحبان في نشوة الحب وعمقه وصدقه وجلاله وحلاوته،.. وأجل وتلك حقيقة أكيدة إذ أن حب الله استحوذ عليه فغطى على كل عاطفة أخرى، وجاء البديل لكل حاجة أخرى، وأسكره وهو يعلم أو لا يعلم عن كل خمر يمكن أن يقدمها الناس بعضهم لبعض في هذه الحياة!!.. لقد عرف أخنوخ لغة الشاعر المتصوف الذي أنشد قصيدته بعد ذلك وهو يقول لله:
فليتــك تحلـو والحيــاة مـريــــــــــرة وليتـك ترضــى والأنام غـضــاب
وليـت الــذي بيني وبينـك عامــــر وبينـــي وبين العالمـيــــن خراب
إذا نلت منك الود يا غاية المنـى فكل الذي فوق التراب تــــراب
وكان أخنوخ أكثر من ذلك الرجل الغيور الملتهب، إن سيره مع الله لم يحوله إلى مجرد إنسان تأخذه النشوة، فيعيش في الأحلام دون أن يرى الواقع الذي يلمسه في العالم الحاضر الشرير، لقد زمجر كالأسد كما جاء في رسالة يهوذا قائلاً: "قد جاء الرب في ربوات قديسيه ليصنع دينونة على الجميع ويعاقب جميع فجارهم على جميع أعمال فجورهم التي فجروا بها وعلى جميع الكلمات الصعبة التي تكلم بها عليه خطاة فجار"، وهنا نرى رجلاً ممتلئاً من الشجاعة، وقف إلى جانب الحق ومواكبه، ورفض أن يساير الباطل أو يرضى على الكذب أو يعيش في دنيا الخداع والنفاق والضلال،.. لقد أدرك أن الحق حق، وسيبقى ويسير هو إلى جانب الحق، حتى ولو امتلأت الدنيا بالباطل!!.. كان شجاعاً، وكان غيوراً، وكان الشاهد على عصره، لعصر يجري سريعاً ويستعد للطوفان المدمر المقبل الرهيب!!


أخنوخ المجدد
ولعله من الواجب أن نلاحظ هنا، أن ما أشرنا إليه عند تحليل شخصية أخنوخ، لا يعني بذلك أنه كان من طينة غير طينتنا، أو من طبيعة غير الطبيعة البشرية.. لقد ولد أخنوخ في عالمنا وجُبِّل كما جُبِّلنا،.. وهو يمكن أن يقول ما قاله آخر فيما بعد: "ها أنا بالإثم صورت وبالخطية حبلت بي أمي".. لقد ولد أخنوخ بالخطية، وفي الخطية، ولكنه كأي مؤمن آخر، عرف الحياة الجديدة، والولادة الثانية.. ومن العجيب أن هذه الولادة.. جاءت نتيجة ولادة ابنه، إذ يقول الكتاب: "وسار أخنوخ مع الله بعدما ولد متوشالح".. لقد تطلع إلى وجه ابنه، ومن خلال هذا الوجه عرف الآب السماوي، لست أعلم مدى حبه لهذا الولد، ولكن هذا الولد كان بمثابة الفجر الجديد في حياته الروحية، أو في لغة أخرى: لقد أدرك أخنوخ أبوه الله عندما أصبح هو أباً، ومن خلال حنانه على ابنه أدرك حنان الله عليه.
ما أكثر الوسائل والطرق التي يستخدمها الله حتى تفتح عيوننا على ذلك الطارق العظيم الذي يقف على الباب ويقرع، فإن سمع أحد وفتح الباب، يدخل إليه ويتعشى معه، وهو معه،.. ومن الناس من يجذبه الله بالعطية، فتأتي قرعته الحبيبة في صورة إحسان دافق، وخير عظيم. قد يعطينا ولداً يؤنس حياتنا، أو معونة تسد حاجتنا، أو رحمة تقابل تمردنا وعصياننا،.. قد يأتي إلينا كما جاء إلى يعقوب الهارب في دجى الليل، بعد أن خدع أباه وأخاه، وكان من الممكن أن يقسو الله عليه أو يعاقبه، ولكنه على العكس رأى سلم السماء والله فوقها يقول له: "أنا الرب إله إبراهيم أبيك وإله اسحق، الأرض التي أنت مضطجع عليها أُعطها لك ولنسلك ويكون نسلك كتراب الأرض وتمتد غرباً وشرقاً وشمالاً وجنوباً ويتبارك فيك وفي نسلك جميع قبائل الأرض، وها أنا معك وأُحِطَك حيثما تذهب وأردك إلى هذه الأرض ولا أتركك حتى أفعل ما كلمتك به".. وقد كان الله أميناً ودقيقاً وصادقاً في وعده إلى الدرجة التي جعلت يعقوب في عودته يصرخ أمامه قائلاً: "صغير أنا عن جميع ألطافك وجميع الأمانة التي صنعت إلى عبدك، فإني بعصاي عبرت هذا الأردن والآن قد صرت جيشين".. وقد يأتي الله بصور متعددة أخرى، قد يكون ظاهرها الغضب، وباطنها الرحمة، أو شكلها التأديب وقلبها المحبة،.. ولكنها على أي حال هي نداءات الله إلى النفس البشرية حتى تعود من الكورة البعيدة إلى بيت الآب حيث الفرح والبهجة والحرية والجمال والعزم. وقد جاء هذا النداء بقدوم متوشالح ومعه عندما كان أخنوخ في الخامسة والستين من عمره!!..


أخنوخ المؤمن
فتح أخنوخ بالتجديد الصفحة العظيمة في العلاقة بالله، وهي ما أطلق عليها سفر التكوين: "وسار أخنوخ مع الله بعد ما ولد متوشالح ثلاثمائة سنة وولد بنين وبنات".. أو ما دعاه كاتب الرسالة إلى العبرانين حياة الإيمان، "بالإيمان نقل أخنوخ لكي لا يرى الموت ولم يوجد لأن الله نقله إذ قبل نقله شهد له بأنه قد أرضى الله ولكن بدون إيمان لا يمكن إرضاؤه".. أي أن السير مع الله، كان حياة الإيمان المرضية لله، والمبهجة لقلبه،.. ولم يكن هذا السير جدولاً رقراقاً بل نهراً متدفقاً، ولم يكن فتيلة مدخنة، بل ناراً متوهجة،.. أو في لغة أخرى كان إيماناً قوياً كاسحاً غلاباً لا يتذبذب، وهو بهذا يعد من أبطال الإيمان، وإذا شئنا أن نحلل إيمانه أو نصفه، يمكن أن نراه أولاً وقبل كل شيء المؤمن ذهناً، أو المؤمن الذي آمن عقلياً بالله، وكل خلية في ذهنه كتب عليها الله،.. لقد ابتدأ بما انتهى إليه الفيلسوف ديكارت،.. لقد أراد ديكارت أن يصل إلى الله، فبدأ من النقطة التي عزل فيها فكره عن كل مسبقات،.. وافترض أنه لا يوجد شيء يؤمن به، فهو لا يرى الطبيعة، وقد يكون الإيمان بها هو ختال النظر، وخداع الحس، وهو لا يؤمن بالله، فقد يكون الله موجوداً أو غير موجود، وظل ديكارت يشك في كل شيء إلى أن بلغ النقطة أنه لا يشك في أنه يوجد إنسان يشك، ومن سلم الشك آمن أنه موجود، إذاً فلابد أن له عقلاً، وأن هذا العقل يستطيع أن يفكر، وأخذ من سلم الشك طريقه إلى الإيمان، حتى توج هذا الإيمان بوجود الله، علة كل معلول، لا أعلم إن كان أخنوخ فكر في شيء من هذا، لكني أعلم أنه آمن بوجود الله وأدرك أن الله هو الحقيقة العظمى في الوجود، بل إن الله هو حقيقة كل حقيقة وصلت إلى ذهن الناس، وبلغت إدراكهم، فالله هو علة كل معلول، ومسبب كل سبب.. على أن إيمان أخنوخ لم يكن مجرد إيمان عقلي، بل كان أكثر من ذلك هو الإيمان الوجداني الذي تملك عاطفته، وسيطر على مشاعره وإحساساته،.. إن عواطفه كانت كلها إلى جانب الله، هل رأى الله في الطبيعة الساحرة؟!! هل رأى الله في الزنبقة الجميلة؟!! هل رأى الله خلف العصفور المغرد؟!! هل رأى الله في الخضرة المذهلة؟!! هل رأى الله في السموات البعيدة؟!! هل رآه في الشمس والقمر والنجوم؟، لقد رآه كاتب المزمور الثامن والتاسع عشر، ورآه وردثورت في الجبال العظيمة، ورآه يوناثان إدواردس في مظهر الطبيعة الخلاب، ورأته أعداد من الناس لا تنتهي، ممن يتحسسون الجمال، فلم يؤمنوا بجمال الطبيعة فحسب، بل قالوا مع الشاعر العظيم ملتون: بناء هذا الكون بناؤك وهو عجيب الجمال فكم أنت في ذاتك عجيب!!.. ورأى أخنوخ الله أكثر في أعماق نفسه فهو لا يرى الله حوله، بل أكثر من ذلك يرى الله داخله، أو كما وصفه أحدهم بالقول: إنه لم يره في الجمال الخارجي فحسب، بل رآه في جمال الداخل، في ذلك الشيء الحلو الدافق الذي يغمر قلبه، وفي السكرة اللذيذة التي تدغدغ حياته،.. إنه ذلك المحب الذي يسرح بعيداً بطرفه لا لأنه يرى شيئاً أمامه، بل لأنه الحب الرابض في أعماقه وقلبه، وهو الذي يتمتم بكلمات غير مسموعة، لأنه يناجي وجدانه الداخلي، وهو مرات كثيرة يمتليء بالبشاشة والسرور، لأن منظر المحبوب ومض أمام عينيه بصورة تبعث على النشوة، وتملأ الجوانح بسعادة لا توصف،.. وهكذا كان أخنوخ يسير مع الله وكأنما يشرب كأساسً منزعة مردية من الراح!!.
على أن أخنوخ في سيره مع الله كان أكثر من ذلك المؤمن اختباراً وعملاً،.. كانت له جنته الحقيقية في قصة الحياة اليومية العملية مع الله، ونحن لا نعلم هل كان الله يظهر له بين الحين والآخر كما كان يظهر لأبينا إبراهيم؟ لكننا نعلم بكل تحقيق أن صلته لم تكن منقطعة بالسماء، وكل ما يفعله الإيمان في حياتنا اليومية، كان من المؤكد يفعله في حياة ذلك الرجل القديم،.. وهل هناك من شك في أن أشواقه كانت سماوية، ففي الوقت الذي كان فيه معاصروه يضجون بما تضج به الحياة الأرضية من أكل وشرب ولهو ولعب وتجارة وعمل وصراع وقتال، كان هو يسير بقدميه على الأرض، وأشواقه وأنظاره متطلعة إلى السماء.. كان متخفف الثقل من الجاذبية الأرضية، إنه لم يكن يعيش ليأكل "بل يأكل ليعيش.. وكان الناس يحيون في العالم ثلاثمائة وخمسة وستين يوماً، وأفكارهم واهتماماتهم في الأرضيات، أما هو فعاش ثلاثمائة وخمسة وستين عاماً، وأفكاره بعد الحياة المجددة لمدة ثلاثمائة عام أفكاره سماوية، عاش الناس يزرعون حدائقهم، ويرون أشجارهم، ويأكلون ثمارها، أما هو فكان يعيش بطعام أبقى وأسمى، وهو يأكل من حديقة الله غير المنظورة في الشركة مع سيده، كان طعامه من المن المخفي في العلاقة بسيده،.. ولم تكن مجرد الأشواق هي التي تفصل بين أخنوخ ومعاصريه،.. بل الصلاة أيضاً، لقد عرف الصلاة بكل أنماطها وألوانها في العلاقة مع الله، كان من أوائل الذين تخاطبوا مع الله، وأكثروا الصلاة،.. فحياة الشكر كانت على لسانه في كل وقت،.. هل رأى عصفوراً يغرد على شجرة؟.. إنه يشكر الله الذي صنع الشجرة، وصنع العصفور، وصنع الصوت الجميل الذي يغرد به العصفور؟!! هل تمتع في الحياة بمتعة ما، إنه يشكر الله الذي هو مصدر كل متعة يحس بها بين الناس.. وهل احتاج إلى شيء، وانتظر أمراً؟ إنه قبل أن يتحدث به مع الناس، أو يتخاطب به مع البشر، يخاطب به الله الذي يستودعه كل انتظاراته واحتياجاته؟!!.. هل جاءت الغيمة، وغطت الشمس، وحل الظلام؟.. إنه يؤمن بأن الشمس خلف الغيمة، وأنه مهما تتلبد الغيوم، فإنها لابد أن تنقشع، ويعود النور مرة أخرى، وتتوارى التجارب والآلام والمتاعب!!.. إنه على أي حال يصلي بصلوات وابتهالات وتضرعات،.. لأن الصلاة عنده هي النداء الذي يتجه به إلى الله في السماء!!.. لم تكن الحياة عند أخنوخ مجرد التطلع إلى الغيبيات، بل كانت أكثر من ذلك، الحياة التي تواجه الواقع في مختلف ألوانه وظروفه، هل ناله الأذى من الناس؟ وهل أمعنوا في إيذائه؟ هل تحولت الحياة ضيقاً ما بعده من ضيق؟.. لقد عرف الرجل طريقة إلى النصر، في النظر إلى معنى الضيق في الأرض، لقد أدرك نفسه غريباً في الأرض، يطوي الزمن كما يطوي الجواب الصحراء القاسية، ولابد من الوطن، والضيق يهون، ما دام السبيل إلى الله يتدانى ويقترب، وخفة ضيقته الوقتية ستنشئ أكثر فأكثر ثقل مجد أبدياً!!
وفي كل الأحوال واجه أخنوخ الحياة، وكافح الصعاب والمشقات والمتاعب، ولعله أدرك الحكمة التي غابت عن الصبي الصغير الذي وقف يرفع حجراً ثقيلاً –كما تقول القصة- وكان أبوه يرقب محاولته اليائسة دون جدوى،.. وقال الأب –وقد أدرك جهد ابنه البالغ. هل جربت يا بني كامل قوتك في رفع الحجر؟!!، وأجابه الصغير: نعم يا أبي، وليس عندي قوة أكثر من ذلك.. وقال الأب: لا أظن يا بني فمثلاً أنا قوتك، ولم تدعني لمساعدتك على رفع الحجر!!.. كان أخنوخ يعلم أن الله قوته التي يستعين بها في مواجهة كل صعوبة أو مشكلة أو معضلة أو تعب.
كان أخنوخ السابع من آدم نبياً، وكان من الأنبياء الشجعان الأقوياء، وعندما رأى الفساد يتزايد في الأرض ويستشري، زمجر كالأسد في مواجهة الخطاة، وكشف لهم عن دينونة الله الرهيبة العادلة، وغضب الله الذي سيلحق بفجور الناس وإثمهم، وربما كان أخنوخ أول من تحدث عن عقاب الله الأبدي الرهيب!!..


أخنوخ الخالد
كان أخنوخ الأول في الجنس البشري الذي قفز فوق سور الموت، ودخل الحياة الأبدية دون أن يتذوق كأسه القاسية المريرة،.. وكان أول البشر في الإعلان عن الخلود في الصفحات الأولى من كتاب الله، بل كان أولهم الذي يمكنه أن يقول: وإن كان إنساننا الخارج يفنى فالداخل يتجدد يوماً فيوماً، لم يكن هناك موت بالنسبة لأخنوخ، بل كان هناك انتقال وتطور، كان هناك مجرد انتقال من رحلة الأرض إلى رحلة السماء،.. هل انتقل في مركبة من نار كما انتقل إيليا؟ أم انتقل إذ أخذته سحابة كما أخذت المسيح عن أعين التلاميذ؟.. وهل جاء الانتقال أمام الناس كما يعتقد الكثيرون، حتى يبدو الأمر شهادة على سيطرة الله على الموت؟ أم اختفى فجأة على وجه لم يستطع أحد معرفة مكانه، وعبثاً وجدوا مكانه كما فعل أبناء الأنبياء عندما حاولوا التفتيش على إيليا؟ على أي حال.. لقد امتلأ أخنوخ بالحياة مع الله، وتشبع بهذه الحياة، حتى لم يجد الموت مكاناً له عنده،.. إنه يذكرنا بأسطورة الرجل الذي قيل أن الموت جاءه مفاجأة ذات يوم، وطلب الرجل إمهاله بعض الوقت، وقيل أن الموت أمهله قائلاً: سأعود إليك بعد سنة وشهر ويوم وساعة،.. وفزع الرجل محاولاً أن يجد السبيل إلى الخلاص من الموت، فذهب إلى الشمس وسألها: هل يمكن الهروب من الموت؟.. وأجابته الشمس: إنها تشرق على الناس وصرخاتهم كل يوم وهم يدفنون من لهم، ولم يحدث في يوم واحد أن غاب الموت عن الناس في الأرض،.. ذهب إلى الرياح يسألها: هل يمكن الهروب من الموت؟ وأجابته الرياح: إنها تلف الكرة الأرضية، وتلف بالصارخين الذين يصرخون وراء موتاهم في الأرض، ذهب إلى البحر يسأل: هل يمكن الهروب من الموت؟ وقال له البحر: ما أكثر الذين ضمتهم الأمواج والمياه من الغرقى أو الذين ماتوا على ظهر السفن، وطوح بهم تأكلهم الأسماك .. وحار الرجل، وفي حيرته التقى بملاك فوجه إليه السؤال: هل يمكن الهروب من الموت؟.. وقال الملاك: إنك تستطيع إذا سرت في موكب الأرض، والتقيت بالطفل الصغير الباكي، وعليك ألا تتركه حتى يضحك، والبائس حتى ترسم السعادة على شفتيه، والمنكوب حتى يرتفع فوق مأساته ونكبته ويترنم،.. وصدق الرجل، ووقف أمام آلام الناس وأحزانهم ومآسيهم وتعاساتهم، وهو يحول الدموع إلى الضحك والابتهاج والترنم،.. وقيل إن كل ابتسامة أوجدها على فم صغير أو كبير، انتقلت إليه وحولته هو إلى ابتسامة كبرى، دهش الموت عندما جاء لأنه وجد الرجل طيفاً مبتسماً في الأرض،.. هذه خرافة ولا شك، ولكنها تحمل المعنى العميق بالنسبة لأخنوخ، لقد ظل أخنوخ يتخفف من ثقل الأرض، ويرتفع في اتجاه السماء، حتى أفلت من الجاذبية الأرضية، وأخذته السماء بكل ما فيها من جلال وعظمة وبهجة ومجد.. ولم يوجد لأن الله أخذه ‍‍ ..
قد تسألني: ولكن كيف يمكن أن يكون هذا، وكيف يتحول الجسد المادي الحيواني إلى جسد روحاني؟‍‍‍
لست أعلم، وليس في قدرتي أن أصف كيف يتجمع التراب والرماد ليعود جسداً ممجداً في القيامة من الأموات،.. كل ذلك فوق علم الإنسان وفهمه وتصوره وخياله،.. لكني أعلم أن هناك فارقاً كبيراً بين الجسد الذي عاش به أخنوخ على الأرض، والجسد الممجد في السماء.. هذا الفارق هو ذات الفارق بين البذرة، والشجرة، وبين صغر الأولى وضآلة منظرها وحجمها، وكبر الثانية وعظمة صورتها وجلالها.. ومهما يعجز الخيال البشري عن توضيح الفرق بين الحياة هنا، والحياة هناك، إلا أن أخنوخ كان بانتقاله إلى حضرة الله، نبرة الخلود و توضيحاً للكلمات العظيمة التي ستأتي بعد آلاف السنين على فم السيد المبارك: "من آمن بي ولو مات فسيحيا، ومن كان حياً وآمن بي فلن يموت إلى الأبد".. أو ما قاله الرسول عن المسيح: "الذي أبطل الموت وأناد الحياة والخلود بواسطة الإنجيل"..
أجل.. سار أخنوخ مع الله، وعندما بلغ النهر ووقف على الشاطيء، حمله الله عبر المجرى إلى الشاطيء الآخر الأبدي، ليسير الأبدية كلها في صحبة الله وملكوته ومجده، مع جموع المفديين، وحق له كالبشرى الأول أن يوصف بالقول: "بالإيمان نقل أخنوخ لكي لا يرى الموت ولم يوجد لأن الله نقله إذ قبل نقله شهد له أنه قد أرضى الله ولكن بدون إيمان لا يمكن إرضاؤه، لأنه يجب أن الذي يأتي إلى الله يؤمن أنه موجود وأنه يجازي الذين يطلبونه"..

elraiek G
09-15-2010, 02:37 AM
( 4 )

يوبال ..

واسم أخيه يوبال الذي كان أباً لكل ضارب بالعود والمزمار
(تك 4: 21)

مقدمة

لست أعلم لماذا اخترع يوبال الموسيقى!!؟.. ولماذا وقف هذا الرجل على رأس كل ضارب بالعود والمزمار في الأرض!! أهو إحساس الألم الذي يحس كنهه، ولا يعلم سره؟!! إحساس الألم الذي أراد أن يغطيه، فبدلاً من الصخب الداخلي الذي يملأ نفسه، أراد أصواتاً أعلى تنسيه هذا الصخب، فكانت الموسيقى بمثابة التعويض الخارجي عن الألم الداخلي الدفين؟!!.. أم هي الأذن الموسيقية التي كان ولا شك يملكها، وبينما هو سائر في الطريق منكوباً أو مهموماً استرعى سمعه صوت بلبل يغني على فنن الأشجار،.. فأعطاه البلبل صيحة فرح، وعى لها، وحاول أن يقلدها بصورة ما في موسيقى العود أو المزمار؟!!. أهو خرير جدول أبصره ذات صباح، فأعطاه تعويضاً عن الخرير الداخلي في نفسه، فغنى أو علم أولاده أن يغني، على خرير الجدول، أو هدير البحر، أو صوت العاصفة؟.. كان بيتهوفن واحداً من أولاده العظام، وكان يسير في الطبيعة ويستمع قبل أن يصيبه الصمم، إلى ندائها الحبيب إلى نفسه، والذي نقله ألحاناً رائعة على مدى الدهر؟!!.

أم أن الأمر –إلى جانب ذلك- كان الانتباه إلى أخيه "توبال" وهو يطرق النحاس والحديد، فتحدث من الأصوات ما لم يكن مألوفاً.. فلماذا لا يأخذ مثل هذه الأصوات، ويطوعها على آلة موسيقية يصنعها ويبدعها؟.. قد يكون هذا أو غيره مما دفع "يوبال" ليكون أباً لكل ضارب بالعود والمزمار. لكن الرجل –على أي حال- يقف في كل التاريخ، بأذنه الموسيقية، وأدائه العظيم كالإنسان الأول الذي استخدم الموسيقى، وتفرق أبناؤه وبناته في الأرض يلعبون على مختلف الآلات، ويصنعون الحلبات التي أثارت الإعجاب أو حركت المعارك، إذ كانت نغماً مسموعاً في الخير أو الشر على حد سواء!!.. دعنا نقف هنيهة من الرجل، ومن أولاده الخيرين أو الأشرار، لنرى كم تفعل الموسيقى، وهي ترفع الإنسان إلى أجواء السماء، أو تهبط به إلى القاع قاع الهاوية الرهيبة التي لا قرار لها!!..



يوبال الفنان الأول

مهما يكن الدافع الذي علم يوبال الموسيقى، فمما لا شك فيه أنه كان يحمل في أعماقه وبين جنبيه إحساس الفنان العظيم المرهف، والأذن الموسيقية التي طالما رأيناها في الكثيرين من أولاده على مر التاريخ والأجيال، الذين عشقوا الموسيقى والذين فتنوا بها، فهي أكلهم وشربهم، وهي رقصهم وغناؤهم، وهي ذلك الشيء الرهيب الذي عندما استولى عليهم، سيطر بقوة غلابة، وجعلهم ينسون أنفسهم بين الناس، ويسيرون في الطبيعة، فهي تتكلم إليهم في الجدول الرقراق، وفي العصفور المغرد، وفي النسيم الهاديء، وفي الزوبعة العاتية، وفي البرق الخاطف، وفي الشعاع الجميل. والطبيعة على الدوام عندهم تتكلم، في المروج الخضراء أو الجبال السامقة، في القمر المنير أو النجوم التائهة، وهي عندهم تصبح لحناً وعزفاً ونغماً!!.. فإذا كان أورافيس (في أساطير الإغريق) كان يروض الوحوش بالنغم، إلى الدرجة التي يجعلها تسكن وتهدأ وتنام،.. وإذا كان هو وحده الذي يتغلب على صوت الفتيات الساحرات الجميلات اللواتي يقال أنهن كن يصطدن السفن التي تمر على مقربة من جزيرتهن في البحر الأبيض المتوسط، وكن يخدعن الملاحين بالصوت الجميل والنغم الساحر، فينسى هؤلاء الخطر الداهم، ويتركون المجاديف لترسو السفينة على الشاطيء فتذهب ضحية "السيرين" الفتيات الجميلات،.. ولم يكن هناك سوى أراوافيس الذي تفوقت ألحانه على الجمال الخلاب، والأغنية الساحرة،.. وإذا كان بيتهوفن يخرج ذات مساء وقد خلبه القمر وصفاء الليل وجمال الطبيعة، وهو يطلب من الله أنه إذا أتيح له أن يفقد شيئاً، فهو يرجو أن يفقد كل شيء إلا الموسيقى،.. ومع أنه أصيب بالصمم، إلا أنه ترك سيمفونياته العظيمة ترن في مسمع الدنيا بالصورة التي تحرك الناس في كل مكان!!.. هل سمعت معزوفة "المسيا" الرائعة التي لحنها هاندل في سنة 1742، وقد أرسلها إليه صديق يطلب منه أن يضع لها أنغاماً،.. وهل علمت أن هاندل كان قد أصيب قبل ذلك بشلل موضعي في الجانب الأيمن، ومع أن أطباءه نصحوه بالذهاب إلى الحمامات المعدنية في اكس لاشبل، ومع أن هذه الحمامات أفادته إلى حد كبير، ألا أن الطبيب العظيم الذي حركه، وأعطاه قدرة عجيبة على الشلل، كانت معزوفة "المسيا" التي أبدعها في أربعة وعشرين يوماً متوالية، نسى فيها الأكل والشرب وكل شيء حوله، وكان خادمه يراه يذرع الغرفة، تارة يقفز وأخرى يلوح بذراعه إلى العلاء، وطوراً يرنم، وأخرى يهتف "هللويا" والدموع تنهال من مآقيه، وعندما انتهى منها قال: خلت نفسي أرى السماء كلها أمامي والإله العظيم مستوياً على عرشه أمام أبصاري، ووقع على الأثر لا يسمع ولا يعي، واستغرق في نوم طويل متواصل مدة سبع عشرة ساعة، ومع أن "المسيا" تشتهر بوحدتها، -وإن تألفت من 56 مقطعاً- إلا أن الوحدة والاسنجام يتخللانها، فالجزء الأول منها يشير إلى اشتياق العالم "للمسيا" وتحقيق ذلك الشوق بولادة المسيح، والثاني عن موت المسيح وقيامته منتهياً بهتاف النصر الذي يصل الذروة بكلمة اللهللويا، والجزء الأخير الثالث يعلن عن الإيمان بالله وعن الحياة الأبدية.. وعندما استدعى هاندل لتقديم المعزوفة أمام أهل دبلن نالت استحسان الجماهير، وعندما انتهى منها تعالت الهتافات، ودوت القاعة بالتصفيق، وقد انسل هاندل في تلك اللحظة من المكان لأنه شعر أن الفضل أولاً وأخيراً لله الذي أعطاه هذا اللحن ليسجله أمام الناس.

مات هاندل ودفن في وستمنستر، مقابر العظماء، وفي إحدى ساحات لندن أقيم نصب تذكاري وضعت فيه الآلات الموسيقية أمامه مع عبارة من معزوفة "المسيا" منقوشة بأحرف بارزة: "أعرف أن مخلص"..

إذا عرفت أورافيس وبيتهوفن وهاندل وغيرهم من ذلك الجيش الطويل الذي غنى على مختلف العصور وعزف ولحن للأجيال وسألت عمن هو أبوهم لكان الجواب العظيم: كان يوبال أباً لكل ضارب بالعود والمزمار.



يوبال المخترع الأول للموسيقى

لا أود أن أظلم يوبال بما انتهت إليه الموسيقى في أشر صورها، وأفحش مظاهرها، لكن السؤال مع هذا يأتي: لم حمل يوبال العود أو المزمار في ذلك التاريخ المبكر للجنس البشري؟.. يخيل إليَّ أنه إن آمنا أن الحاجة أم الاختراع، نستطيع أن ندرك السر الذي جعل يوبال عازفاً أو مغنياً!!.. هل قرأت عن عامل المصعد الذي كان ينقل الناس صاعداً يغني، نازلاً يغني، ونظر إليه أحدهم –ولعله كان مهموماً- وقال له: يبدو أنك سعيد جداً، فما رأيتك مرة إلا وأنت تغني، أليس لك من آلام أو هموم في هذه الحياة، ونظر إليه الشاب هنيهة ثم قال: يا سيدي إنني أغني لأنني أريد أن أمنع نفسي من الصراخ.. ويبدو أن يوبال كان من أوائل من اكتشف هذه الحقيقة بالنسبة لنفسه أو بالنسبة للآخرين!!.. كان عليه أن يعزف أو يصرخ تجاه آلامه أو آلام البشر المحيطين به، حيث فتحت الخطية جرح الألم الذي لا يندمل في حياة الإنسان في الأرض!!.. هل حاول أن يداور الخطية أو يداريها،.. هل حاول أن يوقف نزيفها الدائم في الحياة، فرفع صوته بالأغاني، لعله يستطيع أن يوقف بالعود والمزمار بعض نشيجه أو نحيبه الباكي؟!! هل حاول في عصره أن يعيد تيار النهر العارم –نهر الآلام- أو يقيم له سدوداً أو يمنع فيضانه على الجانبين، فصنع العود والمزمار وضرب بهما في أذنه، أو آذان الآخرين، لعله يتمكن، ولو على الأقل لتخفيف حدة الألم عند مولود المرأة القليل الأيام والشبعان تعباً؟!!. إن محاولات الإنسان المختلفة من هذا القبيل متعددة وبغير حدود، لقد عرف الخمر والمسكر، يغالب بهما التعاسات والآلام، أو كما يقول الحكيم: "أعطوا مسكراً لهالك وخمراً لمري النفس يشرب وينسى فقره ولا يذكره تعبه بعد".. لقد عرف الشهوات والإدمان هروباً و اعياً أو غير واعٍ مما يعاني من قسوة وعذاب في الحياة،.. لقد ذهب إلى المسارح ودور السينما وأماكن اللهو والمتع والملذات، لعله يغيب في عالم الخيال فترة من واقعه المضني القاسي المترع بالآلام والأحزان والشجون!!.. مسكين أنت أيها الإنسان، تعلمت من مولدك البكاء،.. والبكاء إن كنت تدري أو لا تدري ليس إلا محاولة لنزح الفيضان من بئر أحزانك، ‎.. أو إخراج بعض البخار من مرجل تعاستك وآلامك!!.. مسكين أنت أيها الإنسان الذي تضرب بقدميك كالجواد التعب تائهاً وهارباً في الأرض، لا تلوي على شيء، وأنت تعلم لماذا تركض دون توقف والحقيقة أنك هارب من نفسك، ما دمت خاطئاً، لا تستقر على حال!!.. أنت تظن أن هناك شيئاً يطاردك من الخارج، والحقيقة أنك طريد النفس الخاطئة التي صاحت منذ أول التاريخ في قايين عندما قال للرب: "ذنبي أعظم من أن يحتمل إنك قد طردتني اليوم عن وجه الأرض، ومن وجهك أختفي وأكون تائهاً وهارباً في الأرض. ويكون كل من وجدني يقتلني"..

رأى يوبال هذا، رآه في جده قايين ورآه في أعداد من الناس لا تنتهي حوله، رآه في الأغنياء الذين حاولوا عبثاً –عن طريق الثروة والغنى- أن يوفروا لنفسهم الحياة الناعمة، وقالوا مع سليمان: "قلت أنا في قلبي هلم أمتحنك بالفرح فتري خيراً وإذاً هذا أيضاً باطل للضحك قلت مجنون وللفرح ماذا يفعل افتكرت في قلبي أن أعلل جسدي بالخمر وقلبي يبتهج بالحكم وأن آخذ بالحماقة حتى أرى ما هو الخير لبني البشر حتى يفعلوه تحت السموات مدة أيام حياتهم، فنظمت عملي، بنيت لنفسي بيوتاً غرست لنفسي كروماً عملت لنفسي جنات وفراديس وغرست فيها أشجاراً من كل نوع ثمر عملت لنفسي برك مياه لتسقي بها المغارس المنبتة الشجر فتنبت عبيداً وجواري وكان لي ولدان في البيت وكان لي أيضاً قنية بقر وغنم أكثر من جميع الذين كانوا في أورشليم قبلي، جمعت لنفسي أيضاً فضة وذهباً وخصوصيات الملوك والبلدان واتخذت لنفسي مغنيين ومغنيات وتنعمات بني البشر سيدة وسيدات. ومهما اشتهت عيناي لم أمسكه عنهما لم أمنع قلبي من كل فرح لأن قلبي فرح بكل تعبي، وهذا كان نصيبي من كل تعبي ثم التفت أنا إلى كل أعمالي التي عملتها يداي وإلى التعب الذي تعبته في عمله فإذا الكل باطل وقبض الريح"..

ورآه يوبال في الفقراء الذين طحنهم الفقر، واختلط عرقهم بتراب الأرض التي يعملون فيها وتنبت لهم الشوك والحسك،.. رآه في ألوان الحياة المختلفة بين الناس، عندما بكى الطفل أمامه، وبكى الرجل، بكى الشاب وبكت العذراء، بكى الوادع الآمن وبكى الطاغية الجبار، بكى رجل السلام، وبكى المقاتل في الحرب!!.. هذا الينبوع البغيض الكريه الذي لا ينتهي في حياة الناس، ظن يوبال أنه يستطيع أن يواجهه –أو على الأقل- يخفف من حدته باختراع العود والمزمار.. وكان لذلك منذ فجر التاريخ أباً لكل ضارب بالعود والمزمار والآلات المتعددة المختلفة للموسيقى على الأرض!!..



يوبال والموسيقى العالمية

لست أعلم ماذا كان لحن يوبال الأول، وبماذا جرت أصابعه على العود أو المزمار في أول أغان سمعها البشر على الإطلاق، كل ما أعلمه أن هذا الطوفان الرهيب من الأغاني العالمية لم يكن يخطر بباله على الإطلاق، وأن الشيطان استلم العود والمزمار وسائر آلات الموسيقى والغناء، وقاد بها الناس –يدرون أو لا يدرون- إلى الهاوية والجحيم!!.. إن هذه الآلات علمت الناس لا الغناء فحسب بل الرقص، وذبح الشيطان الناس وهم في مسارح الغناء، وعلمهم رقصة الموت، "والطير يرقص مذبوحاً من الألم"!!.. وإذا كان نيرون قد أمسك قيثارته وغنى، وروما تحترق، فإن الشيطان قد حول العالم كله، روما وهو يدفعه إلى الهاوية، على أنغام شيطانية من رقص وغناء!!..

أليس من المبكى أن الآلات المقدسة التي غنى بها داود فوق بطاح بيت لحم أجمل الأغاني وأروع الأناشيد، حولها المستريحون في صهيون إلى آلات إثم وفساد: "المضطجعون على أسرة من العاج والمتمددون على فرشهم والآكلون خرافاً من الغنم وعجولاً من وسط الصيرة الهاذرون مع صوت الرباب المخترعون لأنفسهم آلات الغناء كدواد الشاربون من كؤوس الخمر والذين يدهنون بأفضل الأدهان ولا يغتمون على انسحاق يوسف".. وهل رأيت البطنة والرخامة والكسل وما يصاحبها من مستنقع الأوحال والدنس إلا في صحبة الأغاني الفاضحة، والموسيقى البشعة الملوثة الدنسة!!..

هل رأيت الفضيلة تذبح على أنغام الموسيقى العالمية، موسيقى الجاز أو ما يطلق عليها الروك أند رول أو ما أشبه من اختراع الشيطان، وهو يستقبل الابن الضال في الكورة البعيدة بموسيقى الزواني والفاسقات،.. وهل رأيت قدرة الإنسان عندما يحول المر حلواً والظلام نوراً والشر خيراً لمن يحتج على ذلك، فيؤكد أن الموسيقى بهذا المعنى، هي قمة الفن العظيم الراقي، الذي لا يملك إدراكه والوصول إليه إلا البالغون أعلى درجات الحضارة والرقي الإنساني!!.. وهل رأيت الذهب ينثر تحت أقدام المغنيين والمغنيات، ويرتفع هؤلاء إلى ما يشبه الآلهة وأماكنهم إلى ما يطلق عليها معابد الفن، وتجرى الناس وراءهم في كل مكان بخبل وجنون؟!!.. وهل رأيت أكثر من ذلك كم من الجرائم تحدث في مصاحبة الفن؟!!.. لقد مات المعمدان على رقصة سالومي!!.. ضاعت حياة القديس في حفلة ماجنة!!..

لم يقصد يوبال عندما ضرب بالعود والمزمار كل هذا، ولم يدر كم من الآثام ترتكب باسم هذا الفن الجميل في كل التاريخ!!..



يوبال والموسيقى المقدسة

على أننا من الجانب الآخر ينبغي أن نرى الصورة المشرقة للعود والمزمار عندما يقدسان لمجد الله ولراحة الإنسان وخيره في الأرض!!.. والأصل في الموسيقى أنها النغم الصحيح دون نشاز، والفن الجميل دون لوثة، والترنم الأعلى للإنسان أمام الله في كمال الصدق والصحو!!

ولابد لنا من الإشارة هنا إلى ثلاث ترنيمات خالدة ترتبط بالخليقة، وتاريخ الإنسان على الأرض، الأولى عقب الخليقة التي صنعها الله: "عندما ترنمت كواكب الصبح وهتف جميع بني الله".. والثانية عندما جاء الملخص وغنت الملائكة فوق بطاح بيت لحم: "المجد لله في الأعالي وعلى الأرض السلام وبالناس المسرة".. والثالثة عندما تطوي القصة البشرية ويغني المفديون جميعاً: "ترنيمة موسى والحمل". ولابد من الإشارة أيضاً أن الأساس في الموسيقى هو رفع النفس فوق المستوى الأرضي، والتحليق بها في عالم سماوي مجيد،.. وقد استخدمت لذلك في رفع شاول بن قيس فوق الروح الرديء الذي كان يباغته، حتى تطيب نفسه وتهدأ،.. وأحس أليشع بن شافاط ذات مرة أنه في حاجة إلى عواد يضرب أمامه ويهيء له الجو الذهني والروحي الذي ينبغي أن يكون عليه قبل أن تسمو روحه وترتفع إلى مراقي الشفافية والنبوة أمام الله!!.. ومن نافلة القول أنها أضحت جزءاً من حياة الإنسان المتعبدة المترنمة، عندما تسمو مشاعره فرداً أو مجموعاً على حد سواء، وهل يمكن أن ننسى أعظم جوقة عرفها التاريخ عندما ترنم موسى وبنو إسرائيل على بحر سوف، وأخذت مريم النبية أخت هرون الدف بيدها وخرجت جميع النساء وراءها بدفوف ورقص، وأجابتهم مريم: رنموا للرب فإنه قد تعظم، الفرس وراكبه طرحهما في البحر؟!!

وهل يمكن أن ننسى مرنم إسرائيل الحلو الذي أمسك بعوده من الصبي، وسار فوق بطاح بيت لحم، بل تخطي الحياة والأجيال بمزاميره الخالدة التي ستعيش ما بقى الإنسان على هذه الأرض؟!! وهل ننسى فرق المرنمين في الهيكل، والآلات الموسيقية المختلفة؟ وهل ننسى أن آخر المزامير وهو يغني أمام الله طالب المؤمنين: "هللويا سبحوا الله في قدسه. سبحوه في فلك قوته سبحوه حسب كثرة عظمته سبحوه بصوت الصور سبحوه برباب وعود. سبحوه بدف ورقص سبحوه بأوتار ومزمار سبحوه بصنوج التصويت، سبحوه بصنوج الهتاف كل نسمة تسبح الرب هللويا"؟؟..

فإذا كانت الموسيقى قد أخذت مركزها العظيم في العهد القديم على هذه الصورة، فلماذا لم تأخذ ذات المركز في العهد الجديد؟.. إن المتتبعين للتاريخ الكنسي، يعلمون أنه في العصر الرسولي، والكنيسة المسيحية الأولى، لم تكن هناك الفرصة الكافية للموسيقى لتلعب دورها العظيم، في عصر الاضطهاد المرير، والإمكانيات المحدودة التي كانت لدى المؤمنين والكثيرون منهم كانوا من الفقراء أو الذين يكافحون كفاحاً مريراً لأجل لقمة العيش التي يصلون لها،.. كما أن استخدام الآلات الموسيقية والذي شاع في المسارح العالمية، أشاع التحفظ في قلوب المؤمنين في استخدامها على الأسلوب الواسع في العبادة الكنسية، وقد أضيف إلى ذلك ما اعتنقه الكثيرون في عصور مختلفة من التاريخ، وعلى رأسهم أوغسطينس وجرمي تيلور وأمثالهما قديماً وحديثاً، ممن ضاقوا بآلالات الموسيقية في الكنيسة، وبلغت العقيدة ببعضهم أن ضررها أكثر من نفعها، إذ تخرج بالمتعبد إلى دور انفعالي قد يتحول عند رأيهم إلى التهوس أو ما يشبه ذلك، مما لا يجعل أن يكون في الإنسان الماثل بكل خشوع وعمق وإجلال وتأمل في حضرة الله!!.. وهم يتصورون أن هذا الصخب الموسيقي سيخرج المتعبد بعيداً عن الوتار، وعن الترتيل المطلوب بالذهن والروح، وهو قد يلفته إلى الموسيقى أكثر من الاتجاه العميق الروحي إلى الله!!.. وربما بدا هذا حقاً في بعض الألحان التي قد ينجرف فيها الإنسان دون وعي أو فهم إلى السحر الموسيقي في حد ذاته، يقول تايلور: إن استخدام الآلات الموسيقية قد يقدم بعض الفائدة للترنيم، لكن هذه الآلات يمكن أن تحول الديانة إلى صور هوائية خيالية وتجردها من بعض بساطتها، ولن يصلح العزف على الأورج أو يحل محل المواعظ والترانيم في التهذيب، وموسيقى الآلات في حد ذاتها لن تجعل الإنسان أحكم، أو تبنيه في شيء،.. وفي الوقت عينه لا يمكنني أن أحرمها متى استخدمت على وجه حسن لمساعدة الترنيم.. والموسيقى في أفضل الحالات لا ينبغي إدخالها في صميم الخدمة الدينية، حتى ولو قصر الأمر على مجرد الأداء الحسن بالصوت وحده".. إن خشية هذا الفريق الذي يعارض النغم الموسيقي في العبادة هو أن يؤخذ الإنسان بحلاوة النغم دون التأمل في المضمون والمعنى، وقد أدان الله قديماً الشعب الذي يستمع إلى الرسالة الإلهية كما يستمع إلى المطرب دون أن يعمل بها: وها أنت لهم كشعر أشواق لجميل الصوت يحسن العزف فيسمعون كلامك ولا يعملون به"..

على أنه مهما يكن في هذا الهجوم على الموسيقى من بعض الصدق أو الحق، إلا أنه لا يصلح دليلاً لزعزعة التاريخ الطويل الممتد لخدمة الموسيقى في العهد القديم أو الجديد على حد سواء،. كان القديس فيليب نيري يذكر تلاميذه بأن الموسيقى على الأرض، هي الظل أو الشبيه لما سيراه الإنسان في السماء في مجد أبهر وأعظم، عندما يعيش المؤمنون أغنية الأبد أمام الله،.. وكان يؤكد بأن الألحان الموسيقية تحمل في ذاتها القوة الرافعة السرية للقلب المتعلق بالله، وتعلو بالإنسان فوق الواقع القاسي الأليم الذي يعانيه إلى حياة أسمى وأعلى وأرفع وأمجد‍‍.

وعندما جاء الإصلاح عاد يوبال مرة أخرى أباً لكل ضارب بالعود والمزمار في الكنيسة المسيحية، ويكفي. أن لوثر دعى الموسيقى "أجمل هبات الله وأروعها"، وكان يطلب من الملوك والأمراء والسادة العظام أن يولوها أكمل عناية وأجل تقدير، فهي في نظره تهذب وتعلم وتسمو بالناس، فتجعلهم أكثر لطفاً ورقة وأدباً ودعة وتعقلاً!!.. كان لوثر يضع الموسيقى في المكانة التالية للدراسة اللاهوتية في الكنيسة!!..

ومنذ ذلك التاريخ والموسيقى تأخذ دورها العظيم في الكنيسة المسيحية جنباً إلى جنب مع خدمة الوعظ في المنبر، وسار تشارلس ويسلي إلى جانب أخيه جون ويسلي، وعاش سانكي مع مودي، وكرست أعداد كبيرة من المسيقيين آلاتهم الموسيقية لمجد الله، وكم ربحت الموسيقى في بيت الله ملايين الناس، إذ كانت النغم الحلو الذي صدح في آذانهم وقلوبهم بحب الله وإحسانه وجوده وصليبه وغفرانه،.. فجاءوا إليه لأن واحداً من أبناء يوبال عزف أمامهم على العود والمزمار أغنية الخلاص!!..

elraiek G
09-15-2010, 02:40 AM
( 5 )

نوح ..

"اصنع لنفسك فلكاً"

(تك 6: 14)

مقدمة

قد لا يعرف الكثيرون أن قصة نوح كانت من أجمل القصص الكتابية وأعمقها وآثرها وأدناها إلى قلب الواعظ المشهور مودي، وقد لا يعرفون أن مودي لم يكن يمل على الإطلاق من ذكر تأثير هذه القصة عليه في الكثير من مواعظه وأحاديثه وكتاباته، وقد ألف مودي أن يفعل هذا، لأن هذه القصة أراحته وعزته، وكانت بمثابة نقطة التحول في خدمته، في لحظة من أدق وأحرج اللحظات التي مرت به في حياته كلها!!.. كان مودي في ذلك الوقت فاشلاً في الخدمة على أرهب وأدق ما يمكن أن تشتمل عليه كلمة الفشل من معنى، وإذ زاره أحد الأصدقاء ممن يقومون بالتعليم في مدرسة من مدارس الأحد، ورآه مهموماً كئيباً، استفسره عن سر كآبته وحزنه، وإذ أدرك أنه حزين لجدوب خدمته، وعقمها، وعدم إثمارها، أشار عليه أن يعيد تأمله في قصة نوح، قصة ذلك الإنسان الذي ظل يكرز، دون ملل، بين الناس مئة وشعرين عاماً، دون أن يكسب منهم فرداً واحداً لله، ما خلا بيته!! وإذ قرأ مودي القصة من جديد، هاله الفرق الكبير بين إيمان نوح وشجاعته وصلابته وصبره وكفاحه في مواجهة عالم شرير آثم، وإيمانه هو وصبره وجهاده، في عالم مهما يكن شره، فلا يمكن أن يكون ضريباً للعالم قبل الطوفان!! وفعلت القصة فعلها الرائع العجيب فيه، إذ زودته بإدراك ووعي جديد للخدمة، وارتفعت به من وادي الاتضاع واليأس والمذلة والقنوط الذي هبط إليه، إلى قمة النجاح والتقدم والانتصار والعظمة التي بلغها في خدمته فيما بعد!! ولم يعد من ذلك اليوم، كما ألف أن يقول، يعلق عوده على شجر الصفصاف!!

وفي الواقع أن هذه القصة ليست خصبة حية عميقة الأثر في حياة الوعاظ فحسب، إذ تتحدث عن أول واعظ وكارز حدثنا عنه الكتاب، بل لعلها من أمتع وأجمل وأقوى القصص التي تتحدث عن رجل لم يكن من صناع التاريخ فحسب، بل كان هو بذاته نقطة بدء جديدة، في التاريخ، والحياة البشرية!!.. من يكون إذاً هذا الرجل العجيب؟!! وما كرازته؟!! وفلكه؟!! وميثاق الله معه؟!! هذا ما أرجو أن نضعه أمامنا ونحن نتناول شخصيته العظيمة!!.



نوح من هو وما طباعه وحياته؟!!

لعلنا نستطيع أن ندرس الرجل، ونتفهم طباعه وصفاته وأخلاقه في دعة وحق وجلال، إذا أتيح لنا أن نتتبعه من الداخل إلى الخارج، أو من علاقته مع الله في السريرة والنفس، إلى علاقته مع البيت، إلى علاقته مع المجتمع الخارجي، في العالم الذي يحيط به، ويبدو نوح في هذه جميعها وقد اتسم بالخلال التالية:



نوح البار القديس

وهنا يبدو قلب الرجل وجوهره وأعماقه، بل هنا يبدو أساس ما فيه من عظمة ورغادة وجمال ومجد: "كان نوح رجلاً باراً.. وسار نوح مع الله" "لأني إياك رأيت باراً لدي في هذا الجيل" والبر قبل كل شيء، هو الموقف البريء، غير المدان، من الله، أو في لغة أخرى، هو الموقف السليم، من الوجهة القانونية، إزاء حق الله وبره وعدالته وقداسته، ولكن كيف يتاح للإنسان أن يقف هذا الموقف، والكتاب يشهد: "إنه ليس بار ولا واحد. ليس من يفهم. ليس من يطلب الله. الجميع زاعوا وفسدوا ليس من يعمل صلاحاً ليس ولا واحد"؟! لا سبيل لنا إلا بالبر النيابي: "بر الله بالإيمان بيسوع المسيح إلى كل وعلى كل الذين يؤمنون. لأنه لا فرق إذ الجميع أخطأوا وأعوزهم مجد الله متبررين مجاناً بنعمته بالفداء الذي بيسوع المسيح الذي قدمه الله كفارة بالإيمان بدمه لإظهار بره من أجل الصفح عن الخطايا السالفة بإمهال الله، لإظهار بره في الزمان الحاضر ليكون باراً ويبرر من هو بالإيمان بيسوع" وقد كان نوح من المؤمنين بالذبائح التي ترمز إلى هذا الفداء، وهذه الكفارة، وما من شك بأنه درج على تقديم هذه الذبائح كما كان يفعل آدم، وهابيل، وشيث، وأخنوخ، وموسى، وهرون وداود وسائر المؤمنين قبل الصليب!! وما من شك بأنه تعلم من الله كغيره من الأقدمين الذين جاءوا قبل ناموس موسى، الفرق بين الطاهر وغير الطاهر من البهائم والطيور، وكيف تقدم الذبائح من البهائم والطيور الطاهرة دون سواها!! وقد وضح هذا فيما صنعه بعد أن خرج من الفلك إذ بنى مذبحاً للرب وأخذ من كل البهائم الطاهرة، ومن كل الطيور وأصعد محرقات على المذبح!!.. والبر أيضاً يعني الحياة المتميزة المستقيمة المنفصلة عن العالم، والمتصلة بالله، وقد كان نوح بهذا المعنى، باراً لدى الله في جيله، إذ لم يعش الحياة التي كان يعيشها معاصروه، وأهل جيله، إذ انفصل عن شرهم ومجونهم وطغيانهم واستبدادهم، وسار مع الله، ولعل سيره مع الله كان بمثابة الامتياز والوقاية والعلاج له من السير مع العالم!! كان نوح هنا أشبه بتلك الشجرة من الصفصاف التي لاحظ البستاني أنها تميل إلى جانب، وحاول عبثاً أن يجعلها مستقيمة منتصبة، وأخيراً ادرك السر، إذ كان هناك مجرى صغير يندفع تحت سطح الأرض، وكانت الشجرة تميل نحوه إذ هو ينبوع ريها ومصدر انتعاشها وقوتها، وما أن عرف البستاني هذا، حتى سارع إلى قفل هذا الينبوع، وتحويله إلى الجانب الآخر المهمل من الشجرة، وما أسرع ما اعتدلت واستقامت بعد ذلك!!.. وليس هناك شيء يحررنا من إغراء العالم ولهوه ومتاعه ومجونه ولذاته سوى الاتصال بالله، والالتصاق به، والسير معه، والحياة والانتعاش والري بالشركة معه!!



نوح الحلو الشمائل

وما من شك بأن نوحاً كان حلو الشمائل، دمث الأخلاق، رقيق المشاعر، جذاب الشخصية، أطلق عليه أبوه بروح النبوة الاسم "نوح" أي "راحة" إذ قال: "هذا يعزينا عن عملنا وتعب أدينيا من قبل الأرض التي لعنها الرب" وهي لغة إن تحدثت عن شيء، فإنما تكشف لنا الطباع الحلوة الجميلة التي وجد عليها ذلك الإنسان فيما بعد، في علاقته بالناس، على وجه العموم، وعلاقته بأبويه وبيته، على وجه الخصوص، ولعل أفضل مكان يكتشف فيه الإنسان على حقيقته هو بيته، بين أبويه، وأهل منزله، حيث يسقط قناع التكلفة والتظاهر والمواراه، وحيث يبين على الطبيعة دون زيادة أو نقص،.. وقد كان نوح لأبويه بمثابة الابتسامة العذبة في أرض الدموع أو النسمة الرقيقة في الجو اللافح، أو الزهرة العطرة في البرية القاحلة، أو الينبوع الحلو في القفر المجدب!! فكلما ضاق لامك بالتعب والكدح في الأرض وجد في ابنه راحة وعزاء، وكلما اضطرب في علاقته بالأشرار في العالم الذي يحيط فيه، وكادت أنفاسه تختنق، وجد في ابتسامة ابنه وشركته وحلو شمائله ما يغنيه وينسيه عن كل ما في العالم من متاعب!! وكلما أحس الإرهاق يأتيه من هذا الجانب أو ذاك، ونظر إلى ابنه العظيم الغنى بالفضائل إلى جواره ارتقى وارتفع فوق كل تعب وعنت وضيق ومشقة!! وهل هناك في الواقع أفضل من الابن المحب المطيع السامي الأخلاق عندما يتمشى مع أبيه ويشاطره الحياة في ألوانها المختلفة المتعددة!!



نوح ذو الشخصية القوية

وهذا يعني أن نوحاً لم يكن إنساناً عاطفياً حلو الشمائل فحسب، بل كان أكثر من ذلك إنساناً "كاملاً في أجياله" والكلمة "كاملاً" تفيد توازن الشخصية وتمامها، أي أن شخصيته لم تكن تنمو في جانب على حساب جانب آخر، أو في لغة أخرى، إن عاطفة نوح لم تنم على حساب فكره أو إرادته، والعكس صحيح، أي أن فكره لم يقو على عاطفته مثلاً فيضحى جامداً، أو على إرادته فيمسى متخلفاً!! والكمال هنا كأي كمال بشري كمال نسبي غير مطلق، إذ هو كمال بالنسبة للأجيال التي عاش فيها، وفي الحدود التي يمكن أن يبلغها الإنسان على الأرض، فالصبي عندما يأخذ درجة الكمال في الامتحان، فذلك ليس معناه أنه أصبح مثل معلمه وأستاذه، وأنه ليس في حاجة إلى كمال آخر، بل معناه أنه كامل في حدود سنه واستعداده وإمكانياته وملكاته، وكلما استعت هذه وزادت كلما طولب بالصعود في مدارج الكمال!!

وبهذا المعنى يمكننا أن نقول، ونحن في أمن واطمئنان، أن نوحاً كان من أعظم رجال عصره حكمة وأصالة وفكراً، بل لعله كان من أعظم رجال التاريخ ذكاء وصفاء والمعية وهل يمكن أن يكون غير هذا وقد رفعه الله في التاريخ ليكون أبا البشرية كلها من بعد الطوفان؟!! وهل يسمح الله أن يكون مورث البشر إنساناً محدود المدارك ساذج التفكير؟!!

وبهذا المعنى يمكننا أن نقول أيضاً أنه كان من أعظم رجال الأجيال وأقواهم إرادة وعزماً، بل لعل التاريخ لا يعرف شخصيات كثيرة كانت لها صلابة هذا الرجل وقوة إرادته!! كيف لا وقد كانت له الشجاعة والصلابة والقوة التي تجعله يقف في جانب، والعالم كله في جانب؟! كان عصر نوح عصراً بشعاً مريعاً اتسم بخطايا متعددة، إذ كان عصر الشهوة والمجون، العصر الذي سقط فيه أبناء الله –وهم النسل المنحدر من شيث، وليس الملائكة الذين سقطوا كما يظن البعض –تحت إغراء بنات الناس- وهذا النسل المنحدر من قايين- فاتخذوا لأنفسهم منهن نساء كما قادتهم طبيعتهم الجامحة ورغبتهم المدنسة، وكان عصر التمرد والعصيان، أو العصر الذي لا يسترشد فيه الناس بفكر الله، بل كان لهم: "كل ما اختاروا" العصر الذي قيل فيه: "إن شر الإنسان قد كثر وأن كل تصور أفكار قلبه إنما هو شرير كل يوم" وكان أيضاً عصر الظلم والطغيان، العصر الذي فيه: "امتلأت الأرض ظلماً" و "كان في الأرض طغاة في تلك الأيام" وكان أخيراً عصر التعالي والمجد العالمي، العصر الذي كان يسعى الناس إليه وراء العظمة والسؤدد والمجد ومنهم: "الجبابرة الذين منذ الدهر ذوو اسم".. في هذا العصر عاش نوح، ولو أنه كان أضعف إرادة، وأسلسل قياداً، لانهزم وانهار أمام ما لا يعد ولا يحصى من التجارب والمشاكل والصعوبات التي كانت تواجهه، ولا شك، كل يوم . لكن الرجل عاش، في وسط هذه الظروف القاسية المروعة، وكأنما يجيب ذات الإجابة التي أجاب بها فيما بعد القديس أثناسيوس عندما قالوا له: "إن العالم كله ضدك" فأجاب: "وأنا ضد العالم"‍‍.. كان نوح من الأبطال وصناع التاريخ الذين إذ يؤمنون برأي أو عقيدة أو مبدأ يقفون إلى جواره، ويعيشون له، ويموتون في سبيله، حتى ولو لم يقف إلى جوارهم أحد على وجه الإطلاق، لأنهم يؤمنون بغلبة الحق، يوماً ما، طال الزمان أو قصر، وسواء رأوا هم هذه الغلبة، أم رأتها أجيال أخرى تأتي بعدهم‍‍ !!

نوح الصبور

وهذه سمة بارزة واضحة في طبيعة هذا الرجل وأخلاقه وكان لابد أن توجد فيه، ويكون عليها، وقد خالف جميع الناس الذين عاصرهم وعاش معهم، ونهج في الحياة بأسلوب يتباعد ويتباين عن أسلوبهم‍‍ على أن صبر الرجل، يتضح بأجلى بيان في كرازته المستمرة لمن عاش بينهم مدة مائة وعشرين عاماً دون أن يكسب منهم فرداً واحداً لله، ومع ذلك لم ييأس أو يقنط أو يكل في مجهوده معهم‍‍ وهل يمكن أن يوجد بعد ذلك بين الناس من يضارعه في الصبر والاحتمال والأناة؟‍‍ إذا استثنيناه لا شك ذاك الذي لم يعش بيننا صابراً فحسب، بل حمل في صبره آلام الأجيال وخطاياهم في جسده على خشبة العار، ومن ثم استحق أن ينفرد وحده بلقب ابن الإنسان، وأن يكون المثال الأول في الصبر، حتى ليمكن أن يقال: "والرب يهدي قلوبكم إلى محبة الله وإلى صبر المسيح" (2تس 3: 5 ).



نوح وكرازته

ونوح هو أول وأقدم كارز حدثنا عنه الكتاب، وهو يمكن أن يدعى، من هذا القبيل، أبا الكازين والوعاظ، وقد ذكر الرسول بطرس في معرض الحديث عنه نوع الكرازة التي كان ينادي بها إذ كان "كارزاً بالبر" ولا أحسب أن هناك كلمات أروع وأجل من كلمات الكسندر هوايت، وهو يتحدث عن كرازته إذ قال ما موجزه: "لقد أعطانا الرسول بطرس إضافة هامة عن حياة نوح بعد الأربعة الأصحاحات التي ذكرها موسى عنه عندما قال: "حفظ نوح ثامناً كارزاً للبر".. وكواعظ يهمني جداً –بطبيعتي كواعظ، ولأسباب أخرى كثيرة- أن أعرف لماذا لم ينجح نوح في خدمته كواعظ؟‍‍ ألأنه كان يكرز بالبر؟‍‍ قد يكون هذا‍‍ فبخبرتي أعرف أن البر هو الشيء الوحيد الذي ينفر منه السامعون، فقد يرحب بعض الناس بأنواع أخرى من الوعظ، كالوعظ الجدلي، والوعظ الدفاعي، والوعظ التاريخي والقصصي، والوعظ العقائدي، والوعظ التبشيري، وقد يطلبونها، ولكنهم جميعاً يتفقون في مقاومة ورفض الوعظ بالبر، الوعظ بالتوبة والإصلاح الوعظ بالأخلاق والتصرف الحسن.. أجل فهذه لا يقبلونها أو يرحبون بها، ويوسيفوس يتبع موسى والرسول بطرس إذ يخبرنا أن نوحاً وعظ الناس وألحف في الحديث معهم إلى درجة أنه خاف من أن يقتلوه، وهناك شيء واحد ينبغي تأكيده، وهو أن نوحاً لم يفسد وعظه بحياته كما يفعل الكثيرون من الوعاظ، إذ له هذه الشهادة طوال كرازته ووعظه أنه سار مع الله، إذ قال له الرب وهو يأمره بصنع الفلك: "لأني إياك رأيت باراً لدي في هذا الجيل"‍‍

على أن هوايت يستطرد فيقول أنه ربما كان لحام بن نوح أثر في إفساد رسالة أبيه إذ أنه بحياته وتصرفاته وأعماله كان يضعف من قوة تأثير هذه الرسالة على الآخرين ومع أننا نقر هذا الواعظ العظيم والكاتب الألمعي، إلى حد بعيد، في أنه ليس هناك ما يفسد أثر رسالة الكارز والواعظ أكثر من تصرفات بنيه وبناته وأهل بيته، إلا أننا لا نستطيع أن نبلغ هنا مبلغ الجزم في تحديد الأثر الذي تركه حام في رسالة أبيه‍ وكل ما نستطيع أن نقوله هنا هو أن الناس تختلف باختلاف الأجيال في قبول الرسالة أو رفضها، والحياة الدينية موزعة بين المد والجزر باختلاف الظروف والأزمنة والأمكنة والأجواء التي تعيش فيها البشرية، وليس أدل على ذلك من قول السيد المسيح وهو يوازن بين المدن التي صنعت فيها أكثر قواته والمدن القديمة عندما قال: "ويل لك يا كورزين. ويل لك يا بيت صيدا لأنه لو صنعت في صور وصيداء القوات المصنوعة فيكما لتابتا قديماً في المسوح والرماد.. وأنت يا كفر ناحوم المرتفعة إلى السماء ستهبطين إلى الهاوية لأنه لو صنعت في سدوم القوات المصنوعة فيك لبقيت إلى اليوم".. إن مأساة نوح الكارز هو أنه عاش في العصر الذي قال فيه الرب: "لا يدين روحي في الإنسان إلى الأبد"‍‍



نوح وفلكه

وهل يمكن أن يذكر نوح دون أن يذكر الفلك أيضاً؟‍‍ وأليس قصة نوح مرتبطة إلى حد بعيد بقصة ذلك الفلك الذي كان حداً فاصلاً بين عالم قديم وآخر جديد‍ ولعله من اللازم أن نقف قليلاً منه لنسمتع إلى ما يمكن أن يعظ به يتحدث‍!! وأغلب الظن أنه سيكشف لنا عن هذه الحقائق العظيمة التالية:



الفلك وعدالة الله

وهل هناك في التاريخ ما هو أعلى صوتاً وأقوى عبارة في الحديث عن عدالة الله كفلك نوح؟‍‍ لقد أمر الله ببناء هذا الفلك لأن الأرض امتلأت ظلماً، ومن ثم كان لابد أن يضع الله نهاية لهذا الظلم، وهو السيد والملك والحاكم والديان العادل، وكان لابد في الوقت ذاته من أن يصنع تفرقة بين البار والأثيم. فلا يهلك البار مع الأثيم، وإذ وجد لديه إنساناً واحداً باراً مع بيته، أمر بصنع الفلك والدخول فيه، ليقيم بذلك حكم العدالة فلا يقال: "أديان كل الأرض لا يصنع عدلاً" وإذا كانت الطبيعة البشرية الناقصة، إذا أوتيت شيئاً من النبل وسمو الخلق، تمقت الظلم، وتكره الطغيان، وتنشد العدالة، وتفخر بها، وإذا كان الإغريق قد رمزوا إلى العدالة بامرأة معصوبة العينين، تمسك بيدها ميزاناً للحكم بالعدل بعيداً عن الهوى والحيز والميل، وإذا كان الرومان قد ألفوا بأن يباهوا بأنهم رجال العدالة في كل التاريخ، حتى لقد وجد بينهم بروتس القاضي الروماني، الذي حكم على ولديه بالإعدام، إذ ثبتت خيانتهما، وعصب عينيه ساعة تنفيذ الحكم لكي لا يرى موتهما‍‍ وإذا كانت العصور الحديثة تعتبر العدالة أعلى مقياس للرقي والتقدم والحضارة في أمة من الأمم‍‍ فهل يكون الله الكامل العادل بطبيعته أقل إحساساً بها من البشر الناقصين؟‍‍

إن عدالة الله هي الملاذ الذي يلجأ إليه كل تعس شقي مظلوم في الأرض، وهو العدالة التي تجعلنا نغني مع فيبر قائلين: إن عدالتك يا رب هي الفراش الذي تهجع إليه قلوبنا القلقة، حيث تنام متاعبنا، وتنتهي ضيقاتنا!!



الفلك وقداسة الله



وقد تحدث الفلك أيضاً عن قداسة الله، إذ أنه تعالى قدوس يكره الخطية، ولا يتصورها، وإذا كانت السماء ليست بطاهرة أمام عينيه، فهل يعقل أن يسكت على الأرض وقد امتلأت بالفساد أمام عينيه؟! لقد كانت الأرض أشبه بالثوب المتسخ، أو الوعاء القذر، الذي لابد أن يغسل وينظف؟! وقد غسلها الله بالطوفان، ليبدأ مع نوح وبيته من جديد!!.. وإذا كان داود دينس الرجل الذي أوتي شيئاً من القداسة –في قصة قلب مدلوثيان لسرولترسكوف- قد حزت في أعماق قلبه خطية ابنته، وكان يتمنى في باديء الأمر أن تظهر بريئة، ولكن لما ثبتت إدانتها اكتسى وجهه بالغضب، وظهر فيه الرجل الإلهي المقدس، فقال لأختها: "لقد ذهبت عنا، لأنها ليست منا، فلتذهب إلى حال سبيلها، وليعمل الرب معها ما يشاء!! كانت ابنة الصلاة، وكانت لا تستحق أن تطرد من ذكرانا!! ولكن لا تدعي من الآن اسمها يجري على لسانك بيني وبينك" إذا كان داود دينس يقف هذا الموقف من الخطية مع ابنته، فهل يكون موقف الله القدوس من الأرض الفاسدة أضعف وأقل؟!! حاشا وكلا!!



الفلك ورحمة الله

وقد كان الفلك أيضاً إعلاناً عن رحمة الله، لا بالنسبة لنوح فحسب بل بالنسبة أيضاً للذين هلكوا، كيف لا وقد أبى الله أن يباغت الناس بالطوفان بل أمهلهم مئة وعشرين سنة صنع في أثنائها الفلك، وكان كل مسمار فيه، وكل قطعة خشب، تنادي الناس وتحذرهم من الغضب الرهيب الآتي؟! وهل يمكن أن يجد المرء عذراً للعدد الكبير الهائل ممن اشتركوا في بنيانه وصنعه، من عمال وصناع ونجارين وحدادين وغيرهم، ممن كان من المحال أن يصنع الفلك بدونهم؟!! أليس هؤلاء مثالاً لمن يعيشون في جو الخدمة الدينية، أو يقومون بحكم المهنة والعمل بخدمات كثيرة في الكنيسة، والمساعي، ومدارس الأحد، وجمعيات الشبان، والشابات، والنشر، والإذاعة وغيرها من أوجه النشاط الديني، ولكنهم يطرحون آخر الأمر في جهنم النار، حيث دودهم لا يموت، والنار لا تطفأ، ولسان حالهم يقول "ويحنا وبئساً لنا أبعد ما كرزنا للآخرين نصير نحن مرفوضين؟!!".





الفلك ومحبة الله

على أن الفلك إن تحدث آخر الأمر فإنما يتحدث قبل كل شيء، وبعد كل شيء عن محبة الله العميقة العجيبة غير المتناهية للناس!! كيف لا والفلك ليس إلا رمزاً للخلاص المجاني الكامل المجيد الذي لنا في المسيح يسوع!! لقد صنع الفلك بترتيب الله وحكمته دون أن يكون وليد فكر الإنسان ورأيه ومشورته وتدبيره، وهكذا كان الخلاص منبعثاً من أعماق المشورة الإلهية الأزلية من دون فكر أو شركة للناس!! يضاف إلى هذا أن الخلاص من الطفوان لم يكن إلا بشيء واحد لا غير، ألا وهو الاتجاء إلى الفلك، والدخول فيه، والاحتماء به، وهكذا خلاصنا الأبدي لا يمكن أن يكون سوى بالاندماج في المسيح، فلكنا العظيم، والاحتماء به والاختباء في جنبه المطعون!! وكما احتمل الفلك جميع التيارات واللجج والأمواج المتلاطمة التي كانت تصفعه، وتحيط به من هنا ومن هناك، هكذا احتمل المسيح يوم الصليب جميع تيارات الله ولججه التي طمت عليه!! فإذا كان نوح قد غني، ولا شك، هو وأولاده وبيته، وهم داخل الفلك، لرحمة الله وجوده ومحبته التي أعدت لهم هذا الخلاص العظيم!! أفلا يجمل بنا أن نغني في المسيح لرحمة الله ومحبته الأبدية التي لا تدرك أو توصف!!



نوح وميثاق الله معه

وآخر ما نختم به الحديث عن نوح هو ذلك الميثاق الذي أقامه الله معه ومع نسله إلى الأبد عندما قال: "وضعت قوسي في السحاب. فتكون علامة ميثاق بيني وبين الأرض" وقد دعا الكسندر سملي هذه القوس "مبشر الله في الجو" وفي الواقع أنها إن تحدثت عن شيء فإنما تتحدث أولاً قبل كل شيء عن وجود الله ولطفه وحنانه ورحمته.. خرج نوح من الفلك، وتأمل هنا وهناك، فإذا به يرى من المناظر ما يملأه رعباً وخوفاً وهلعاً، لقد أبصر الدنيا حوله خراباً يباباً، أبصر الله وقد قضى على كل حي!! أين الرجال الذين رآهم مراراً؟!! أين المدن المرتفعة أين الجمال والحياة البشرية العامرة الزاخرة؟!! لقد انقضت هذه كلها، وأضحت أثراً بعد عين، وانتاب نوح، ولا شك، الإحساس الغامر الرهيب بالخوف والقلق والاضطراب!! ألا يمكن أن يتكرر الطوفان مرة أخرى؟!! وألا يمكن أن تحدث هذه المأساة بين بنيه وأحفاده في المستقبل القريب أو البعيد؟!! وصلى نوح، كما يقول يوسيفوس المؤرخ اليهودي، وتضرع إلى الله، ألا يحدث مثل هذا الطوفان مرة أخرى؟!! وأجاب الله على هذه الصلاة "بأن رفع عينيه إلى فوق، وأراه قوس قزح الجميلة المنظر، وكأنما يقول له لا تفزع يا نوح أو تخف، فأنا لست الإله المنتقم القاسي الرهيب الذي تظنه، بل أنا الآب المحب العطوف الجواد؟!! تأمل قوس قزح هذه، وهل تجدها تشابه قوس الحرب والقتال؟!! كلا فإنك لن تجد في هذه القوس سهماً، بل ستجد القوس نفسها، وقد تجردت من الوتر، وانحنت إلى أسفل لتمس الأرض مساً رقيقاً خفيفاً!!.. وهكذا كان عهد الله وميثاقه مع نوح، عهد الصداقة والمودة والرفق والجود والمحبة التي لا يمكن أن تقهرها خطية أو إثم!!

على أن قوس قزح تتحدث مع ذلك عن كمال الله وقداسته، إذ أن هذه القوس مكونة من سبعة ألوان، والسبعة تكون مجتمعة معاً، اللون الأبيض الذي يرمز إلى القداسة والكمال، أو في لغة أخرى أن كل صفات الله تعبر مجتمعة معاً عن قداسته ونقاوته الكلية وأنه مع محبته للخاطيء، ورحمته له، لا يمكن أن يشق الطريق إليه إلا بطلب القداسة والسعي ورائها: "القداسة التي بدونها لن يرى أحد الرب" عب 12: 14 .

وآخر الكل أن هذه القوس تتحدث عن جمال الله وحلاوة الشركة معه؟!! وهل رأيت مثل قوس القزح في الجمال؟!! وهل أدركت أن الميثاق مع الله يأسر القلب، ويملك اللب، ويخلب المشاعر، ويرفع النفس إلى لذة لا توصف أو تداني؟!! وهل علمت أن الحياة مع المسيح لها متعة دونها كل متع الحياة ومسراتها وملاهيها ومباهجها؟! وهل تبينت أن الوجود كله يرقص ويغني أمام عيني من عرف المسيح وعرف منه أو كما قال يوناثان ادواردس بعد تجديده: "لقد بدا جلال الله البارع أمامي في كل شيء، في الشمس، في القمر، في النجوم، في الحياة، في الطبيعة كلها،.. لقد خلق ابن الله العالم لهذه الغاية: أن يظهر من ورائه بصورة ما عظمته ومجده، فعندما نبتهج بالزهر المونق والنسيم الرقيق يمكننا أن نكتشف إحسان المسيح!! وعندما نتأمل الورود العطرة وزنابق الحقل البيضاء يمكننا أن نتبين محبته ونقاوته، وهكذا الأشجار وأغاني العصافير ليست إلا إعلاناً عن فرحة وجوده، والأنهار وتموجات المجاري ليست إلا مظهراً لوقع أقدام نعمته وجماله. وحين نلحظ لمعان الشمس والشفق الذهبي أو قوس قزح الجميلة يمكننا أن نرى جلاله وطيبته، ولهذا دعى المسيح شمس البر، وكوكب الصبح، ونرجس شارون، وسوسنة الأودية!!".

elraiek G
09-15-2010, 02:41 AM
( 6 )

تارح ..

"ومات تارح في حاران"

(تك 11: 32)







مقدمة

قصة تارح قصة الرجل الذي توقف في منتصف الطريق قبل أن يصل إلى كنعان، قصة الرجل الذي سجل عنه الوحي: "ومات تارح في حاران".. وقد يسأل البعض: وأي شيء في هذا التعبير يمكن أن يثير أو يشير؟!! لقد مات الرجل شيخاً عن مائتين وخمس من السنين، فهو لم يذهب في قوة الصبا أو أوج الشباب حتى يمكن أن يتوقف الناس ليبكوا عوده الزاوي وشبابه الضائع في صبح الحياة؟!! وهو الرجل الذي خلف وراءه الأولاد إذ لم يمت عقيماً، بل ترك أولاداً على رأسهم إبراهيم الابن العظيم الخالد،.. قد يكون هذا صحيحاً وحقاً،.. ولكننا لا ينبغي أن ننسى أن الرجل مات في رحلة من أعظم رحلات الإنسان على الأرض،.. وقد خرجت القافلة الصغيرة من أور الكلدانيين، وعلى رأسها شيخ ورجل وشاب، وكان الشيخ تارح، والرجل إبراهيم، والشاب لوط، وسقط الشيخ في الطريق، وجرد الشاب من كل ما يملك، ولم يبق سوى الرجل الذي كان النموذج الأعظم الثاني في الرحلة الخالدة..

ومن المؤسف أن الشيخ الذي قطع أكثر من خمسمائة ميل في الرحلة حتى وصل إلى حاران، أو في لغة أخرى قطع أكثر من نصف الطريق، هذا الشيخ لم يلبث أن أصابه الملل والتعب والكلل والإعياء، فرفض أن يتقدم خطوة أخرى واحدة بعد هذا،.. ومات في حاران دون أن يدخل أرض الموعد،.. هذه مأساة الرجل القديم الذي خرج يبحث عن الله، أو بتعبير أصح، خرج مع ابنه الذي استجاب الدعوة السماوية وقطع شوطاً طويلاً في الطريق دون أن يتمم أو يبلغ نهايته،.. إنه يمثل الكثيرين من المسيحيين الذين أطلق عليهم مودي: "المسيحيين الحارانيين" الذين يبدءون الرحلة بالغيرة والحماس والقوة والنشاط، ولكنهم هم أبناء "تارح" الذي سقط في الأرض، وليس أبناء إبراهيم الذين وصلوا إلى نهاية المطاف إلى كنعان السماوية، إن قصة تارح تعطي تحذيراً أكيداً للسالكين في رحلة الحياة الأبدية إلى الله في المجد، ولذا يحسن أن نراها من النواحي التالية:



تارح وتجاربه

وما أكثر ما واجه تارح من تجارب،.. وربما كانت تجربته الأولى تجربة الإعجاب الوقتي،.. ولعلك تلاحظ عند المقارنة الدقيقة بين إبراهيم وتارح، أن الكتاب يقول: "ظهر إله المجد لأبينا إبراهيم وهو ما بين النهرين قبلما سكن في حاران".. وليس في لغة الكتاب ما يدل على أنه ظهر لتارح، وقد صنع هذا الفارق القصة المختلفة بين الأب وابنه،.. وسيتاح لنا عندما نقرأ في الشخصيات الكتابية شخصية إبراهيم، أن مفتاح حياته كان هذه الرؤية المجيدة، التي كانت بمثابة الجاذب المغناطيسي الذي حركه حيثما حل وذهب، وهل يستطيع الحديد المقترب من القطب المغناطيسي إلا أن يسير أسراً لهذه القوة المغناطيسية وفي نطاق دائرتها؟!!.. وهكذا كان إبراهيم في صداقته وعلاقته بالله، ولقد ضرب في الأرض، وهو لا يعلم إلى أين يأتي، لأنه سبى بشخص الله الذي ظهر وهو ما بين النهرين قبلما سكن ولسنا نعلم كيف واجه تارح الوثني هذا التغيير العجيب الذي طرأ على ابنه!!.. هل قاومه الأمر، عندما أدار إبراهيم ظهره لعبادة القمر، وغيرها من ديانات الوثنية؟!! قد يكون إذ ليس من السهل التصور أن أبينا يخرج على دين آبائه، ثم يستقبل الآباء هذا الخروج بالهدوء أو التصفيق والاستحسان!! وإذا كانت التقاليد تقول إن نمرود اضطهد إبراهيم اضطهاداً مريراً عندما تحول عن العبادة الوثنية، فليس من المستبعد أن تارح فعل الشيء نفسه تخوفاً أو مصانعه لأهله وعشيرته!!.. على أن إبراهيم وقد تمكنت الرؤية من نفسه ومشاعره –تحمل كل شيء كما يتحمل المؤمن الحديث الإيمان بفرح كل ما يمكن أن يفعله الأشرار في نفسه؟!!.. ولعله –وقد أضاءت حياته بهذا النور اللامع الجديد- قد استطاع أن يؤثر في أبيه ويثير إعجابه إلى أبعد الحدود!!.. ولعل أباه إعجاباً أو خوفاً على ابنه من الاضطهاد أبى أن يتركه وحده في رحلته، بل سار معه في ارض المجهول حتى جاءت القافلة إلى مدينة حاران. وهكذا ذهب تارح وإبراهيم ولوط في الطريق إلى الأرض الجديدة، والأب معجب كل الإعجاب بابنه العظيم.. والإعجاب في العادة يصلح أن يكون ابتداءً، لكنه لا يمكن أن يصمد في السير إلى النهاية، ما لم يكن مصحوباً بعوامل أخرى فعالة وعظيمة،.. وهو أشبه الكل بالزرع الساقط على الأرض الذي وصفه السيد المسيح بالقول: "والمزروع على الأماكن المحجرة هو الذي يسمع الكلمة وحالاً يقبلها بفرح ولكن ليس له أصل في ذاته بل هو إلى حين فإذا حدث ضيق أو اضطهاد من أجل الكلمة فحالاً يعثر".. ولعل الرؤيا التي أبصرها إبراهيم –ولم يرها تارح- هي التي صنعت الفرق العظيم بين القلبين أو التربتين، فكان الأصل العميق في قلب إبراهيم، والسطحية المحجرة في قلب تارح،.. وكان الفارق بين من قطع الطريق إلى آخر الشوط، ومن تخلف في منتصفه دون أن يتم الرحلة إلى أرض الموعد!!.. كما أن التجربة الثانية أمام الرجل كانت ولا شك الإعياء، فهو شيخ يضرب في الفيافي والقفار، مئات الأميال، بعد أن ترك أهله وصحبه وبيته، والحياة التي درج عليها وعاشها سنوات متعددة طويلة، وهو إذا كان قد بدأ متحمساً غيوراً نشطاً، فمما لا شك فيه أن خمسمائة ميل خلفها وراءه أصابته بالإعياء البالغ الجسدي أو النفسي على حد سواء، ولم نعد نراه على الحماس القديم أو الغيرة السابقة،.. وهو صورة للكثيرين من المسيحيين الذين يدلفون صوب كنعان السماوية، وقد يقطعون أشواطاً متعددة من الرحلة، والهتاف يملأ قلوبهم، ونفوسهم، على أنهم شيئاً فشيئاً –والرحلة طويلة ممتدة قاسية فوق حصباء الحياة ورمال الزمن- نجد الكلال والتعب والتبرم والضيق يستولي عليهم، وعلى وجه الخصوص إذا أحاطت بهم التجارب، أو حفت بهم الآلام، أو ضاقوا بالحياة أو ضاقت الحياة بهم، وإذ بحاران أول مدينة يلقون فيها عصا الترحال دون رغبة في مواصلة السير، حتى ولو كانت هناك نهاية الحياة، وآخر المطاف،.. إنهم أحوج الكل إلى القول الإلهي: "بصبركم اقتنوا أنفسكم".. أو: "سمعتم صبر أيوب ورأيتم عاقبة الرب لأن الرب كثير الرحمة ورؤوف".. أو: "الرب يهدي قلوبكم إلى محبة الله وإلى صبر المسيح".. صور دانتي في الكوميديا الإلهية الذئب أشد ضراوة من النمر أو الأسد وذلك للفارق البعيد بين هجوم الاثنين على الفريسة المطاردة، إذ أن النمر أو الأسد ينقض على الفريسة من أول الحركة، وهو لا يسلم من صراعها، إذ تبدو في كامل قوتها، وتحاول أن ترد العدوان بكل ما تملك من جهد أو قوة!!، وعلى العكس من الذئب الذي يطارد فريسته أولاً، ثم ينقض عليها عندما يتملكها التعب والإعياء، وتكون أعجز عن أي مقاومة، وتصبح بذلك لقمة سهلة سائغة ميسورة!!.. وقد بدا هذا واضحاً وصحيحاً في الكثير من الصور الروحية التي جاءت في كلمة الله.. ألم يأتي عيسو ذات يوم من الحقل وهو قد أعيا وقال عيسو ليعقوب: أطعمني من هذا الأحمر لأني قد أعييت، لذلك دعي اسمه أدوم فقال يعقوب: بعني اليوم بكوريتك، فقال عيسو، ها أنا ماض إلى الموت فماذا في بكورية!!.. وباع عيسو أثمن ما يملك وهو معيي بطبق من عدس!!.. كان عماليق أخطر الأعداء على شعب الله، وذلك لأنه ترك الشعب حتى الإعياء، ثم انقض عليه، ومن ثم جاء الأمر الإلهي بمحو ذكره من تحت السماء، لأنه لم يرحم المتعب المجهد المعيي،..

ألم يسر إيليا في البرية مسيرة يوم، وإذ أخضه التعب الجسدي والروحي جلس تحت الرتمة، وطلب الموت لنفسه وقال كفى الآن يا رب، خذ نفسي لأنني لست خيراً من آبائي،.. ورأى الله حاجة إيليا القصوى إلى الراحة فأنامه وأطعمه حتى تهدأ نفسه وتستريح، قبل أن يلتقي به أو يتحدث معه في جبل الله حوريب.

وكانت التجربة الثالثة أمام تارح تجربة الإغراء والعودة إلى الماضي القديم، إذ كانت حاران أقرب المدن جميعاً إلى أور الكلدانيين، فالمدينتان كانتا مركزين متماثلين لعبادة القمر، وكلتاهما كانت على درجة عالية من الحضارة والثروة والتجارة والصناعة، فإذا سكن تارح في حاران، فإنما يستعيد بذلك ما فاته أو ما ضاع منه في أور الكلدانيين، ولعل السؤال الملح الذي كان يطوف بذهنه، ويطارده ليلاً ونهاراً.. ألم يكن متعجلاً في الخروج من أور الكلدانيين؟!!.. وهل رأى ابنه حقاً الرؤيا الإلهية أم هي بعض الخيالات أو الأوهام أو الوساوس التي ألمت به، فظنها رؤيا الله البعيد الساكن السموات؟ مسكين الإنسان عندما يقع بين شقي الرحى، التعب من جانب، والإغراء من الجانب الآخر إنه مثل هرقل كما تصوره أساطير الإغريق، والذي كان عبداً لملكه، وأراد الملك أن يتخلص من قوته الخارقة، فكان يرسله إلى أخطر الرحلات، ويطلب منه أشق الأعمال، لعله يهلك، أو تأتيه الكارثة بأية صورة من الصور،.. وقد جلس هرقل ذات يوم يلتقط أنفاسه المتعبة، وإذا به يبصر فتاتين تقبلان عليه في الطريق، وتقول أولاهما: أي أيها البطل العظيم، لقد جئتك أدعوك إلى المسامرة، وأمد لك أسباب الحياة الحلوة الجميلة الفياضة المترعة بالملاهي والمتعة والملذات، إن سرت معي وصاحبتني الرحلة طول الطريق، ويسألها هرقل: من هي ومن تكون وما اسمها؟ فتقول: أنا اللذة، وإن كان أعدائي يطلقون عليَّ اسماً آخر هو الرذيلة".. وتتقدم الثانية لتقول: لا تصدقها يا هرقل، فهي مدعية وكاذبة، ولن أعدك أنا بما أدعت أو صورت، لكني أعدك بأن أسير معك الطريق المضني المتعب القاسي، وأن أزودك بالقوة والشجاعة الأمانة والصبر، فتحيا، وتصبح قصتك قصة عظيمة تتوارثها الأجيال، ويتحدث بها عابرو الطريق في كل جيل وعصر!!.. وسألها هرقل: من هي ومن تكون وما اسمها؟ فقالت: اسمي "الفضيلة"!!

قد تكون هذه أسطورة من أساطير الإغريق، ولكنها تنطق بما يواجه الإنسان في كل زمان ومكان،.. ورأى تارح وإبراهيم القصة بكاملها في أرض حاران، وسقط الأب، ونجا الابن،.. وعاد الأب على الأغلب لعبادة القمر، أو كان على أية صورة من الصور الإنسان الذي تقاعس في الطريق دون أن يتم رحلته إلى آخر الشوط،.. ولم يكن له من نصيب في موعد الله ما كان لابنه أبي المؤمنين في الأرض!!.. وقد أضاف بعضهم إلى القصة تجربة رابعة، هي تجربة الشيخوخة الطاعنة في السن، ومع أن رحمة الله يمكن أن تنتقد الإنسان مهما طال عمره حتى إلى أخريات حياته لكن هناك فارقاً واضحاً بين إنسان كبلته الشيخوخة بالكثير من التقاليد والعادات والسير والماضي، وبين آخر لم تحكم حوله السنون شراكها بما يمكن أن يتركه أسيراً لا يفلت من شرها وخداعها!!.. ولعل هذا ما قصد الرسول يوحنا بعد آلاف من السنين أن يذكر به الأحداث في القول: "كتبت إليكم أيها الأحداث لأنكم أقوياء، وكلمة الله ثابتة فيكم وقد غلبتم الشرير. لا تحبوا العالم ولا الأشياء التي في العالم إن أحب أحد العالم فليست فيه محبة الآب لأن كل ما في العالم شهوة الجسد شهوة العيون وتعظم المعيشة ليس من الآب بل من العالم والعالم يمضي وشهوته، وأما الذي يصنع مشيئة الله فيثبت إلى الأبد".. وقف تارح في حاران شيخاً طاعناً في السن، ووقف معه إبراهيم إلى أن دفنه هناك!!..



تارح وخطاياه

أما وقد أدركنا هذه التجارب التي ألمت بتارح، فمن حقنا أن نعرف الخطايا التي أودت به إلى أسوأ مصير،.. ولعل أول خطية كانت البقاء في مكان التجربة،.. هل سمعت عن القديس الذي تاب عن الخمر، وصلحت حاله، وأصبح من أروع الأمثلة عن التعبد والشركة مع الله؟، لكنهم رأوه ذات يوم مخموراً ساقطاً في الطريق، وتعجبوا كيف يمكن للرجل الذي أصبح عيافاً أن يصل إلى هذه الحال،.. وتبينوا شيئاً عجيباً غريباً، أن الرجل وهو في سبيله إلى العبادة في الكنيسة تعود أن يربط حصانه على مقربة من الحانة القديمة التي كان يشرب فيها الخمر، فكان المكان القريب من الماضي الآثم مصيدته التعسة وهو لا يدري،.. من المؤكد أن يوسف لم يكن في قوة شمشمون الخارقة، ونجا يوسف من السقوط في الخطية لأنه ترك ثوبه وهرب، ونام شمشمون على حجر دليلة ليسقط الجبار كما يسقط الوعل في شبكة!!.. إن النصيحة التي سمعها لوط من الملاك كانت "اهرب لحياتك" وكان تارح في حاجة إلى هذه النصيحة أكثر من إبراهيم، ولكنه توقف في حاران لينتهي هناك!!..

وكانت خطية تارح الثانية خطية التأجيل، لست أعلم هل استحثه إبراهيم على السير قدماً إلى الأمام؟ وهل راوغه الأب يوماً وراء يوم حتى جاءت النهاية؟.. الذي أعلمه أنه لم يجعل حاران نقطة انتقال، بل مكان سكن، هل اقتنى بيتاً هناك، ورفض السكن في خيام؟، هل تلكأ لهذا السبب أو ذاك، ومنع ابنه سنة بعد أخرى عن الرحلة الخالدة؟!!.. إنه على أي حال التأجيل، وما يصاحب هذا التأجيل من أخطاء وبلية!!.. "اليوم إن سمعتم صوته فلا تقسوا قلوبكم كما في الإسخاط يوم التجربة في القفر" لقد أوشك لوط أن يضيع في سدوم رغم إنذار الملاكين بسبب التأجيل في مواجهة الخطر الداهم وقيل: "ولما توانى أمسك الرجلان بيده وبيد امرأته وبيد ابنتيه لشفقة الرب عليه وأخرجاه ووضعاه خارج المدينة وكان لما أخرجاهم إلى خارج أنه قال: "اهرب لحياتك، لا تنظر ورائك ولا تقف في كل الدائرة اهرب إلى الجبل لئلا تهلك".. وهل تعلم أن شاول الطرسوسي كان في حاجة أيضاً غداة لقاء المسيح إلى نصيحة حنانيا الذي قال له: "والآن لماذا تتوانى؟ قم واعتمد واغسل خطاياك داعياً باسم الرب".. والخطية الثالثة كانت خطية الارتداد أو العودة إلى الدين القديم، كانت البلاد المحيطة بحاران تعبد آلهة مختلفة فبعضها كان يعبد الشمس أو غيرها من الكواكب، لكن حاران بالذات كانت تعبد القمر، مما شجع على التصور أنها طابت مكاناً ومقاماً لتارح، حيث عاد إلى العبادة الوثنية التي رفضها إبراهيم،.. هل نشأ النزاع بين الأب وابنه، وكانت سنوات حاران انقساماً فكرياً أو روحياً بين الاثنين؟!! أو هل جاهد إبراهيم طوال هذه الفترة أن يقنع أباه ببطلان القمر والشمس والنجوم كآلهة معبودة، لسنا ندري سوى أن الموت حسم النزاع، وذهب تارح بعيداً عن إله إبراهيم ومواعيده وأمجاده، وتجددت الدعوة لإبراهيم بعد موت أبيه أن يحمل عصا الترحال إلى أرض كنعان!! مهما يكن الذي حدث، فمما لا شك فيه أن إبراهيم كان يمثل الإيمان بكل شجاعته وقوته وصلابته، وكان أباً للمؤمنين وما يزال في كل العصور أو الأجيال. وكان تارح رمزاً للهزيمة والضياع والتراجع، وأبا للمرتدين الذين تذوقوا الحلاوة الأولى، ثم عافوا عنها، أو أضحت مراً لهم، إذ أفقدتهم الخطية الطعام والشهوة والمذاق الصحيح!!.



تارح ومأساته

وأية مأساة أقسى من هذه المأساة؟ وأي ضياع أرهب وأشد من هذا الضياع؟، أليس هو ذلك الرجل الذي كان من أقدم من وصفهم الرسول بطرس يوم قال: "لأنه كان خيراً لهم لو لم يعرفوا طريق البر من أنهم بعدما عرفوا يرتدون عن الوصية المقدسة المسلمة لهم قد أصابهم ما في المثل الصادق كلب قد عاد إلى قيئه وخنزيرة مغتسلة إلى مراغة الحمأة"؟! أجل لقد ضاعت الخمسمائة ميل في طريق دون خير أو جدوى، فلا هو بالإنسان الذي استقر مع قومه دون أن يرحل عنهم وعن صحبتهم وعن الليالي السامرة التي لم يعد يجد مثيلها في الأرض الغريبة النائية،.. ولا هو الذي سار مع ابنه إلى الأرض العظيمة أرض الموعد، ليرى بركات الله وإحسانه ورحمته وجوده!!.. كان تارح من أقدم رجال التاريخ الذي عرجوا بين الفرقتين، وأدرك أنه لا يمكن الاستفادة من القديم أو الجديد على حد سواء!!.. وكان مثلاً بشعاً من أقدم الأمثلة التي تحكي مأساة الارتداد الديني المحزن عن شخص الله،.. وما من شك بأن إبراهيم ابنه –وقد دفنه هناك- وقف على قبره في آلم حالة وأقسى حزن، إذ لم يكن يود له هذا المصير، وودع هذا القبر بالعين الباكية وكأنما يردد بعد ألفي عام ما قاله المسيح لبنات أورشليم اللواتي خرجن وراءه في يوم الصليب نائحات باكيات: "يا بنات أورشليم لا تبكين عليَّ بل أبكين على أنفسكن وعلى أولادكن".. أو ما قاله الرسول بولس، عندما كتب رسالته الأولى إلى أهل تسالونيكي، ويعتقد أنه كتبها من كورنثوس وكان يرى من بعض النوافذ هناك مقابر الوثنيين وقد حفر فوقها لغة اليأس والحزن في عبرات تعتبر ضياع الأمل، وانقضاء الرجاء!!.. ومن ثم كتب: "ثم لا أريد أن تجهلوا أيها الأخوة من جهة الراقدين لكي لا تحزنوا كالباقين الذين لا رجاء لهم".. أجل إنه شيء محزن أن نخسر الضياع أو المركز أو الشهرة أو الجاه أو أي متاع أرضي، لكن هذا كله لا يمكن أن يقارن بالخسارة الأبدية!!.. وحق للشاعر "دانتي" أن يكتب على باب الجحيم هذه العبارة: "أيها الداخل إلى هذا المكان ودع الرجاء إلى الأبد!!"..

كان تارح مأساة لنفسه، ومأساة قاسية لابنه الذي كانت ينتظر ولا شك أن يأخذ أباه معه إلى كنعان السماوية،.. ولكن الرجل تخلف وراءه في الطريق، وأضحى مأساة تحذر الآخرين أيضاً في كل جيل وعصر!!.. كان من أشد ما روع الكابتن سكوت في رحلته في القطب الجنوبي. وهو يسير أميالاً متعددة فوق الجليد المتكسر، أن أبصر ورفقاؤه المتعبون معه، شيئاً يلوح من بعيد،.. كان علماً أسود رفع على بقايا ضحايا من الرحالة الذين سقطوا في الطريق، وقد فقدوا الحياة دون أن يبلغوا الغرض المنشود!!... ومنذ آلاف السنين ارتفع علم أسود فوق قبر قديم في أرض حاران لرجل تعثر في الطريق، ومات هناك، وتركه ابنه بعيون دامعة وهو يضع رخامة محزنة فوق القبر ما تزال كلماتها باقية إلى اليوم: "ومات تارح في حاران"..

elraiek G
09-15-2010, 02:44 AM
( 7 )


إبراهيم ..

"إبراهيم خليلي"

(إش 41: 8)


مقدمة

ما هو الدين في كلمة واحدة؟!!.. هذا هو السؤال الذي اختلفت إجابات الناس عليه في كل جيل وعصر، ومن ثم نشأت الأديان المختلفة المتعددة في كل مكان وزمان؟!!.. وقد أغرق الإنسان في العصور القديمة بحثاً عن الله حتى وصل إلى الحال التي قيل فيها: "إنه وجد الله في كل شيء إلا الله نفسه".. أو في لغة أخرى: إنه تاه في طريق البحث عن الله، وبينما هو يظن أنه عثر عليه، كان غارقاً في الظلام أسير الوهم والضلال والوثنية والتعاسة والشرود الأبدي.. وفهم الدين فهماً خرافياً معكوساً مقلوباً بالتمام،.. فالدين عنده هو اتجاه الإنسان إلى الله، والتقرب منه فزعاً ورهبة وخوفاً وزلفى، مما جعله يعيش وهم يتخيل الطقوس والفرائض والوصايا التي يتحتم عليه أن يتممها لكي يصل إلى الله ويقترب منه،.. مع أن لب الدين وجوهره لا بحث الإنسان عن الله، بل بحث الله عن الإنسان، وليس اقتراب الإنسان من الله، بل اقترب الله إلى الإنسان، وليست هذه هي الحقيقة الجديدة الطارئة على فهم الإنسان في العهد الجديد، بل هي الحقيقة العظيمة القديمة التي فهمناها من السطور الأولي في العهد القديم في الكتاب المقدس، ففي الوقت الذي اختبأ فيه آدم وامرأته من وجه الرب الإله في وسط شجر الجنة، سمعا صوته ماشياً ينادي عند هبوب ريح النهار، قائلاً لآدم: "أين أنت؟!!".. وعندما غرق العالم في دياجير الظلام والوثنية بعد الطوفان، وأراد الله أن يحفظ الدين الحقيقي سعى هو إلى رجل في الأرض، قبل أن يسعى هذا الرجل إليه، وأنشأ علاقة بالرجل، قبل أن ينشيء الرجل هذه العلاقة معه، وجاء الدين في كلمة واحدة هي كلمة الحب"،.. ولعله مما يدعو إلى العجب كل العجب، أن الله هو يفرق على لسان إشعياء بين الوثنية والدين الحقيقي قال: "نظرت الجزائر فخافت أطراف الأرض وارتعدت. اقتربت وجاءت. كل واحد يساعد صاحبه ويقول لأخيه تشدد، فشدد النجار الصائغ. الصاقل بالمطرقة الضارب على السندان قائلاً عن الألحام هو جيد. فمكنه بمسامير حتى لا يتقلقل وأما أنت يا إسرائيل عبدي يا يعقوب الذي اخترته نسل إبراهيم خليلي الذي أمسكته من أطراف الأرض ومن أقطارها دعوته وقلت لك أنت عبدي اخترتك ولم أرفضك".. وهل لا يتعجب المرء أن الله وهو يصف العلاقة بإبراهيم يقول: "إبراهيم خليلي".. وكأنما الله يعتز بهذه الصداقة ويفاخر بها،.. أجل.. لو جاء هذا القول منسوباً إلى إبراهيم لما بدا غريباً أو عجيباً إذ هو فخر الصعلوك بالملك، وفخر من هو لا شيء بمن هو كل شيء،.. لكن أن يأتي معكوساً ومن الله ذاته، فهو العجب كل العجب، وهو الدين في صحته وعمقه وحقيقته، خطوة الله إلى الإنسان، وعلاقة الله بالإنسان، علاقة الحب والمودة، وهو إن شئنا الدقة حقيقة المفهوم المسيحي لمعنى الدين في كلمة "الحب" "الصداقة مع الله"، وهو مفتاح حياة إبراهيم كلها، والترجمة العظيمة لها جملة وتفصيلاً، ولعلنا بعد هذا يمكن أن نتعرف على قصته على وجه دقيق شامل فيما يلي:



إبراهيم وصداقة الله الجاذبة



ذهب أحدهم لزيارة كناس إنجليزي، وكان هذا الكناس مريضاً في كوخه، وسأله الزائر: هل زارك أحد اليوم، وأجاب الكناس: نعم زارني غلادستون، وكان غلادستون في ذلك الوقت رئيس وزراء بريطانيا، عندما كانت امبراطورية لا تغرب عنها الشمس كما يقولون،.. ولم يصدق السامع القول، إذ بدا له أنه غير قابل للتصور أن غلادستون يأتي إلى كوخ رجل كناس ليعوده في مرضه،.. ولكن هذه كانت الحقيقة إذ أن غلادستون تعود أن يرى الرجل في كل صباح في الشارع، وكان يحييه، وإذ لاحظ غيابه سأل عنه، وإذ علم أنه مريض زاره في كوخه الصغير الحقير. قيل إن سيدة حرمت في غرفة جلوسها على مقعد أن يجلس عليه أحد، لأنه في زيارة الملكة فيكتوريا لمنزل السيدة جلست على هذا الكرسي، فأصبح محرماً أن يجلس أحد في المكان الذي جلست فيه الملكة.. هل رأيت لفتة غلادستون للكناس أو لفتة الملكة لمواطنة إنجليزية، وكم قوبلت بالذهول والاحترام والإجلال، للفارق الواسع بين الزائر والمزار، فكم يكون الأثر أعمق وأبعد وأجل وأعظم، إذ حدث هذا بين الله "والإنسان" على الصورة التي حدثت بين المولى عز وجل، وبين إبراهيم الذي قال ذات مرة لسيده: "قد شرعت أكلم المولى وأنا تراب ورماد".. لن تستطيع أن تعثر على مفتاح حياة إبراهيم، ولن تستطيع أن تفهم شخصيته وخلاله وطباعه وسجاياه، قبل أن نقف أمام عبارة صغيرة عظيمة، قالها استفانوس في استهلال كلامه في سفر الأعمال: "ظهر إله المجد لأبينا إبراهيم".. وكلمة "إله المجد" تعني أن الله ظهر متجلياً لإبراهيم في هيئة رائعة مجيدة،.. وإن هذا الظهور سيطر على إبراهيم وسلب لبه وحياته، وقاده طوال حياته على الأرض بما يشبه الجاذبية المغناطيسية، التي لا تدع للإنسان في قوتها أية مقاومة أو ممانعة أو توقف أو تردد، بل إن هذا الظهور كان جليلاً وعظيماً، إلى الدرجة التي جعلته يرى التبر تراباً إلى جانب الله، ويقدم على رحلته الخالدة التي غيرت لا مساره هو وحده، بل مسار الجنس البشري كاملاً، حتى يعود المسيح ابنه المبارك إلى الأرض، ويسيطر عليها، لمجد الله عندما يخضع الكل له ليكون الله الكل في الكل!!..

نحن لا نعلم على أية صورة ظهر الله لإبراهيم في أور الكلدانيين، هل ظهر له كما ظهر بعد ذلك في كنعان عندما زاره في خيمته ومعه ملاكان؟ أو ظهر له في رؤيا؟، أو ظهر متكلماً كما يظهر الرجل مكلما صاحبه وجهاً لوجه؟، لكن المؤكد أن هذا اللقاء العظيم بين إبراهيم والله كان فيه الله على صورة مجيدة، لعلها صورة السيد في التجلي عندما صاح بطرس –وقد نسى إزاءها الحياة، والعالم، والحاضر والمستقبل: "جيد يا رب أن نكون ههنا".. مع الفارق الملحوظ أن إله "المجد" في كلا الحالين لم يبق على من ظهر له في حالة سكون أو متعة، في أور الكلدانيين، أو على رأس الجبل، بل دعاه إلى الحركة في رحلة المجد العظيمة، في الرسالة المباركة التي وضعت عليه،.. وإذا كان إبراهيم قد دعى "أبا المؤمنين" فإنها الصورة عينها في كل لقاء بين الله والمؤمن في رحلة الحياة على هذه الأرض،.. هل تذكر ذلك المثال الألماني العظيم الذي دعته بلاده يصنع تمثالاً عظيماً ليسوع المسيح، وظل ثماني سنوات، حتى أبدع تمثالاً رائعاً آية في الإبداع والجمال؟.. عندما رأى الناس هذا التمثال الرائع،.. عادوا فطلبوا منه أن يصنع تمثالاً آخر "لفينيس" آلهة الجمال.. فرفض وقال: "إن الذي ينظر إلى وجه يسوع المسيح لا يستطيع أن ينظر إلى وجه آخر بجواره".. أجل وستضحى فينيس على ما يتصورون من جمالها المذهل قبحاً وتشويهاً، إلى جانب رب الجمال يسوع المسيح.. وإذا كان أوغسطينس، بعد أن تجاوز الثلاثين من عمره، قد صاح عندما جاء إلى الله: "أيها الجمال القديم، وما تزال حديثاً كم تأخرت في حبك".. فكم يقول إبراهيم الذي لا نعلم قصته في صدر الشباب، والذي التقى بالله وهو في السبعين من عمره.. على أي حال إن الذين يلتقون بالله، سيؤخذون بجماله، وسيبقى هذا الجمال الينبوع الدافق طوال حياتهم لما يمكن أن يتمتعوا به من سعادة وبهجة حتى يقولوا مع تشارلس كنجسلي وهو في ضجعة الموت: "كم هو جميل الرب.. كم هو جميل؟!!".



إبراهيم وصداقة الله الصانعة
كان اسم إبراهيم الأول "ابرام" أو "الأب المرتفع" وغير الله اسمه وأعطاه اسم "إبراهيم" أو "أب جماهير" وهو الجيل العاشر من نوح، وإذا صح حساب الأسقف أشر فإن مولده يقع بين 2008ق.م. أو 1996 ق.م.، وأنه ولد بعد الطوفان بثلاثمائة واثنتين وخمسين عاماً، أو بعد موت نوح بعامين،.. وأنه هاجر في السبعين من عمره وأنه يقع في منتصف المسافة بين آدم والمسيح،.. ولن نستطيع أن ندرس بعمق خلاله وصفاته، دون أن نرى أثر الصداقة الإلهية في حياته، وكيف فعلت هذه الصداقة فعلها العظيم القوي فطبعت فيه من الصفات، وأصلت فيه من المباديء ورسخت من الأفعال، ما يمكن أن يجعله "نموذجاً" "وأباً"، للمؤمنين، في كل العصور، حتى يأتي النموذج الأعلى والكامل الذي ترك لنا مثالاً لكي نتبع خطواته، والذي لا يمكن أن يحف به قصور أو ضعف أو هنة أو تخاذل لم يبدأ منها للأسف مع ذلك الرجل العظيم أبو المؤمنين إبراهيم!!..





إبراهيم المهيب الطلعة
لم يعطنا الكتاب وصفاً لجمال إبراهيم الجسدي، وإن كان من المتصور أنه كان على حظ كبير من هذا الجمال، وإذ كانت زوجته وأحفاده قد وصفوا مرات متعدد بالجمال البارع،.. فمن التصور العكسي، أنه هو مورث هذا الجمال على النحو الكبير، وأنه كان متين البنيان مهيب الطلعة، لا تستخفه العين، أو تقتحمه النظرة، بل هو كما وصفه الحثيون: "اسمعنا يا سيدي أنت رئيس من الله بيننا".. وغير خاف أن هذا الجمال لم يكن الجمال الجسدي، بل هو ذلك الجمال العظيم المهيب، الذي يجبر الآخرين على الخضوع والخشوع والاحترام،.. أو كما يصوره الخيال الوثني، في الإلياذة والأوديسة عندما تنزل الآلهة لتضفي على من تريد أو من تحب نوعاً من البهاء الإلهي، لا يملك البشر أن يغضوا الطرف عنه أو يحتقروه.. وهو في الصحيح ما نطلق عليه في لغة الكتاب: النعمة التي يعطيها الله ويسبغها في عيون الآخرين نحو المؤمنين، فتمتليء نفوسهم من الحب والرفق والحنان والرضى عليهم، دون أن يملكوا لذلك سبباً أو تعليلاً، سوى القول: "إن أرضت الرب طرق إنسان جعل أعداءه يسالمونه".. وبهذا عاش إبراهيم طوال حياته وتجواله مهيباً في كل مكان وأينما حل ورحل!!..



إبراهيم الحالم
لقد خرج إبراهيم من أور الكلدانيين نتيجة رؤية أو حلم، ولقد عاش حياته بأكملها وهو يحلم بمملكة عظيمة وشعب أكثر من نجوم السماء كثرة، وكالرمل الذي على شاطيء البحر الذي لا يعد، بل لقد طرق هذا الحلم الأرض كلها، إذ بنسله تتبارك جميع قبائل الأرض، وعاش إبراهيم سعيداً بهذا الحلم وقد تحولت أور الكلدانيين، على ما كانت عليه من حضارة، وعظمة في ذلك التاريخ، إلى صحراء بجانب واحة حلمه، أو أصداف بجوار ماس رؤياه، أو عدم بجوار غنى المجهول الذي يلوح أمامه. ومن المحقق أن هذا الحلم هو القوة التي رفعت أبا المؤمنين، فوق كل ما لاقى في الأرض، من واقع قاس مروع بغيض، وهو القوة التي ترفع رواد الطرق في الحياة البشرية فوق كل متاعب وآلام ومعاناة،.. وهل كان من الممكن لكولمبس، أن يندفع صوب المجهول، دون أن يحلم بشاطيء آخر عظيم على الطرف الآخر من المحيط الأطلنطي، أو "لبرفورث" وهو يناضل من أجل العبيد، أو "لنوكلن" وهو يدخل الحرب الأهلية. لولا هذه الرؤيا التي يحلم فيها الإنسان بحياة أكثر حرية وجمالاً وسعادة وإشراقاً من كل ما يعاني من تعاسات في هذه الأرض!!.



إبراهيم المؤمن
هذا الرجل المهيب الطلعة، الواسع الرؤى والأحلام،.. لم تكن أحلامه مجرد أوهام أو خيالات، تراود ذهنه، كمن يحاول الهروب من الواقع البغيض، إلى عالم خيالي، إن لم يجده صاحبه، فلا أقل من أن يتصوره، عند انفصام الشخصية، أو الإدمان على مسكر أو مخدر،.. لقد كان إبراهيم مؤمناً بالصديق الذي ظهر له، وبالرؤيا التي وضعت أمام عينيه،.. والإيمان كما عرف الكتاب هو: "الثقة بما يرجى والإيقان بأمور لا ترى"،.. وثقة إبراهيم هنا لا تتدانى أو تتراخى أو تتزعزع، بل كان إبراهيم هنا نموذجاً من أعلى النماذج التي عرفها أولاده المؤمنون على اختلاف عصورهم وأجيالهم في الأرض،.. بل لعل هذه الصفة كانت الصفة الأشهر، إذا نظرنا إليه أباً للمؤمنين، أو كما يقول دكتور فردريك ف. شانون: "لقد منح الله أبناءه من البدء هبات متنوعة وكثيرة، إذ كان موسى عبقرياً في الناموس، ويشوع في الحرب، وداود في الترنم، وأنجلو في النحت، وسافونا رولا في الإصلاح، وشكسبير في الشعر، وبيتهوفن في الموسيقى، ووبستر في الفصاحة، والكثيرين ممن ظهروا كنجوم لامعة في جلد التاريخ، كل وما أخذ من موهبة من الله، غير أن إبراهيم الكلداني كان يتميز بعطية الإيمان، إذ كان يرى غير المنظور، ويلمس غير الملوس،.. واثق الخطى وهو يدلف في رحلته العتيدة، تجاه المدينة الخالدة، مدينة الله التي لابد أن يجدها، يوماً ما وفي مكان ما بيقين لا يتزعزع"..



إبراهيم الجسور
وإبراهيم بهذا المعنى هو نموذج قل أن يظهر له ضريب أو مثيل في الجسارة بين من يطلق عليهم "المغامرين" في هذه الأرض "أو" "الرواد".. لم يكن إبراهيم قصبة تهزها الريح، بل ذلك الإنسان الجسور، الذي تملكته فكرة، واستولت عليه عقيدة، فخرج لا يلوي على شيء،.. ومع أن الرحلة لم تكن معالمها كاملة، إذ: "خرج وهو لا يعلم إلى أين يأتي" إلا أنه كان على اليقين، أنه ذاهب في الطريق الأفضل، وإلى الهدف الأعلى والأمجد والأسمى،.. ومن ثم اندفع بأقوى قوة تدفع الإنسان صوب المجهول، وقد ولى ظهره الوطن والصحاب والأرض، ومن غير تردد أو شبهة عبر الفيافي والقفار، أو من غير لفتة هنا وهناك حتى يصل إلى الأرض التي وعد بها، مهما طال به الطريق، أو امتد به الزمن، وفي الحقيقة إن مغامرة الإيمان هي أعظم المغامرات في حياة الناس في هذه الأرض، وإذا كان الجنرال جوردون –وهو يصف انجلترا- قد قال: "إن انجلترا لم يصنعها الحكام بل صنعها المغامرون".. فإن الحقيقة أقوى وأعظم وأجل في حياة أبطال الإيمان، من الذين صنعوا التاريخ المسيحي ومدوا مملكة الله على الأرض بين الناس،.. إن رحلة إبراهيم العظيمة لا يمكن أن يصفها إلا مغامر جسور، وقد وقف أبو المؤمنين بذلك على أعلى ربوة في جسارة الإيمان وهو يتطلع إلى الأرض التي رحل إليها، والمدينة التي ما يزال أبناؤه يسعون إليها: "وهم لم ينالوا المواعيد بل من بعيد نظروها وصدقوها وحيوها وأقروا بأنهم غرباء ونزلاء في الأرض، فإن الذين يقولون مثل هذا يظهرون أنهم يطلبون وطناً فلو ذكروا ذلك الذي خرجوا منه لكان لهم فرصة للرجوع".. ولم نكن بعد ذلك نراه عجباً، وهو يدخل بغلمانه الثلاثمائة والثمانية عشرة في معركة يعجز عن مواجهتها ملوك سدوم وعمورة ومدن الدائرة، وهزموا وأسروا واستطاع إبراهيم أن يحول الهزيمة إلى النصر، وأن يسترد لوطاً ابن أخيه والأسرى والأسلاب،.. وهيهات أن يفعل هذا إلا المقدام المغوار الجسور!!.. وهذه الجسارة كما أشرنا ترجع أساساً إلى الصداقة المتمكنة بينه وبين الله القادرة على كل شيء والمساعد، والمعين!!..







إبراهيم السموح النفس المتعفف
ومن عاش في صداقة مع الله، ستتسع حياته أمام الصديق أو العدو، القريب أو البعيد، على حد سواء، وذلك الذي أغناه الله في كل شيء وأدرك أن ما يتمتع به، هو عطية الله أولاً وأخيراً،.. هذا الإنسان سيصرفه غنى الله عن غنى الناس، ومال الله عما يتصور الناس أنه مالهم وحقهم دون غيرهم من البشر، وهنا تحضر واقعتان، تخلى فيهما إبراهيم عن حقه، في أروع صور النفس المسحة المتعففة المترفعة الغنية،.. أما الأولى فمع ابن أخيه لوط، والثانية مع ملك سدوم، وفي كلا الحالين، وبكل المعايير المعروفة في ذلك التاريخ كان من حق إبراهيم أن يأخذ ما يريد أو ما يشاء، ففي النزاع بين ورعاة مواشي لوط ورعاة مواشي إبراهيم كان من حقه –وهو الأصل، والأكبر، والذي جاء بلوط معه- أن يختار، ولكنه اختار السماحة والتعفف، وترك للوط أفضل مراعي وأبهج المروج، في سبيل الحب، والإخاء، والسلام، والإيثار لابن أخيه. وكان مثلاً رائعاً في طرح الماديات للإبقاء على المعنويات، وفي اللقاء مع ملك سدوم، كان من حقه كمنتصر في الحرب أن يجمع كل الأسلاب،.. ولكن ملك سدوم رأى شيئاً ربما كان عنده أدعى إلى العجب، من انتصار إبراهيم على الملوك الذي حاربهم، وهو انتصار إبراهيم على نفسه أمام أسلاب في قبضة يديه، يرفضها، ويركلها بقدميه، في الوقت الذي يسيل فيه لعاب الآخرين على الفتات منها،.. وهنا ضرب مثل رائع وعجيب لغنى النفس المترفعة المتعففة،.. من الحق أنه رائع أن تتمسك بحقك، فتحافظ عليه، ولكن قد يكون أروع وأعظم أن تتخلى عن الحق للحفاظ على المعاني التي يمكن أن تقود الآخرين للتعرف على مجد الله أمام الآخرين!!.. كان الدرس الذي يريد أن يعلمه إبراهيم لملك سدوم أن الغنى والثروة والقوة والجاه والنفوذ هي عطايا يمنحها الله للإنسان الذي يستند إليه، وكما أعان الله إبراهيم في المعركة وأعطاه النصر العجيب، فإن الله وحده هو الذي يغني البشر، وهو الذي يعطي إبراهيم ثروته وغناه وكل ما يملك،.. وهو لا يرغب أن يكون مديناً لأحد بهذه الثروة، حتى ولو كان شراك نعل، لأن الله أعطاه ويعطيه كل شيء بغنى للتمتع!!.. آه هل يتعلم أبناء إبراهيم من المؤمنين كيف يكون التعفف السمح المتعالي الذي يمد أصوله إلى نهر الله الواسع العظيم الفياض دون الاتجاه إلى الناس أو انتظار عطائهم، شح هذا العطاء أو كثر!!..



إبراهيم الكريم المضياف
وتظهر هذه الصداقة في ضيافة من أمسى وأروع الضيافات، التي بها أضاف إبراهيم الله والملائكة وهو لا يدري،.. والصداقة مع الله تعلم دائماً الكرم،.. إذ أن الله كريم، بل هو أساس كل جود وسخاء وكرم،.. أليس هو الذي يعطي بسخاء ولا يعير؟ أليس هو الذي يمد يده في كل صباح إلى الأشرار والأخيار، وينهمر بعطاياه كالوابل، إلى الجميع من أدنى المخلوقات وأشر الخطاة إلى أعظم الناس، وأروع القديسين؟ كتب شاعر غربي يصف كرم رجل اسمه يوسف قائلاً:

هذه خيمتي، يقول يوسف، لكنها ليست لي

إذ هي لله، فادخل إليها وكن سالماً!!

واقتسم من غير مقابل كل ما في خزنتي

إذ أني أنا ملكه ذلك الذي يبني

خيامنا، ويغطينا في الليل والنهار بسقفه اللامع

ولم يقل قط لا لمن يطرق بابه!!..

هل سمعت عن حاتم الطائي، كواحد من أحفاد إبراهيم، وهو يوقد في الليل النار ليهتدي إليها من بعيد الضارب في الصحراء؟..

وهل سمعت أن حاتم كانت مسرته الكبرى أن يطرق داره في الليل أو النهار غريب أو ضعيف؟ قال لواحد من عبيده ذات مساء في الليل البارد القاسي:

أوقد فإن الليل ليـــل قــر

والريح يا غلام ريح صــر

فإن أتى ضيف فأنت حر

أي أنه سيعطي العبد حريته إذا طرق داره طارق في الليل القاسي الشديد البرد،.. وكان إبراهيم أبا لحاتم الطائي ولغيره، وكان النداء الإلهي وما يزال: "لا تنسوا إضافة الغرباء لأنه أضاف أناس ملائكة وهم لا يدرون"..



إبراهيم المطيع
دعا الله إبراهيم إلى المجهول ومع أن إبراهيم لم يعرف من مطلع الطريق إلى أين ينتهى به المطاف، لكنه مع ذلك خرج وهو لا يعلم إلى أين يأتي،.. وكان إبراهيم هنا أدنى إلى الصغير الذي يكفيه أنه يسير بصحبة أبيه، دون أن يعلم إلى أين ستنتهي رحلة هذا الأب، أو الابن الذي تجده يركب الطائرة مع أبويه اللذين قد يكونا في طريقهما مهاجرين إلى آخر الأرض،.. ولكن الصغير لا يعني بالتخطيط أو الترتيب أو الإعداد أو تنفيذ متطلبات الرحلة، إنما يكفيه أنه مع أب وأم يهتمان به، ويعلمان أين يذهبان. كان إبراهيم واثقاً من قائد الرحلة، والمخطط لها، ومنفذها، وأنه كلي القدرة والمحبة والحكمة، وهيهات أن يتركه أو يغفل عنه أو ينساه أو يهمله،.. ومن ثم كان إبراهيم كمن يحمل أمراً مختوماً لا يجوز له فتحه أو معرفة وجهته إلا في الزمان أو المكان المحددين والمعنيين لفض المختوم،.. وكان إبراهيم مثالاً رائعاً للطاعة الكاملة من غير تردد أو تمهل أو تحفظ..



إبراهيم وصداقة الله العميقة
كان إبراهيم غنياً جداً في المواشي والفضة والذهب، كان من أغنى أغنياء عصره، ولو عاش في عصرنا هذا لكان من أصحاب الملايين،.. ولكن أحداً لا يعرف إبراهيم بثروته وغناه، لقد كان إبراهيم غنياً في شيء أعظم من كل ثروة أرضية،.. كان غنياً في العلاقة بالله، والصداقة مع الله، حتى دعي خليل الله، ولعل هذه الصداقة العميقة قد ظهرت في أكثر من صورة ومظهر!!.



التعبد لله..

كان إبراهيم يشرب من نهر الشركة العميقة مع الله،.. لم نسمع أنه بنى بيتاً يسكن فيه، بل كان ينصب خيمته حيثما حل، وينقضها كلما ارتحل،.. ولكنه في كل مكان كان يبني مذبحه، ويقدم ذبيحته، ويقترب إلى الله العلي في خوف وخشوع وجلال،.. وفي بيت إيل بنى المذبح ودعا باسم الرب، وعند بلوطات ممرا حيث انتقل إلى هناك بنى مذبحاً للرب، وعند غرس شجر الأثل في بئر سبع دعا هناك باسم الرب الإله السرمدي،.. كان الدين عند إبراهيم ليس أكثر أو أقل من الصداقة القوية العميقة مع الله، وكان الله له الخل الوفي في السراء أو الضراء كما يقولون، وعلى حد سواء.. أجل لم يسر قط في رحلته بعيداً عن صحبة الله، ومشورة الله، ومعونة الله، وشركة الله، أو في لغة أخرى أنه لم يسر الطريق وحيداً منفرداً بل سار في معية الله، وحمايته، وقوته، وعونه، وشدته،.. ومع أنه في مصر، وفي جرار، جرب بالخوف من فرعون وأبيمالك، من جهة سارة امرأته، لكن صديقه العظيم لم يتركه في المحنة والتجربة والضعف، بل وآزره على النحو الكريم الطيب المعروف من إله لا يصنع معنا حسب خطايانا أو يجازينا حسب آثامنا لأنه يعلم أننا تراب،.. وقد دنا منه إبراهيم وتكلم، وهو يعلم! "شرعت أكلم المولى وأنا تراب ورماد"‎.. ومع هذا كله كانت عظمة الصداقة الإلهية تظهر في ألوانها المتعددة في حياة من دعاه الله "إبراهيم خليلي".. كانت حياة دكتور ج.ر. ميلر تتمثل في جملة واحدة "المسيح وأنا صديقان" وكل من عرف هذا القديس الكريم كان يعلم أن هذه العبارة تلخص حياته أجمل تلخيص،.. وقد كتب دكتور ميلر ذات مرة إلى صديق يقول له: "إن ما أود أن أعينك على فهمه أن تدرك أن المسيح أصدق وأفضل صديق، وأنك كمسيحي لابد أن تكون صديق المسيح، وأنك إذ تقبل حبه، وتدعه يدخل قلبك وأعماقك، لابد أن تبادله حباً بحب، فالديانة عندما نركزها في كلمة واحدة، نجدها لا تزيد عن القول: أنا والمسيح صديقان".. وليست الصلاة له، إلا بمثابة الحديث مع أرق صديق، وأحن صديق، وأحب صديق، كما يمكن أن تكلم أي صديق مخلص لك على هذه الأرض‎!!

وعندما تتحقق أنك والمسيح صديقان مرتبطان متلاقيان، فستجده معينك ومخلصك، وتضحى الصلاة أمامه لا واجباً أو عبئاً يقع عليك بل لذة ونشوة تتمتع بها، كما تمتعت الفتاة القديمة مريم عندما جلست عند قدميه، واختارت النصيب الصالح الذي لا يمكن أن ينزع منها!!..".. في كتاب "قصة حياة جندي" للورد ويلسلي، دعا هذا الكاتب الجنرال جوردون: "صديق الله" وقال عنه: "كان جوردون ينكر نفسه تماماً في كل ما يفعل، وكان يهتم فقط بما يعتقد أنه عمل الله، إذ كانت الحياة عنده سياحة المسيحي بين السنين المبكرة من رجولته، والسماء التي وصل إليها، وكان دائماً ممتلئاً بالشوق والحنين إليها،.. وكان فكره الأول في أي مشكلة تواجهه،: ماذا كان يفعل يسوع لو كان في محلي؟!!.. هذا الاعتماد الكلي على خالقه، وهذا الاتصال الروحي بمخلصه، في مجريات الحياة اليومية، هو الذي أعانه على نسيان نفسه، وعدم القلق والانشغال بما قد يأتي به الغد".. كان جوردون واحداً من أبناء إبراهيم الذي ساروا على الدرب الطويل، درب الشركة المتعبدة المتعمقة مع الله!!..



التشفع لدى الله
والمظهر الثاني للصداقة المتعمقة بين إبراهيم والله، نراه في روح التشفع، قبل أن يشعل الله النار والكبريت في سدوم وعمورة ومدن الدائرة… وفي التشفع نرى الله والإنسان يسيران معاً، ونرى أروع صور الشركة بين الخالق والمخلوق، وبين المحب والحبيب، ولعله من اللازم أن نلاحظ أن العلاقة بين إبراهيم والله كانت تبدأ دائماً بالله، إذ أن إبراهم لم يتشفع لسدوم، إلا لأن الله كشف له مصيرها: "فقال الرب: هل أخفي عن إبراهيم ما أنا فاعله وإبراهيم يكون أمة كبيرة وقوية ويتبارك به جميع أمم الأرض لأني عرفته كي يوصي بنيه وبيته من بعده أن يحفظوا طريق الرب ليعملوا براً وعدلاً لكي يأتي الرب لإبراهيم بما تكلم به".. والله في العادة هو الذي يبدأ بالكلام، ويكشف النقاب ويسر بالحديث، لأن سر الرب لخائفيه وعهده لتعليمهم، "أعطاني السيد الرب لسان المتعلمين لأعرف أن أغيث المعيي بكلمة. يوقظ كل صباح. يوقظ لي أذناً لأسمع كالمتعلمين. السيد الرب فتح لي أذناً وأنا لم أعاند إلى الوراء لم أرتد".. وجيد للمؤمن أن يتعلم فن الاستماع، وفن المخاطبة،.. ومن المحقق أن الصديق المتعمق في الشركة مع الله، هو الذي يجهز أذنه ويقول: تكلم فإن عبدك سامع،.. إذ ما أكثر الذين يكلمون الله بكثيراً، دون أن ينصتوا إليه ويسمعوه،.. لكن إبراهيم كان يحسن الإنصات، ويحسن أيضاً الكلام والحديث مع سيده وخالقه ومحبه وصديقه،.. وفي التشفع من أجل سدوم وعمورة، كان إبراهيم خيراً من يونان، فمع أنه من صالح إبراهيم ونسله أن تزال مدن الدائرة من الوجود لكي لا تكون عثرة وعبءً في المستقبل على نسله العتيد أن يرث الأرض،.. إلا أنه مع ذلك تحدث إلى الله من أجل إنقاذها، وهو يكشف لنا عن روح سامية وعظيمة. وترتفع فوق كل خبث ولؤم وأثرة وأنانية، تجاه الصديق أو العدو على حد سواء، ومن أجل ذلك ألح إبراهيم بلجاجة من أجل المدن الشريرة الخاطئة، التي صعد صراخها القبيح المزعج أمام الله في السماء، والتي كان من الممكن لو عاشت أن تكون شوكاً وقاداً للشعب المختار،.. إن مبدأ الشفاعة عند إبراهيم يبدأ بالحب والحنو والصفاء ورغبة الخير لجميع الناس، مهما فكروا، ومهما أضمروا، ومهما كانت نواياهم في الحاضر أو المستقبل خيراً أو شراً على حد سواء،.. لأن ديان الأرض في أية حال من الأحوال لابد أن يصنع عدلاً!!.. ومن يحفر حفرة لابد أن يقع فيها!!.. ذلك هو القضاء العظيم لإله ساهر قدوس حي لا يعجز أو يضعف أو يموت!!..

إن شفاعة الأحياء للأحياء أمر لابد منه، وحسن ومقبول عند الله: "فأطلب أول كل شيء أن تقام طلبات وصلوات وابتهالات وتشكرات لأجل جميع الناس لأجل الملوك وجميع الذين هم في منصب لكي نقضي حياة هادئة مطمئنة في كل تقوى ووقار لأن هذا حسن ومقبول لدى مخلصنا الله الذي يريد أن جميع الناس يخلصون وإلى معرفة الحق يقبلون"..

ووقت هذه الشفاعة كما نلاحظ، قبل أن تمس النار المدينة، وحيث هناك فرصة أخيرة للأحياء فيها، ولا نعرف إبراهيم ينطق بكلمة واحدة، في صباح اليوم التالي وما بكر في الغد إلى المكان الذي وقف فيه أمام الرب وتطلع نحو سدوم وعمورة ونحو كل أرض الدائرة ونظر وإذا دخان الأرض يصعد كدخان الأتون!!.. ولا نعرف أن أنظاره تعلقت في أرض الخراب، إلا بابن أخيه،: "وحدث لما أخرب الله مدن الدائرة أن الله ذكر إبراهيم وأرسل لوطاً من وسط الانقلاب حين قلب المدن التي سكن فيها لوط".. وربما يعن لنا مع ذلك السؤال: هل ضاعت المدن بسبب شرها الرهيب المخيف، أم بسبب آخر هو أن إبراهيم توقف في شفاعته عند حدود العشرة الأبرار الذين كان يظن أنهم موجودون بها، دون أن يوجدوا؟.. وهل لو أنزل العدد إلى حدود ثلاثة أو أربعة أما كان من المتوقع أن تنجو المدينة من أجل الثلاثة أو الأربعة؟!! على أي حال لقد نجا لوط بفضل صلاة إبراهيم، وما أعظم وأقوى ما تفعل صلاة التشفع أمام الله من أجل الخطاة وهم أحياء!!.. أما بعد ذلك فكل صلوات القديسين على الأرض لا يمكن أن تخرج خاطئاً واحداً كما قال هو فيما بعد لواحد من أبنائه بالجسد عندما صرخ إليه: "يا أبي إبراهيم ارحمني وارسل لعازر ليبل طرف إصبعه بماء ويبرد لساني لأني معذب في هذا اللهيب. فقال إبراهيم يا بني اذكر أنك استوفيت خيراتك في حياتك وكذلك لعازر البلايا والآن هو يأتي وأنت تتعذب وفوق هذا كله بيننا وبينكم هوة عظيمة قد أثبتت حتى أن الذين يريدون العبور من ههنا إليكم لا يقدرون ولا الذين من هناك يجتازون إلينا"..



النجاح في الامتحان أمام الله
كان إبراهيم أب الناجحين في متواليات من امتحان الصداقة أمام الله، ولعل أشهر هذه الامتحانات، امتحان الغربة، والمال، والزمن، والابن، وهي امتحانات إنسان أخذ طريقه صعداً من سهول أور الكلدانيين إلى جبل المريا، حيث كان هناك امتحانه الأقسى والأعظم، والحقيقة أن النجاح في الامتحان الأول، كان يتلوه إلى الامتحان التالي والأصعب، فإذا فاز في هذا الأخير، فإن معنى ذلك أن الثالث سيكون أدق وأشق،.. إلى أن ينتهي إلى أعظم امتحان يواجه بشرياً في الامتحان الأخير والأعلى،.. والحقيقة أن فلسفة الامتحان أمام الله تعني كشف الإنسان لنفسه، وكشفها أمام الآخرين، وكشفها أولاً وأخيراً أمام الله،.. ولا شبهة في أن الله يعلم من البداءة النتيجة النهائية لكل امتحان،.. ولكنه يسر بكل يقين أن يبلغ الإنسان مدى ضعفه أو قوته، ومدى سقوطه أو صموده، وبذا يصبح الامتحان مرآة يرى فيها وجهه الحقيقي، وصورته الصحيحة،.. ولا يقصر الأمر على المرء نفسه، بل تتحول قصته عظة وعبرة للآخرين من معاصريه أو من أجيال متعددة تأتي بعده، ويصبح الامتحان مقياساً أو ميزاناً أو نموذجاً أو معياراً للامتحانات المشابهة للآخرين!!.. كما أن الامتحان أمام الله ينقل القصد الإلهي المضمر في الغيب إلى حقيقة اختبارية ملموسة لصاحبها، يصبح بعدها من يقع عليه الامتحان شريكاً في المعرفة مع الله،.. أو كما قال لإبراهيم: "لأني الآن علمت أنك خائف الله فلم تمسك ابنك وحيدك عني"،..

وعلى أي حال فإن إبراهيم قد نجح نجاحاً عظيماً في هذه الامتحانات جميعاً حتى بلغ قمة النجاح فوق جبل المريا،.. لقد أخذه الله أولاً إلى الغربة البعيدة ليعزله عن الوطن والأهل والأصحاب والأحباء، وسار به إلى حاران حتى مات أبوه هناك، وهو يقصد بذلك أن ينفض عنه كل تراب يلحق به من كل تراث الماضي والحياة الوثنية القديمة،.. والذين ضربوا في مناكب الأرض بعيدين عن أهلهم وعشائرهم وبيوتهم التي يودعونها إلى غير رجعة يعلمون كم هو قاسي مرض الحنين إلى الوطن، والذهاب إلى ما يشبه المنفى أو السبي في أرض غريبة،.. ولكن إبراهيم اجتاز الامتحان بنجاح وهو يدلف في رحلته البعيدة إلى أرض الغربة!!.. ونجح إبراهيم في الامتحان الثاني الذي سقط فيه لوط أمام المال، ولا يظن أحد أن كثرة المال تعلم صاحبها القناعة، بل على العكس تزيده ظمأ، كمن يشرب من مياه البحر المالح ليزداد عطشاً،.. ولكن إبراهيم نجح وهو يعشر المال أمام ملكي صادق، وهو يرفض عرض ملك سدوم، وهو يرفض أن يختار اختيار لوط،.. ونجح إبراهيم أكثر من ذلك أمام الزمن، وكان أبا للصابرين، ومن المحقق أنه لو لم تلح عليه سارة لما أخذ هاجر جاريته زوجة له،.. وظل إبراهيم سنوات طويلة متعددة دون كلل أو ملل، ينتظر تحقيق الوعد الإلهي العتيد أو كما يقول كاتب الرسالة إلى العبرانين: "وهكذا إذ تأنى نال الموعد".. وما أكثر الذين سقطوا أمام امتحان الزمن، وكانوا على قيد خطوات من نهاية شوطهم العظيم.. ومن ثم جاءت صيحة الرسول يعقوب: "خذوا يا إخوتي مثالاً لاحتمال المشقات والأناة الأنبياء الذين تكلموا باسم الرب. ها نحن نطوب الصابرين، قد سمعتم بصبر أيوب ورأيتم عاقبة الرب لأن الرب كثير الرحمة ورؤوف".. على أن أعلى امتحان وقف فيه بشري أمام الرب، هو الامتحان الذي طلب فيه الله من إبراهيم أن يقدم ابنه اسحق،.. ولعله من اللازم أن نوضح باديء ذي بدء، أن الطلب وإن كان في حد ذاته غريباً، ولا يمكن أن يستساغ بمجرد الفهم البشري، خاصة وأن تقدمة الذبيحة البشرية كانت عملاً من الأعمال الوثنية التي كان يتقرب بها الوثنين من آلهتهم،.. وكانت شيئاً قبيحاً ومرفوضاً أمام الله الحي الحقيقي، وكان إبراهيم على ثقة من هذا كله،.. لكن إبراهيم أقدم على التقدمة، لأنه لم يكن عنده شبهة في أن الصوت الذي جاءه كان صوت الله، ولا يمكن أن يكون ظناً أو خيالاً أو وسوسة أو وهما أو ترجيحاً. لقد كان صوت الله واضحاً له، كوضوح شخصيته هو، أو وضوح ارتباط الصوت بشخص اسحق ابنه الوحيد الحبيب،.. وعندما وصل إلى هذه النقطة، كان عليه أن يعطي الجواب الحاسم القاطع، أيهما أحب إليه: الله أم اسحق ابنه؟ وأيهما يلزم أن يطيع: النداء الأعلى أم نداء القلب الصارخ في أعماقه؟!!.. ولقد وصل إبراهيم فوق جبل المريا إلى القمة والذروة في التسليم الإلهي الكامل غير المشروط،.. كان الله لا يريد منه ذبيحة بشرية، لكنه كان يريد أن يذبح إبراهيم أغلى ما يمكن أن يكون عنده في الموازنة مع صداقته ومحبته لله، وقد شرب إبراهيم عميقاً من الشركة حتى أنه لا يتردد أن يذبح بيديه هو اسحق أو مائة اسحق يمكن أن تكون عنده ولديه،.. على أن الصديق الأعظم منعه من التقدمة والذبيحة، لا لأنه اكتشف وكشف لإبراهيم عمق الرابطة الحبيبة بينهما، بل لأن هناك سبباً أعظم بما لا يقاس من كل هذه.. أن اسحق ليس هو الذبيح على جبل المريا أو أن إبراهيم هو الأب الذي يقدم ابنه، بل أن هناك شيئاً يومض أمام عيني إبراهيم ويلمع،.. شيئاً سيأتي بعد ألفي عام، من ابن أعظم، وأب أعظم،.. شيئاً سيمسك فيه الآب السماوي بابنه على هضبة الجلجثة، ويقدمه الذبيح الأوحد، كبش الفداء الذي أبصره إبراهيم ممسكاً بقرنيه في الغابة، وقدمه عوضاً عن ابنه اسحق.. وكما استسلم اسحق استسلامه الوديع لسكين أبيه، استسلم الابن العظيم لصليب الجلجثة وهو يقول: "إلهي إلهي لماذا تركتني؟" وكما ذبح المسيح على هضبة الجلجثة كحمل الله الذي يرفع خطية العالم،.. كان هناك أيضاً الألم الأعمق في قلب الآب، الألم الذي كان ألم إبراهيم وهو يرفع سكينه تجاه عنق ابنه لا يمكن أن يقارن به أو يعد شيئاً مذكوراً إلى جواره،.. وهذا هو المعنى الذي قصده المسيح وهو يتكلم إلى اليهود قائلاً: "أبوكم إبراهيم تهلل إذ رأى يومي وفرح".. كان يوم المريا رمزاً إلى يوم المسيح، وكان كبش الفداء المذبوح رمزاً إلى صليب الجلجثة،.. وكما ظهرت ومضة عجيبة في ابن عجيب سيأتي ويحمل على نفسه فداء البشر، ويحل محل اسحق، وكانت هذه الومضة ولا شك نوراً إلهياً، ومضى أمام عيني إبراهيم، وأشاع البهجة والفرح في قلبه، فتهلل لفادي نفسه، وفادي ابنه، وفادي المخلصين في جميع أرجاء الأرض،.. وهكذا رأى إبراهيم بالنبوة مسيح الجلجثة فوق جبل المريا!!



خدمة الله
والمظهر الأخير في الصداقة بين إبراهيم والله، هو الرسالة التي حملها إبراهيم على كتفيه من قبل الله تجاه هذا العالم. ولعل كلمات مرقس دودز هي خير ما يقال هنا على الإطلاق عندما قال: "لقد افتتح الله بإبراهيم فصلاً جديداً في تاريخ الجنس البشري، فصلاً على أعظم جانب من الأهمية، فالنتائج التي تركتها رحلة إبراهيم وإيمانه لا حدود لها وأبدية، لقد آثر هذا الرجل في كل الأجيال المتعاقبة بعده، مع ما في حياته من البساطة الملحوظة، وخلوها مما يؤثر في معاصريه، وبين كل الملايين المنسية من أبناء عصره، يقف هو وحده شخصية خالدة بارزة، وإن كانت لا تحيط به جحافل القوى المسلحة، أو تحف باسمه الأملاك الواسعة التخم، أو التشريعات الجديدة، أو حتى أي عمل من أعمال الأدب والفن، لم تكن الأهمية في حياته عسكرية أو تشريعية أو أدبية بل دينية.. فمن المؤكد أن عقيدة الوحدانية قد أذيعت عن طريقه، فمن يومه إلى الآن الذي يظهر وجوده وطبيعته بالتجاوب مع هذا الإيمان، هذا الإيمان الذي جعله إبراهيم الأساس الرئيسي لرحلاته وأفكاره هو بعينه الذي منحه التأثير الأبدي العظيم!!.." لقد كان إبراهيم خليلاً وصديقاً عميقاً لله في رسالته وخدمته الكبرى التي أنيط بها بين الناس على هذه الأرض!!..



إبراهيم وصداقة الله المباركة
وهذا آخر ما ننتهي به في هذه الصداقة العظيمة المباركة بين إبراهيم والله.. لقد أعطى الله إبراهيم سبعة وعود مباركة يمكن أن نراها بمثابة سبع درجات لسلم البركة التي صعد عليها هذا الرجل العظيم. وقف الرجل في اليوم الأول من العام، على باب العام الجديد،.. وقال للواقف على الباب كما تخيلت كاتبة إنجليزية: أعطني نوراً كي أستطيع أن أسير في الطريق. وجاءه الجواب: ضع يدك في يد الله وسر في الظلمة فهي خير لك من الضوء، وأدعي إلى الطمأنينة من كل طريق مضاء".. ومن اليوم الأول الذي خرج فيه إبراهيم من أور الكلدانيين إلى آخر حياته على الأرض، وضع يده في يد الله، وسار وهو لا يعلم إلى أين يأتي، فجاءته البركة العظيمة السباعية، ولقد بدأت "بالكثرة" "فأجعلك أمة عظيمة"، وكان ذلك تعويضاً له عن العزلة التي سيعانيها، والأمة التي سيخلفها وراءه، ويستبدلها بأمة كنجوم السماء في الكثرة، وكالرمل الذي على شاطيء البحر الذي لا يعد،.. ثم "البركة" "وأباركك" لأن الكثرة وحدها قد تصبح لعنة وتعاسة وشقاء، إن لم تكن مصحوبة ببركة الله في كل شيء، البركة التي ستحقق خيره وتوفيقه وسعادته في الأرض التي يتجه إليها.. ثم "العظمة": "وأعظم اسمك".. والبركة لابد أن تحقق له العظمة الحقيقية، بل هي التي تفرق بين العظمة الصحيحة والعظمة الكاذبة "الوقتية الجوفاء.. ثم: "الخير".. وتكون بركة".. أو في لغة أخرى إن عظمة إبراهيم ليست كالبئر الآسنة تحتوي على مائها في جوفها العميق، بل هي النهر المتدفق الذي يرسل خيره ونعمه للآخرين، وقد جرى هذا الخير –وما يزال يجري- إلى آخر الدهر في الذين ساروا في طريق إبراهيم.. ثم "السعادة" "وأبارك مباركيك"، وكل من يصير صديقاً يقف إلى جانب الحق والخير، لابد أن تناله بركات القدير،.. وهكذا تطرح البركة الإلهية سعادتها وبهجتها وفرحها، على من تمتليء قلوبهم حباً وحناناً على عمل الله وشعب الله، وأبناء الله في هذه الأرض.. ثم الضمان الإلهي: "ولاعنك ألعنه".. إذ يزيل الله من الطريق كل من يقف ضد هذا الخليل العظيم الذي اصطفاه الله ليكون صديقه المحبوب العزيز المبارك، ثم "النعمة الغامرة".. "وتتبارك فيك جميع قبائل الأرض، وهي قمة البركة في حياة الرجل العظيم، وهي التي فيها يطل بنسله المبارك "يسوع المسيح" على العالم كله والتاريخ والأجيال والأبدية بأكملها!!.. هذه السباعية الكاملة، أو هذا السلم العظيم سلم البركة، هو الذي ربط بالصداقة الأبدية بين أبي المؤمنين والله، وهو الذي أعطاه هذا اللقب المجيد الخالد..: "ودعى إبراهيم خليل الله"..

elraiek G
09-15-2010, 02:47 AM
( 8 )

إسحق ..

"وصرفهم إسحق فمضوا من عنده بسلام"

(تك 26: 31)


مقدمة

لست أعلم إن كان كتاباً يعطي أنماطاً لا تنتهي، وصوراً مختلفة للناس، كما يفعل كتاب الله العظيم الكتاب المقدس، إنه أشبه الكل بالبستان الواسع الرحب، الذي تجد فيه الصنوف المتعددة المختلفة من الأزهار والأشجار والأثمار، وهو الساحة الكبرى أن تنتقل فيها، وأنت تعرض لقصص الناس، بين الجبال والوهاد، والسهول والمروج، والصحاري والوديان، والجداول والأنهار، حتى يمكن أن تقع العين على العملاق والقزم، المنتصب والقميء، الجميل والقبيح، الخير والشرير، الأبيض والأسود على حد سواء،.. فإذا كنت تقرأ مثلاً قصة أبي المؤمنين إبراهيم، وترى نفسك إزاء عملاق من عمالقة العصور، وبطل من أبطال الأجيال، ورجل من أعظم رجالات التاريخ، فإنك عندما تتحول فجأة إلى ابنه إسحق، ستجد نفسك إزاء رجل آخر يختلف تمام الاختلاف عن أبيه، فإذا كان أبوه يتسم بالحركة، فإن الابن أدنى إلى السكون، وإذا كان إبراهيم أظهر في الإقدام والجسارة، فإن إسحق أركن إلى الهدوء والدعة،.. وإذا كان أبو المؤمنين نموذجاً غير عادي لمن يطلق عليهم النوادر من بني البشر، فإن إسحق أقرب إلى الإنسان العادي الذي تكاد تلاقيه بين عامة الشعوب، وإذا كانت ميزة إبراهيم الإيجابية المندفعة إلى الأمام، فإن ميزة ابنه السلبية القابعة الساكنة الرابضة في كل هدوء،.. وإذا كان أبو المؤمنين يكشف في مجمل حياته عن "الصداقة الكريمة المتعمقة مع الله" فإن السمة البارزة في حياة إسحق، هي سمة "السلام" فهو الإنسان الهاديء الذي يحب السلام، وينشده من كل وجه، وهو الذي يرغب دائماً في الجلسات الهادئة دون معكر أو منازع،.. وهو ضيق أبلغ الضيق، مرير أبلغ المرارة، إذا شابت سماءه غيوم أو عواصف، وهو لا يسلم من هذه العواصف داخل بيته، أو من الجيران المتربصين الحاقدين الحاسدين خارج هذا البيت،.. ولكنه مع ذلك هو الإنسان الذي يبذل كل جهد أو ثمن في سبيل الحصول على السلام، وهو متعثر في ذلك حيناً، ناجح على الأكثر والأرجح في أغلب الأحيان،.. وهو في كل الحالات النموذج الكتابي العظيم للإنسان الذي يحب السلام، ويسعى إليه، ويطلبه من كل وجه، ولذا يحسن أن نراه في معرض الكتاب في الصور التالية:



إسحق.. من هو؟!!

إن الصورة التي يرسمها لنا الكتاب عن إسحق، تعطينا الانطباع، بأنه الإنسان الضعيف البنية، وربما نشأ هذا في ذهن الكثيرين من الشراح لمجيئه المتأخر من أبوين مسنين، إذ هو ابن الشيخوخة، وليس هو كما وصف يعقوب رأوبين: "أنت بكري قوتي وأول قدرتي فضل الرفعة وفضل العز".. ولعل الذي زاد هذا التصور عند هؤلاء الشراح، أو رجحه هو القول الذي ورد في رسالة غلاطية عن علاقة إسحق بأخيه: "ولكن كما كان حينئذ الذي ولد حسب الجسد يضطهد الذي حسب الروح، هكذا الآن أيضاً" ومن المعلوم أن أخاه كان أوفر قوة، وأصح بدناً، يده على كل واحد، ويد كل واحد عليه،.. وهيهات أن يقارن به إسحق من الوجهة البدنية، والذي كان يقع دائماً تحت سطوته ورهبته إلى الدرجة التي أصرت معها سارة على طرد هاجر وابنها، الأمر الذي ساء في عيني إبراهيم، واستجاب له عن ضيق وألم واضطرار،.. وقد يكون هذا الاضطهاد المبكر، من الوجهة البشرية الخالصة، هو الذي أورث إسحق نوعاً من الحياة الانطوائية المنعزلة، فهو ليس الإنسان الذي يتفتح قلبه للجلسات مع المجتمع الصاخب حوله، وهو ليس الإنسان الذي يهرع إلى الناس، يبادلهم الزيارة والحديث والتعامل والضجيج، بل هو على العكس من الصبح الباكر في حياته، إنسان يأنس إلى الوحدة، ويلوذ بها، ويعيش في كنفها، وليس أحب إليه أن يجلس أياماً وليالي، دون أنيس أو صديق،.. فإذا سئل كيف يمكنه أن يعيش هذه الحياة، ويؤثرها، وتحلو له؟!! ربما أجاب إجابة برنارد شو عندما سأله أحدهم: لماذا يحب العزلة؟ فكان جوابه: "لأني أريد أن أجلس مع إنسان ذكي وهو يقصد بذلك نفسه، إذ يجلس إليها مفكراً متأملاً، مع هذا الفارق البعيد أن برنارد شو مهما اتسع في حديثه مع النفس، لم يصل إلى الحياة المتأملة مع الله التي كان يعيشها إسحق طوال حياته على هذه الأرض،.. كان إسحق منعزلاً ولكنه كان ابناً لله، ولقد أطلق عليه أحدهم "ورد ثورت عصره" أي الإنسان الذي كان يتمشى مع الله في سفوح الجبال، وكأنما الطبيعة كلها قد تحولت عنده إلى هيكل أو معبد لله،.. ولعله مما يجدر ذكره أن رفقة رأت إسحق لأول مرة عندما "خرج إسحق ليتأمل في الحقل عند إقبال المساء".. وهكذا كان إسحق على الدوام في الحقل أو الصحراء، في المساء أو الشروق، هو الإنسان المتأمل الذي ينصت في السكينة إلى صوت الله، ويتحدث في عمق وهدوء وتأمل إلى سامع الصلاة الذي يأتي إليه كل بشر!!.. كان إسحق إذاً ذلك الإنسان الهاديء الساكن المجبول على الوحدة والعزلة، والإنصات والتأمل، وهو أدنى إلى الله منه إلى الناس، وهو أقرب إلى المولى منه إلى البشر، وهو في كل الحالات الإنسان الذي يؤثر الهدوء، ويغري بالسكينة، ويمتليء فرحاً بالنسمة الهادئة، والجدول الرقراق، والعصفور الصغير الذي يزقزق في عشه من غير خوف أو فزع أو اضطراب،.. هل كان عنف أخيه كما ألمعنا هو الذي حبب إليه الحياة الهادئة من مطلع العمر؟ أم أنه ورث الهدوء عن أمه، وكان أقرب في طباعه إلى هذه الأم من أبيه؟؟. أغلب الظن أنه أعجب بالحياة الساكنة الهادئة لأمه، وأن هذه الأم كانت حضنه الهاديء الآمن الذي يلوذ به من عنف أخيه وقسوته وشراسته، وأن هذا الفارق البعيد بين دعة أمه، وعنف أخيه هو الذي جعله يتشبث بالسلام، وينزع إليه، ويحبه، وينشده طالما وجد السبيل إلى ذلك، في رحلته الأرضية التي طالت إلى المائة والثمانين من عمره بين الناس!!

على أن هذا كله في عقيدتي كان يبدو ضعيفاً وناقصاً ومبتوراً، ما لم يعثر إسحق على السر الأكبر في حياته في اتجاه السلام مع الناس، ألا وهو السلام مع الله، وذلك لأن السلام مع الله، هو أساس كل سلام، وسر كل سلام في حياة الإنسان على هذه الأرض،.. كان إسحق إنسان الصلاة، أو الإنسان الذي إذا ضاق بالحياة، وضاقت الحياة به، أو إذا عكر صفو سلامه لأي سبب كان يشق طريقه إلى الله ليغلب همه وينتصر على ضيقه بالصلاة،.. وبعد مئات من السنين وقد طافت الهموم بواحد من أبنائه إذ غشيه الاضطراب والضيق، ولعله في تلك اللحظة كان يرى طائراً يرف بجناحيه في أجواز السماء فصاح: "ليت لي جناحاً كالحمامة فأطير وأستريح هاأنذا كنت أبعد هارباً وأبيت في البرية كنت أسرع في نجاتي من الريح العاصفة ومن النوء".. على أنه سرعان ما أدرك غباء فكره، وحماقة تصوره، فاتجه إلى المصدر الوحيد للأمن والهدوء والسلام، وقال: "الق على الرب همك فهو يعولك لا يدع الصديق يتزعزع إلى الأبد".. أجل.. وفي يقيني الكامل أن الصلاة عند إسحق كانت العلاج الأعظم لمشاكله المتعددة وهو يمد يده من أجل السلام مع جميع الناس!!..



إسحق وقصة السلام مع الناس

وربما نستطيع أن نفهم قصة إسحق مع السلام في علاقته بأقرب الناس إليه وأبعدهم عنه، إذا سرنا وإياها مع التتابع الزمني:



إسحق وأخوه

كان أخو إسحق الأكبر قبلة النظر ومحط الآمال، عندما جاء مولوداً من هاجر الجارية المصرية، وكان –كما أشرنا- قوي البنية، متين البنيان، ومن غير المتصور أن يقبل التزحزح إلى الظل عند مولد أخيه الأصغر، ومن ثم كان لابد أن يظهر بطبيعته البطاشة وذراعه القوي، تجاه من هو أصغر منه وأضعف،.. ولم تقبل سارة هذا الوضع أو تحتمله على الإطلاق، فأكرهت زوجها إبراهيم على طرد الجارية وابنها،.. وكانت العزلة الواسعة بين الولدين شديدة الوقع على نفس أبي المؤمنين إبراهيم، لكنه يبدو أنه أنصت إلى صوت الله في الأمر، ولعل هذا هو الذي خفف وقعها، وهون أمرها، وسار الولدان كل في طريقه مع الحياة والأيام، ونهج المسلكين المختلفين، والأسلوبين المتباينين، والغايتين المختلفتين، وكانت العزلة –وهما يدريان أو لا يدريان- هي السبيل الأصلح والأنجح لحفظ السلام بينهما،.. فإذا كان المزاح الأول، والاضطهاد الأول، والولدان صبيان، هو الذي شجع في إسحق الرغبة الانطوائية المسالمة التي صاحبته الحياة كلها، فإن الفرقة بين الاثنين كانت ولا شك أصلح الطرق وأفضلها، في القضاء على كل نزاع يمكن أن يثور بين أخوين يجمعهما بيت واحد وأسرة واحدة، ومكان واحد، يسهل أن يتطاير فيه لأتفه الأمور، وأقل الأسباب!!..

إن الكثيرين تحت سوق العاطفة أو التهاب المشاعر، لا يستطيعون تطويق النزاع بين أخوين أو قريبين، بمثل هذا الحل من التفريق بينهما، لكن إبراهيم أدركه كالحل الوحيد في المنازعة مع لوط يوم قال له: "لا تكن مخاصمة بيني وبينك وبين رعاتي ورعاتك لأننا نحن أخوان، أليست كل الأرض أمامك، اعتزل عني إن ذهبت شمالاً فأنا يميناً وإن يميناً فأنا شمالاً".. وأدركه كالحل الدائم بين ولديه المختلفي المشارب والنزعات، والميول والغايات.. ومن المؤكد أن البتر ليس شيئاً يشتهيه الطبيب الجراح، ولكنه قد يكون العلاج الأوحد لسلامة الجسد، وحفظ الحياة!!..



إسحق وأبوه

كان إسحق من مولده الشمعة المنيرة المضيئة في بيت أبيه، كان هو كما أطلق عليه "ضحك" البيت ومسرته وبهجته، ولا أحسب أنه في يوم من الأيام سبب لأبويه تعباً أو مشقة أو ألماً أو ضيقاً بأية صورة من الصور، كان هو أنشودة السلام في هذا البيت القديم العظيم، على أنك لا تستطيع أن ترى إسحق في أروع مظهر من مظاهر السلام، إذا لم تره أو تعرفه فوق جبل المريا مع إبراهيم، كان إسحق في ذلك التاريخ –كما يعتقد المفسرون- في الخامسة والعشرين من عمره، شاب في ميعة الصبا وأوج الشباب، ولندع "يوسيفوس" يعطينا صورة الحوار بينه وبين أبيه، بعد أن بنى كلاهما المذبح الذي انتوى إبراهيم أن يقدمه عليه، قال إبراهيم لابنه: "أي ولدي: لقد رفعت من أجلك صلوات متعددة حتى جئت ابناً لي، ومنذ ذلك التاريخ كانت مشيئة الله أن أكون أباك، والآن إنها مشيئته أن أقدمك له، ‎.. ولنحمل يا بني هذا التكريس بذهن متفتح، إذ يلزم يا ابني أن تموت، وليس بطريق من طرق الموت العادي، ولكن الله يريدك ذبيحة له، ‎.. أنا أعتقد أنه يراك جديراً بأن تخرج من هذا العالم، لا بالمرض أو الحرب، أو بأي وسيلة أخرى قاسية، بل سيقبلك بالصلاة وعلى مذبح الدين، وسيجعلك قريباً منه.."الخ. وأجاب إسحق في الحال، إنه ليس أهلاً أولاً للحياة لذا خزل إرادة الله وأبيه، ولم يتمم شهوة قلبيهما.. وصعد بنبل في أروع تكريس على المذبح مجهزاً عنقه لطعنة أبيه!!.. ومع أني أتفق مع الرسول بولس أكثر من يوسيفوس، أن إبراهيم قدم ابنه وهو يعلم أنه سيذبحه، وبعد ذلك سيقوم من الأموات، كما جاء في الرسالة إلى أهل رومية،.. لكن هذا الضرب العظيم من الولاء والتكريس ينسي الناس أن فضل إسحق فيه لا يقل عن فضل إبراهيم. ومن الواجب أن نرى هذا الشاب العظيم رمزاً للأعظم الذي سيأتي بعد ألفي عام ليصيح في جسثيماني "لتكن لا إرادتي بل إرادتك".. وسنرى إسحق فوق المذبح في سلام الشهداء وعظمتهم، وأن السلام العميق الذي يربطه بالله حياً هو هو بعينه الذي يربطه به مذبوحاً وشهيداً،.. وهو ليس في كل الأحوال جهداً بشرياً أو شجاعة إنسانية، بل هو سلام علوي يأتي في أدق الظروف وأرهبها وأتعسها على وجه الإطلاق، ليعلم إسحق أن ينام هادئاً فوق المذبح، كما لو كان فوق فراش من حرير ودمقس، ويعلم الشونمية العظيمة، عندما تفقد ابنها، ويرسل إليشع غلامه يسألها! "أسلام لك: أسلام لزوجك، أسلام للولد؟ فقالت سلام".. حقاً إنه سلام الله الذي يفوق كل عقل عرفه إبراهيم وعرفه ابنه إسحق في أعظم امتحان لبشري أمام الله!!..

إن هذا السلام يتحقق في العادة لمن يبلغون نقطة "التسليم التام" لله، التسليم الذي توثق فيه الذبيحة بربط إلى المذبح، التسليم الذي يصعد فيه الإنسان رغم قسوة الامتحان ودقته، بقدميه على المذبح مكتف اليدين والرجلين، مادا عنقه لما يقضي به الله ويأمر به، ولا حاجة إلى القول أنه سيكون على الدوام مصحوباً بالفرح والبهجة، كما يقول يوسيفوس إن إبراهيم بعد أن قدم كبش الفداء، احتضن ابنه، وضمه بقوة إلى صدره، وعاد كلاهما أسعد اثنين على هذه الأرض، يتمتعان ببهجة السلام الذي تموت فيه النفس عن رغبة في الأرض. إلا بأن تعطي أولاً وأخيراً المجد لله!!.. وإن كنت لا أثق في التقليد القديم الذي جاء في ترجوم في أورشليم، والذي فيه يرد عمى إسحق في أخريات حياته، إلى أن أباه وهو يقيده فوق المذبح مد نظره فرأى عرش المجد، ومن تلك اللحظة بدأت عيناه تضعفان عن النظر في الأرض لكني أعلم تماماً أن الحياة التي تعطي الله مجداً على هذه الصورة، لابد أن تصل، وبكل يقين، إلى سلام الله الذي يفوق كل عقل!!..



إسحق وولداه
وهنا نأتي إلى المعاناة والاضطراب والعواصف البيتية التي عكرت الكثير من هذا السلام، ومن المؤسف أن إسحق كان الملوم الأول في هذا الأمر، إذ غلب فهمه البشري على إرادة الله جل جلاله، ومع أنه يعلم وعد الله، عندما ذهبت رفقة وهي حبلى لتسأل الرب: "فقال لها الرب في بطنك أمتان ومن أحشائك يفترق شعبان، شعب يقوى على شعب، وكبير يستعبد لصغير".. وخرج الاثنان إلى العالم، وأحب إسحق عيسو لأن في فمه صيدا، وأما رفقة فكانت تحب يعقوب،.. كان الأبوان يحب كل واحد منهما الشخص الذي يعتبر مكملاً لحياته، فإسحق الهادي الوادع الساكن، كان أميل إلى الابن الأشعر المهيب الطلعة الممتليء الحركة، الذي تخشاه القبائل، وتحسب له ألف حساب وحساب،.. في الوقت الذي كانت رفقة المتحركة المتحفزة تميل إلى الابن المطيع المحب الوادع، ‎.. وأمعن كل من الأبوين في التعبير عن حبه دون مبالاة أو تغطية أو تحفظ، ولم يدريا بذلك أنهما يصنعان الصدع أو الشرخ في البيت، في السلام الذي لا يمكن أن يتحقق على الإطلاق للأسرة المنقسمة على ذاتها، وما يتبع هذا الانقسام من فرقة وتحزب وتحيز‍‍.. أجل.. ولعله من الواجب أن ترفع هنا صوت التحذير، لكي يتعلم الأب أو الأم أنه إن عجز بينه وبين نفسه أن يميز ابناً عن آخر، لما قد يكون في هذا الابن من السمات أو الصفات، ما يجعله أقرب أو أدنى إلى عواطفه وحبه ونفسه،.. فإن الخطأ الذي يقترب من الجريمة أن يحس واحد من الأبناء بأن هناك تفرقة أو تمييزاً في المعاملة بين ولد وآخر‍‍. كان أحد الآباء يميز ولداً من أولاده على الآخرين، وذات يوم أبصر صغيراً يتحرك من غرفة النوم، ظنه الابن المدلل، فهتف قائلاً: تعال يا حبوب، وجاءه الرد: أنا يوسف فقط ولست الحبوب، وكان هذا ابناً صغيراً آخر من أولاده،.. وكانت هذه العبارة وما فيها من رنة أسى وأسف وحزن، آخر عهد الأب بالتمييز بين أولاده بكافة الصور والألوان،..

هل أفسد إسحق عيسو بهذه التربية المتحيزة المتميزة المدللة؟ وهل كان من المتعين أن يكون عيسو إنساناً آخر لو أن أباه اهتم برائحة حياته الروحية، قدر اهتمامه برائحة ثيابه الفاخرة التي تعود أن يشمها كلما جاءه الابن الأكبر بصيد دسم سمين؟.. إننا نظلم إسحق كثيراً إذ اتهمناه بالبطنة التي ضيعت كل شيء في حياة عيسو، على ما يذهب الكسندر هوايت، وهو يصب جام غضبه عليه، عندما يأخذ من يد ابنه بنهم كبير، وشهوة بالغة، مما صاد بسهمه وقوسه، من الصيد أو الطعام الذي كان يحبه ويشتهيه،.. ولكننا في الوقت عينه –وإن أخفى عنا قصد الله السرمدي الذي أحب من البطن يعقوب وأبغض عيسو- لا نملك إلا أن نلوم- إلى درجة السخط- إسحق الذي ترك الحبل على الغارب لابنه، ونسى النبوة الإلهية الخاصة به، حتى وصل عيسو إلى الوصف الرهيب القبيح الذي وصفه به كاتب الرسالة إلى العبرانيين: "لئلا يكون أحد زانياً, أو مستبيحاً كعيسو الذي لأجل أكلة واحدة باع بكوريته، فإنكم تعلمون أنه أيضاً بعد ذلك لما أراد أن يرث البركة رفض إذ لم يجد للتوبة مكاناً مع أنه طلبها بدموع".. وجاء عيسو إلى بيت أبيه بيهوديت ابنة بيري الحثي، وبسمة بنت إيلون الحثي، زوجتيه اللتين أضحتا ينبوعاً من المرارة لرفقة وإسحق والبيت كله!!‍.. فإذا أضفنا إلى هذا كله قصة الصراع الرهيب المديد الطويل، الخفي حيناً، والظاهر أحياناً، حول البركة، والبكورية، وما لحقهما من تهديد عيسو بقتل أخيه، وغربة هذا الأخير لفترة ظن أول الأمر أنها لشهور قليلة، فإذا بها تطول إلى عشرين من الأعوام، ماتت أثناءها رفقة على الأغلب، وعاد يعقوب إلى أرضه، ولو رحمة من الله وضمانه الأبدي، لهلك في الطريق، وفي الصراع مع الأخ المتحفز المتربص، الذي لم يهدأ الثأر في قلبه طوال هذه السنوات بأكملها‍‍.. أجل وإنه لأمر مؤسف حقاً، أن الرجل الذي نجح في السلام مع العالم الخارجي، كان في حاجة إلى الصرخة القائلة: أيها الطبيب اشف نفسك، وحقق السلام قبل وبعد كل شيء بين ولديك التوأمين المتنازعين!!..



إسحق والعالم الخارجي

ومن الغريب أن الرجل الذي تعثر السلام في بيته نجح أكبر النجاح مع العالم الخارجي، المتربص به، والمتحفز له، والذي كان من الوجهة البشرية الخالصة يمكنه أن يقضي عليه، ويأتي على كل ما يمتلك،.. كانت حياة إسحق في مجملها حياة الإنسان الهاديء الطيب، وربما كانت طيبته المتزايدة نوعاً أكثر من مجرد المرونة المحبوبة التي ينبغي أن نتصف بها في معاملة الناس،.. أو إن شئنا الحقيقة كانت في الكثير من المواطن نوعاً من الليونة التي تنتهي في العادة إلى العكس مما يقصد صاحبها، ومن المؤكد أن إسحق كان من الممكن أن يكون أهنأ حالاً وأسعد بيتاً، لو أنه أخذ بيته بنوع من الحزم، لا يشجع استباحة عيسو، أو خداع يعقوب، أو استهانة الزوجة،.. ولكنه وقد جبل على الوداعة والطيبة، شجع هذه الأطراف على أن تتصرف بما لا يليق من أفعال أو تصرفات،.. ومع ذلك فهذا الرجل المسالم أعطى أروع الأمثلة وأعظمها على القدرة التي يستطيع بها المؤمن أن يعيش في وسط الوحوش والأشبال،.. لقد أدرك إسحق أن الهدوء والأمن والسلام تسير أطرادا مع ثقته الموطدة والممكنة في الله، فهو مثلاً على شفا الضياع إذ خاف وفزع وفعل ما فعله أبوه إذ زعم أن رفقة أخته، خوفاً من أن يقتلوه ويأخذوها لأنها كانت جميلة فاتنة حسنة المنظر،.. وهو قوي إذا طرح الخوف، وآمن أن الله أقوى وأقدر من كل القوات التي تتربص به، وتتعرض له أو تحاول أن تنال منه بأية صورة من الصور،.. وقد أكد الله هذا إذ ظهر له وشجعه وأعاد له العهد الذي سبق فأعطاه لإبراهيم أبيه، وإذ أراد الله أن يعطيه البرهان الفائق العظيم، باركه في سنة المجاعة القاسية: "وزرع إسحق في تلك الأرض فأصاب في تلك السنة مائة ضعف" "وتعاظم الرجل وكان يتزايد في التعاظم حتى صار عظيماً جداً" فإذا كان إسحق يريد أن يطمئن ويهدأ ويستريح في النهار، وينام قرير العين في الليل، فلن يكون ذلك إلا بشيء واحد ألا وهو التأكد بأن الذي معه أقوى من الذي عليه، وأن العين التي تحرسه لا تنعس أو تنام، في الوقت الذي تغفو أو لا تغفو عيون الناس المتربصة به، الحاسدة له، والراغبة كل الرغبة في الإيقاع به والقضاء عليه،.. إن الولد الصغير الباسم يقف في حديقة الحيوان أمام الأسد المخيف دون أن يفزع أو يضطرب، ليقينه الكامل أن الموازنة بين قوته الواهنة وقوة القضبان الحديدية وقوة الأسد ووحشيته، تقع على الدوام في جانبه وإلى صالحه، ومن ثم فهو يضحك ويطرب ويداعب ويلاعب الأسد نفسه، لأنه مهما كانت قوة ملك الوحوش، فإن الصغير وقد أضاف قوة القضبان إلى قوته هو، يعلم بالتأكيد أنه الأقوى والأعظم‍‍.. كان الذين حول إسحق وحوشاً ازدادت قسوتهم ووحشيتهم لأن إسحق، دائماً ينجح وهم فاشلون، وإسحق دائماً يتعاظم وهم متهاونون، وإسحق في وقت الجدب والمجاعة يزرع ويحصد مائة ضعف وهم يزرعون وتجف مزارعهم ويتحول ما يزرعون إلى عصافة تدفعها العواصف وتذروها الرياح، وإسحق يربي الماشية فتتوالد وتتكاثر، وهم يربون ومواشيهم تضمر وتموت، وإسحق يحفر آبار فتنفجر وتروي، وهم يحفرون فلا يجدون إلا رمالاً وجفافاً، وخيبة أمل فيما يحفرون، فإذا ضاقوا بجهدهم وحسدهم، فما أسهل أو أيسر عليهم إلا في المشاكسة والمنازعة والخصومة، فإذا بهم يطمون الآبار التي حفرها أو يغتصبونها، وينازعون في حقه فيها، ويتحرشون به، لعلهم يجرونه إلى المصارعة والمنازلة عليها،.. والرجل مع ذلك هاديء قرير، لم يخرجه الاستفزاز يوماً عن طوره، أو الظلم عن طبع السلامة والمسالمة فيه،.. وهو أشبه الكل بالولد الصغير أمام الأسد المتوحش المحبوس في قفصه لأنه يعلم علم اليقين أنه الأقوى والأعظم بربه وسيده ومخلصه وفاديه،.. فإذا نازعوه في مرعى، فإن ‎الأرض واسعة ومراعي الله الأخرى في كل مكان،.. وإذا طموا له بئراً، فإن الله سيعطيه غيرها آباراً، فليترك البئر "عسق" بئر المنازعة، ويترك البئر "سطنه" بئر المخاصمة لأن الله سيعطيه بئر "رحوبوت" حيث يمكنه أن يقول: "إنه الآن قد أرحب لنا الرب وأثمرنا في الأرض" ثم بئر "شبعة" التي تزيد شبعاً ورياً، حيث يعطيه الله الفيض الذي لا يمكن أن يحجزه الإنسان!!..

فإذا كان الإنسان يحقد أو يحسد، فإن إسحق المسالم قد وجد الحل الأعظم والأمثل للحقد أو الحسد، إذ أنه يحول قضيته من الإنسان إلى الله، ومن حقد البشر إلى عدالة الله، ومهما كان الإنسان عنيفاً، فإن الخصومة في العادة تحتاج إلى طرفين، فإذا تعدي أحد الطرفين ورفض الآخر أن يرد العداء أو يقاوم الشر، فإن المعتدي لا يمكن أن يستمر في شره وعدائه، وتخف أو تموت حدة النزاع مهما بدأت عنيفة شرسة مخيفة قوية، بل في أغلب الحالات تنتهي إلى المصالحة والسلام،.. كان إسحق رائداً من أقدم الرواد وأعظمهم في هذا السبيل، وهو الرائد الذي انتصر آخر الأمر عندما سعى إليه أبيمالك وأحزات من أصحابه وفيكول رئيس جيشه، فقال لهم إسحق: ما بالكم أتيتم إليَّ وأنتم قد أبغضتموني وصرفتموني من عندكم، فقالوا إننا قد رأينا أن الرب كان معك، فقلنا ليكن بيننا حلف بيننا وبينك ونقطع معك عهداً أن لا تصنع بنا شراً كما لم نمسك وكما لم نصنع معك إلا خيراً، وصرفناك بسلام، أنت الآن مبارك الرب فصنع لهم ضيافة فألكوا وشربوا ثم بكروا في الغد وحلفوا بعضهم لبعض وصرفهم إسحق فمضوا من عنده بسلام. وحدث في ذلك اليوم أن عبيد إسحق جاءوا وأخبروه عن البئر التي حفروا وقالوا له قد وجدنا ماء فدعاها سبعة لذلك اسم المدينة بئر سبع إلى هذا اليوم.. وفي الحق أن هذه البئر ليست مصادفة أن تفجر ماءها في اليوم الذي يتعاهد فيه إسحق مع أبيمالك على السلام.. إذ هي في الحقيقة مكافأة الله وجزاؤه لصانعي السلام، ومحبيه بين الناس في كل مكان وزمان، على توالي العصور وامتداد الأجيال!!‍

إن مقاومة الشر بالشر لا تبقى عليه شراً واحداً بل تضاعفه إلى اثنين، كما أن آثار الشر لا يمكن أن تنال طرفاً وتترك الآخر، فهي كالحرب، ويل فيها للغالب والمغلوب على حد سواء، ولقد فطن الحكيم القديم إلى هذه الحقيقة فقال: "إن جاع عدوك فاطعمه وإن عطش فاسقه ماء فإنك تجمع حجراً على رأسه والرب يجازيك" وسار في أعقابه بولس يوم قال: "لا تجازوا أحداً عن شر بشر معتنين بأمور حسنة قدام جميع الناس إن كان ممكناً فحسب طاقتكم سالموا جميع الناس، لا تنتقموا لأنفسكم أيها الأحباء بل أعطوا مكاناً للغضب لأنه مكتوب لي النقمة أنا أجازي يقول الرب فإن جاع عدوك فأطعمه وإن عطش فاسقه لأنك إن فعلت هذا تجمع جمر نار على رأسه، لا يغلبنك الشر بل اغلب الشر بالخير".. ولعل أمثلة حديثة من هذا القبيل يمكن أن تعطي الصور الناجحة لانتصار الروح المسالمة على العناد والقسوة والخصومة،.. عاش جوزيف برادفورد مساعداً أميناً لجون ويسلي وهو يصاحبه في رحلاته وخدماته التبشيرية سنوات متعددة، وحدث ذات مرة أن اشتد النزاع بين الصديقين إلى الدرجة التي قررا فيها في مساء يوم من الأيام أن يفترق الواحد منهما عن الآخر في اليوم التالي،.. وفي الصباح سأل ويسلي زميله: هل ما يزال مصراً على الرحيل، وجاءه الجواب: نعم.. وقال ويسلي: وهل هذا ضروري ولازم‍‍.. وجاء الرد جافاً: "سل نفسك يا سيدي‍‍.. وقال ويسلي لبرادفورد: ألا تعتذر؟‍‍ وقال الآخر: لا يا سيدي؟‍‍ وعنئذ قال ويسلي برقة ولطف‍‍.. إذا أنا أعتذر لك يا برادفورد، ولم يكمل ويسلي العبارة حتى فاضت الدموع من عيني زميله، وقال: أنا أعتذر، وتصالح الأخوان اللذان كانا على أبواب المفارقة والمقاطعة‍‍.. آه لو يعلم الناس أن الجواب اللين يصرف الغضب، وأن جلسة هادئة صغيرة، قد تصرف نزاعاً طويلاً مديداً مريراً"..

كان أحد المحامين واسمه هاكت وكان من أبرع المحامين وأطيبهم، وكان من مبدئه الدائم أن يدعو الناس إلى فض الكثير من أسباب النزاع دون الالتجاء إلى المحكمة. وقد حدث أنه اشترى قطعة أرض، كان الناس يرفضون شراءها لشراسة وقسوة مالك الأرض المجاورة لها.. غير أن هاكت اشتراها، وعندما ذهب ليستلمها واجهه الجار المتحفز للمخاصمة والصراع، بأكثر عنف وضراوة ‎، وهو يقصد أن يفهمه أنه لا يبالي على الإطلاق بما يمكن أن يكون لديه من الإلمام بالقانون أو الاتجاه إلى القضاء، غير أن هاكت سأل الجار عن الحد بين الأرضين،.. وقال الجار: إن حقه معتدى عليه، وأن الحد الصحيح يلزم أن يدخل في أرض هاكت قدمين من بدء الحد، وقدماً عند النهاية،.. وقال المحامي: حسناً يا صديقي وإني أرجوك أن ترسم الحد أربعة أقدام عند الابتداء، وقدمين عند النهاية،.. وصاح الجار: ولكن هذا ضعف ما أطلبه؟‍‍.. فقال هاكت: قد يكون هذا، ولكني قد جئت مصمماً ألا أجعل من هذه الأرض نقطة مخاصمة أو نزاع بيني وبينك، وأنا أود أن أرضيك تماماً، وأرجو أن تعلم أن هذا يسعدني ويبهجني أكثر من أي مسطح من الأرض يمكن أن نختلف أو نتنازع عليه!!.. وإذ قال هذا رد عليه الرجل: يا صديقي.. إن هذا الحد بيننا لن يتزحزح عما هو عليه الآن بوصة واحدة، لتذهب الأرض كيفما تذهب، فإن الهدوء والسلام والصداقة أولى وأجمل وأسعد وأبقى‍‍..

لم يكن "غاندي" مسيحياً، ولكنه وعى كلمات المسيح المباركة في الموعظة على الجبل: "سمعتم أنه قيل عين بعين وسن بسن وأما أنا فأقول لكم لا تقاوموا الشر بالشر بل من لطمك على خدك الأيمن فحول له الآخر أيضاً، ومن أراد أن يخاصمك ويأخذ ثوبك فاترك له الرداء أيضاً، من سخرك ميلاً واحداً فاذهب معه اثنين، من سألك فأعطه، ومن أراد أن يقترض منك فلا ترده.. سمعتم أنه قيل تحب قريبك وتبغض عدوك، وأما أنا فأقول لكم: أحبوا أعداءكم، باركوا لاعنيكم، احسنوا إلى مبغضيكم، وصلوا لأجل الذين يسيئون إليكم ويطردونكم".. وقد قيل أنه في صدر شبابه كان يشرف على مجموعة من الشباب في جنوب أفريقيا، وفي فترة غيابه ظهر بينهم شاب ارتكب أخطاء جسيمة دون أدنى مبالاة،.. وعندما عاد غاندي سمع عما فعله الشاب، فناداه وتحدث إليه عما فعل، وتبين إصرار الشاب على تصرفه دون أدنى إحساس بألم أو ندم أو توبة.. فما كان من غاندي إلا أن قال: إن هناك خطأ قد حدث، ويبدو أني فشلت، ولابد من علاج لهذا الفشل، ولقد قررت أن أعالجه بالصوم عشرين يوماً، ولم يدرك الشاب في أول الأمر قسوة القرار حتى جلس إلى مائدة الطعام، وهنا أردك أنه لا يستطيع أن يأكل، وآخر جائع لا يتذوق طعاماً بسببه،.. ذهب إلى غاندي، وحاول أن يقنعه بتناول الطعام، وغاندي يرفض، وعذب الشاب، وقيل أنه أخذ من هذا الدرس ما لم يأخذه من دروس أخرى،.. لقد كسرت الوداعة الطيبة المسالمة قلبه، وجعلته فيما بعد من أحسن الشباب الذين عمل غاندي في وسطهم!‍..

لم يكن إسحق عملاقاً إذا قسنا حياته في ضوء حياة إبراهيم من قبله أو يعقوب من بعده، لكن هذه الحياة هي الدرس الذي يحتاجه العالم الباحث عن السلام في كل مكان وزمان، وهيهات له الوصول إليه قبل أن يصل إلى المعادلة التي نجح إسحق في حلها، معادلة السلام التي تأخذ سلامها من الله لتقتل به الحقد والنزاع والخصومة والضغينة، بروح من الحب والتسامح والتساهل والوداعة: "وطوبى لصانعي السلام لأنهم أبناء الله يدعون"..

elraiek G
09-15-2010, 02:50 AM
( 9 )

عيسو ..

"فباع بكوريته ليعقوب..."







مقدمة

تعد قصة من أعجب القصص وأغربها أمام الذهن البشري!!.. أليست هي القصة التي يقف الإنسان فيها حائراً أمام الاختيار الإلهي: "لأنه وهما لم يولدا بعد ولا فعلا خيراً أو شراً لكي يثبت قصد الله حسب الاختيار ليس من الأعمال بل من الذي يدعو قيل لها أن الكبير يستعبد للصغير كما هو مكتوب "أحببت يعقوب وأبغضت عيسو".. بل أليست هي القصة التي أثارت الصراع الدفين بين عقل إسحق أبيه وقلبه؟‍‍.. وقد بلغ هذا الصراع ذروته، يوم طلب إسحق من عيسو أن يتصيد له صيداً ويجهزه ليدرك أن أخاه سبقه إلى أخذ هذه البركة، وإذ تبين إسحق ما فعل الصغير: "فارتعد إسحق ارتعاداً عظيماً جداً وقال فمن هو الذي اصطاد صدياً وأتى به إليَّ فأكلت من الكل قبل أن تجيء وباركته. نعم ويكون مباركاً".. لقد ثاب إسحق إلى رشده وأدرك أنه بارك، من خصصت له بركة السماء دون ذاك الذي أوشك أن يأخذ البركة، وهو مرفوض، بمجرد العاطفة المتحيزة الأبوية‍‍.. إن عيسو هو الابن الثاني في مثل المسيح القائل: "ماذا تظنون كان لإنسان ابنان فجاء إلى الأول وقال يا ابني اذهب اعمل اليوم في كرمي، فأجاب وقال ما أريد ولكنه ندم أخيراً ومضى، وجاء إلى الثاني وقال كذلك.. فأجاب وقال: ها أنا يا سيد، ولم يمض".. كان عيسو حسب الظاهر أفضل من يعقوب بما لا يقاس، ولكنه في الحقيقة أتعس وأشر،.. كان الظاهر فيه هو الذي جعله أدنى إلى قلب أبيه وأحب، ولكن وازن القلوب أدرك طبيعته الدنسة الشريرة الملوثة الخربة، ومن ثم رفضه، وقدم عليه الصغير المختار، وهل لنا بعد هذا كله أن نتأمل الرجل الذي يصلح أن يكون نموذجاً عظيماً "للرجل العالمي" على العكس من الآخر الذي أحبه الله، وطهره من الشوائب المتعددة التي لحقت بقصته وحياته،. ومن ثم يمكن أن نرى عيسو من الجوانب التالية:



عيسو ذو المظهر الرائع

من المؤكد أنك ستفتن به وتحبه، عندما تتطلع إليه لمظهره الخلاب،.. ومن المؤكد أنك ستحبه، كما أحبه أبوه إسحق لما يبدو عليه من جلال الصورة، وجمال المنظر،.. ومن المؤكد أنه كان شيئاً يختلف تماماً في الصورة عن أخيه الأصغر، فهو أشعر بفروة حمراء، متين العضلات، رائع البنيان،.. لو أنه ظهر في أيامنا لكان من أولئك الذين يمكن أن يدخلوا مع العالم في مباريات كمال الأجسام، أو الملاكمة، أو المصارعة، أو ما إلى ذلك من صور يعتز بها من كان البنيان الجسدي عندهم، هو أهم ما يملكون أو يفضلون في هذه الحياة، ومن المؤكد أن قوته البدنية كانت كافية لأن يصرع بها أخاه، عندما فكر أن ينتقم منه، لتعديه عليه في البركة وسلبها منه، كما فعل بالخداع والختال والمكر عندما أخذ البكورية أيضاً‍‍.. ومن المؤكد أنه كان سريع الحركة، بطلاً في العدو وهو يجري وراء الحيوانات في الأحراش والغابات يحمل قوسه وسهمه،.. ويصرعها ويحملها على منكبيه، ليهييء منها طعاماً لنفسه وأبيه الذي كان يؤخذ بعظمة ابنه الصياد وما يصطاد من حيوانات شهية دسمة، دون أن يطيش سهمه، وترجع قوسه خائبة إلى الوراء،.. ومن المؤكد أنه كان جذاب المنظر، مهيب الطلعة، يقف نداً للحثيين وغير الحثيين الذين يخشون بطشه فيما لو حاول أحدهم التصدي على بيته الكبير وأسرته العظيمة.. ومن المؤكد أن بنات حث اللواتي تزوج منهم أكثر من واحدة، كن يعجبن به، وتشتهي كل أنثى فيهن أن تكون زوجته أو حبيبته على حد سواء‍‍.. ومن المؤكد أنه أكثر من أخيه مروءة وشهامة،.. ولو أن أخاه عاد جائعاً من الحقل، ووجد عنده صيداً، وسأله طعاماً، لأعطى لأخيه من أشهى ما عنده دون أن يطلب ثمناً أو ينتظر مقابلاً،.. وهل لنا أن نراه في كل هذا الإنسان البشوش الضاحك، إنسان المجتمعات الذي يتعلق بالآخرين، ويتعلق الآخرون به، والذي يربط نفسه بصداقات متعددة، حتى أن أربعمائة على استعداد أن يلبوا إشارته عند أقل طلب، بل على استعداد أن يقاتلوا في سبيله ومن أجله، في أي معركة يدفعهم إليها!!.. وهل تتعجب بعد هذا من حب إسحق له وولعه به وكلفه بشخصه، وميله العميق من أن يعطيه البركة رغم أن الوعد بها للأخ الأصغر،.. وهل تتعجب لمن يملك مثل هذه الخلال الصفات من الرجولة والشهامة والكرم والحركة والقوة والشجاعة، كيف لا يأخذ مكانه الطبيعي دون أن يسلب من أخ مهما يكن شأنه، فهو أضأل وأصغر فيها جميعاً من كل الوجوه!!.. على أي حال أن عيسو هو أروع النماذج والصور "لإنسان العالم"، والذي قد يعتبر في كثير من النواحي البدنية والأخلاقية والاجتماعية والعلمية من يصح أن نطلق عليه "إنسان الله"!!..



عيسو ذو الداخل الخرب

إذا كان عيسو على هذا المظهر الرائع الخلاب، فكيف يمكن أن يقال أن الله أبغضه وأحب يعقوب؟!! وهنا نحن نقف أمام الحقيقة العظيمة، التي أدركها فيما بعد صموئيل النبي، وهو يتحدث عن الملك المختار لإسرائيل من بين أبناء يسى البيتلحمي، إذ قال له الرب: "لا تنظر إلى منظره وطول قامته، لأني قد رفضته لأنه ليس كما ينظر الإنسان. لأن الإنسان ينظر إلى العينين وأما الرب فإنه ينظر إلى القلب".. وفي الحقيقة أن عيسو كان خرب الحياة والقلب أمام الله، وإذا صح أن نصفه فلا يمكن أن وصفاً أدق أو أبرع من وصف المسيح للكتبة والفريسيين في أيامه، إذ كانوا يشبهون القبور المبيضة التي تظهر من الخارج جميلة، وهي من الداخل مملوءة عظام أموات وكل نجاسة!!.



عيسو الخرب في العلاقة بالله

كان عيسو يمثل الإنسان العالمي‎، الخرب العلاقة بالله، وصف كاتب الرسالة إلى العبرانيين: "مستبيحاً" والكلمة في أصلها اللغوي: تعني الرجل الذي لا "قدس" في حياته،.. أو في لغة أخرى: هو الرجل الذي يعيش في الدار الخارجية، ولا قدس أو قدس أقداس في حياته، الرجل الذي غاب عن الله، وغاب الله عن حياته، فلم يمنحه النعمة التي تلمس قلبه، وتفتحه على العالم غير المنظور، سأل أحدهم هذا السؤال: ألا يوجد ملحدون يبرزون الكثيرين من المؤمنين في صفاتهم ومزاياهم وأخلاقهم في الجوانب الكثيرة من الحياة، فهل هم أفضل عند الله أو الناس من هؤلاء المؤمنين؟!!.. وجاء الجواب: قد يكون هذا صحيحاً، ولكن أضعف مؤمن عند الله، أعظم بما لا يقاس من أي ملحد، مهما تسلح هذا الملحد، بالكثير من المظاهر الخلقية في الحياة!.. ولعل أكبر دليل على ذلك الحيوان نفسه، فإن في الغرائز الحيوانية ما هو أسمى من الإنسان وأجمل وأعظم،.. فمن له شجاعة الأسد؟، أو وداعة الحمام؟ أو وفاء الكلب؟، ولكن الأسد؟ والحمام والكلب –مع هذا التفوق الغريزي- لا يمكن أن يفضل عن الإنسان، لأن الإنسان يملك إلى جانب هذه الصفات: الضمير الذي يؤكد له أن هذه الصفات عطية من الله له، وأنه إذ يستخدمها، إنما يستخدمها كعطية من الله، على العكس من الحيوانات التي لا تعرف شيئاً كهذا ولا تستطيع أن ترد فضل الله بالشكر لأنه أعطاها مثل هذه الصفات!!..

وهذا حال الملحد الذي قد يفعل في كثير من المواطن بالغريزة ما لا يفعله الكثيرون من المؤمنين، فهو مرات أكثر دقة وتعففاً وسمواً دون أن يملك إلى جوارها جميعاً الإحساس بأنها نعم الله في حياته، وأنه يعطي مما أعطاه الله وهو لا يدري،.. على العكس من المؤمن الأضعف، ولكنه الأسمى إحساساً بعطايا الله، والشكر على هذه العطايا والنعم،.. كانت الضربة القاتلة لعيسو أنه ابن الموعد بدون ميراث، وابن المذبح بدون ذبيحة، والابن الذي كان يمكن أن يكون شديد التعلق بالله،.. ولكنه كان وثنياً من هامة الرأس إلى أخمص القدم.. إذ رضى لنفسه أن يكون خرب العلاقة بالله، لا يستيقظ على موعد صلاة، أو يترنم في الغابة أو البيداء لإله، أو يعيش مستمعاً لكلمات أبيه إسحق عن الله!!.. كان عيسو الإنسان الذي يصح أن يقال عنه: بلا إله!!..



عيسو بائع البكورية
مثل هذا الإنسان لا معنى للبكورية عنده، إذ هو أعمى عن جميع القيم الروحية في الحياة،.. كان الإنسان البكر هو سيد العائلة وممثلها أمام الله، وهو كاهنها الذي يتقدم بالذبائح نيابة عنها أمام المذبح الإلهي وهو الذي يصلي معها ولها ويباركها بما يأخذ من بركات الله، وهو الذي يرث في المستقبل بعد أبيه نصيب اثنين مما يملك،.. ولكن جميع القيم الروحية كانت بلا معنى أو مذاق أمام عيسو وهو مغلق العين والقلب بالنسبة لها جميعاً، وأقل ما في الحاضر أفضل من كل ما ينتظر في المستقبل، وعصفور في اليد أفضل من عشرة على الشجرة،.. ومن ثم كانت البكورية لا معنى لها ما دامت ترتبط بمستقبل قريب أو بعيد،.. وعندما عرض عليه أن يبيع البكورية بطبق من عدس، كان الطبق أفضل بما لا يقاس وهو يعي عن كل بركات البكورية في المستقبل، وباع عيسو بكوريته بأكلة عدس!.. ومع أن الإعياء قد يكون واحداً من الأسباب التي شجعت عيسو على هذه الصفقة القاسية الخاسرة، إلا أنه بالتأكيد ليس السبب الأول،.. لقد باع عيسو في سره، كما يقول الكسندر هوايت البكورية آلاف المرات، لقد كانت حقيرة في عينيه قبل أن يعرض عليه أخوه ثمنها البخس الغريب!!.. وما يزال عيسو إلى اليوم أبا لكل بائع لبكوريته بمثل هذا الثمن التافه الحقير!!..

هل تتوقف معي للبكاء على الرجل الذي باع هذا الامتياز بمثل هذا الثمن الغريب؟.. وهل تسير معي في درب الحياة لكي نقف عند كل واحد من أبنائه المنكوبين بهذه الضربة القلبية القاسية؟!!.. كم من شاب أضاع عفته، وفقد بكوريته بمتعة وقتية قبيحة لا تلبث أن تنتهي لذتها ونكهتها بانتهاء مذاق العدس الأحمر في فم عيسو القديم،.. وكم فتاة فقدت طهارتها وامتيازها إذ باعت في لوثة جنون أعز ما تملك، ثم عاشت بعد ذلك تعض بنان الندم!!..

لم يقف عيسو في الانحدار عند حد، وبائع البكورية سيفقد معها كل شيء، وقد انفتح طريق الانحدار أمام عيسو بلا توقف أو نهاية، فهو لا يرى بأساً من مخالطة الوثنيين أو إدخالهم حياته وبيته وعائلته، ورأى إسحق ذات يوم، وإذا يهوديت ابنة بيري الحثي وبسمة بنت إيلون الحثي تقحمان عليه البيت وتضحيان كنتين إذ جاء بهما عيسو زوجتين تدخلان بما فيهما من الشر والوثنية إلى عقر داره، وعانى إسحق ورفقة ما عانيا، من هذه الوثنية الشريرة داخل البيت،.. ولم يقف عيسو عند هذا الحد، بل كان زانياً بكل ما تحمل الكلمة من معناها الحرفي!!.. كان عيسو في الحقيقة حيواناً في صورة إنسان، ومهما يكن جسمه الأشعر وفروته الحمراء، فهو على أي حال حيوان كالدب القطبي الجميل الفروة، مهما تسليت بمنظره أو حدقت الرؤية في شكله فهو أولاً وأخيراً حيوان، وحيوان متوحش، حتى ولو كان جميل المنظر، غزير الفروة، رائع البنيان!!..



عيسو فاقد البركة

علم إسحق –ولاشك- بالصفقة بين ولديه، وتبادل مركز البكورية بالقسم بينهما، وكان ولا شك أسبق علماً بالنبوة الخاصة بكليهما، عندما قال الرب لرفقة: "في بطنك أمتان ومن أحشائك يفترق شعبان، شعب يقوى على شعب، وكبير يستعبد لصغير" وكان من الطبيعي –والحالة هكذا- أن يعرف إسحق، من هو صاحب البركة والمستحق لها،.. غير أن إسحق كما أشرنا في الصراع بين عقله وعاطفته، استجاب للنداء العاطفي دون نداء العقل والحكمة والصوت السماوي،.. ولا نستطيع أن نفسر معنى القول: "فارتعد إسحق ارتعاداً عظيماً جداً وقال فمن هو الذي اصطاد صيداً وأتى به إليَّ فأكلت من الكل قبل أن تجيء وباركته. نعم ويكون مباركاً" دون أن ندرك أنه في تلك اللحظة التي صعق فيها بما حدث، ثاب إلى رشده، وأدرك أنه مهما تكن عواطفه فإن مشيئة الله أصدق وأحق وأعظم،.. ولهذا صاح في مواجهة بكره: "نعم ويكون مباركاً".. وهنا صرخ عيسو صرخته المرة الأليمة، وأدرك فداحة ما ضاع منه، ولم تكن صرخته تعبيراً عن التوبة الحقيقية لما أضاع بحماقته واستباحته، أو رجوعاً عن الحياة الملوثة التي يتمرغ فيها، أو اقتراباً إلى الله العلي الذي جهله ونسيه أياماً بلا عدد، بل هي نوع من الإحساس بالخسارة التي يحس بها المجرم إذا سجن، والمريض إذا سقط فريسة مرضه المتولد عن الخطية، أو التلميذ الذي يرسب في الامتحان نتيجة إهماله وعدم مذاكرته، أو ما أشبه، دون أن تتحول إلى تغيير الحياة والنهج والأسلوب، ويكفي أن تسمع أنه كان يصرخ لأبيه أن يعطيه بركة ولو صغيرة إلى جانب ما استأثر به أخوه من بركات جليلة مجيدة عظيمة!!.. ولعله من الملاحظ أن الشراح وهم يفسرون قول كاتب الرسالة إلى العبرانيين: "فإنكم تعلمون أنه أيضاً بعد ذلك لما أراد أن يرث البركة رفض إذ لم يجد للتوبة مكاناً مع أنه طلبها بدموع ".. اختلفوا في المقصود بالتعبير: "طلبها بدموع" فرد البعض إلى البركة وليس إلى التوبة آخذين القرينة مما جاء في سفر التكوين، إذ لم تكن صرخة عيسو هناك تعبيراً عن توبة، بل كانت حزناً على خسارة وضياع أصاباه بقسوة بالغة فيما لم يكن قد تنبه إليه سابقاً بفطنة أو تأمل أو وعي،.. وهل كانت صخرة فرعون إلى موسى وهرون توبة عندما قال: "أخطأت إلى الرب إلهكما وإليكما، والآن أصفي عن خطيتي هذه المرة فقط".. لقد كانت رعباً من الضربات المتلاحقة، دون أدنى إحساس بالاتجاه الصحيح أمام الله، وهل كانت صيحة شاول بن قيس تعبيراً عن التوبة، عندما قال لصموئيل: "أخطأت لأني تعديت قول الرب وكلامك لأني خفت من الشعب وسمعت لصوتهم" بقدر ما هي أسى وأسف لقضاء الرب الذي حكم به عليه؟.. إن التوبة الصحيحة أمام الله هي التي ينظر الإنسان فيها إلى الإساءة إلى الله ومجده، قبل أن يراه نوعاً من الخسارة البشرية في شيء، ولذلك قال داود معبراً عنها في خطيته الكبرى: "إليك وحدك أخطأت والشر قدام عينيك فعلت".. لكن هذ لم يكن عند عيسو أو معروفاً لديه،.. وقد شجع هذا الشراح الآخرين إلى أن يردوا الكلمة إلى التوبة، ولكنها ليست توبة عيسو، بل هي بالأحرى توبة إسحق التي لم تستطع دموع عيسو أن تغير فكره واتجاهه، بعد أن ارتعد ارتعاداً عظيماً، لأنه أدرك أنه كان موشكاً أن يقع في أقسى خطأ لو أنه أعطى البركة لعيسو، وهي معطاة من الله للابن الآخر الأصغر!!.. وهو إذ يقف من ابنه الصارخ الباكي لا يستجيب على الإطلاق لبكائه ودموعه، إذ كان قد تاب عن الفعل الذي رتب أن يفعله مخالفاً المشيئة الإلهية العالية، ومن ثم نراه يصيح وهو يتمشى وراء هذه المشيئة العظيمة: "نعم ويكون مباركاً".. وأياً كان اتجاه هذا التفسير أو ذاك،.. فإن العلامة الأساسية في كل توبة، هو تحول الاتجاه الكامل عن الماضي، الأمر الذي لم يحدث في حياة عيسو من قرب أو بعد، والذي سار في طريقه البشع إلى النهاية، مما أخرجه تماماً من كل بكورية أو بركة، كانت أساساً له، ثم فقدها بما عاشه من حياة الاستباحة والزنا والبعد المتوالي عن الله في أرض الوثنية والشر!!.





عيسو والمصير التعس

وأي مصير تعس أكثر من أن يوصف بأنه الإنسان الذي يبغضه الله: "وأبغضت عيسو".. وهل يمكن أن تحل كارثة إنسان أكثر من أن يكون مكروهاً من الله،.. ما أوسع الفرق بين مشاعر الله ومشاعر الناس خطاة كانوا أو قديسين، هذا الرجل الذي أحبه الحثيون والذي سار وراءه أربعمائة رجل، يرون فيه فخر الرجال ومجدهم وعظمتهم،.. هذا الرجل الذي فتنت به الحثيات، وتطلعن إليه كما يتطلع العالم إلى الأبطال والجبابرة والعظماء،. هذا الرجل الذي أحبه أبوه من جماع قلبه، وكان يرى فيه صورة متلالئة مضيئة للرجولة والبهاء والعظمة،.. هذا الرجل بعينه كان مكروهاً وممقوتاً ومبغضاً من الله، أيها الشاب!!.. أيها الشابة: هل عرفتما السر في ذلك؟ كان ذلك لأن عيسو كان موجوداً أمام العالم، ولكنه ميت أمام الله،.. وكان ممدوحاً من البشر، وهو والقيء سواء عند الله،.. وأنت أيها الشاب، وأنت أيها الشابة: احذرا من أن يبيع واحد منكما بأي ثمن بكوريته وامتيازه، وبركته وحياته ومجده أمام الله العلي، احذرا أن تريا الأحمر في طبق عدس أو حفل ماجن، أو رقصة خليعة، أو شرود هناك أو هنا من صور التجارب المختلفة في الأرض فتعزيا بالباطل، وتدفعا أقسى ثمن إذ تطيحا بنقاوتكما وبكوريتكما وبركتكما!!..

لم يكن عيسو ضياعاً لنفسه وحده، بل كان أكثر من ذلك أصل مرارة، يصنع الضياع والانزعاج والمرارة في حياة الآخرين،.. ومن الناس من يكون نبعاً صالحاً يرتوي، ويروي غيره من الناس بالماء العذب القراح،.. ومن الناس من يكون على العكس نبع مرارة لا ينتهي لنفسه وجيله وعصره وأجيال أخرى تتعاقب وتأتي في أثره، وكان عيسو كذلك،.. ولا تحسبن عيسو –وهو يقود أربعمائة رجل وهو بمثابة الزعيم- إنه كان سعيداً، كلا وألف كلا، فإن الذي ينحرف عن خط الحياة الإلهي، والذي يحتقر البكورية والبركة، والذي يتمشى على رأس الناس في العالم، يمكن أن يأخذ كل شيء، ولكنه لابد أن يأخذ كأس العلقم والافسنتين والمرارة جزاءاً وفاقاً للبعد عن الله، لأنه لا سلام قال إلهي للأشرار،.. وعيسو الذي أدخل يهوديت وبسمة إلى بيت أبيه وأمه، فكانتا كلتاهما مرارة لإسحق ورفقة لابد أنه أدخل المرارة لا إلى بيته فحسب الذي لم يعد يعرف هدوءاً أو أمناً أو سلاماً، بل مد المرارة إلى كل من عاشره أو اتصل به أو تعاقب بعده، وهل يمكن لإنسان أبغضه الله، وحلت لعنة القدير عليه بعد أن فقد بركته إلا أن يكون كذلك؟.. عندما رفع عيسو صوته أمام أبيه وبكى وأخذ إسحق يبحث له عن بقايا من بركة هنا أو هناك: "قال له هوذا بلا دسم الأرض يكون مسكنك، وبلا ندى السماء من فوق. وبسيفك تعيش ولأخيك تستعبد. ولكن يكون حينما تجمح أنك تكسر نيره عن عنقك".. وهكذا عاش أدوم في الصراع لأجيال طويلة مع شعب الله، حتى سمع القول الإلهي الرهيب المخيف: "من أجل ظلمك لأخيك يعقوب يغشاك الخزي وتتعرض إلى الأبد يوم وقفت مقابلة يوم سبت الأعاجم قدرته ودخلت الغرباء أبوابه وألقوا قرعة على أورشليم كنت أنت أيضاً كواحد منهم.. كما فعلت يفعل بك. عملك يرتد على رأسك"..

أيها الشاب.. أيتها الشابة: احذرا من بيع البكورية، وفقد البركة، والطريق الذي سلكه عيسو فانتهى به إلى الكارثة والضياع والخراب الأبدي!!..

elraiek G
09-15-2010, 02:53 AM
يتبع......

elraiek G
09-16-2010, 05:35 PM
( 10 )

يعقوب ..

"لا يدعى اسمه فيما بعد يعقوب بل إسرائيل.."

مقدمة


ربما لا يجد المرء وصفاً أبلغ وأقسى، وأقطع من وصف أحدهم ليعقوب عندما قال: "كان مع أبيه شيطان مع ملاك، وكان مع أخيه شيطاناً مع إنسان، وكان مع خاله شيطان مع شيطان"..

ومن عجب أن يجد هذا "الشيطان" طريقه إلى الله، وإلى الحياة المباركة المقدسة، ومن عجب أن يتغير اسمه من "يعقوب" أو المتعقب الذي أمسك بعقب أخيه من بطن أمه، إلى "إسرائيل" أمير الله أو المجاهد مع الله،.. إن قصة يعقوب تعطي الرجاء أمام الخطاة الذين أوغلوا في خطاياهم، وأمعنوا في آثامهم وشرورهم، لكي يعودوا مرة أخرى أمراء أمام الله، أو المجاهدين الناجحين.. وإذا كان الناس في الموازنة مع إبراهيم واسحق ويعقوب، يرون أنهم أدنى وأقرب في غالبيتهم مع هذا الأخير، فإن هذه الغالبية –إذا كانت تسر بقول الله-: أنا إله إبراهيم واسحق ويعقوب، فإنهم أكثر طرباً وبهجة وسروراً، وهم يتوقفون عند القول: "إله يعقوب".. وإذا كان مكتشف المعادلة كما يصفه أيوب: "ينقب في الصخور سرباً وعينه ترى كل ثمين"، وإذا كان الباحث في الصحراء يجد المعدن النفيس تحت أطباق الصخور والرمال، ‎.. فإن عين الله هي التي تكتشف القديس والعظيم والناجح والقوي خلف الخاطيء والحقير والفاشل والضعيف، وهي التي صنعت إسرائيل من يعقوب، وتصنعني وتصنعك من خلف الطين والوحل والقمامة والزغل الذي اختلط بحياتنا على هذه الأرض!!.. ومن ثم فإنه من أهم الأمور أن ننطلق وراء الفخاري الأعظم، وهو يعيد مرة أخرى الوعاء الذي فسد، لنرى ما صنع الله بيعقوب ومعه!!..







يعقوب من هو؟!!

هذا الرجل العجيب بدأ حياته مجموعة من الشر والإثم، والضعف والخطية، ولو أنها نعمة الله التي انتشلته لكان غريباً جداً أن يكون هذا الإنسان ابن الموعد وسر البركة!!..



يعقوب الأناني

لم يكن يعقوب أنانياً فحسب، بل كان مهندساً بارعاً في حياة الأنانية التي عاشها في صدر الشباب، فهو أناني مع أخيه، وأناني مع زوجته، وأناني مع أولاده. والأنانية عنده فن وحساب وتخطيط،.. فهو الأناني في علاقته بأخيه عيسو، فهو يطلب البكورية التي فاتته بالمولد، وهو يطلب البركة، ولا يفزع خشية بل خوفاً من أن يعرف أبوه صوته، ويكتشف الخداع الذي رتبه للحصول على البركة،.. وهو أناني كزوج لا يبالي بالزوجة إلا بالقدر الذي تعطيه إياه من متعة الحياة، وهو لهذا يقدم راحيل على ليئة المكروهة والمنبوذة، ولقد ضاق الله بهذه الأنانية، وانحنى على الزوجة البائسة يحسن إليها بالأولاد، إن عز أن يحسن إليها الزوج بعدله ومحبته،.. وهو أناني كأب –فهو في موكب المواجهة والمقابلة مع أخيه عيسو الذي سار إليه ومع أربعمائة رجل، قسم الأولاد على ليئة، وعلى راحيل، وعلى الجاريتين، ووضع الجاريتين وأولادهما أولاً، وليئة وأولادها وراءهم، وراحيل ويوسف أخيراً.. كان يعقوب دون أدنى شك أستاذاً بارعاً في هندسة الأنانية.



يعقوب المتآمر



وهو المتآمر من بطن أمه.. إذ ماذا يعني أنه يمسك مولوداً بعقب أخيه؟!.. أنت لا تمسك بعقب غيرك إلا إذا كنت أشبه بالحية القديمة، تلسع العقب. وقد كان هو حية في التآمر، يدبر المؤامرة في الخفاء، ويحكم تخطيطها، وتنفيذها، فهو يلبس ثياب أخيه، ويضع جلد المعزى على يديه وملامسة عنقه بالاتفاق مع أمه، وهو يكشط القضبان الخضراء من اللبن واللوز والدلب، ويقشرها مخططا إياها تخطيطاً ليوقفها في الأجران على مجاري المياه، ويستولد على وحم الأغنام القوية له، والضعيفة للابان، وهو يخرج هارباً من خاله دون أن يعطيه خبراً، منتهزاً فرصة غيبته بعيداً عندما مضى ليجز غنمه!!.. ولعله وهو ينتقل من مؤامرة إلى أخرى، كان يتدرب على جرأة تتزايد مع نجاح المؤامرة، فلا يرمش له الطرف، وهو يندفع، ويغامر، ويتآمر!!..



يعقوب الطامع

وطمعه في المال كان بغير حدود،.. إذ كان كل شيء عنده بثمن، فهو إذا اشترى يبخس الثمن إلا إذا أكره على غير ذلك، فهو يشتري من أخيه أغلى ما عنده بأكلة عدس، وقد علم بيته أن كل شيء لابد أن يكون بحساب، لدرجة أن مبيت ليلة عند ليئة تأخذ راحيل مقابله لفاحاً من الحقل، وهي تسلمه لها في تلك الليلة.. كان معلماً عظيماً من أعظم المعلمين الذين ظهروا على هذه الأرض في حساب المال، وما يزال أبناؤه اليهود إلى اليوم سادة الكل في السيطرة والطمع والجشع والتجارة بالمال في كل أرجاء الأرض!!..



يعقوب الصبور

وهو الصبور إذا ما وضع هدفاً أمام عينيه، أو كما قال هوشع: "وهرب يعقوب إلى صحراء آرام وخدم، إسرائيل لأجل امرأة ولأجل امرأة رعي".. وهو لا يكل لأجل راحيل سبعة أعوام، أو بتعبير أصح أربعة عشر عاماً بعدما خدعه خاله بأختها ليئة، وهو يخدم ست سنوات من أجل الثروة التي اقتناها!!..

هذا هو الرجل الذي جاءت به نعمة الله ليكون ابن الموعد، وسر البركة لأجيال بلا عدد ستأتي بعده وفي أثره!!.



يعقوب المختار

وقصة الاختيار من أعمق وأعوص ما يمكن أن يواجه الذهن البشري، وليس من سبيل للإنسان أن يفهم الأساس الذي يختار به الله الفرد أو الشعب ليحمل رسالته بين الناس، وقد كان يعقوب مختاراً بهذا المعنى،.. وليس لأي بشري- وهو يرى الحكمة الإلهية العميقة وراء الاختيار- إلا أن يقول: "يا لعمق غنى الله وحكمته وعلمه ما أبعد أحكامه عن الفحص وطرقه عن الاستقصاء لأن من عرف فكر الرب أو من صار له مشيراً أو من سبق فأعطاه.. يعتقد البعض أن الرسول بولس –وهو يتحدث عن الاختيار في رسالة رومية- لم يكن يقصد المفارقة بين عيسو ويعقوب كشخصين بقدر ما كان يقصد أنهما يمثلان أمتين وشعبين، وأن الله في حكمته الأزلية رفض آدوم واختار إسرائيل، وأن الآيات الواردة في الأصحاح التاسع من رومية، لم تقصد فرض صحته لم يعطنا حلاً للمشكلة أو تفسيراً لها،.. كما أنه من الخطأ الواضح، وقصر النظر أن تربط الاختيار بسبق الله لمعرفته بما سيعمله الإنسان، والرسول ينفي تماماً هذه القاعدة: "لكي يثبت قصد الله حسب الاختيار ليس من الأعمال بل من الذي يدعو".. ولو أخذنا بهذه القاعدة لرفض الله عيسو ويعقوب معاً، فلئن كان عيسو مستبيحاً وزانياً، فإن يعقوب المخادع الماكر الأناني لم يكن في أعماله ما يدعو إلى الاختيار أي يشجع على الأفضلية،.. إن النظرة العجلى في الحياة تبنى الاختيار على سبق العلم بالأعمال الصالحة عند الله، تأسيساً على مفهوم العدالة المطلقة الكاملة عنده تعالى، ونحن نؤكد أن الله لا يمكن وهو الإله العادل، أن يتجاوز العدالة قيد أنملة، في قضية الاختيار الإلهي،.. على أن الاختيار إذا أخذ بمفهوم الأعمال السابقة يخرج مسخاً قبيحاً مبتوراً، إذ أنه يجرده من النعمة الإلهية الكامنة خلفه،.. وحيث هناك النعمة فليست الأعمال، وحيث هناك الأعمال فليست النعمة،.. إن الأصح هو القول أن الاختيار الأزلي مبني على كمالات الله جميعاً وعلى صفاته وطبيعته مجتمعة معاً، وهنا نحن أمام بحر بعيد عميق، مهما سجنا فيه فإننا لا نتجاوز قط بضع خطوات من الشاطيء، وسيبقى العمق أبعد من كل فهم أو ذكاء أو حكمة بشرية!!..

في الواقع أن جميع مقاييس الناس لا تصلح البتة أن تخضع الاختيار الإلهي للميزان البشري، وإلا فهل يمكن أن يقع الاختيار على راحاب الزانية في مدينة أريحا؟ وهل يمكن والموآبي ممنوع أن يدخل في شعب الله إلى الجيل العاشر أن يكون هناك مجال لراعوث الموآبية؟.. عندما تحدث الله إلى حنانيا عن الشاب الطرسوسي بولس فزع الرجل: "يا رب قد سمعت من كثيرين عن هذا الرجل كم من الشرور فعل بقديسيك في أورشليم وههنا له سلطان من قبل رؤساء الكهنة أن يوثق جميع الذين يدعون باسمك" "فقال له الرب اذهب لأن هذا لي إناء مختار ليحمل اسمي أمام أمم وملوك وبني إسرائيل لأني سأريه كم ينبغي أن يتألم من أجل اسمي".. عندما سئل أحد القديسين عن مشكلة الاختيار، ولماذا اختار الله هؤلاء جميعاً، رغم ما فعلوا، وتركوا في قصة حياتهم من آثار قاسية رهيبة بشعة؟!!. أجابه في تأمل وديع قائلاً: إن هذه ليست بالحري المشكلة الكبرى أمامه!!.. إن مشكلتك الحقيقية الكبرى! لماذا اختاره هو الله، وليس فيه أدنى استحقاق على الإطلاق لمثل هذا الاختيار!!..



يعقوب المجد

التجديد هو التغيير الفجائي الذي يطرأ على حياة الإنسان، فيقطع صلته بماض مخز أثيم إلى حياة تختلف عن الحياة القديمة التي كان يعيشها، وقوام هذه الحياة، أن يدخل الله فيها، وهي كما وصفها السيد المسيح الولادة من فوق، وهي معجزة دون أدنى شك في حياة المؤمن، وهي ليست قالباً واحداً يصب فيه الإنسان ليصنع من جديد، إذ أنها لها صورها المتعددة بطبيعة الحياة التي يطرأ عليها التغيير، وقد أخذت هذه المعجزة تلفت أنظار علماء النفس، وهم يدرسون التغير المثير، الذي ليس من السهل تعليله، دون دخول عوامل خارجية، هي في لغة المسيح، الولادة من الروح القدس، فكيف حدث هذا التغيير في حياة يعقوب، فرأى الله، وسلم السماء والملائكة، ودخل في عهد حاسم وشركة جديدة، مع سيده لم تكن معروفه أو مألوفة عنده من قبل؟.. هذه الرؤيا التي أثارت رهبته، وأوقفته على باب السماء، وكانت بمثابة نقطة تحول فاصلة في تاريخه، لا يمكن أن نمر بها دون أن ندرك معناها وكنهها، كنموذج عظيم من النماذج المتعددة المختلفة للولادة الجديدة عند الكثيرين من أبناء الله!!.. ومع أنه ليس من السهل أن نصف بدقة العوامل المتعددة النفسية التي انتهت بيعقوب إلى العهد الذي وصل إليه مع الله،.. إلا أنه يمكن ملاحظة ثلاثة أمور متتابعة وصلت به بالتأكيد إلى الولادة الجديدة وهي العزلة والندم والغفران الإلهي!!..

أما عن العزلة فقد كانت هذه أول ليلة يخرج فيها يعقوب من بيته، ويضرب في الصحراء في اتجاه آرام النهرين، ولعله خرج في الصباح الباكر من بئر سبع حتى وصل إلى المكان الذي أطلق عليه فيما بعد "بيت إيل" وهو يتجاوز الستين ميلاً، وما من شك بأنه بلغ حد الإعياء الجسدي، فارتمى على الأرض، ولم يجد سوى حجر يتوسده هناك ويضع رأسه عليه، ولا حاجة إلى القول إن الوحشية الكاملة قد أمسكت به في تلك الليلة، وأضعفته، وليس هناك من أحد يؤنسه، وقد ترك أباه وحضن أمه الحبيبة لأول مرة في حياته، وما من شك بأنه رفع رأسه فرأى النجوم اللامعة فوقه، هل ناجاها، واستمع إلى ما يمكن أن تثيره في أعماق نفسه،.. إن بعض الشراح يصورون لنا شيئاً من هذه المناجاة، وقد تحولت إلى ما يشبه الندم العميق على ما حدث منه، وما صار إليه،.. ولقد قال واحد منهم: إنه في بيته كان يجد دائماً تبريراً لما فعل أو يعتد على حقه، إذ أن هذا الحق مقرر له من قبل مولده،.. وهو إن كان قد لجأ إلى الخداع، فإن أمه هي المسئولة عن غشه لأبيه، وخداعه له،.. كان من السهل عليه في بيته أن يبرر كل شيء، وأن يهدي نفسه دون أدنى لوم أو تثريب،.. أما الآن –وهو وحيد أعزل في الصحراء- فإنه يدرك تماماً، أنه يحصد نتيجة ما فعل،.. وأن الصراع النفسي الذي يستولي عليه، تحول إلى ما يشبه مناخس شاول الطرسوسي التي كان يرفسها فيزداد ألماً، وهو إذ ينام في بؤسه وندمه، يواجه سؤال واحد لا غير: هل يغفر الله ذنبه، وهل تتسع له رحمته ورأفته وإحسانه وجوده؟ أم هو الإنسان الذي سيرى عقاب العدالة الإلهية التي ستتابعه وهو شريد غريب؟!!.. على أي حال لقد نام يعقوب في الصحراء وحيداً أعزل نائماً كالطفل الصغير الخائف الذي يتمنى أن يحتضنه أبوه وأمه في دفء الحنان والرقة والمحبة!!.. على أنه مهما تصور وتخيل فمن المستحيل أنه كان يتصور معاملة الله العجيبة التي ظهرت له في الرؤيا الخالدة التي رآها وغيرت تاريخه في بيت إيل، لقد جاءه الله كا يأتي الأب إلى طفله المذعور، لا ليهديء مخاوفه فحسب، بل ليعطيه من العطايا ما لم يكن يحلم بها أو ينتظرها على وجه الإطلاق.. لم يأت منتقماً كما كان يتخيل أو يتصور، بل جاء حانياً مهدئاً مترفقاً.. وكانت الرؤيا باديء ذي بدء إعلاناً عميقاً عن غير المنظور، فهناك الله، وهناك السماء، وهناك السلم الرابطة بين السماء والأرض، وهناك الملائكة، وهناك اليقين الثابت بأن القوى الخفية غير المنظورة هي الأقوى والأعظم والأفعل، بل لقد أدرك يعقوب أكثر من ذلك أنه في البرية أو الأرض ليست بعيداً أو مقطوع الصلة بهذه القوى العظيمة، بل أنه وهو في الأرض: "ما أرهب هذا المكان ما هذا إلا بيت الله وهذا بابا السماء" لقد تدانت السماء والأرض وانتهى الفاصل الرهيب بينهما بالسلم التي رأسها في السماء وقاعدتها ترتكز على الأرض وهناك الملائكة الصاعدة باحتياجات الإنسان وانتظاره وتوسلاته وطلباته من الله، وهناك الملائكة النازلة بجواب الله عليها جميعاً، وفوق الكل، وقبل، وبعد الكل هناك الله الذي يقف على رأس السلم يحنو ويراقب ويهتم ويجيب ويعطي،.. إلى هذا الحد يغفر الله ويتسامح؟!! أإلى هذا الحد لم يصنع معه حسب خطاياه أو يجازه حسب آثامه؟!!.. أإلى هذا الحد يترفق ويعين فهو لن يترك يعقوب وحده في الطريق، هل سيسير معه الرحلة كلها، ويتعده ويضمنه ذهاباً وعودة؟!! أإلى هذا الحد يمكن أن يكون الله طيباً؟!!.. أجل، والله لا يمكن أن ينهال ضرباً على ابنه الخائف النادم المذعور الوحيد في الصحراء،.. بل على العكس إن الله بهذا الأسلوب من الحنان والرفق والإحسان والرحمة قصد أن يخجل يعقوب من نفسه ليكتشف دركات الخسة والوضاعة والدناءة والحطة التي وصل إلى قرارها، ولا حاجة إلى القول إن هذه الحقيقة هي التي نفذت إلى أعماقه طوال العشرين عاماً التي قضاها عند خاله لابان، وأنها قد أضحت الصلاة التي صلاها في عودته عند نهر الأردن وهو يصيح: "صغير أنا عن جميع ألطافك وجميع الأمانة التي صنعت إلى عبدك فإني بعصاي عبرت هذا الأردن، والآن قد صرت جيشين".. هذه الألطاف وهذه الأمانة هي التي كسرت قلب يعقوب، وهي التي أعطته من أول يوم رأى فيه الله في بيت إيل أن تستولي عليه الهيبة وأخذ لمسة الحياة، ويولد جديداً، وهو يسمع الله ويجيب عليه، ويدخل معه في عهد ونذر الحياة الجديدة، وبالجملة كان بيت إيل بمثابة النقطة والمكان لمولد يعقوب وحياته الجديدة.

هل توقف الله عند يعقوب وهو يقابل الخسة والضعة والأنانية والإثرة بالجود والمحبة والترفق والإحسان!!.. كلا وإلى الأبد، وما يعقوب إلا واحد من النماذج المتعددة التي بها يجذب الله ابنه الضال الشريد الهائم على وجهه في الأرض، ومهما بعد الابن ونأى وتاه في الكورة البعيدة، فإن استقباله الدائم هو الحضن الأبدي، والقبلة المشرقة، والحلة الأولى والعجل المسمن، والخاتم، والحذاء، والموسيقى والرقص، فإذا قالوا لك غير ذلك فلا تصدق،.. لأن الله لا يمكن أن يعالج ابنه العائد بالقسوة والعقوبة والشدة إلا كآخر أسلوب عندما لا تنجح الأساليب الأخرى من جود وعطاء ورفق ومحبة!!..



يعقوب المقدس

كانت الولادة الجديدة بمثابة الفجر في حياته مع الله، غير أنه لابد من السؤال هنا: وماذا بعد ذلك؟!! هل نخطيء فيغفى الله ويدلل، ويطلق العنان، وكأنما لم يحدث شيء،.. حاشا لله أن يفعل ذلك،.. إنه على العكس يحب، ويؤدب، ويصقل. وكاتب الرسالة إلى العبرانيين -وهو يستحث أبناء الله المجاهدين ضد الخطية- يقول: "لم تقاوموا بعد حتى الدم مجاهدين ضد الخطية، وقد نسيتم الوعظ الذي يخاطبكم كبنين يا ابني لا تحتقر تأديب الرب ولا تخر إذا وبخك لأن الذي يحبه الرب يؤدبه ويجلد كل ابن قبله. إن كنتم تحتملون التأديب يعاملكم الله كالبنين فأي ابن لا يؤدبه أبوه ولكن إن كنتم بلا تأديب فقد صار الجميع شركاء فيه فأنتم نعول لا بنون ثم قد كان لنا آباء أجسادنا مؤدبين وكنا نهابهم أفلا نخضع بالأولى جداً لأبي الأرواح فنحيا لأن أولئك أدبونا أياماً قليلة حسب استحسانتهم وأما هذا فلأجل المنفعة لكي نشترك في قداسته".. كانت المسافة بين بيت إيل وفنيئيل عشرين عاماً، وقد عامل الله يعقوب الابن المجدد معاملة ثلاثية واضحة، هي المحبة، والتأديب، والصقل، أما الحب فقد ظهر في الرعاية العجيبة التي لم تتخل عنه قط، وفهو يكثر كثرة مذهلة في البنين والثروة معاً، وهو محروس بعناية الله العجيبة دون أن يناله أدنى أذى من خاله الأرامي الذي جاءه الله في حلم الليل وقال له: "احترز من أن تكلم يعقوب بخير أو شر".. وهو يلاقي في الطريق ملائكة الله وجيش الله في محنايم، وهو قاب قوسين أو أدنى من لقائه بماضيه،.. وهو الابن المحبوب لله سواء كان في قمة الصواب أو في قاع الخطأ.. وهو المؤدب تماماً من الله، وكيف أنه الرجل الذي عاش مع خاله يأكله الحر في النهار وفي الليل الجليد، وطار النوم من عينيه، وإذا كان قد غش أباه مرة، فقد غشه خاله مرات، وما يزرعه الإنسان فإياه يحصد أيضاً،.. لم تكن الحياة ليعقوب هينة وادعة لينة مريحة، بل كانت على العكس كما وصفها لفرعون غربة قليلة ورديئة،. أليس من الغريب أن الله الذي سهل أمامه الطريق، هو بعينه الذي صارعه في الطريق؟ وأن الخير الظاهر وقد جاء بالكثرة العجيبة المذهلة التي رأيناها، صاحبه في الوقت عينه ذلك الخير الداخلي العميق الخفي، الذي لم يستطع الحصول عليه بغير الجهاد والدموع والحق المخلوع؟ "هل رأيت ذلك العمود الرخامي المصقول الذي يقوم عليه السقف في بيت الله؟.. إنه يقطع أولاً من الجبل بطوله ويتجمع القوم حوله وقد ألقوه على الأرض، ويظلون يحكونه ويدعكونه في الرمال حتى يصقل ويصبح ناعم الملمس على الصورة الجميلة الرائعة التي نبصره عليها في بيت الله،.. فإذا رام الله أن يجعل إنساناً ما، عموداً في هيكل الله، فإنه يفعل معه ذات الشيء، ليخلصه من كل الشوائب، والعيوب والزوائد، والنتوءات التي يتركها الجسد والعالم والخطية والشيطان في حياته!!..

على مشارف كنعان وقف الإنسان الذي جاء إلى عالمنا متجسداً فيما بعد، وقف يمنع الحياة العرجاء من دخول أرض الموعد، وإذ أراد يعقوب أن يقتحم الطريق عند مخاضة يبوق، منعه، وصارعه الواقف بالمرصاد أمامه في الطريق،.. وكانت ليلة من أقسى الليالي في حياة يعقوب، لجأ فيها (كما يقول هوشع) إلى البكاء والاسترحام وطلب البركة، ورق المعطى، وضربه في الجسد، ليرفعه في الروح، وبدل اسمه القديم يعقوب "بالاسم الآخر الجديد "إسرائيل" أمير الله أو المجاهد مع الله!!..



يعقوب المكرس

وإذا كان بيت إيل نقطة التجديد، فإن فنيئيل نقطة التكريس الشامل الكامل عند يعقوب، وها نحن نراه الآن قابعاً حيث يوجد، وقد فقد بصره، ولم يعد يتطلع إلى غنم تتوحم، أو إلى بقر يخور، ولم يعد له مطمع في الدنيا، وقد ارتسمت علامات من الألم والحزن لفقد ابنه الحبيب يوسف، وهو يبقى في مصر بجسده، أما روحه فليست هناك، وحتى الجسد يريد أن يودعه مغارة المكفيلة مع أوبيه إبراهيم واسحق، ولا فرق عنده في الحياة طابت أو غابت إذ هو غريب في الأرض،.. فقد يعقوب بصره، وتفتحت رؤاه وبصيرته، وهو يمد البصر إلى الأفق البعيد البعيد، فيرى أجيالاً تأتي بلا عدد، ويرى هناك شيلون الذي سيأتي وله تخضع شعوب بأكملها!!.. ولعله -وهو يمد النظر إلى مطلع الحياة والشباب- عاد يسأل: لماذا حدث كل ما حدث؟! ولماذا اندفع وتخبط فيما فعل وتصرف؟! لقد كان عبثاً مؤلماً على أي حال، نال تأديب الرب عليه.. أما حياته بجملتها فقد تلخصت في عبارة واحدة، قالها في ضجعة الموت، وهو يبارك أولاده الواحد بعد الآخر،.. قالها وهو يلتقط أنفاسه، في قلب البركة،.. ولم تكن أكثر من ثلاث كلمات: "لخلاصك انتظرت يا رب"..!!

elraiek G
09-16-2010, 05:37 PM
( 11 )

يوسف

" أنتم قصدتم لي شراً، أما الله فقصد به خيراً لكي يفعل كما اليوم ليحيي شعباً غفيراً "

تك 50: 20

مقدمة

لست أعتقد أن هناك قصة خيالية أروع أو أجمل من القصة التي كتبها "أ. هيل" في كتابه "عيد الميلاد في قصر... وقد كتب هذه القصة تحت عنوان "الأيدي المرفوعة"، وهي عن الليلة الأولى في حياة يوسف، بعد أن باعه إخوته وأخذته قافلة الاسماعيليين لتذهب به إلى مصر، وإذ حطت القافلة رحالها في الليلة الأولى، ونام الجميع، واستولى عليهم سبات عميق، استيقظ يوسف في منتصف الليل ليجد الكل نياماً، ويجد فرصة واسعة في الهروب، فتسلل، وهم أن يصل إلى باب الخروج، وكاد أن يفلت، لولا أن كلباً أصفر ضخماً أخذ ينبح نباحاً عالياً،.. وفزع يوسف ورفع عينيه إلى السماء، يطلب معونة الله في إسكات الكلب،.. وقد تحرك أحد الملائكة، وأراد أن ينزل ليقتل الكلب، ويطلق سراح الشاب النقي المظلوم، لولا أن أمراً إلهياً منعه، واستيقظ الحارس ليضرب يوسف، ويقيده، ويمنعه من الهروب، وإذ عجب الملاك من المنع الإلهي،.. صور له الله ما كان يمكن، لو تمكن يوسف من الهرب وعاد إلى أبيه، حيث يستقبله بترنم وفرح،.. غير أن المجاعة لا تلبث أن تحل، وليس هناك يوسف الذي يتأهب لمواجهتها، وإذا بمصر وفلسطين تجوعان، ويموت خلق كثير، ويضعف الباقون ويتعرضون لهجمات الحثيين الوحشية، وإذا بالحضارة تدمر، ومصر تنتهي، وتتحول روما واليونان إلى البربرية الكاملة، ويهلك العالم كله، ولا نسمع عن إسرائيل ويهوذا والملوك والأنبياء، وبالتالي لا يأتي المسيح مخلص العالم!!. وما من شك بأن القصة غارقة في الخيال، ولكنها تؤكد الحقيقة الدائمة الصادقة: إن كل الأشياء تعمل معاً للخير للذين يحبون الله الذين هم مدعوون حسب قصده، وترينا أن الظروف التي يجتازها الإنسان بحلوها ومرها، وسجنها ومجدها، ليست إلا السبيل المؤهل لإتمام رسالته في الأرض،.. وهذا ما ذكره يوسف في قوله لإخوته: "أنتم قصدتم لي شراً أما الله فقصد به خيراً لكي يفعل كما اليوم ليحيي شعباً غفيراً"..

ولعل هذا يساعدنا على متابعة قصة يوسف على النحو التالي المتتابع:



يوسف من هو؟!!

إن أول ما يلفت النظر في يوسف هو ذلك الجمال والحلاوة التي انطبعت عليه، إذ كان جميلاً جداً،.. ويعتقد أنه ورث الكثير من حلاوة أمه وجمالها، بل يظن أن يعقوب -وهو يضمه إلى حضنه- كان يفتقد في صورته الجمال الذي ذهب في زوجته راحيل، الجمال الذي عاد إليه في صورة مذهلة مرة أخرى في وجه يوسف،.. على أنه من الغريب أن قصة يوسف تكشف عن جمال أحلى، وأروع، وأجمل، وأبهج، وهذا الجمال لا يلفتنا إلى الشبه الكبير بين يوسف وأمه راحيل، بل إلى الشبه المتقارب بين يوسف والمسيح، فما أكثر ما تقترب القصتان وتتشابهان، اقتراب الرمز من المرموز إليه،.. وقد عدد بعضهم ما يقرب من أربعة وعشرين شبهاً بين الاثنين،.. فإذا كان يوسف هو الابن المحبوب الوحيد المتميز بين إخوته، فإن المسيح: "الابن الوحيد الذي هو في حضن الآب".. وإذا كان يوسف أسمى وأشرف من إخوته، وأكثرهم تعلقاً بأبيه، فإن المسيح هو الابن الوحيد الكامل الذي لا يداني أو يباري من إخوته جميعاً، وهو الألصق بأبيه، والذي دائماً يصنع مشيئته بمسرة كاملة،.. وهل ننسى أن يوسف حسده إخوته، وباعوه وأسلموه للضيق والتعب، والتشريد والعبودية؟ وهل ننسى أن ذات الشيء حدث بالنسبة للمسيح إذ علم بيلاطس أنهم –أي إخوته وشعبه- أسلموه حسداً؟.. وهل ننسى القميص الملون المغموس بالدم،.. والقميص الذي اقترع عليه الجنود يوم الصليب؟.. ومن الغريب أن المسيح ويوسف جاء كلاهما إلى مصر،.. كما أن يوسف بيع بعشرين من الفضة.. وبيع المسيح بثلاثين،.. وقد غفر كلاهما للإخوة ما فعلوا،.. وقدم يوسف للعالم الخبز المادي،.. وكان المسيح هو خبز الحياة،.. هذه وغيرها من الصور تعطي لقصة يوسف الحلاوة التي قل أن نجدها في غيرها من السير أو القصص التي نقرؤها في داخل الكتاب أو خارجه!!..



يوسف التقي النقي

كان يوسف نقياً لأنه كان تقياً، وما من شك بأن التربية الدينية كان لها أعمق الأثر في ذلك، كان يوسف في السابعة من عمره، عندما ترك أبوه فدان أرام، على الأغلب،.. ولم يستطع التأثير الوثني الشرير في بيئة خاله أن يفعل ما فعله في نفس الصغير، فكان موقفه من هذا القبيل أفضل من إخوته الآخرين، بل كان التصاقه بأبيه واقترابه إليه فرصة عظيمة لكي تستمع أذنه ما فعل الله مع آبائه إبراهيم واسحق ويعقوب،.. ورسخ في ذهن الصغير أن الحياة مع الله هي الطريق الصحيح الوحيد الرائع إلى القوة والنجاح، مهما التوت السبل، وتنكبت الطرق، وتغيرت الظروف..

ومن الملاحظ أن النقاوة عندما لم تكن مجرد سمو أدبي أو ترفع ذهني، بل كانت بالأحرى إحساساً عميقاً برؤية الله، والتمسك به، لقد ضربت جذورها في أعماق الشركة مع الله، فلم تبال بالأجواء أو الظروف المتغيرة، ولم تبال أكثر بألام ومتاعب الأنقياء الأتقياء، بل كانت تجسيداً لقول أبيه: "يوسف غصن شجرة مثمرة غصن شجرة مثمرة على عين أغصان قد ارتفعت فوق حائط فمررته ورمته واضطهدته أرباب السهام ولكن ثبتت بمتانة قوسه وتشددت سواعد يديه من يدي عزيز يعقوب من هناك من الراعي صخر إسرائيل" أو قول المزمور الأول: "طوبى للرجل الذي لم يسلك في مشورة الأشرار وفي طريق الخطاة لم يقف وفي مجلس المستهزئين لم يجلس لكن في ناموس الرب مسرته وفي ناموسه يلهج نهاراً وليلاً فيكون كشجرة مغروسة عند مجاري المياه التي تعطي ثمرها في أوانه وورقها لا يذبل وكل ما يصنعه ينجح".. أو ما ردده إرميا: مبارك الرجل الذي يتكل على الرب وكان الرب متكله فإنه يكون كشجرة مغروسة على مياه وعلى نهر تمد أصوله ولا ترى إذا جاء الحر ويكون ورقها أخضر وفي سنة القحط لا تخاف ولا تكف عن الإثمار".. لقد وقع هذا الشاب بين نوعين من التجارب، هما من أقسى ما يتعرض لهما الشباب في كل جيل وعصر، وهما الرهبة والرغبة، أو الوعيد والوعد، أو الاضطهاد والإغراء،.. فإذا لم يفلح النوع الأول، فلعل الثاني يمكن أن يسقطه إلى الأرض والحضيض، وأي شيء أقسى على النفس الحساسة من الجو المتبدل فجأة من حضن الآب إلى الغربة، ومن الحرية إلى الاستعباد، فالظلم فالسجن، لقد نشبت السهام في قلب الفتى متطايرة إليه من إخوته والأجانب معاً،.. ولما لم تفلح تبدل الأمر بفحيح الأفعى، وإغراء الدنس والفجور والإثم، ولكن الشاب الغارق في الألم والمخضب رأسه بالدم، رفع هذا الرأس النبيل في مقاومة أقسى تجربة، وهو يصيح: "كيف أصنع هذا الشر العظيم وأخطيء إلى الله"؟ ووقف الشاب القديم مما يقرب من ثلاثة آلاف عام قائداً من أعظم قواد الشباب في معركة التقوى والنقاوة، لأنه تطلع إلى الله، فانتصر على التجربة!!..



يوسف الحالم المرتفع الرؤى

ولن نستطيع أن نفهم هذا الشاب ما لم نتتبع أحلامه ورؤاه، الأحلام التي ترسبت في عقله الباطن لتحكم عقله الواعي، والتي سيطرت على مشاعره الخفية لتحكم تصرفاته الظاهرة،.. لقد ولد يوسف ليكون مرتفعاً، وولد ليكون سداً، وهو يمد الطرف في رؤى الشباب ليحلق بين النجوم تنحني أمامه الشمس والقمر وأحد عشر كوكباً ساجدة له، وتنتصب حزمته لتسجد أمامها حزم إخوته،.. وقد عاشت هذه الرؤى إلى آخر عمره تدغدغ حسه، وتنشر جوه بالعطر العبق الذي يملأ رئتيه، وعاشت لترفعه فوق الصغائر والكبائر، وتحيط به في الظلمة والنور، في السجن وعلى العرش معاً، وإذا كان الوحي يقول: بدون رؤية يجمح الشعب، فإن أحلام هذا الشاب كانت من أقوى العواصم التي حفظته من الضعة والإسفاف والتردي والجموح!!.. كان يوسف النقي يحسن الرؤية لأنه يعاين الله: "وطوبى لأنقياء القلب لأنهم يعاينون الله".. وكان يوسف في هذه النقاوة قد أعطى الشفافية التي ترقى به فوق عالم الدنس، فهو أشبه الكل بالنسر المحلق يضرب بجناحيه القويين في السماء العالية في الشركة مع الله!!.. وعاش يوسف برؤاه أعلى من تراب الأرض، وغبار الفساد، وحقد التشفي، وسقوط البؤس أو اليأس الذي يلم بملايين الناس العائشة على الأرض المتطلخة بطينها ووحلها وحمأتها!!.. وعاش يوسف في أحلك الليالي يتطلع خلف القضبان إلى كوكب الصبح الذي لابد أن ينبلج مهما طال الليل أو امتد به القتام!!.. ولم يفسر يوسف أحلامه الخاصة به، بل فسرها لرئيس السقايين ورئيس الخبازين، وفسرها لفرعون نفسه، لأن يوسف في هذه الرؤى جميعاً لم يشك قط في مصدرها الإلهي من عند الله!!.. أيها الشاب: هل لك رؤى يوسف وأحلامه؟

!!..

يوسف الواضح الصريح

ثمة خلة أخرى تمكنت من يوسف في صدر شبابه، وهي أنه الإنسان الصريح المجبول على الصراحة، لا يستطيع أن يتصور -وهو مع إخوته- مدى الحطة التي وصلوا إليه، وهو أن عجز عن إصلاحهم، لأنهم ربما يستصغرونه ويستضعفونه، فلا أقل من أن يعطي أباه الصورة الصحيحة عنهم، ومع أن هذا أورثه حقدهم وضغينتهم، إلا أنه كان لابد أن يكشف شرهم أمام أبيه،.. كما أن رؤياه التي أبصرها في الليل، كانت في الصباح أمامهم.. لقد التزم يوسف جانب الصدق، وإن كان أسلوبه مع الأيام تغير، إذ أدرك أن هناك أشياء يعرفها الإنسان، ولكنه من الحكمة ألا يقولها إلا في الحين الذي تصبح فيه الضرورة ماسة لذكرها، ولعل حديثه مع رئيس السقايين عندما قال له: "لأني سرقت من أرض العبرانيين، وهنا لم أفعل شيئاً حتى وضعوني في السجن، كان يكشف عن الصدق، ولكن بالصورة التي بلغت النضوج والحكمة في عرض الرواية في حدود الصدق المفيد، دون انزلاق عاطفي أو زلة لسان دفع الكثير بسببها دون أن يعلم أو يفطن!!.



يوسف المخلص الغيور

كانت صفة الإخلاص واحدة من أعظم صفات يوسف وأثبتها، وكان في إخلاصه غيوراً ممتلئاً من الغيرة،.. كان مخلصاً لأبيه الذي أحبه، فإذا كلفه أبوه بمهمة ما، فهو غيور في طاعة أبيه وتنفيذ رغبته، فإذا طلب إليه أن يذهب إلى شكيم ليسأل عن سلامة إخوته، لا يكتفي بالذهاب إلى هناك، فإذا لم يجدهم يرجع ليخبر أباه بذلك، بل هو يمعن في البحث عنهم حتى لو تاه أو ضل الطريق، وإذ يسمع أنهم في دوثان يذهب إليهم وراء الطاعة لأبيه المحبوب،.. وهو مخلص لإخوته، ونجد هذا الإخلاص الأخوي في التعبير القائل لمن وجده ضالاً في الحقل: "أنا طالب إخوتي" وهو مخلص لفوطيفار يخدمه بأعمق ما يمكن أن يكون من الولاء في الخدمة، وهو يحرص على أن يكون النموذج المثالي لخدمة إنسان لآخر في الأرض،.. وهو مخلص لفرعون وهو يرسم السياسة في خدمة الشعب الجائع، وفي نفس الوقت في إعطاء فرعون أكبر ما يمكن أن يعطي من ثمن للطعام الذي سيقدمه للناس،.. وهو قبل وبعد كل شيء، مخلص غيور لله، يرتبط هذا الإخلاص بعظامه التي يريدها أن تنقل مع شعب الله، عندما يفتقدهم الله في يوم من الأيام!!..



يوسف المؤمن الصبور

خرج من بيته في السابعة عشرة من عمره، وظل ثلاث عشرة سنة، كان من المستحيل أن يحتملها دون أن يكون له مصباح الإيمان الذي يمسك به في أحلك الليالي،.. لقد عرف المرصد الذي يقف عليه، قبل أن يأتي حبقوق بقرون طويلة، وكان يسمع صوت الإيمان يقول إلى قلبه وكيانه: "إن توانت فانتظرها لأنها تأتي أتياناً ولا تتأخر".. وقد رأى الرؤيا كوعد من الله، لابد أن يتحقق مهما طال الليل أو امتد به الظلام.. وهو يثق في الرؤيا، ولا يفشل في انتظارها،.. وعندما يعرض رئيس السقايين ورئيس الخبازين حلميهما عليه، لا نسمع منه أدنى تشكيك في حقيقة الأحلام، بل على العكس يرى الله صانع ومفسر الأحلام،.. وعندما يحلم الملك ويتكرر حلمه، يؤكد له أن تكرار الحلم معناه أن الله مسرع لتنفيذه، ولقد بلغ به اليقين في ذلك، اقتراحه على الملك أن يواجه الحلم بالترتيب العملي اللازم لتنفيذه،.. على مرصد الإيمان وربوته يقف يوسف ليرى الشمس خلف الظلام والغيوم، وليؤكد أن دورة الأرض تعقب الليل بالنهار، وتعقب الظلام بالنور، وقد كان هو بالحقيقة مثلاً للإيمان القوي العميق الصبور!!..



يوسف الصفوح الغافر

كانت جراح هذا الشاب عميقة بالغة الغور والعمق،.. لقد جرح من إخوته الذين عند الترفق تحولوا من قتله إلى بيعه عبداً بلا رجاء أو حرية أو أمل،.. لقد باعه إخوته، وجرح الأخ أعمق وأقسى الجراح على وجه الإطلاق.. ما هذه الجروح التي في يديك؟ ويأتي الجواب المرير: هي التي جرحت بها في بيت أحبائي، ولقد لف قيصر وجهه تحت طعنة الغدر، وهو يقول: “حتى أنت يا بروتس؟!!.. ولقد جرح يوسف من الغريب،.. جرح من الرجل الذ ي خدمه بكل إخلاص وأمانة، ومع أننا لا نعلم ماذا فعل معه بعد ذلك،.. إلا أننا نعلم أن إخوته عندما تصوروا أنه سيرد عليهم بعد وفاة أبيه الصاع صاعين بكى لمجرد تصورهم هذا،.. إن سر الغفران عند يوسف، يرجع إلى تجاوزه الإنسان البشري والتوقف عند قصد الله، وهو يعلم أن اليد البشرية مهما طالبت فهي قاصرة ما لم يأت السماح من الله!!.. على أي حال أن قصته تكشف عن الإنسان الذي غفر وصفح عما فعلوا فيه.. والعفو كما يقال من شيم الكرام القادرين!!..



يوسف في مدرسة الآلام

كان يوسف واحداً من أقدم التلاميذ الذين دخلوا مدرسة الألم العظيمة في الحياة، وكان واحداً من الذين تخرجوا منها بامتياز إن صح أن نستخدم هنا النهج العلمي في تقدير الدرجات!!.. وقد قضى يوسف في مدرسة الألم ثلاثة عشر عاماً متواصلة، ومع أن مدارس الألم تختلف باختلاف الآلام وأنواعها في الأرض، وباختلاف الهدف أو الغاية من هذه الآلام، فإذا صح أن تعطي هذه المدارس أسماء مختلفة،.. فيمكن أن نذكر منها "مدرسة العقوبة" التي يأخذ فيها المرء الجزاء والقصاص لما يرتكب من آثام وفجور. وهناك "مدرسة التأديب" وهي نوع من المدارس لا يقصد بها العقوبة في حد ذاتها، بل يقصد منها الإصلاح والتقويم، وهناك "مدرسة الامتحان" وهي التي تكشف لصاحبها والآخرين عن قدراته، وما يكمن في أعماقه من قوة أو ضعف،.. وهناك مدرسة أخيرة يمكن أن نطلق عليها "مدرسة التدريب"، وربما كانت هذه المدرسة الأخيرة هي مدرسة يوسف طوال الثلاث عشرة سنة حتى وقف أمام فرعون في الثلاثين من عمره!!.. وقد رأى يوسف في مدرسة الألم ثلاث حقائق عظيمة أساسية: الحقيقة الأولى: الألم الموزون،.. فالألم الذي يسمح به الله ليس مجرد ضربات عشوائية تنهال على المتألم الباكي، بل هو في الحقيقة ألم محدد موزون،.. وإذا صح أن الإنسان وهو يستخدم أفران الطهي أو الصناعات المختلفة، يحدد درجة الحرارة التي لا يجوز أن تقل أو ترتفع عن الحد المطلوب، فإن الله أكثر دقة واهتماماً بدرجة الألم التي يتوقف عندها الميزان، لأنه لا يسمح بأن نجرب فوق ما نطيق إذ أنه مع التجربة يعطي المنفذ!!.. وقد وزن الله الألم تماماً في قصة يوسف، ومع أنه كان ألماً قاسياً محرقاً، أفصح عنه المرنم: "بيع يوسف عبداً. آذوا بالقيد رجليه. في الحديد دخلت نفسه"... إلا أن الله وازن الألم من الدقيقة الأولى بحضوره ومعونته ومساندته وتشجيعه.. ولقد رأى الشاب كيف أعطاه نعمة في بيت فوطيفار، وكيف أعطاه نعمة في عيني رئيس بيت السجن، وكيف ساعده وأعانه وأنجحه على الصورة الواضحة التي لم يحس بها هو فحسب، بل أحس بها كل من تعامل معه وتقابل!!.. لقد ذهب الله مع الغربة والنفي، والتشريد والسجن وأحس الغلام القديم أن هناك شيئاً عجيباً من التوازن في المدرسة التي دخلها، فإذا أهمله الإنسان فإن الله لا يمكن أن يهمل ويترك،.. وأن السلام العميق الذي يواجه النفس المنكوبة، هو التوازن الخفي الحقيقي الذي يصنعه الله حتى لا ترجح كفة الألم بما فيها من ثقل الضغط أو القسوة أو التعب أو المعاناة أو اليأس أو القنوط،.. وكانت الحقيقة الثانية أن المدرسة كانت مدرسة التدريب العميقة الواضحة فيما وصل إليه الشاب من نضوج وإدراك، وتخطيط وتنفيذ،.. وأين الشاب الذي لا يستطيع أن يخبي ما في صدره فيسرع بالكشف عنه دون ترو أو مبالاة، حتى ولو وضع الأساس العميق للعداوة بينه وبين إخوته بهذا الكلام؟.. أيناه من الشاب الحريص داخل السجن الذي وهو يعرض رواية ظلمة على رئيس السقاة لا يتهم قريباً أو غريباً، وكل ما يقوله "لأني سرقت من أرض العبرانيين وهنا لم أفعل شيئاً حتى دفعوني في السجن".. وهو أعقل من أن يحدث الغريب عن عورة إخوته، وأفطن من أن يخوض في اتهام من هو في مركز ليس من صالحه أن يثصير ثائرته وغضبه مرة ثانية.. أو في لغة أخرى: لقد تعلم كيف يضبط لسانه على نحو يدعو إلى الإعجاب،.. وأكثر من ذلك فإن الشاب بمجيئه إلى مصر كان وجهاً لوجه أمام أعظم حضارة عرفها التاريخ في ذلك الوقت،.. لقد كانت مصر في أيامه أم الدنيا ورائدتها في العلم والفن، والاختراع والصناعة، والتجارة والترف، والحضارة وعبادة الأوثان،.. وكانت بالنسبة للشاب الآتي من الصحراء مركز انبهار وتجربة، وكان عليه أن يواجه الصراع النفسي العميق بين ما يأخذ منها وما يرفض، بين ما يقبل عليه ويمتنع، وإذا دققنا النظر في الرواية الكتابية نجد أن الشاب تعلم الكثير بين بيت فوطيفار والسجن، فتعلم كيف يعمل ويشتري، ويبيع ويربح، ويكنز ويجمع، وإذ لم يكن له من سبيل في الدخول إلى قصر فرعون وهو سجين، جاءه من القصر إلى السجن رئيس السقاة ورئيس الخبازين، وعرف منهما نوع الحياة التي تعيشها الطبقة العالية في مصر،.. وفي كل الأحوال نزل الشاب المترفه الحر بقميصه الملون إلى قاع البئر، بئر الآلام والمتاعب، والخدمة، والاستعباد، وعرف كيف تتلون الحياة وتتبدل، ويتحول الحر عبداً، والعبد حراً، وكيف تدور الساقية علواً وانخفاضاً، وهي تنزح ما في البئر إلى حيث يشاء الله في إرادته العالية العجيبة، في حياة من تعصرهم الآلام وتدربهم الأحزان والتجارب!!.. وهذا يأتي بنا إلى الحقيقة الثالثة من الألم وهي الألم المنتج، أو العصارة التي يطرحها هذا الألم للخير والمنفعة،.. والقاريء لقصة يوسف من واجبه ألا يقرأ قصة شاب دفعته الصدفة إلى شكيم فدوثان، فبيت فوطيفار فالسجن، فقصر فرعون.. بل عليه أن يقرأ القصة كجزء من خط العناية في شاب أرسل أولاً، وفي أمة تتبعه ثانياً، وقد كانت هذه العناية عجيبة ودقيقة بالنسبة للشاب، وهو في التصور تتخبطه الأحداث، أو تتلقفه الحوادث، ولكنها في الخط الإلهي العميق المرسوم، كانت قصة الشاب المرسل من الله، وبيته الذي سيسكن في أرض جاسان، وهي الأرض الواقعة في الجزء الشرقي من الدلتا أو مكان محافظة الشرقية اليوم، ويبدو أنها لم تكن أرضاً مأهولة السكان. وإن كانت في الوقت ذاته مراعي خضراء عظيمة للماشية وكانت الحكمة الإلهية أن يأتي هذا البيت ليكونوا على مقربة من أعظم مدينة في ذلك التاريخ، وليتكونوا هناك -لا كمجموعة من الأفراد- بل كأمة تأخذ بنظم الحياة وأوضاعها وأساليبها، على يد أعظم أمة في الأرض في ذلك الحين، وفي الوقت عينه كان لابد أن ينفصلوا عن تأثيراتها الوثنية المفسدة، وكانت جاسان أفضل بقعة من هذا القبيل، حيث يرعون الماشية بعيداً عن المصريين، وفي عزلة منهم، لأن هؤلاء كانوا يعتبرون رعاية المواشي دنساً ورجساً، وثم كانوا يأبون الاختلاط بها وبرعاتها، وكانت جاسان أقرب نقطة للانطلاق بعيداً عن مصر عندما يحين الوقت لخروجهم منها!!..



يوسف المرتفع

ذكرنا أن يوسف شديد الشبه بذلك الذي سيأتي بعده بألفي عام على وجه التقريب، وإذا كان يوسف قد حمل صليبه وسار في مصر ثلاثة عشر عاماً، فإن الصليب على الدوام يلحقه التاج، وكما قيل عن سيده وقد أخذ صليبه إلى الجلجثة: "الذي إذا كان في صورة الله لم يحسب خلسة أن يكون معادلاً لله، لكنه أخلى نفسه، آخذاً صورة عبد، صائراً في شبه الناس وإذ وجد في الهيئة كإنسان، وضع نفسه. وأطاع حتى الموت موت الصليب، لذلك رفعه الله أيضاً وأعطاه اسماً فوق كل اسم" هكذا نرى يوسف بين الصباح والمساء يشق طريقه من السجن إلى أعلى منصب يتلو منصب فرعون في مصر.. ولعل يوسف في هذا الارتفاع يكشف عن صور إلهية متعددة لعل أهمها:



يوسف وصدق الله

إن نهر الصدق الإلهي كاسح وعارم، فإذا رأيت هذا النهر يتدفق في جلال، ثم جئت إلى النقطة التي لم تعد تراه فيها فليس معنى هذا أن النهر انتهى، بل أن النهر تحول بكل قوته، إلى نهر جوفي يسير بعيداً عن العين البشرية، أو قدرة أبصارها لكنه سيسير في الخفاء مندفعاً، لأن قوة الله العظيمة تدفعه إلى الأمام، لقد سار النهر في الخفاء عبر بيت فوطيفار، وعبر السجن وعبر السنين المظلمة القاسية، واندفع إلى النور ذات صباح، متدفقاً كالنيل العظيم فوق أرض النيل سواء بسواء،.. إنك عندما تقرأ القصة، ستقول إن واحداً من ملوك مصر القدامى، لعله كان واحداً من الهكسوس) رأى من الصواب ذات يوم إخراج يوسف من سجنه ليقود أمة، وينظم أمر شعب بين عشية وضحاها، إنك لو قلت هذا القول، أو مثله لن تصل إلى كبد الحقيقة أو تدرك أعماق الأمور،.. إذ أن الملك الذي أخرج يوسف من السجن، لم يكن الملك المصري، بل كان أعظم من ذلك بما لا يقاس إذ هو ملك الملوك ورب الأرباب. والقصة الكتابية خير شاهد على هذه الحقيقة، ويكفي أن تراها آتية على لسان الملك ذاته إذ قال: هل نجد مثل هذا رجلاً فيه روح الله، ثم قال فرعون ليوسف بعدما أعلمك الله كل هذا ليس بصير وحكيم مثلك".. أجل إنه الله، وسيصدق الله حتى ولو كذب جميع الناس، أو كما قال بلعام بن بعور: ليس الله إنساناً فيكذب، ولا ابن إنسان فيندم. هل يقول ولا يفعل. أو يتكلم ولا يفي".. أو كما ردد الرسول بولس: "حاشا. بل ليكن الله صادقاً وكل إنسان كاذباً كما هو مكتوب لكي تتبرر في كلامك وتغلب متى حوكمت"... عندما أصبحت الطريق ورطة أمام يعقوب، وخاف أن يصيبه الضرر في الطريق، تعلق بالصدق الإلهي وهو يناجي ربه: "وأنت قد قلت إني أحسن إليك وأجعل نسلك كرمل البحر الذي لا يعد للكثرة".. وعندما أوشكت شمس يشوع على الغروب هتف في قومه: "وها أنا ذاهب في طريق الأرض كلها وتعلمون بكل قلوبكم وكل أنفسكم أنه لم تسقط كلمة واحدة من جميع الكلام الصالح الذي تكلم به الرب عنكم، الكل صار لكم لم تسقط منه كلمة واحدة".. إن ثبات الكلمة الإلهية في روعتها وعظمتها ودقتها تأتي في سياق تصريح السيد العظيم القائل: "فإني للحق أقول لكم إلى أن تزول السماء والأرض لا يزول حرف واحد أو نقطة واحدة من الناموس حتى يكون الكل!!..".. لقد ارتفع يوسف لأنه كان واثقاً كل الثقة من صدق الله!!..



يوسف وعدالة الله

عندما بدأت القصة، بدا الأمر كما لو أن شريعة الغاب هي التي تحكم كل شيء فالحكم للقوة، يأتي الصبي الصغير، فيجرده إخوته من القميص الجميل الملون، وقد تكاثروا عليه، وهم يسخرون من أحلامه بالقول هوذا صاحب الأحلام،.. وقد أوشكوا في لحظة أن يزهقوا روحه، قبل أن يزهقوا روح التيس من المعزى لغمس القيمص في الدم، ثم هم يأخذون أخاهم في خط عكسي لأحلامه، كان يحلم بالشمس والقمر والكواكب الساجدة له،.. إذاً فليحلم حلمه في طين البئر التي ألقوه فيها،.. فإذا رأوا قافلة آتية فلتكن السخرية من السيادة بتحويله عبداً، لا خلاص له من العبودية إلى الأبد، وليبيع بأزهد ثمن، فليس الأمر أمر إثراء بل واقعة تخلص، وإذا بيوسف العظيم لا يساوي ما يقرب من جنيهين بعملتنا الحالية،.. وغاب يوسف عن الأنظار، غيبة كانت في تصورهم لا عودة فيها أو أوبة منها، وليذهب، ولتذهب أحلامه إلى غير لقاء أو رجعة،.. فإذا تمرد يوسف على الشر، فليحكم الشيطان قبضته الظالمة عليه داخل سجن هيهات أن تتحطم قضبانه أو يخرج هو إلى أن تنتهي الحياة، في أرض ظالمة يدوس فيها الظلم أعناق الأبرياء بدون حنان أو شفقة أو عدالة أو رحمة!!..

هل ذهبت عدالة الله أو ضاعت في الأرض، إن تجربة الثلاثة العشر عاماً كثيراً ما ترسل غيومها القاسية في سماء العدالة وقوة شمسها، وكثيراً ما يصل الناس إلى النقطة التي وقف عند آساف في مزموره القديم: "حقاً قد زكيت قلبي باطلاً وغسلت بالنقاوة يدي وكنت مصاباً اليوم كله وتأدبت كل صباح لو قلت أحدث هكذا لغدرت بجيل بنيك فلما قصدت معرفة هذا إذا هو تعب في عيني حتى دخلت إلى مقادس العلي وانتبهت إلى آخرتهم".. لكن يوسف كان يؤمن أن الله هناك، وكانت هناك دائماً الكأس المروية، التي تلطف من حدة التجربة، والتي تبل شفتيه بمائها القراح، وكلما زاد الظمأ، والتهب السعير،.. لقد أدرك بأنه غير متروك، وأنه غير منسي، ربما ينساه البشر كما نسيه رئيس السقاة، لكن الله هيهات أن يهمله أو يتركه، أو ينساه، وفي أعماق ليله الطويل، كانت عدالة الله تعد المخرج. وتمهيد السبيل، ولكن في الموعد الحكيم المحدد الدقيق المرتب من الله،.. وإذا كان الظلم قد أخذه خفية وغدراً، فإن عدل سيخرج مثل النور بره، وحقه مثل الظهيرة،.. وسيرى رئيس السقاة هذا العدل، وسيراه فوطيفار، وستراه زوجة فوطيفار، وسيراه إخوة يوسف، وسيراه أبوهم، وستراه مصر والدنيا بأكملها، وسيراه التاريخ، لأن الرب عادل ويحب العدل، وطوبى لجميع المتكلين عليه".. إن العربة التي ركبها يوسف -وقد رد اعتباره، وارتفع فيها مجده- ما تزال إلى اليوم في مصر وفي كل أرجاء التاريخ، العربة التي يركبها المظلومون الأبرياء الذين ظن الناس أنهم قضوا عليهم إلى الأبد!!.. هل رأيت هذه العربة تجري في شوارع التاريخ!!.. إنها دائماً عربة عدل الله الذي قال إبراهيم وهو يتحدث معه جل جلاله: أديان كل الأرض لا يصنع عدلاً؟!! كان ارتفاع يوسف لا يتحدث فقط عن صدق الله، بل عن عدله أيضاً!!..



يوسف وخدمة الله

كان يوسف من أقدم الناس الذين أدركوا أن الارتفاع ليس نزهة أو ترفاً في حد ذاته، عندما ركب يوسف العربة، ولبس خاتم الملك، وطاف في أرض مصر، وركع أمامه الناس، لم يكن هذا نوعاً من النزهة أو الاستعلاء على غيره من بني البشر،.. لقد كانت عظمة يوسف ملتصقة بالخدمة، بل أن اسمه الذي أطلق عليه في مصر "صفنات فعنيع" أو "حاكم الحي مكان الحياة"، أو "حاكم الواحد الحي" أو "خبز الحياة": على الأصح، كان يؤكد ارتباط الاسم بنوع الخدمة التي سيقوم بها يوسف في مصر،.. كان هو الإنسان المرسل من الله لإبقاء الناس على حياتهم، بما يقدم لهم من طعام وخبز،.. كان رمزاً للخادم الأعظم الذي جاء بعد ذلك بقرون طويلة ليقول: "أنا هو خبز الحياة من يقبل إلى فلا يجوع ومن يؤمن بي فلا يعطش".. كان يوسف وكيلاً أميناً طوال ثمانين عاماً قضاها في مصر،.. هل رأيت الحياة بهذا المعنى؟ وهل قرأت قصة ذلك الشاعر الذي سار ذات يوم وهو يضرب بقدميه المتعبتين في حر النهار، حتى أبصر من على بعد خميلة ظليلة، فسعى إليها ووجد مقعداً كتب فوقه: اجلس هنا واسترح فوق المقعد، وإذ هو أن يستريح، وجد سلة بها تفاح، وفوقها عبارة “خذ تفاحة من السلة وكلها”!!.. وعندما أخذ التفاحة رأى ورقة وقد كتب عليها: “على قيد خطوات من هنا غدير ماء، اذهب إليه واشرب!!”.. وتعجب الشاعر ورام أن يدرك قصة المكان، فرأى من على بعد كوخاً يقف على بابه رجل عجوز، وإذ استفسر منه الشاعر قال الرجل: “هذا المكان مكاني، وقد كتبت هذه الورقات، ربما يأتي متعب في الطريق، فيجد مكاناً يستريح فيه،.. وربما يكون في حاجة إلى طعام، وعندنا تفاح فائض، فلماذا لا يأخذ واحدة من التفاح؟ وقد يكون ظامئاً ويحتاج إلى من يهديه إلى الغدير". واستمع الشاعر، وخرج من عند الرجل، وكتب قصيدة يتمنى فيها أن يقف على الطريق في الحياة ليعين متعباً ليستريح، أو جائعاً ليشبع، أو عطشاناً ليرتوي!!.. لم يأخذ يوسف الحياة راحة له أو لبيته، بل لقد جعله الله راحة لكل جائع ومتعب ومنكوب في الطريق البشري المليء بالآلام والمتاعب والمأسي والدموع!!..



يوسف وعفو الله

لا أعلم ماذا فعل يوسف مع فوطيفار أو امرأة فوطيفار، لقد شاء الله أن يترك هذا الجانب من القصة في زاوية من الظلال لا تجلب الانتباه، لقد كان ارتفاع يوسف في حد ذاته، عقوبة دونها كل عقوبة للرجل أو زوجته على حد سواء.. وقد يكون العفو هنا أقتل من القتل نفسه!!.. على أننا نعلم أن يوسف لم يكتف بالعفو عن إخوته، بل اهتم بإعالتهم،.. وذلك لأنه رأى يداً أعلى من أيديهم في القصة، وهو لا يقف عند اليد البشرية، إذ يرى يد الله: "أنتم قصدتم.. أما الله فقصد".. لقد ارتفع يوسف عن كل حقد ومرارة، وضغينة وانتقام.. لأنه رأى يد الله وقصده في الأمر،.. وليس هناك من شيء يدفع إلى العفو أو يرفع إلى التسامح قدر الارتفاع إلى القصد الإلهي الأعلى، عندما تطوي الآلام جميعاً في فيض إحسانه وجوده ورحمته وتعويضه وحبه الظاهر علانية أمام جميع الناس!!..

elraiek G
09-16-2010, 05:41 PM
) 12 (
موسى

" بالإيمان موسى لما كبر أبى أن يدعى ابن ابنة فرعون "

(عب 11: 24)

مقدمة

قد لا يجد المرء في صفحات التاريخ الكثير من الناس، الذين تعرضوا وهم على مفارق الطرق، لما تعرض له هذا الرجل القديم موسى، إذ كان واحداً من الأوائل الذين جاء امتحانهم على ضفاف النيل، ليكتشفوا الفارق المهول بين الطريق الواسع العالمي، وطريق الحياة الأبدية الضيق،.. وقف موسى أمام الطريقين، ورأى الطريق الرحب الواسع، مرصوفاً بالذهب تعبق على جانبيه الزهور، ويرويه النيل بالخضرة والجمال، والحسن والمتعة، والمجد العالمي المذهل!!.. ورأى الطريق الآخر الكرب الضيق، وعلى رأسه الصليب الضيق، والنفي والتشريد، ولم يتردد مع ذلك قط، في أن يختار هذا الطريق الأخير إذ: "أبى أن يدعى ابن ابنة فرعون مفضلاً بالأحرى أن يذل مع شعب الله على أن يكون له تمتع وقتي بالخطية حاسباً عار المسيح غنى أعظم من خزائن مصر لأنه كان ينظر إلى المجازاة".. لقد أدرك موسى أن مأساة الإنسان الغارقة في كل العصور والأجيال أنه ينظر إلى أول الطريق، وليس إلى نهايته، مع أن الوضع المعكوس هو الصحيح إذ: "توجد طريق تظهر للإنسان مستقيمة وعاقبتها طرق الموت".. وهو لا يرضى أن تكون له هذه المأساة، فيتحول آخر الأمر مهما حف به من مجد عالمي إلى جثة محنطة في مقابر الفراعنة القديمة بل أنه لينشد أن يموت بأمر من الله على رأس الفسجة، ولا يدفن في أعظم هرم في مصر الوثنية القديمة!!.. أجل وشتان إلى الأبد، بين موسى كمومياء، وموسى على جبل التجلي مع إيليا والمسيح، كما رآه بطرس ويعقوب ويوحنا!!.. دعونا إذاً نرى هذا الرجل كواحد من أعظم رجال العصور كلها، يقف ربما في الخط الثاني مع بولس والقليلين جداً من أبطال الإيمان خلف ابن الله في السماء.. من يكون؟ وما قصته العظيمة وتاريخه الباقي إلى أن تنتهي الأرض وما عليها، ويسمع الناس الترنيمة العظيمة الخالدة ترنيمة موسى والحمل؟!..



من هو موسى؟!!

عندما يمر الإنسان منا نحن المصريين بمومياء رمسيس الثاني، كثيراً ما يأتي السؤال: هل هذا الملك هو الرجل الذي عاصر موسى كما يذهب بعض المؤرخين أو الشراح ممن يعتقدون أن موسى ولد عام 1578ق.م. وأنه هرب إلى مديان عام 1538ق.م. ورجع إلى مصر عام 1498ق.م.، وأن رمسيس الثاني جاء إلى العرش عام 1567ق.م.، وأن منفتاح حكم مصر عام 1506ق.م.؟.. أم أن موسى جاء بعد هذا التاريخ بفترة قصيرة؟.. لسنا نعلم على وجه التأكيد، ولا نظن أن دراسة الشخصيات التي نعالجها تهتم بالجانب التاريخي المحض، فهذا متروك للدراسات التاريخية، وعلم الآثار،.. ولا نظن أن دراساتنا أيضاً تتجه إلى معارض الفن، حيث نرى رجال الفن من مصورين أو مثالين، وهم يتخيلون شكل موسى أو منظره أو صورته، ولن نقف من موسى، مثلما وقف المثال العظيم مايكل أنجلو، بعد أن أبدع تمثاله العظيم الرائع، وإذ أخذ بالمنظر ضرب بعصاه وهو يصيح: "تكلم يا موسى".. لكننا سنحاول دراسة أخلاقيات موسى ورسالته العظيمة التي تركت طابعها الأدبي والروحي على مر العصور والأجيال!!..



موسى الجميل

لم يكن جمال موسى الجمال العادي، ولكنه كان نوعاً من ذلك الجمال الذي وصفه استفانوس بالقول: "ولد موسى وكان جميلاً جداً" والذي قال عنه يوسيفوس المؤرخ اليهودي: "إن جماله كان رائعاً فتاناً مذهلاً، فما من إنسان بهذا الجمال البارع".. وقد هز هذا الجمال أمه وأباه اللذين أخفياه ثلاثة أشهر وهز ابنة فرعون التي رق قلبها للجمال الباكي في سفط وكان مؤشراً عظيماً في الحب الذي أحبت به موسى، فلم تره بعد عبداً لها، بل جعلته ابناً!!.. وقد أضحى هذا الجمال مذهلاً ورهيباً، بعد أن صعد إلى الجبل وعاش مع الله أربعين يوماً،.. ولم تعد العين البشرية قادرة أن تحدق فيه، كما يصعب عليها أن تواجه النور الباهر، ومن ثم ألف موسى أن يغطي وجهه في نظر إلى الناس، حتى يرفع البرقع في خلوته مع الله!!..



موسى المتعلم

وصف استفانوس موسى: "تهذب بكل حكمة المصريين".. ومن المعتقد أن مصر رائدة العلم في كل أجيال التاريخ، وقد قال هنري ورد بيتشر، وهو يعطي الفرق بين عظمة مصر وغيرها من الأمم والممالك: "إن روما لم تكن قد عرفت بعد، واليونان كانت مغارة لصوص، ولم يكن في بقاع العالم كله سوى مكان واحد يتألق فيه المجد، وقد كان هذا المكان هو مصر بلد الفلسفة والفن والوثنية".. وفي عصر موسى كانت هناك جامعة في عاصمة البلاد في المكان الذي يطلق عليه الآن "صان الحجر" ومن المرجح أن موسى تعلم في هذه الجامعة حتى بلغ أعلى درجات المعرفة والعلم،.. كانت الجامعة تعلم التاريخ والطب واللاهوت والحساب والجبر والهندسة والعلوم الحربية، ولا شبهة في أن موسى أخذ بالكثير من هذه العلوم، التي اختلط فيها الحق بالباطل، والنور بالظلام ولكنها على أي حال جعلت منه واحداً من أعظم علماء عصره، ومن أعظم علماء العصور كلها، وأنها شكلت فيه ذلك الذهن المنظم العبقري، الذي صفاه الله، في برية مديان ليكون واحداً من أبرع العقول التي أعطاها الله للإنسان على هذه الأرض!!.. وأليس مما يدعو إلى العجب أن الرجل الذي تهذب بكل حكمة المصريين، وكان العملاق العظيم في العهد القديم، يذكرنا بنده الآخر في العهد الجديد، والذي أفرزه الله من بطن أمه، وكان عليه أن يجتاز الطريق، من جامعة طرسوس، إلى رجلي غمالائيل، إلى الخدمة الخالدة التي قام بها بعد ذلك؟!!..



موسى المقتدر

لم يكن موسى جميلاً، وعالماً فحسب، بل أكثر من ذلك، كان "مقتدراً في الأقوال والأُفعال" أو جهزه الله ليكون من ذلك النوع من الرجال الذي خلق ليكون قائداً،.. والذي يمكن أن يوصف بصلابة الإرادة، وقوتها. وهنا يكمن الفرق بينه وبين هرون، لم يكن لموسى زلاقة اللسان، التي كانت لأخيه الأكبر هرون،.. إذ كان هرون من أفصح الناس، وأقدرهم في البلاغة والبيان، لكن هرون كان قصبة تهزها الريح، تقوده الجماهير ، ولا يقودها، وتدفعه ولا يستطيع ردها، وتثور غاضبة فينجرف في تيارها، ومع أنه رئيس كهنة الله،.. ومع أنه عاش عميق الشركة مع الله، ومع أنه ظل إلى آخر عمره، وهو يقدم البخور العطر أمام الله، إلا أنه كان الإنسان الضعيف أمام أية إرادة أقوى وأصلب من إرادته وشجاعته،.. في ثورة غضب صنع العجل للجماهير، وهو يعلم أنه إثم كبير، وفي لحظة ضعف اكتسحته مريم، عندما تآمرت معه على أخيه الحبيب موسى،.. تستطيع أن تأخذ من هرون أفضله أو أردأه من نوع المصاحبة التي تأتيه من الآخرين،.. أما موسى فهو فرد يصلح أن يكون جيشاً بأكمله،.. يقود ولا يقاد، ويتقدم ولا يتراجع، ويحزم الأمر في مواجهة فرعون أو مصر، أو الإسرائيليين جميعاً، أنه من ذلك الصنف الذي خلق ليكون زعيماً وقائداً، لا يتخاذل في أقسى المعارك، أو أشد المحن، التي يمكن أن يمتحن بها الرجال أو الأبطال في الأرض!!..



موسى الحالم

كان موسى -أكثر من كل ما ذكرنا- رجل الرؤيا والأحلام،.. لقد دخلت الأحلام في حياته منذ الصباح الباكر،.. ومن المؤكد أن أمه يوكابد، فتحت عينيه على الرؤيا العظيمة، رؤيا الإنقاذ والتحرير لشعب الله المعذب المضطهد في ذلك التاريخ، ومن المؤكد أن موسى كان على دراية تامة بالنبوات الإلهية التي ذكرها إله لإبراهيم ويعقوب ويوسف،.. ومن المؤكد أنه وعاها إلى الدرجة التي لم يغمض له معها جفن، وهو يجترها ويذكرها كلما أصبح، وكلما أمسى،.. لقد دخلت وإياه إلى قصر فرعون، وعاشت وإياه على ضفاف النيل، وصاحبته صغيراً، وشاباً، ورجلاً اكتملت حياته وقوته ورجولته،.. ومن المؤسف أنها كانت خلفه أيضاً عندما تحول قائلاً: "فظن أن إخوته يفهمون أن الله على يديه يعطيهم نجاة وأما هم فلم يفهموا".



موسى الحليم

لم يكن موسى حالماً فحسب، بل كان حليماً أيضاً، وأكثر من ذلك كان أحلم رجل على وجه الأرض،.. ولم يكن حلمه ناشئاً عن طابع هاديء بارد -كما يبدو هذا في حياة الكثيرين من ذوي الدماء الباردة على ما اصطلح الناس أن يقولوا أو يرددوا- بل كان موسى على العكس، من النوع الملتهب العاطفة، الثائر الوجدان، الغضوب حتى القتل، إذا ما رأى مظلوماً ضعيفاً بين يدي ظالم قاس، أو مستبد باطش متغطرس،.. ومن المسلم به أن ذوي الطباع البادرة لا يصلحون في أوقات المحن والاستعباد والاستبداد،.. ومن المسلم به أن موسى على العكس من ذلك كان يحمل بين جنبيه قلباً ثائراً لا يهدأ أو يسكن أو يستريح حتى تحل قضية شعب مظلوم، سحقه الطغاة إلى الأرض الحضيض والتراب،.. لكنه مع ذلك راضى نفسه على الهدوء، وأخذ نفسه بالسكينة، واحتاج إلى أربعين عاماً في البرية حتى يصبح لا رجلاً حليماً فحسب بل أكثر من ذلك أحلم إنسان في جيله على وجه الأرض!!..



موسى صديق الله

لم تكن الصداقة التي تربط موسى بالله مجرد صداقة عادية، بل كانت، من ذلك النوع المباشر العميق، وتختلف كل الاختلاف عن صداقة الشعب بأكمله،.. فإذا درج الشعب على الاقتراب إلى الله في خيمة الاجتماع، كان جميع الشعب إذا خرج موسى إلى الخيمة يقومون ويقفون كل واحد في باب خيمته وينظرون وراء موسى حتى يدخل الخيمة، وكان عمود السحاب إذا دخل موسى الخيمة ينزل ويقف عند باب الخيمة، ويتكلم الرب مع موسى، فيرى جميع الشعب عمود السحاب واقفاً عند باب الخيمة، ويقوم كل الشعب ويسجدون، كل واحد في باب خيمته، ويكلم الرب موسى وجهاً لوجه كما يكلم الرجل صاحبه، وإذا رجع موسى إلى المحلة كان خادمه يشوع بن نون الغلام لا يبرح من داخل الخيمة!!.. فإذا تطاول هرون ومريم على موسى وإذا زعما أنهما ليسا أقل منه بحال من الأحوال، كان جواب الله على هذا الموقف: "اسمعا كلامي. إن كان منكم نبي للرب فبالرؤيا استعلن له في الحلم أكلمه، وأما عبدي موسى فليس هكذا بل هو أمين في كل بيتي، فماً إلى فم، وعياناً أتكلم معه لا بالألغاز وشبه الرب يعاين".. أجل وهذه الصداقة التي شربت عميقاً من نبع الله تنتهي بنا عبر القرون إلى الصورة المماثلة بين التلاميذ، حيث أحبهم يسوع المسيح إلى المنتهى، وفي الوقت عينه قرب ثلاثة من بينهم، ومن الثلاثة انفرد واحد باللقب العظيم: "التلميذ الذي كان يسوع يحبه"..

أجل إن مجال الصداقة -أو بالحري- سباق الصداقة مفتوح أمام الجميع، ترى من يكون موسى العهد القديم، أو يوحنا العهد الجديد في مثل هذا الامتياز الرائع فيمن تأتي بهم العصور اللاحقة عن أحباء الله وأصدقائه؟!!



موسى والبيت القديم

ولن تستطيع أن تدرس موسى، أو تدرك عظمته الحقيقية دون أن تدخل. بيته القديم، وتلتفت حول أسرته المكونة من خمسة أشخاص، وأول ما يطالعك في البيت، الأبوان عمرام ويوكابد"، وهما المؤمنان اللذان لم يخشيا أمر الملك، ويلقيا بابنهما الجميل في نهر النيل، وهما رأس البيت السعيد المحظوظ، والذي أنجب ثلاثة أولاد، بنتاً وولدين، ولم يتخلف واحد منهم عن الإيمان أو الدور القيادي العظيم، أو كما قال الله على لسان ميخا: "يا شعبي ماذا صنعت بك وبماذا أضجرتك. اشهد على أني أصعدتك من أرض مصر وفككتك من بيت العبودية وأرسلت أمامك موسى وهرون ومريم". إن معنى "يوكابد" على الأرجح "الله مجدك" وقد أدخلت يوكابد الله إلى بيتها وربت مع زوجها أولادها أحسن تربية دينية، فدخل مجد الله البيت وملأه إلى التمام، وأعده ليكون أولاده الثلاثة على رأس الأمة وفي قيادتها، لم يكن البيت -حسب الظاهر- إلا واحداً من البيوت الفقيرة العديدة المستعبدة، يضم خمسة من العبيد لا يملكون من الحياة أو الحرية إلا بالقدر الذي يسمح به سادتهم الطغاة القساة المستبدون،.. ولكن البيت الذي ملأه مجد الرب، كان واحداً من أعظم البيوت التي ظهرت على الأرض، وكان بيت الشجعان الأحرار المتحدين المتكاملين المحبين،.. كانت مريم الابنة الكبرى تتجاوز العاشرة أو تقف عندها، عندما ولد أخوها الصغير موسى، ولنقتطف بعض عبارات "الكسندر هوايت" وهو يصف لنا أبناء هذا البيت،.. إذ قال لمريم وهي ترقب أخاها في السفط على حافة النيل: "أي مريم: أي أيتها الفتاة الصغيرة راقبي جيداً، واحرسي الأخ الصغير، ولا تدعي عينيك تلتفتان هنا أو هناك، فإنك لا تعلمين من تحرسين، وأي كنز تراقبين.. في هذا السفط الصغير كنز من أثمن ما عرفت من ذخائر وكنوز، في هذا السفط الصغير بطل من أبطال التاريخ والأجيال الخالدين على مر القرون.. في هذا السفط ترقد الشريعة والأنبياء، والمدنية والحضارة".. وأدت مريم ولا شك دورها العظيم وهي تشترك مع أبيها وأمها في تربية الصغير، تربية لم تستطع مصر بكل ما فيها من إغراء أن تحوله قيد أنمله عن خط سيره العظيم،.. وعندما ضرب موسى في المنفى لمدة أربعين عاماً، وعاد في الثمانين من عمره ليلتقي بأخيه هرون، ويدعوه ليقف معه في مواجهة فرعون، على أن يكون هرون هو المتقدم في الكلام، يجيب هرون كما يتخيل هوايت: "هل تعني يا أخي أن أتكلم نيابة عنك؟!!.. ما هذا الذي تقول؟!!.. أنا لست أهلاً أن أحل سيور حذائك!!.. أنا لست أهلاً أن أقف إلى جانبك كأخ نحمل اسماً واحداً لعائلة واحدة!!.. سأبقى إلى جوارك صامتاً أبكم لا يتكلم،.. أنا بالعكس في حاجة إليك يا أخي!!.. أنا في حاجة إلى حكمتك!!.. في حاجة إلى صبرك!!.. في حاجة إلى مشورتك!!.. في حاجة إلى أمرك.. أنت أحكم الناس وأفضلهم.. أنت ملك إسرائيل يا موسى، يا أخي وحبيبي!!.. كان موسى يحتاج إلى هرون، وكان هرون أعجز عن السير بدون موسى، كان كلاهما يكمل الآخر، ففي الوقت الذي لم يصل فيه هرون إلى عمق موسى، وقدرته، وصلابته، وشجاعته، وحنكته وحزمه.. كان هرون فصيح اللسان ذهبي الفم، ينقل في الطلاوة الساحرة ما يريد موسى أن يقول لفرعون أو الشعب أو مصر، إذ كان المتكلم باسمه، المفصح عن رسالته أو بتعبير أصح رسالة الله للناس،.. وكانت مريم النبية كبرى الإخوة قائدة النساء، وحبيبة موسى وأخته ومحبته، وكانت أقوى وأذكى، وأشجع من هرون، وهي التي خرجت بالدفوف والرقص والغناء تردد القرار في أغنية موسى على شاطيء البحر الأحمر: "الفرس وراكبه طرحهما في البحر": ..

هل وقفت لتتأمل معي قول ابنة فرعون لأم موسى: "اذهبي بهذا الولد وأرضعيه لي، وأنا أعطي أجرتك"؟.. وأية أجرة يمكن أن تخطر بالبال تستطيع ابنة فرعون أن تعطيها مقابل إرضاع موسى، وتربيته التربية التي عرفها التاريخ فيما بعد في بطل العهد القديم العظيم،.. إنها في الواقع أجرة أعلى مما تستطيع كنوز مصر بأكملها أن تقدم نظيره ومثيله،.. لقد تعلم الصغير قبل أن يدخل عرين الأسد، من هو؟!! ومن شعبه؟!! وما هي رسالته؟!!.. أجل ولن تستطيع أن تعرف حقيقة موسى، قبل أن تعرف هذه الخلفية الدينية العظيمة في بيته القديم!!.

ومع أن الغيوم طافت فيما بعد حول هذا البيت القائد المتماسك يوم زواج موسى بالكوشية، التي ظن البعض أنها صفورة، وأن مريم من غيظها أطلقت عليها الكوشية السوداء تندد بها، يوم انقلبت على موسى، الأمر الذي يستبعده الكثيرون، ممن يعتقدون أن موسى تزوج بعد وفاة صفورة أو في حياتها بالكوشية، دون أن يستشير مريم على الأغلب، أو على الأقل تأخذ جانباً من حب موسى لا تقبل أخته أن تعطيه بحال ما لامرأة أخرى.

على أي حال كانت غيمة قاسية وصلت إلى حد المؤامرة لإسقاط موسى، الأمر الذي لم يكن يخطر ببال أي إنسان على الأرض،.. ولكنه الحسد الوبيل القاتل، الذي تصرف موسى إزاءه بكل حلمه وحبه وصلاته وضده، حتى انجابت الغيمة، وعادت مريم من عزلة خيمتها، التي قضت فيها أسبوعاً وهي بيضاء كالثلج!!.. وأشرقت الشمس مرة أخرى على البيت القديم الذي كان له أعظم فضل في الحفاظ على إيمان موسى في أرض الأوحال والفساد والوثنية في مصر!!..



موسى والرفض العظيم

وهذا الرفض هو الذي قال فيه موسى "لا" بأقوى ما يمكن أن يكون الإصرار في التعبير،.. ونحن نلاحظ في هذا الرفض أن سماته العظيمة، ظهرت أولاً: إنه الرفض الناضج: "لما كبر".. أو في لغة أخرى كان هذا الرفض وليد فكر عميق ثابت مدروس، وازن الحقائق كأجمل وأعظم وأدق ما يمكن أن تكون الموازنة.. لم يكن رفض موسى وليد اندفاع محموم لا يلبث أن يتراجع عندما تهدأ الثورة أو يسكن الانفعال، أو تتراجع الحمي، كان قرار موسى قرار رجل وضع مصر بكل مشتملاتها في كفة.. ووضع عار المسيح في الكفة الأخرى، وأمسك بهذه الكفة الأخيرة الراجحة!!.. ومن المؤكد أن أي إنسان يدرس الحقائق كما يدرسها موسى، لابد أن ينتهي إلى القرار الذي انتهى إليه الرجل القديم،.. كما أن هذا الرفض كان ثانياً: رفض الوثنية المصرية، مهما بدا مظهرها في قصر فرعون، أو مجده، أو عظمته، أو ما يقال أنها الحضارة المصرية التي بلغت أوج مجدها أيام رمسيس الثاني، أو من جاء قبله أو بعده من عظماء الفراعنة!!.. عندما زار "الكسي دي توكفيل" الفرنسي أمريكا في القرن الماضي، قال: لقد بحثت عن عظمة أمريكا في حقولها ومزارعها الغنية الواسعة ولم أجد أمريكا هناك،.. ولقد ذهبت إلى مصانعها الواسعة الكبيرة، ولم أجد أمريكا هناك،.. ولقد تحولت إلى جامعاتها العظيمة وما تلقنه أو تعطي من علم، ولم أجد أمريكا هناك.. حتى ذهبت إلى كنائسها، واستمعت إلى منابرها وهي تنادي بالحق والخير والدين والجمال، ورأيت أمريكا هناك، وستبقى أمريكا عظيمة ومجيدة وخيرة طالما تنادي هذه المنابر برسالة الله، رسالة الحق، وستنتهي أمريكا يوم تنتهي أو تضعف رسالة منابرها الجليلة الرائعة العظيمة!!.. وهذا حق في مصر القديمة أو أمريكا الجديدة،.. وسنقول دائماً لا لأعظم حضارة يمكن أن تكون وثنية بنسيانها الله أو بعدها عن رسالته ومقدساته!!..

كما أن هذا الرفض كان ثالثاً: تغليب الولاء لله على الولاء لكل بشري على هذه الأرض!!.. كان موسى مديناً بالحب والحياة والحرية والعلم والثروة لابنة فرعون، لقد طوقته بدين قل أن يطوق به إنسان آخر على هذه الأرض،.. كان محكوماً عليه بالموت، فأعطته الحياة، كان عبداً كسائر غيره من العبيد فرفعته إلى مستوى الأحرار، ولم تره عبداً لها بل تبنته ابناً محبوباً مدللاً عزيزاً!!.. كان من الممكن أن يبقى دون أن يتعلم حرفاً واحداً من معرفة، فعلمته وهذبته بكل حكمة المصريين، كان من الممكن أن يكون معدماً لا يملك قوت يومه، ففتحت أمامه خزائن مصر يغترف منها كل ما يشاء وكل ما يريد،.. كانت اللمسة الإنسانية العميقة تربط بين موسى وابنة فرعون، فإذا أضيف إلى ذلك أنها أحبته حباً قل أن يحب واحد آخر مثله، إذ ركنت إلى العزلة بعد هروبه من مصر، حتى ماتت كما تقول بعض التقاليد كمدا عليه!!.. إذا كانت هذه هي الرابطة بين ابنة فرعون وموسى، فكيف يصح أن يقال أنه لما كبر: أبى أن يدعى ابن ابنة فرعون؟!!.. إن موسى مهما كانت الرابطة البشرية التي تربطه بإنسان، فإنها لا يمكن أن تدخل حتى في الموازنة مع رابطته بالله وعقيدته ودينه،.. والهوة هنا واسعة وبعيدة وأبدية وهيهات أن تعبر!!.. ألم يقل السيد: "من أحب أباً أو أماً أكثر مني فلا يستحقني ومن أحب ابناً أو ابنة أكثر مني فلا يستحقني"؟.. وكان الرفض رابعاً: تغليباً لعار المسيح تجاه كل مجد عالمي!!.. ولم يضع موسى الموازنة هنا بين غنى أو غنى أو مجد ومجد.. بل بين عار المسيح وخزائن مصر، وبين الذل مع شعب الله والتمتع الوقتي بالخطية،.. وكلمة "المسيح" هنا مرادفة لشعب الله، حتى أنك تستطيع أن تضع التعبيرين أحدهما مكان الآخر، وأننا في أمن من اللبس أو الذلل أو الخطأ،.. وفي العهد الجديد كان الأمر سواء بسواء، حتى أن المسيح تحدث إلى شاول الطرسوسي -وهو يضطهد الكنيسة والمسيحيين- بقوله: شاول شاول لماذا تضطهدني صعب عليك أن ترفص مناخس".. إن موسى كبولس. كلاهما لا يجرؤ البتة على وضع مجد الله جنباً إلى جنب مع مجد العالم، فمجد الله أعلى من أن يقارن به أي مجد أرضي، مهما كانت عظمته وروعته وجلاله في عيون البشر،.. فإن كانت هناك من مقارنة فإن موسى يقبل بالأحرى أن "يذل" مع شعب الله على أن يكون له "تمتع وقتي" بالخطية، حاسباً عار المسيح غنى أعظم من خزائن مصر،.. وبولس يقبل أن يحسب كل شيء "نفاية" من أجل فضل معرفة المسيح وربحه!!..

إن أعظم من ساروا في الطريق البشري هم أولئك الذين قالوا لكل ما في العالم من مجد: "لا" وحملوا "صليب المسيح" في موكب الخالدين!!..



موسى ومدرسة مديان الكبرى

كان من الغريب أن تنقسم حياة موسى من حيث الزمن إلى ثلاثة أقسام متساوية، فهو يقضي في مصر أربعين عاماً كأعظم ما تكون حياة الناس، بين الأبهاء والعظمة والقصور، وهو يقضي الأربعين الثانية راعياً للأغنام، كأبسط ما تكون الحياة بين الناس على ظهر الأرض، وهو يقضي الأربعين الثالثة كأقسى ما يواجه الإنسان من حياة عملية على رأس شعب اشتهر بالشغب والعناد والتمرد!!.. ونحن لا نعلم حكمة الله في ذلك، بل لعل موسى في مديان كان يسأل وهو في الوحدة والهدوء والعزلة والبرية: هل هناك من كلمة لهذه السنوات الطويلة التي هي ثلث عمره في البرية؟!!.. إن الحقيقة أن مدرسة مديان لم تكن تقل بحال ما عن جامعة مصر،.. وقد تعلم موسى في مديان ما لم يستطع أن يأخذه في مصر، لقد تعلم على الأقل: أولاً: الخروج الصحيح من مصر،.. أو بتعبير أصح خروج مصر منه، لقد خرج موسى من مصر، ولكن مصر كان من المستحيل أن تخرج من قلبه وفكره بين عشية وضحاها،.. وكان لابد أن ينتزع من نفسه كل تأثيراتها وسحرها، وفتنتها وجمالها، وإغرائها وأساليبها، وما خلعته عليه من زهو وغرور، وكبر واعتداد، كان الخروج إلى مديان، غسيلاً كبيراً لمخ موسى وحياته في مصر، وما قد تراكم من أوساخ علقت به طوال الأربعين عاماً الأولى من حياته!!.. كما أن الأمر ثانياً كان أكثر من ذلك، إذ هو الخروج من الضجيج إلى الهدوء، والسكون، الوحدة، والعزلة،.. كان على موسى أن يدخل مدرسة الصمت، حيث يغترف هناك من منهل الشركة مع الله ويقوى تأمله، ويزداد إيمانه، وترتفع نفسه دون معطل أو مزعج أو ضجيج، ولا شبهة في أن كتاباته الخالدة، وشرائعه العظيمة التي أخرجها للأجيال، وضع الله أساسها في ذهنه، وهو يتجول منفرداً وحيداً منعزلاً في تلك الصحاري الشاسعة، لقد كانت البرية له كما كانت لإيليا وداود، ويوحنا المعمدان وبولس، فترة من فترات التأمل القوي المخصب العميق.

وكانت مديان ثالثاً.. مدرسة التدرب العظيم على أفضل ما وصل إليه من المباديء والمثل الأخلاقية العظمى،.. فحياة الوداعة والتواضع والصبر والحلم والزهد والقناعة، كان من المستحيل أن يبلغها في مدرسة أخرى غير مدرسة مديان،.. كيف لا، وابن ابنة فرعون لم يعد يأنف من أن يكون راعياً بسيطاً من رعاة الأغنام، ولم يأنف الذي ألف حياة القصور ومجد الأبهاء أن ينام فوق الثرى والرمال والصخور.. لقد تعلم موسى كيف يرضى ويتضع، بل كيف يحيا حياة الزهد والخشونة والقناعة، بل أكثر من ذلك رق طبعه، وهدأت نفسه، طبعت على الأناة والوداعة والحلم، حتى وصل به الأمر إلى أن يكون أحلم رجل على وجه الأرض،.. وإلى جانب هذا كله، أزكت مدرسة مديان في أعماق نفسه آلاماً لا توصف تجاه إخوته المعذبين المتألمين في مصر،.. وقد وصفته "ألن نايت تشالمرز" يجلس فوق الرمال في الليل العميق، وهو يفكر في إخوته متطلعاً إلى النجوم اللامعة في السماء، ويقول "أتستطيع أن تتصوره في أعماق الليل، فوق التلال يرعى أغنامه تحت النجوم الساكنة؟ لقد كانت النجوم ذاتها تدينه وتعذبه، إذ كان صمت الليالي يحمل إليه صرخات إخوته المعذبين،.. كان موسى رجلاً مرهف الإحساس تروعه آلام الآخرين، وكان يجلس في مديان حراً لا تصل إليه سياط المصريين، أو عدالة فرعون إزاء ما ارتكب من قتل،.. لكن الأصوات التي تتكلم في جنبات نفسه، وصلته عبر الصحراء التي تفصل بين قصر فرعون، وخيام يثرون،.. كان موسى يصارع في أعماق نفسه قيود الضمير!!..

وهكذا كانت مدرسة مديان مدرسة الله التي دخلها موسى طوال الأربعين العام الثانية من حياته!!..



موسى والدعوة العليا

كان موسى مدعوا ولا شك من بطن أمه، وكانت أجراس الدعوة ترن في أذنيه في كل وقت،.. لكن الخطأ الكبير الذي وقع فيه موسى كان وقت الدعوة أو وقت الرسالة التي ينبغي عليه أن يؤديها، وشتان بين الظن والتأكد، وبين الخاطر والرؤيا: "ولما كملت له مدة أربعين سنة خطر على باله أن يفتقد إخوته.. فظن أن إخوته يفهمون أن الله على يده يعطيهم نجاة" وهرب موسى، وعاش في مديان أربعين سنة أخرى كاملة: "ولما كملت أربعون سنة ظهر له ملاك الرب في برية جبل سيناء في لهيب نار عليقة".. لقد خطر بباله أو ظن أنه إذا كان الله يدعو الإنسان، فإنه ولا شك يدعوه في قمة اللياقة، والمواءمة، وهو لا يجد وقتاً أليق من الأربعين عاماً التي اكتملت فيها رجولته، وتهذب بكل حكمة المصريين، ووصل إلى أعلى مركز في بيت فرعون، وكل هذه تقطع في تصوره بأن يوم الحرية قد جاء لإخوته في المنفى والأسر والاستعباد، غير أن الله لا يخضع الدعوة للحدس والظن، ولا يحكمها بالمقاييس والمعايير البشرية، وها نحن نراه في دعوة موسى يقلب كافة الموازين!!..



وقت الدعوة

فالدعوة لا تأتي لموسى في الأربعين من عمره، حيث يظن أنه في قمة قوته، وفي كمال لياقته صحياً وذهنياً وروحياً، بل إن الدعوة تأتيه وهو يدخل الثمانين من عمره، حيث ولى الشباب، وانتهى الوقت، وأخذ طريقه يتدحرج في تصوره إلى النهاية والغروب،.. إن الله لا يعمل عندما يظن البشر أنهم أقوياء، يستطيعون أن يعملوا أو يبدعوا أو ينتجوا، بل إنه على العكس يتدخل عند إفلاس الإنسان، وعجزه، وضياعه، وقصوره،.. على أن هذا لا يعني أن الله يدعو الكسالى والمهملين والخاملين والعاطلين، بل يدعو على الدوام من ينهمك في العمل الصغير الوديع المؤتمن عليه،.. وقد جاءت الدعوة إلى موسى عندما كان يرعى غنم يثرون حميه، وستأتيني وتأتيك ونحن نمسك بالأمانة والغيرة، كل ما يضع بين أيدينا من أعمال صغرت أو كبرت على حد سواء!!..



مكان الدعوة

لقد جاءته الدعوة في جبل الله حوريب، أو في معنى آخر، إننا لن نحتاج -كما قال أحدهم- إلى كاتدرائية عظيمة، أو مكان عال لكي نرى الله ونبصر مجده، بل في كل مكان حيث نرتفع بقلوبنا وشركتنا معه، سنجد الجبل المقدس ونعلو عليه، ومن المهم أن ندرك أيضاً أن الله التقى بموسى في العزلة والهدوء والبعد عن الناس، ونحن لا نعلم لماذا ساق الرجل الغنم إلى ما وراء البرية؟!! أليجد المرعى الأفضل والأخصب؟!!.. أم لرغبته في أن تتاح فرصة للتأمل الأعمق الأوسع؟.. على أي حال -إن ما يعنينا من الأمر أن الرجل أضحى يميل للنظر، وقوله: "أميل الآن لأنظر هذا المنظر العظيم" ينبيء عن نفس مرهفة الحس، صادقة الاستعداد، سريعة التأمل والتجاوب مع ما تبصر أو تشاهد.. وهذا ما ينتظره الله من النفس التي يوجه إليها دعوته ورسالته!!..



مظهر الدعوة

ظهر الله لموسى في العليقة، وكانت العليقة تتوقد بالنار ولم تكن تحترق، وقد كان المنظر أسمى إعلان لحضور الله لإنقاذ الشعب وتحريره وخلاصه،.. إذ كان أول كل شيء إعلان الرحمة الفائقة الحد، إذ لم يظهر الله في بلوطة أو شجرة من الأشجار العالية السامقة الارتفاع، المتعالية المنظر، بل ظهر في العليقة الصغيرة والوديعة القصيرة المظهر،.. وعندما ظهر بعد ذلك بخمسة عشر قرناً من الزمان أخذ الصورة عينها، إذ جاء الله السرمدي متجسداً في وليد بيت لحم، بين السائمة مضجعاً في مزود، إذ لم يكن مضجع في المنزل،.. وبالإجماع "عظيم هو سر التقوى الله ظهر في الجسد"!! ومع أن النار تأكل كل شيء، لكن العليقة كانت تتوقد بالنار، والعليقة لم تكن تحترق!! والكلمة صار جسداً وحل بيننا ورأينا مجده مجداً كما لوحيد من الآب مملوءاً نعمة وحقاً".. فإذا كان الله قد حضر غيوراً في النار الملتهبة لإنقاذ شعبه، فإنه لم يحضر دياناً لكي يحرقهم ويقضي عليهم، وإذا كان اللاهوت قد حل في الناسوت في يسوع المسيح، فإنه قد جاء ليخلص، وليس ليدين!!..

هل رأيت هذا المظهر الرائع الذي لم يكتف موسى أن يخلع حذائه من قدميه، وهو يتقرب منه، بل أكثر من ذلك غطى وجهه لأنه خاف أن ينظر إلى الله؟ هو.. هو بعينه الذي تكرر على بطاح بيت لحم حيث ذهب الرعاة مسرعين، ووجدوا مريم ويوسف والطفل مضجعاً في مزود، فلما رأوه أخبروا بالكلام الذي قيل لهم عن هذا الصبي، وكل الذين سمعوا تعجبوا مما قيل لهم من الرعاة، وأما مريم فكانت تحفظ جميع هذا الكلام متفكرة به في قلبها، ثم رجع الرعاة وهم يمجدون الله ويسبحونه على كل ما سمعوه ورأوه كما قيل لهم!!.. وهو هو الذي خشع أمامه المجوس وخروا، وسجدوا، وفتحوا كنوزهم وقدموا له هدايا ذهباً ولباناً ومراً!!..



نداء الدعوة

لم تضح الدعوة لموسى ظناً أو خيالاً أو حدساً أو تخميناً، بل أضحت رؤية مؤكدة، ونداء واضحاً، ومن العجيب أن موسى لم يتقبلها بحماس ابن الأربعين من العمر، بل على العكس تهرب وتراجع إلى الدرجة التي أغضبت الله عليه، لقد أدرك بما ليس فيه لبس كيف أن الله سيسنده بالمعجزات، تلو المعجزات، بل وأكثر من ذلك سيسنده بأخيه هرون الذي ينتظره بشوق بالغ، وفرح عميق، وما أجمل ما يقول ف.ب. ماير بهذا الصدد: "إن الله يعرف أين إخوتنا من "الهوارنة" أشقاء النفس الذين نحتاج إليهم لإتمام رسالة الحياة، قد يكونون بعيدين عنا، ولكن الله سيحضرهم إلينا، سيحضرنا إليهم، فلنعش معتمدين على عنايته ومحبته، وهو سيرتب لنا في نهاية كيف نلتقي وإياهم على جبل الله" في بعض البقاع المقدسة، حيث الشركة والألفة والثقة، في المكان الذي يختاره هو لنا، وسينسينا العناق والفرح وقبلة اللقاء أربعين عام المنفى والعزلة والحزن".

وإذ نحاول أن نعرف تماماً مركزنا من هذا النداء،.. إنه يتمثل في شيء صغير واحد،.. في عصا موسى،.. لقد تحولت هذه العصا من عصا موسى إلى عصا الله،.. أو في لغة أخرى إن موسى أضحى هو بذاته عصى في يد الله، والعصا في حد ذاتها لا تصنع شيئاً، ولكنها في يد الله تصنع كل شيء أو تصنع المعجزات.. إن الله هو "أهيه الذي أهيه" أو الكائن الذي كائن، أو بمعنى آخر غير المتغير في طبيعته وذاته، هو هو في الماضي كما في الحاضر والمستقبل، لا يناله ضعف أو نقص أو تحول أو قصور، الذي ليس عنده تغيير أو ظل دوران،.. والله الكائن يحتاج مع ذلك إلى "عصا" إلى رجل يستخدمه استخداماً كالعصا، وهو دائماً في متناول يده، وهذه هي سياسته الدائمة في كل أعماله في الأرض!!.. إنه يبحث عن إنسان ليدعوه ويرسله ويعمل به.. أجل نحن على استعداد أن نقول إن موسى لا يستطيع أن يعمل شيئاً من دون الله.. على أنه من الحق، وبكل إجلال وتوقير لله.. إن الله لا يمكن أن يعمل شيئاً من دون موسى!!.. من أرسل ومن يذهب من أجلنا؟!! هذا هو نداؤه الدائم البحث عن الرجل في كل العصور والأجيال!!.

هل ملت للمنظر العظيم؟!! هل رأيت العليقة المتوقدة التي لا تحترق؟!! هل أدركت الرسالة المطلوبة منك في مصر؟ إنها لم تعد رسالة موت لموت بقدر ما هي رسالة حياة لحياة!!.. يا ترى.. هل تقف على مفترق الطرق، لتنتهي إلى القرار الذي لا يمكن أن تندم عليه، والذي يؤهلك للوقوف على الشاطيء الأبدي، لتشترك في أعظم ترنيمة يرنمها الخالدون في العهد القديم أو الجديد على حد سواء؟ وأعني بها الترنيمة العظيمة الخالدة ترنيمة موسى والحمل!!

elraiek G
09-16-2010, 05:43 PM
( 13 )

بلعام بن بعور

"لتمت نفسي موت الأبرار ولتكن آخرتي كآخرتهم"

(عدد 23: 10)

مقدمة

لست أعلم من أي غدير أو نبع استقى روبرت لويس استفنسون فكرته، وهو يكتب كتابه العظيم: "دكتور چيكل ومستر هايد" الرجل المزدوج الشخصية، فهو تارة چيكل الطيب، وأخرى هايد الشرير، وهو يملك دواء يغير شخصيته كلما رام التنقل بين الشخصيتين،.. ومفعول الدواء يستمر معه لحظات من الزمن، غير أنه تأتي الساعة التي يفقد فيها هذا الدواء فاعليته، ويتوقف الرجل -للأسف- عند هايد الشرير، دون أن يبلغ چيكل الطيب،.. هناك من يؤكد أن استفنسون استوحى فكرته من الأصحاح السابع من رسالة رومية من قول الرسول بولس: "فإننا نعلم أن الناموس روحي أما أنا فجسدي مبيع تحت الخطية لأني لست أعرف ما أنا أفعله إذ لست أفعل ما أريده بل ما أبغضه فإياه أفعل فإن كنت أفعل ما لست أريده فإني أصادق الناموس أنه حسن فالآن لست بعد أفعل ذلك أنا بل الخطية الساكنة في.. لأني لست أفعل الصالح الذي أريده بل الشر الذي لست أريده فإياه أفعل.. ويحي أنا الإنسان الشقي من ينقذني من جسد هذا الموت!!.." ولعل روبرت لويس استفنسون لو بحث عن نموذج بشري يصلح لهذه الفكرة، لما وجد أفضل من بلعام بن بعور، الرجل الذي ارتقى إلى مصاف الملائكة، ثم هبط إلى القاع مع الشياطين!!.. وربما نستطيع أن نتابع الرجل وقصته الغريبة لو وقفنا منه من الجوانب التالية:



بلعام وامتيازه

لا شبهة في أن بلعام كان من أعظم الشخصيات المعروفة في عصرها،.. وكان يتسم بصفات متعددة واضحة إذ هو:





الرجل ذو العقل الجبار

كان من فتور ما بين النهرين، والبلدة كانت مشهورة بالحكمة، ومليئة بالحكماء، وكان بلعام بن بعور مقصد الكثيرين الذين يأتونه من كل البلاد، يبحثون عن الحلول لمشاكلهم، وما يواجهون من متاعب وصعاب،.. وقد حلت مشكلة أمام بالاق، وهو يفتش هنا وهناك عن ناصح وحكيم، يستطيع أن يعطيه حلاً لها، فلا يجد إلا الرجل القابع ما بين النهرين، اللماع التفكير الجبار الذهن، المقتدر الفهم، وهو لا يكاد يجد في الأرض كلها شبيهاً له، ونظيراً،.. وهو واحد من المجوس حكماء المشرق القدامى، والذي ظهر قبل أن يأتي المجوس إلى السيد بعد ذلك بخمسة عشر قرناً من الزمان.

على أن المعرفة الأكبر عند الرجل كانت معرفة الله، وقد كان من أعظم العارفين بالله، فالله ليس شخصاً غامضاً أمام عينيه أو صورة يحف بها الإبهام والظلام، كلا.. بل هو رجل غزير المعرفة بالله، عندما يتحدث عنه تعالى، لا يتحدث عن ألوهيم" إله الكون والخليقة، بل عن "يهوه" إله العهد -وقد حار الشراح والمؤلفون، من أين للرجل هذه المعرفة، المعرفة التي تصف الله في ثباته وجلاله وقوته وانتصاره؟!.. إن الجواب على ذلك يكمن في أنه كان واحداً من الذين أودعهم الله النور الذي ينير كل إنسان، وقد أتى إلى العلم، وعرفه الكثيرون من غير شعب الله، لأنه لا يترك نفسه بلا شاهد،.. فكان هناك ملكي صادق، وكان هناك أيوب، وكان هناك صوفر النعماني، وبلدد الشوحي، وأليفاز التيماني، وأليهو بن برخئيل البوزي، وغيرهم.



الرجل ذو اللسان الساحر

لم يكن بلعام جبار العقل فحسب، بل كان ساحر اللسان أيضاً،.. من الناس من يكونون على أعظم قدرة ومعرفة ذهنية، لكنهم لا يملكون اللسان الزرب البارع المنطق،.. ولكن بلعام كان يملك ناصية الاثنين، إذ كان ذهبي اللسان رائع المنطق، سديد التعبير، وكان خطيباً مفوهاً، وصل ببيانه إلى أسمى الذرى، وكان ندا لأروع ما نطق به الأنبياء، وفي ألفاظه الرائعة، كان أقرب إلى شعر إشعياء، وبلاغة حبقوق!!.. كان أميراً من أمراء البيان، ولو اعتلى المنبر، لكان واحداً من خطباء العصور، وسيداً من سادة المتكلمين بين الوعاظ في كل زمان!!..



الرجل الممتليء الأشواق

لم يكن بلعام ذهناً يفكر، أو لساناً زربا يتكلم، بل كان هناك شيء أكثر عند الرجل وفيه، إذ كانت له أشواق ملتهبة قوية، تزداد عنفاً وقوة ولمعاناً في وقت الصفاء، وساعات التأمل والهدوء،.. وأمام المذابح التي أقامها، والذبائح التي قدمها، التهب الرجل التهاباً، وهو يرى المخلص الآتي من بعيد: "أراه ولكن ليس الآن أبصره، ولكن ليس قريباً يبرز كوكب من يعقوب، ويقوم قضيب من إسرائيل فيحطم طرفي موآب ويهلك كل بني الوغى".. وهو إذ يرى عالماً أفضل، ومجداً أروع وأعظم يهتف: "لتمت نفسي موت الأبرار ولتكن آخرتي كآخرتهم!!.. ومن المؤكد أن الشعب الذي رآه، والصور التي أثارها هذا الشعب أمام عينيه وفي خياله، هي التي رفعته إلى هذا المستوى الرفيع الممتليء من الأشواق السماوية!!.. وكم من الناس دخلوا في وسط حفل مقدس، وأنصتوا إلى ترنم أعظم من كل أغاني الأرض، وأسمى من كل ما يعرف الإنسان،.. وسمعوا لغة إلهية أعلى من البيان البشري، فصاح كيانهم: "لتمت نفسي موت الأبرار ولتكن آخرتي كآخرتهم"!!..



الرجل الباحث عن مشورة الله

كان هناك شيء في الرجل يؤكد أن الحكمة البشرية -مهما بلغت أو عظمت، واللسان الزرب، مهما تكلم وأفصح، والشوق العميق مهما امتد والتهب- فإن الإنسان في حاجة إلى شيء أعظم من هذه كلها، وإلى جانبها، ألا وهو المشورة الإلهية التي لا يمكن أن يسير بدونها،.. وأبى بلعام أن يتخطى الطريق دون معرفة رأي الله وإرادته،.. ونحن نسأل هنا: هل أدرك الرجل أن ذكاء المرء محسوب عليه؟ وأن خطأ الحكمة البشرية بين وواضح في شتى المواقع الأرضية؟ وأن الإنسان مهما بلغ من الإدراك تائه في الظلام، لا يمكن أن يعرف ما يأتي به الغد، أو ما يتمخض عنه الزمن، أو ما تأتي به الأيام؟ وهو لا يتحرك إلا إذا أدرك ماذا يريد الله، وما هي مشيئته، وهو لذلك يطلب من رجال بالاق بن صفور أن ينظروا حتى يضيء له الله الظلمة الضاربة في الطريق؟!!.



الرجل المستخدم من الله

وبلعام بن بعور عنده الرغبة قبل وبعد هذه كلها أن يكون: "الرجل المفتوح العينين.. الذي يسمع أقوال الله ويعرف معرفة القدير، الذي يرى رؤيا القدير ساقطاً وهو مكشوف العنيين" وهو يصمم وقد جاء من بين النهرين- على شيء واحد "ألعلى الآن أستطيع أن أتكلم بشيء من الكلام الذي يضعه الله في فمي به أتكلم"..

ومن العجيب أن هذا الرجل فتحت عيناه حقاً، ومد بصره إلى ما وراء القرون والأجيال البعيدة، وتكلم بأروع النبوات وأعظم الرؤى، وارتفعت نبواته إلى مصاف أعلى النبوات وهي تتحدث عن المسيح سيدنا مخلص العالم!!..



بلعام وسقوطه

ولكن كيف يمكن لهذا الرجل العظيم أن يسقط من الجبل الشاهق الذي وصل إليه، وكيف يمكن أن يكون سقوطه عظيماً على الصورة التي جعلته عبرة لكل الأجيال والتاريخ!!.. وما هي عوامل سقوطه الشنيع هذا؟!!.



أسقطته الكبرياء

ولعل هذه أول تجربة واجهها الرجل إذ أن القاريء المدقق في كلمة الله يعلم أن بلعام رفض أن يذهب إلى بالاق من المرة الأولى، وأن بالاق داهن الرجل وتملقه، بأن أرسل إليه وفدا أعظم وأعلى من الوفد الأول، حتى يحس تقديره الكبير له، وسقط الرجل في الفخ المنصوب، وذهب مع الوفد الثاني،.. ولعل هذه تجربة العظماء والموهوبين في كل جيل وعصر، إذ يجربهم الشيطان بالتعالي والكبرياء والغرور، وعندما يتملقهم الناس تنزلق الطريق أمامهم، وما أسرع ما يسقطون!!.. ألم تكن هذه تجربة الشيطان نفسه، الذي وضعه الله في المكان العظيم المحدد له، ولكنه ترك رياسته، محاولاً أن يأخذ مكاناً أعظم وأعلى، وحبسه الله في القيود الأبدية تحت الظلام؟.. أليس هذه تجربة الجبابرة والملوك الذين قهروا الممالك ودوخوا الشعب، ولكن مأساتهم العظيمة، أنهم سقطوا من عل، لأنهم كانوا يتصورون أنهم من طينة غير طينة الناس، إلى الدرجة التي جعلت الإسكندر عندما انهمر الدم من جرح حدث له، أن يتعجب كيف يسقط دمه مثلما يسقط دم الآخرين من الناس، وكانت عقيدته أنه ابن الآلهة كما صوروا له أو خدعوه؟.

أليست هذه تجربة نبوخذنصر الذي قال: "أليست هذه بابل العظيمة التي بنيتها لبيت الملك بقوة اقتداري ولجلا ملكي.. والكلمة بعد بفم الملك وقع صوت من السماء قائلاً: لك يقولون يا نبوخذنصر الملك إن الملك زال عنك.. "في تلك الساعة تم الأمر على نبوخذنصر فطرد من بين الناس وأكل العشب كالثيران وابتل جسمه بندي السماء، حتى طال شعره مثل النسور وأظفاره مثل الطيور، وعند انتهاء الأيام أنا نبوخذنصر رفعت عيني إلى السماء فرجع إلى عقلي وباركت العلي وسبحت وحمدت الحي إلى الأبد الذي سلطانه سلطان أبدي وملكوته إليّ دور فدور، وحسبت جميع سكان الأرض كلا شيء وهو يفعل كما يشاء في جند السماء وسكان الأرض، ولا يوجد من يمنع يده أو يقول له ماذا تفعل؟؟" أليست هذه هي تجربة هيرودس الذي تملقه الصوريون والصيداويون، وهو لابس حلته الملوكية وعلى عرش الملك وهو يخطابهم، وإذا بهم يصرخون: هذا صوت إله لا صوت إنسان، ففي الحال ضربه ملاك الرب لأنه لم يعط المجد لله فصار يأكله الدود ومات؟؟.. أليست هذه تجربة الكثرين من أشهر الوعاظ، ولعله يوحنا ويسلي الذي جاءه واحد بعد عظة رائعة، وقال له -وهو نازل من المنبر-: ما أعظم ما وعظتنا به في هذه العظة، وأجاب الرجل العظيم: لقد قالها واحد غيرك من قبلك الآن، وتعجب الرجل وقال: من؟ وكان الجواب: إنه الشيطان؟؟ ولئن كان ويسلي نجح في مكافحة الشيطان، فإن بلعام بن بعور لم ينجح وهو ينزل من فوق منبر بالاق بن صفور، ومع أنه من هناك ألقى عظاته التي تلقفتها الأجيال، لكنه كان الواعظ الذي بعدما كرز للآخرين صار هو بنفسه مرفوضاً!!.. هذه الحقيقة العظيمة تؤكد أن الله لا يعطي مجده أو كرامته لآخر، وتكشف عن السياسة الإلهية الثابتة: "إن الله يقاوم المستكبرين أما المتواضعون فيعطيهم نعمة".. كانت الكبرياء المسمار الأول في نعش بلعام بن بعور.



أسقطه الطمع

كان يزعم أنه لا يتجاوز قول الرب ولو أعطاه بالاق ملء بيته فضة وذهباً، وعينه على كل درهم أو دانق يلقي به الملك إليه، كان محباً للمال بكل ما في الكلمة من معنى، كان واحداً من ذلك الموكب الرهيب الذي يتمشى في كل العصور: "الذين يريدون أن يكونوا أغنياء فيسقطون في تجربة وفخ وشهوات كثيرة غبية ومضرة تغرق الناس في العطب والهلاك لأن محبة المال أصل لكل الشرور، الذي إذ ابتغاه قوم ضلوا عن الإيمان وطعنوا أنفسهم بأوجاع كثيرة وأما أنت يا إنسان الله فاهرب من هذا..".. ولم يهرب بلعام، بل -على العكس- سعى إلى الذهب، الذي ذهب به إلى الدمار، ومال إلى المال الذي مال به عن الطريق المستقيم، إلى طريق الأفك والضلال، أو كما وصفه الرسول بطرس مع محبي المال: "قد تركوا الطريق المستقيم فضلوا تابعين طريق بلعام بن بعور الذي أحب أجرة الإثم".. هل رأيت الطريق من فتور إلى موآب؟ كان طريقاً طويلاً متعباً لكن بلعام بن بعور الطريق المرصوف بالذهب، وأحب بلعام أجرة الإثم، وسال لعابه طوال الطرق، وعبارة رهيبة تدوي في أذنيه في كل خطوة منه: الفضة.. الذهب!!.. الفضة.. الذهب!!.. الفضة.. الذهب!!.. وويل لمن يقتحم المحرم من أجل الفضة أو الذهب،.. اقتحمه عخان بن كرمي من أجل الرداء الشنعاري النفيس، والمائتي شاقل من الفضة، واللسان من الذهب، ودفن المال عخان- بن كرمي ملفوفاً بردائه الشنعاري!!.. واقتحمه جيحزي غلام أليشع بعد أن رفض سيده أن يأخذ من يد نعمان السرياني ما أحضره هدية من أجل شفائه، وأخذ وزنتي فضة وحلتي ثياب، وعندما مثل أمام أليشع كان الجواب: "أهو وقت لأخذ الفضة ولأخذ ثياب وزيتون وكروم وغنم وبقر وعبيد وجوار فبرص نعمان يلصق بك وبنسلك إلى الأبد فخرج من أمامه أبرص كالثلج". واقتحمه يهوذا الاسخريوطي الذي ذهب إلى رؤساء الكهنة وقال: "ماذا تريدون أن تعطوني وأنا أسلمه إليكم، فجعلوا له ثلاثين من الفضة، ومن ذلك الوقت كان يطلب فرصة ليسلمه".. وارتكب أكبر جريمة في التاريخ مقابل ما يقرب من ثلاثة جنيهات!!..

كل واحد يباع بثمن إذا تجرد من نعمة الله، وكان أشبه بذلك الرجل الذي عرض عليه الأعداء أن يخون وطنه، وعرضوا ثمناً ورفض، ورفعوا الثمن، وظلوا يرفعونه إلى أن وصلوا إلى النقطة التي جعلته يصرخ: لقد اقتربتم من الثمن الذي يمكن أن تشتروني به،.. ولا أعلم إن كانوا قد نجحوا أم لا، لكني أعلم أن بلعام بن بعور أخذ الأجرة الآثمة التي أسقطته!!.

هل أدرك بلعام بن بعور ما قاله أحد الشعراء، وهو يرى الناس تباع بأثمان مختلفة ومتنوعة!!.. ليس بالفضة، وليس بالذهب، بل توجد آلاف الطرق التي بها يشتري الإنسان،.. فالصداقة الآثمة، أو الرغبة الشريرة، أو الاسم الفارغ كثيراً ما تكون الثمن الذي به يباع الناس ويشترون!!.. وقد اشترى بالاق بن صفور بلعام بثمنين رهيبين: "فعاد بالاق وأرسل أيضاً رؤساء أكثر وأعظم من أولئك.. فأتوا إلى بلعام وقالوا هكذا قال بالاق بن صفور لا تمتنع عن الإتيان إليَّ لأني أكرمك إكراماً عظيماً وكل ما تقول لي أفعله" "فقال بالاق لبلعام ألم أرسل إليك لأدعوك لماذا لم تأت إليَّ أحقاً لا أقدر أن أكرمك".. كان الثمن الأول ما يمكن أن نطلق عليه إكرام الشهرة والحفاوة والإجلال في الوفود المرسلة، والاستقبال الفخم العظيم،.. وفي حلوان العرافة المتزايدة في المقدم أو المؤخر من الرشوة الكبيرة!!..

كان بلعام بن بعور قائداً عظيماً من أقدم القادة، الذين جمعوا وراءهم كل خطيب، وواعظ، ورجل دين، استخدم منبره بحثاً عن الصيت الذائع، أو عن المادة المتكاثرة!!.. ولم يعلم هؤلاء جميعاً أن مصيرهم لابد أن يكون مصير الرجل التعس الذي ذهب على أبشع صورة وأقسى منظر!!..





بلعام وطريقه

لم يتبع بلعام نهجاً وسلوكاً خاصاً به، بل أصبح أكثر من ذلك مدرسة مشهورة من مدارس الضلال والكذب، ويكفي أن يصف الرسول بطرس أتباعه: "لهم عيون مملوءة فسقاً لا تكف عن الخطية خادعون النفوس غير الثابتة لهم قلب متدرب في الطمع أولاد اللعنة. قد تركوا الطريق المستقيم فضلوا تابعين طريق بلعام بن بعور الذي أحب أجرة الإثم"، أو ما قاله السيد لملاك كنيسة برغامس: "إن عندك هناك قوماً متمسكين بتعليم بلعام الذي كان يعلم بالاق أن يلقي معثرة أمام بني إسرائيل أن يأكلوا ما ذبح للأوثان ويزنوا".. ولعل المشاهد لطريق بلعام يلاحظ أنها:



طريق الخداع النفسي

وهذه هي الحقيقة الأولى، إن المخادع قبل أني خدع الآخرين لابد أن يخدعه نفسه أولاً، وهذا ميسور ويستوي فيه الجميع لأن "القلب أخدع من كل شيء وهو نجيس من يعرفه".. وقد منع الله بلعام من الليلة التي ذهب فيها رؤساء موآب إليه، وكان المنع واضحاً وصريحاً، وعندما عاد بالاق وأرسل له رؤساء أعظم وأكثر، كان من واجبه ألا يكون عنده جواب إلا الجواب الأول، لأنه هو يعلم جيداً أن مشيئة الرب لا تتقلقل أو تتذبذب، وهو ليس في حاجة إلى أن يعود مرة أخرى إلى سؤال الله،.. وعاد بلعام يسأل الله مرة أخرى، وأدرك الله أن الرجل يريد أن يخادع نفسه، وهو يطلب أذناً من الله، ليفعل ما لا يريده الله أن يفعل، ولم يكن هنا يخدع الله، بل كان يخدع نفسه، لعل الله -قد مثل أمامه إكرام البشر وذهبهم وفضتهم- يعطيه رخصة للذهاب، وأسلم الله إلى ذهنه المرفوض وهكذا يفعل الله على الدوام لمن يريد أن يحجز الحق بالإثم، ويغطي المشورة الإلهية بالرغبة البشرية،.. مرات كثيرة ما يطلب الناس الله بذات الصورة التي طلبها بلعام بن بعور، لعل ضميرهم الثائر يستريح، أو يعطي تبريراً لما ينتوون من رغبات شريرة أو آثمة،.. ويجيبهم الله بذات الإجابة القديمة، وعندما تتنكب بهم الطريق يصرخون ويجأرون!! ألم نطلب الله.. ألم ننتظره فلماذا أصابنا هذا كله؟، وهم يعلمون أن الله غير مجرب بالشرور وهو لا يجرب أحداً..” ولكن كل واحد يجرب إذا انجذب وانخدع من شهوته ثم الشهوة إذا حبلت تلد خطية والخطية إذا كملت تنتج موتاً”..



طريق الورطة

إن طريق الخداع النفسي على الدوام طريق موروط، وكان لابد لبلعام أن يفهم موقف الرب بكل وضوح، فالله لم يتغير أبداً في موقفه، إنما الذي تغير هو بلعام، ويبدو أنه كان في صراع مع نفسه، وفي تساؤل هل يتبع الطريق الصحيح أم لا، وهو يركب الأتان التي تميل به في الطريق يميناً ويساراً مع الذبذبة النفسية، التي كانت تموج بها نفسه،.. وجاء إلى خندق، وكان هو قد وصل إلى خندق نفسي عظيم، حيث لا مجال للنكوب هنا أو هناك، وربضت الأتان تحته، ولم تفعل ما فعلته قبل ذلك مرة ومرتين، إذ كانت تغير طريقها من موقف الملاك الواقف قبالتها!!.. وضربها بلعام، ونطقت الأتان، وتكلمت بلغة البشر،.. لقد وقف بلعام في الطريق بين الملاك والأتان، لأن حياته كانت بين الوثنيين، ومن المؤسف أن النفس البشرية تبدأ في الطريق بالملاك لتنتهي إلى الحمار، أو في الواقع لتصل إلى حماقة لا يصل إليها الحمار نفسه!!.. وأي ورطة أعظم من هذه الورطة؟ وأي قسوة أشنع منها وأبلغ؟.. أهكذا تقع النفس البشرية بين الملاك والحمار؟ بين أعلى حكمة وأدنى غباوة؟.. ولكنها حقيقة الإنسان في طريق الورطة بعيداً عن الله!!.. لأن "الثور يعرف قانيه والحمار يعرف صاحبه أما إسرائيل فلا يعرف وشعبي لا يفهم"!!.. على أن السؤال الأعمق والأبعد: لماذا يسمح الله بطريق الورطة التي لا يرغبها، والتي أعلن رفضها من الأول؟!!.. إن الله يسمح لا لأنه يريد ألا يقهر الحرية البشرية فحسب بل أكثر من ذلك لأنه يريد أن يخرج من الآكل أكلاً ومن الجافي حلاوة، ولأنه يريد أن ينتصر على القصد الشرير، ويصنع منه قصداً رائعاً جميلاً خيراً، وما كان من الممكن أن نسمع عن هذه النبوات الرائعة والعظيمة، أو نعرف إجادة الرب إلا كما يقول ميخا: "يا شعبي اذكر بماذا تآمر بالاق ملك موآب وبماذا أجابه بلعام بن بعور من شكيم إلى الجلجال"..



بلعام وخطورته

كان بلعام خطراً داهماً على نفسه، وعلى شعب الله أيضاً، وكانت خطورته:



خطورة الإسفاف

وأي إسفاف أبلغ من هذا الإسفاف الذي نزل به النسر المحلق في الأعالي بأعلى الرؤى وأقدس النبوات، إلى الجثث الميتة والجيف النتنة؟! خطورة الرائي الذي يرى رؤى القدير بعين مكشوفة.. إلى العراف الذي تحول إلى الخرافات والتنجيم؟.. خطورة الذي بدأ أعظم بداية لينتهي أسوأ نهاية؟!. إنه يذكرنا بالتعبير العظيم: لماذا سقطت يا زهرة بنت الصبح، ولماذا يهوى الجمال إلى حضيض الطين؟!! إنه شيء يروع النفس، ويدمي القلب، ويغمد النصل الحاد في القلب المحزون، عندما ينتهي تلميذ المسيح إلى قبلة الغدر، ويسمع للصيحة الأليمة الباكية: يا صحب لماذا جئت!!.. وهكذا كان إسفاف يهوذا الاسخريوطي، ومن قبله بلعام بن بعور الذي قتل نفسه قبل أن يقتل الآخرين!!



خطورة الرأي الملتوي

وأي التواء أكثر مما وصفه به "فردريك وليم روبرتسن" عندما قال: "إنه الرجل الذي أراد أن يرضي نفسه دون أن يغضب الله"؟ وكان في ذلك واحداً من أبرع أئمة الدبلوماسيين والمرآئين!!.. إنه ذلك النوع من الثعالب الفضية اللون، التي يروق لك منظرها، ولا تعلم في أي جحر تبيت، ولا من أي باب تخرج، إنه الإنسان الذي يلقى عبارته التي تحتمل الكثير من التفسير والإيماء والتساؤل، وهو من أدهى الدهاة الذين يمكن أن تفسر بمائة تفسير، قد يذمك في قالب مدح، وقد يمدحك في قالب ذم، وهو قد يحتفل بك برقصة الثعلب في وسط الدجاج، أو احتفال ياهو بمن أراد أن يذبحهم من أنبياء البعل،.. أو بالحفلة التي أجهز بها محمد علي على المماليك في مصر!!..

لقد وقعت أمامه مشكلة، الله يريده أن يبارك، وبالاق يريده أن يلعن، وهو يريد أن يرضي الله ويرضي بالاق أيضاً، ويبارك ويلعن في الوقت عينه، فماذا يفعل الداهية؟!!.. لقد بارك كما أراد الله،.. ومن خلال البركة فتح الطريق أمام بالاق للعنة –خذ مثلاً هذا التعبير- وهو صحيح مائة في المائة- وهو خطير أيضاً إلى أبلغ حد: لقد جاء في بركته: “لم يبصر إثماً في يعقوب ولا رأى تعباً في إسرائيل الرب إلهه معه”.. وهذه بركة حقيقية ودائمة،.. ولكنها بمفهوم المخالفة (كما يقول رجال القانون).. إنك يا بالاق إذا أردت أن تقضي على هذا الشعب، فليس هناك إلا سبيل واحد،.. وهو أن تسقطه في الإثم، فتأتي به إلى خيانة الله، والبعد عنه.. وتلقف بالاق بن صفور الإشارة البارعة، وأخرج بنات موآب يرقصن ويلعبن أمام شعب الله، ويقتدنه إلى ما ذبح للأوثان، وللزنا،.. وغبط بلعام بهذه البراعة، فهو لم يقل شيئاً إلا الذي قاله الله له،.. وهو لم يخرج عن وصيته أو يتجاوز قوله،.. وفي الوقت عينه قال كل شيء يرضي بالاق بن صفور، ويعطيه أقرب طريق إلى قتل الشعب والقضاء عليه!!.. كان واعظاً بارعاً ألقى عظته باسم الله، وأخذ الثمن من الشيطان!!..





خطورة العدو الخبيث

هذا هو الرجل الذي كان بهذه المشورة القاتلة، أخطر أعداء شعب الله، والتاريخ ينظر إليه كواحد من أخبث القتلة وأشدهم ضراوة.

وهكذا عرفه الفكر اليهودي، إذ قال موسى في سفر التثنية وهو يتحدث عن الموآبيين: "ولأنهم استأجروا عليك بلعام بن بعور من فتور آرام النهرين لكي يلعنك ولكن لم يشأ الرب إلهك أن يسمع لبلعام فحول لأجلك الرب إلهك اللعنة إلى بركة لأن الرب إلهك قد أحبك".

وقال يشوع: "وقام بالاق بن صفور ملك موآب وحارب إسرائيل وأرسل ودعا بلعام بن بعور لكي يلعنكم ولم أشأ أن أسمع لبلعام فبارككم بركة وأنقذتكم من يده".. وكان المسيحيون في مطلع التاريخ المسيحي يرونه في كل تعليم خبيث يمزج الحق بالباطل، والسم بالدسم، كما جاء في سفر الرؤيا عن الذين يتمسكون: "بتعليم بلعام الذي كان يعلم بالاق أن يلقي معثرة أمام بني إسرائيل أن يأكلوا ما ذبح للأوثان ويزنوا".. وهو الرجل الذي حار فيه أوغسطينس وچيروم، فالأول كان يعرفه الإنسان الذي يستخدم الدين طمعاً في الكسب، والثاني الذي كان يراه أشبه بسقطة النبي القديم في بيت إيل، الذي قتله الأسد بجوار حماره!!..

ورغم أن الرجل أعطى أعظم النبوات وأبرعها، لكن التاريخ الكنسي لم يذكره قط صديقاً للكنيسة، بل عدواً قاسياً خطراً، كما ذكر النبوة التي جاءت على لسان قيافا، وكانت من أعظم النبوات عن المسيح: "فقال لهم واحد منهم وهو قيافا، كان رئيساً للكهنة في تلك السنة أنتم لستم تعرفون شيئاً ولا تفكرون أنه خير لنا أن يموت إنسان واحد عن الشعب ولا تهلك الأمة كلها. ولم يقل هذا من نفسه بل إذ كان رئيساً للكهنة في تلك السنة تنبأ أن يسوع مزمع أن يموت عن الأمة وليس عن الأمة فقط بل ليجمع أبناء الله المتفرقين إلى واحد".. ومع ذلك فإن التاريخ لم ير في قيافا صديقاً للكنيسة، بل عدواً من أقسى أعدائها .





بلعام ومصرعه

ومصرع بلعام عظة بالغة لمن يريد أن يتعظ ويتعلم، لقد جائته نهايته بأسرع مما كان يتصور أو يحلم، إذ لم يمت في بيته وأرضه، بل مات في أرض غريبة، أرض المديانيين، ولا يعلم أحد على وجه التحقيق لماذا كان هناك.. يظن البعض أن المديانيين دعوه كما دعاه بالاق ملك موآب، وأنه وقد استمرأ الدعوة الأولى وحلوانها، فقد ذهب إلى الثانية ليضاعف الحلوان ويكثر الثروة ولم يدر أن هناك نهايته ومصرعه، إذ قتله الإسرائيليون مع ملوك مديان،.. كانت الطريق الأولى ورطة أمامه، وبقيت له الحياة مع ورطة الطريق،.. لكنه عند تكرار الأمر لم يجد في الغالب ملاكاً يقف في طريقه، أو حماراً يزحم قدمه،.. لقد رأى الطريق رحب إلى الهلاك، والنهاية أسرع مما كان يظن،.. وإنها حكمة الله العجيبة، إذ أنه قبل أن يقضي على الحياة، يضيق الطريق ويزحم القدم، لعل الإنسان يثوب إلى رشده ويرجع، أيها الخاطيء، قد يزحم الله قدمك بالخسارة، أو الضيق، أو الشدة، أو المعاناة أو التعب من كل جانب، فإذا لم تنتبه، فقد يفسح أمامك، ويوسع الطريق، ولكن إلى الهاوية والهلاك وأنت لا تدري!!..

ومن المؤسف أن الرجل الذي وعظ بسحر البلاغة وروعة البيان، كان في حاجة إلى العظة القاسية من الحمار الأعجم الذي نطق بصوت إنسان،.. وهكذا كان الرجل الحكيم في عصره غبياً إلى الدرجة التي يحتاج فيها إلى عظة حمار: "إذ منع حماقة النبي حمار أعجم".. وإذا كانوا قد قالوا إن الإنسان قد يأخذ الحكمة من أفواه المجانين، فليس بعيداً عن الله، أن يعلم الحكيم الذي هوى بشره إلى الحماقة، على لسان حمار!!..

وفي الحقيقة أن بلعام بن بعور الذي لم تفده عظة الحمار، والذي بلغ من الحماقة ما لا يبلغه الحيوان نفسه، كان لابد أن يموت موت أحمق، ولقد مات أشنع ميتة وأقساها، إذ لم يعش ليستفيد من إكرام بالاق بن صفور الموآبي، أو من ملوك مديان أوى وراقم وصور وحور ورابع الخمسة الذين قتلوا فوق قتلاهم، وقتل معهم بلعام بن بعور، وذهب الرجل إلى مصيره التعس دون أن يأخذ شيئاً من ذهب بالاق أو فضته معه،.. وهو يذكرنا بالحقيقة القاسية إن ثوب الكفن لا جيوب له، وأن الكرامة المزعومة ستذهب أدراج الرياح، وأنه ليس ذهب بالاق أو المديانيين أو الأرض، يمكن أن يساوي خسارة نفس عرفت الحق الإلهي يوماً ما وغنت به، ولكنها لم تلبث أن لفظته وخرجت عليه: "لأنه ماذا ينتفع الإنسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه أو ماذا يعطي الإنسان فداء عن نفسه!!".

كان على بلعام أن يعلم أن الرجل الذي يتمنى: "لتمت نفسي موت الأبرار ولتكن آخرتي كآخرتهم.. لا يمكن أن يتحقق له ذلك ما لم يقل أيضاً: "لتحيا نفسي حياة الأبرار ولتكن آخرتي كآخرتهم". وإذ لم يحيي الرجل هذه الحياة، لم يحقق الأمنية التي طافت بذهنه في لحظة سمو واتضاع" وذهب الرجل ليحقق قولاً آخر:

ما كل ما يتمنى المرء يدركه تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن!!

elraiek G
09-16-2010, 05:44 PM
( 14 )

يشوع

"موسى عبدي قد مات فالآن قم اعبر الأردن"

(يش 1: 2)





مقدمة

على النصب التذكاري للأخوين يوحنا وتشارلس ويسلي في مقابر وستمنستر في لندن كتبت هذه العبارة: "الله يدفن العاملين.. ويستمر في العمل" وهي عبارة صادقة عظيمة غزيرة المعنى، إذ تبين أن الإنسان يموت، والله يبقى، وأن العالم يسقط من القائد ليتسلمه آخر،.. لأن الله هو العلم الحقيقي الذي يظلل جميع أعلام الأرض "يهوه نسى أو الرب رايتي، كان موسى من الرجال الذين يصح تجاوزاً أن يدعوا "فلتات" في العصور كلها، إذ ليس في كل التاريخ من يمكن أن يرتقي إلى مثاله، سوى أعداد ربما لا تعد على أصابع اليد الواحدة، وصعد موسى على رأس الفسجة، ومات هناك بقبلة من الله، كما ألف التقليد اليهودي أن يقول، ودفنه الله، ولم يعلم قبره حتى اليوم، لأن مكانه الحقيقي كان في السماء، ولئلا يتحول قبره إلى مزار يتجه إليه الإسرائيليون، ويعبدونه، كما عبدوا من قبل العجل الذهبي الذي حطمه وذراه على وجه المياه، ليبقى وجه الله وحده المعبود الذي لا يعبد سواه!!.. مات موسى وحل مكانه يشوع -على الفارق بين الشخصيتين أو المهمتين، مات عملاق التاريخ، وحل محله الثاني- وإن لم يستطع أن يتطاول إلى ارتفاعه ومقامه- وكان إلى جانبه كما يبدو الظل إلى جانب الحقيقة،.. لكن كليهما في الواقع كان ظلاً باهتاً للآتي فيما بعد، الذي قال عنه موسى! "نبياً مثلي سيقيم لكم الرب إلهكم من إخوتكم له تسمعون" وقال عنه كاتب الرسالة إلى العبرانيين: "لأنه لو كان يشوع أراحهم لما تكلم بعد ذلك عن يوم آخر". كان موسى أو يشوع رمزاً ليسوع المسيح الآتي في ملء الزمن بعدما يقرب من خمسة عشر قرناً من الزمان!!.. وسيدفن الله العاملين وسيستمر هو في عمله الفدائي العظيم، حتى يرث الأرض وما عليها، وتصبح أعمالك كلها للرب ولمسيحه!!.. وسيبقى مؤكداً ما قالته العجوز التي سمعت صارخاً يقول يوم موت يوحنا ويسلي: ماذا نعمل لقد مات ويسلي؟.. وصرخت المرأة في وجهه قائلة! مات ويسلي ولكن الله حي لا يموت!!.. وها نحن اليوم سنتابع الرجل التالي لموسى، الذي سمع القول الإلهي: موسى عبدي قد مات فالآن قم اعبر الأردن!!.. من يكون هذا الرجل؟!! وما رسالته؟!! وما يد الله في هذه الرسالة؟!! وما هو الرمز البعيد لرسالة الأعظم الآتي فيما بعد؟!! هذا هو موضوع بحثنا ودراستنا في دراسة هذه الشخصيات!!..



يشوع المجهز من الله للعمل بعد موسى

كان اسمه في الأصل "هوشع" أو "خلاص" ودعاه موسى "يشوع" أو "خلاص الله" ولد في مصر عبداً في بيت العبودية، ومن نسل يوسف، وسبط إفرايم، وهو الحادي عشر من سلسلة أحفاد يوسف، وكان أبوه "نون" وجده "أليشمع" الذي كان رئيساً لبني إفرايم عند الخروج،.. ومن المؤكد أنه كان فوق العشرين، وربما في الثلاثين من عمره، عندما ترك مصر، إذ كان كما يصفه الكتاب غلام موسى الذي يحرس الخيمة، عندما يتركها الرجل العظيم، وكان هو وزميله كالب بن يفنة اللذين نجوا من الموت، من كل الجيل الذي فوق العشرين الذي سقط في البرية لتمرده وعصيانه على الله!!.. وعلى أي حال لقد جهز الله يشوع في بطن الزمن ليكون الرجل التالي بعد موسى، وكان تجهيز الله له عميقاً وبعيداً، من مطلع الحياة، وربما لا نعدو الحقيقة إذا قلنا إن عناصر هذا التجهيز بدأت أولاً بالمرارة النفسية العميقة، إذ ولد الصغير وشب ليدرك أنه عبد في مصر، تحكمه كل قواعد العبودية القاسية، وكان وهو يتدرج نحو الشباب، تثور نفسه بثورة عارمة هائلة، وهو يرى السخرية والقسوة ومذلة الشعب، ولا أعلم ماذا أصابه هو شخصياً من هذه كلها، إنما أعلم أن الآلام دائماً تعد النفوس النبيلة لمستقبلها العظيم،.. عندما أبصر ابراهام لنكولن فتاة تباع في سوق النخاسة، وتعرض أمام الناس كما تعرض السائمة، يتزايد عليها المشترون، رأى الإنسانية تباع وتشترى في هذه الفتاة، فآلى على نفسه، أنه إذ واتته الفرصة لابد أن يحرر بلاده من هذه الوصمة، ويضع أكثر من ذلك مسماراً كبيراً في نعش الاستعباد، وقد تم له ما أراد، وإن كان قد دفع حياته ثمناً لهذه الحرية الغالية!!.. فإذا كان الاستعباد هو الذي حرك موسى ليكون محرراً للأمة،.. فإنه كان النخاس القاسي في صدر يشوع حتى لا يقع الشعب مرة أخرى فريسة الذل والألم والتعاسة والشقاء،.. كان رائداً من رواد الحرية، دخل الحرب بأمر الله، وكان مثل "غريبلدي" الذي تستهويه المعارك لا في إيطاليا وحدها، بل في كل مكان يرى فيه الاستعباد جاثماً على صدر الناس،.. لكن المرارة وحدها، لم تجهزه، بل لعله أدرك أنه ينتمي إلى جد عظيم تشرب الكثير من روحه وسيرته، وعندما مات هذا الجد في مصر دفن في تابوت وحنط هناك، وحمل التابوت بكل إجلال وإكرام يوم الخروج من مصر، وحمله سبط إفرايم الرحلة كلها، ولعل الشاب يشوع كان يأتي بين الحين والإخر، ليرى التابوت، والرجل المسجى فيه، والتاريخ العظيم لهذا الجد القديم، التاريخ الحافل بأروع السير وأمجد الذكريات، ولعل يشوع وقف مرات متعددة، وهو يعاود معنى الحياة وقصتها، ومغزاها، في هدوء الصحراء وعزلتها، وفي أعماق الليل، حيث تلمع فوقه النجوم وتضيء، ويتذكر يوسف في إيمانه وحياته ووداعته ورسالته، وهو يأمل أن يكون بصورة ما امتداد لهذه القصة العظيمة، وبالأسلوب الذي يريده الله أن يكون،.. في الحقيقة إنه شيء مجيد أن يعود الإنسان في رحلة الحياة إلى ذكريات أبائه وأجداده، والتاريخ البعيد القديم إن كان من حظه أن يكون له مثل هذا التاريخ، ليقول مع بولس: "الله الذي أعبده من أجدادي". ولعله من حظ كل إنسان سعيد أن يسير على الدرب الطويل لآبائه وأجداده، فمن أعطاهم الله مثل هؤلاء الآباء والأجداد، كالركابيين الذين رفعوا رؤوسهم أمام إرميا النبي، قائلين بكل نشوة وفخر: "فسمعنا لصوت يوناداب بن ركاب أبينا في كل ما أوصانا به".. كانت عظام يوسف تتحدث في صمت طوال الطريق إلى يشوع بن نون ابنه!!.. على أن الأمر مع ذلك كان أكثر عنده، إذ كانت هناك صحبة موسى العملاقة، كان يشوع محظوظاً جداً، إذ عاش في صحبة موسى، وفي خدمته، وكانت العلاقة بين الاثنين من أسمى وأعمق وأرقى وأوفى العلاقات على الإطلاق، فموسى أحبه كنفسه وكان دائماً أقرب إلى قلبه من أي شخص آخر، حتى ولو كان هذا الشخص جرشوم وأليعازر ابنيه،.. وكان الغلام يغار لموسى غيرة عظيمة، إذ كان هو الوفاء مجسماً لأبيه الروحي العظيم، وعندما أبصر اليداد وميداد يتنبآن في المحلة، طلب من موسى أن يردعهما، إذ لا يجوز لأحد أن يرتفع إلى مقام القائد العظيم، ورد عليه موسى قائلاً: أتغار أنت لي، دعهما يتنبآ، ويا ليت شعب الرب كله أنبياء،.. وما من شك بأن هذه الصحبة التي عاشت إلى آخر حياة موسى، طبعت يشوع بأقوى الانطباعات وأسماها، وأن الشاب إذ كان قد أخذ من ذكريات يوسف جده الكثير فإنه أخذ الأكثر من الصحبة الرائعة لموسى معلمه وأستاذه!!.. وكان يشوع مجهزاً بالتقوى العميقة، بالتقوى التي صاحبته إلى آخر عمره، في مطلع حياته وفي نشوة الصبا، وحلاوة الأيام، قيل عنه: "وإذا رجع موسى إلى المحلة كان يشوع بن نون لا يبرح من داخل الخيمة".. وفي خيام الحياة، وهو يواجه الشعب، قال قوله العظيم: "إن ساء في أعينكم أن تعبدوا الرب فاختاروا لأنفسكم اليوم من تعبدون.. أما أنا وبيتي فنعبد الرب".. كان قلبه عامراً بالحب الإلهي، والله في العادة عندما يختار العاملين ينظر: "ليس كما ينظر الإنسان لأن الإنسان ينظر إلى العيني وأما الرب فإنه ينظر إلى القلب".. وعندما نظر إلى القلوب، لم ير هناك قلباً بعد موسى أصلح لقيادة الشعب من قلب يشوع بن نون!!.. وكان يشوع مؤمناً، وهو من ذلك النوع من المؤمنين الذين لا يبالون بالعدد الذي يمكن أن يقف إلى جوارهم، فسواء وقفوا منفردين، أو وقف إلى جانبهم الجمهور الغفير، فإنهم يحملون ذات الإيمان دون تراجع أو رهبة أو تزعزع، بل إنه من ذلك النوع من المؤمنين الذين يرون كل شيء في ضوء الإيمان، فإذا واجهوا العمالقة بعين الإيمان، فهم في نظرهم أقزام، في الوقت الذي يراهم الغير بالعين المادية، وكأنهم أكثر طولاً، وكأن نفوسهم في الوقت عينه أحقر قدراً وأضأل شأناً!!.. وقد أضاف يشوع إلى الإيمان، اختباره في الحياة والمعارك، لقد خرج من مصر مزوداً بمعجزات الإيمان العظيم، ولقد عبر في البحر الأحمر، وهو يرى المعجزة الكبيرة، وكان كل يوم يلتقط المن المرسل من السماء، وكان يرى المياه تتفجر من الصوان في الصحراء!!.. ولم يقف الأمر عند هذا، بل دفعه موسى في صدر الشباب إلى قيادة المعركة مع عماليق، وذهب الشاب، وحارب العمالقة ورأى السند الإلهي، في عصا موسى المرتفعة، فهو يغلب إذا ارتفعت العصا، وهو يهزم إذا كلت ذراع موسى عن رفعها، وهو يتعلم من هذا كله كم يفعل الإيمان في حياتنا، عندما نؤمن بإله عظيم!!.. وقد كان ليشوع الشجاعة الخارقة التي استندت إلى الإيمان العميق، فإذا كان من مشيئة الله أن يعيش طوال عمره محارباً،.. فإن حربه دائماً ترتكز على الثقة والإيمان بالله!!..

كانت نعمة هذا الإنسان مع كل هذه الوداعة الهائلة، فهو خادم لموسى مخلص غيور وديع متضع، لا يكاد يرى نفسه أهلاً أن ينحني ويحل سيور حذاء قائده العظيم، وأنت لا تسمع منه فخرآً بالانتصار على عماليق، ولا ترى منه مكاناً إلا حيث يأمره موسى، أو حيث يجلس في خيمة الاجتماع دون أن يبارحها وكأنما يستمع إلى صوت من موسى يأتي بعد خمسة عشر قرناً من الزمان: "تعلموا مني لأني وديع ومتواضع القلب فتجدوا راحة لنفوسكم!!. كان يشوع بن نون الشاب المجهز بالتواضع لخدمته العظيمة!!.

يشوع البديل لموسى

وهل يمكن أن يكون هناك بديل لموسى؟ وهل يمكن أن يرفع أحد قامته إلى مستوى قامة موسى؟.. إن موسى فلتة من فلتات الدهر، وقد لا يجد التاريخ في أي سبط من أسباط إسرائيل من يجوز أن يقف إلى جواره، أو يصبح له نداً، إلا واحد من سبط بنيامين سيأتي بعد أربعة عشر قرناً من الزمان، هو شاول الطرسوسي،.. مثل موسى وبولس من أندر الشخصيات التي تخرج إلى معالم الحياة، لتقف وراء ذاك الذي ولد والرئاسة على كتفيه،.. في الحقيقة إن موسى بهذا المعنى ليس له بديل، فهو وحده رجل الشريعة، وهو رجل العبور، وهو الرجل الذي قاد الشعب بحنكة وفطنة ليس لهما ضريب أو مثيل!!.. لكن موسى قد مات، فهل يمكن أن يكون هناك بديل؟!!.. هذه الظاهرة العجيبة نجدها على الدوام في شتى الصور وكافة المجالات أو الميادين، فإنك لن تجد مثيلاً لهوميرس الشاعر الإغريقي، أو شكسبير عند الإنجليز، أو جوته عند الألمان، ولن تجد ضريباً لدانتي والكوميديا الإلهية، وملتون والفردوس المفقود والمردود،.. وفي عالم النحت أو التصوير لن تجد مثيلاً لميشيل أنجلو أو رفائيل، أو هولمان هانت، وفي عالم الموسيقى قد لا تجد كثيراً على مختلف العصور مثل بيتهوفن وموزار وهاندل وغيرهم من العمالقة بين الناس.. وفي الكنيسة لم تجد العصور الأولى من حل محل بطرس ويعقوب ويوحنا، ومهما كان تقديرنا لأغناطيوس وبوليكاربوس وهرمس وأكلمندس،.. فإنهم لا يمكن أن يرتقوا إلى مركز التلاميذ العظام الذين بذروا بذرة المسيحية وراء يسوع المسيح. ومن النادر حقاً أن ترى أوغسطينس، وتوما الأكويني، ولوثر، وملانكثون، وكلفن، وچون فوكس، ويوحنا ويسلي، فهم لا يظهرون إلا لماما مع القرون أو الأجيال!!.. ومع ذلك يأتي السؤال: هل تقف القافلة أو يتوقف الركب، عندما يقال: "موسى عبدي قد مات؟".. كلا وإلى الأبد كلا،.. فموسى في أفضل حالاته، ليس إلا عصا بيد الله، وإذا سقط العلم، فسيأتي آخر بملكات أخرى، وبمواهب أخرى وبوزنات أخرى، لعمل يختلف تماماً عن عمل موسى ورسالته،.. وسيقول الله لمن يأتي: قم اعبر الأردن الآن!!...

إن البديل هنا -وللأسف- لم يكن ابني موسى، أو واحداً منهما، بل كان يشوع بن نون،.. إن عمل الله لا يمكن أن يؤخذ بالوراثة، كما أن أولاد الأبطال قد لا يكونون بالضرورة مثل آبائهم، وقد تخلف النار رماد كما يقولون.. وقد يخلف صموئيل النبي العف النبيل، من لا يسير وراءه من أبنائه في ذات المنهج والسلوك والاتجاه،.. ولعل موسى كان خفيض الرأس من هذا الجانب، ولعله كان يتمنى أن واحداً من ولديه يرتفع إلى مستوى الزعامة والقيادة، دونه أن يصبح نكرة أو مجهولاً بين الناس،.. ومع أنها النعمة وحدها هي التي تفصل بين الأولاد أنفسهم، فتجعل واحداً منهما يعقوب والآخر عيسو، .. إلا أن الكثيرين مع ذلك ما يزالون يسألون: لماذا لا يكون أولاد العظماء، عظماء كآبائهم؟! وعلى من تقع التبعة من هذا القبيل، هل تقع على الأب؟ وهل كان موسى مزدحماً بالعمل إلى الدرجة التي لم يعط فيها وقتاً لولديه ليتدربا على القيادة والزعامة؟ أم أن الأم صفورة كانت هي السبب، إذ لم تملأ الفراغ الذي تركه في البيت ازدحام موسى في الخارج بحياة الشعب ومشاكله؟؟ وهل لم تدرك صفورة التي أنقذت موسى عندما لم يختن ابنه الثاني في يوم السفر، إذ كان مزدحماً بالعمل، وافتدته صفورة إذ قامت بعملية الختان لولدها،.. هل لم تستطع صفورة، وقد تعلمت من هذا درساً أن تختن قلب ولديها ليصبحا قائدين عظيمين في إسرائيل؟؟ على أي حال إن الخدمة الدينية لا تورث، وموسى يؤمر وقد أوشكت أيامه على الانتهاء أن يأخذ "يشوع بن نون رجلاً فيه روح وضع يدك عليه".. ويفعل موسى، ويعبر البديل عن ولديه إلى ابنه بالروح المعين من قبل الله!!..

إن البديل قد يختلف عقلاً وأسلوباً عن الذي يأخذ مكانه، ولكنه لابد أن يكون من روحه في الأمانة والغيرة والحب لخدمة الله والتفاني فيها،.. ولابد للبديل -قبل غيره- أن يتأكد أنه لم يأخذ الخدمة استحساناً أو بمشيئة إنسان، بل من الله رأساً، وهو سيستريح ويسعد ويقوى وينتصر، طالما تأكد أنها دعوة الله العليا التي عليه ألا يتردد في قبولها، مهما كانت جبال المشكلات والصعاب أمامه: "لأنه من أنت أيها الجبل العظيم، أمام زربابل تصير سهلاً".. لأنه سيأخذ الضمان الإلهي من الله، الذي كما سار مع موسى سيسير مع يشوع أيضاً!!.. وسيجد الله البديل، وسيمكنه من الخدمة الناجحة، وسيسانده بالصورة العظيمة التي تواجه مشاكل الخدمة المعقدة، ولن يلتفت الناس إلى موسى أو يشوع بقدر ما يلتفتون إلى صانعهما كليهما للخدمة التي سبق فأعدها لهما!!..

ولن نقف هنا قليلاً إلا لنحني الرأس إجلالاً لموسى، الذي -وقد اقترب من النهاية- كان مشغولاً بالبديل: "وقال الرب لموسى اصعد إلى جبل عباريم وانظر الأرض التي أعطيت لبني إسرائيل ومتى نظرتها تضم إلى قومك أنت أيضاً كما ضم هرون أخوك لأنكما في برية صين عندما مخاصمة الجماعة عصيتما قولي أن تقدساني بالماء أمام أعينهم ذلك ماء مريبة قادش في برية صين فكلم موسى الرب قائلاً: "ليوكل الرب إله أرواح جميع البشر رجلاً على الجماعة، يخرج أمامهم ويدخل أمامهم ويخرجهم ويدخلهم لكي لا تكون جماعة الرب كالغنم التي لا راعي لها".. ومن حقنا أ ن نحيي موسى هنا، الذي لم ير نفسه فرداً لا نظير له، بل تمنى آخر يملأ الفراغ الذي يوشك أن يتركه!!.. إنه أشبه بخادم عظيم يرعى كنيسة من أكبر الكنائس، وكان مشغولاً بمن يمكن أن يخلفه، وصلى إلى الله، وجاء الله بالخلف، ونظر إليه الشيخ الكبير في سرير المرض، واقترب منه الخادم الجديد فاحتضنه وقبله، ونام هادئاً، لأن الله يأخذ الخدام، ولكنه يبقى الخدمة على الدوام مستمرة!!..

يشوع والسند العظيم

بكى بنو إسرائيل موسى في عربات موآب ثلاثين يوماً، فكملت أيام بكاء مناحة موسى، ولم يعش يشوع أو الشعب في مناحة على القائد الراحل.. لقد سقط موسى، وذهب العمود الكبير،.. لكن يشوع رأى الأعظم والأمجد، رأى رئيس جند الرب، وخلع يشوع نعله من قدميه لأن الأرض التي يقف عليها أمامه أرضاً مقدسة، لم ير يشوع هذا الرئيس في حياة موسى، ولكنه رآه بعد رحيله،.. لم ير إشعياء رب الجنود إلا في السنة التي توفى فيها عزيا الملك،..

ولعله من الهام أن نلاحظ أن يشوع في هذه الرؤيا بدأ من الرؤيا التي بدأ منها موسى، إذ أن ملاك الرب الذي ظهر لموسى في العليقة، هو هو بعينه الذي ظهر ليشوع، واستمع يشوع إلى ذات الكلمات التي استمع إليها موسى قال له الله: "اخلع حذاءك من رجليك لأن الأرض التي أنت واقف عليها أرض مقدسة!!.. ولعله من المناسب أن نلاحظ أن الله لم يأت عند موسى، ويقف أو يتوقف عمله، بل مد يده إلى يشوع أيضاً!!.. ومن اليد التي مدها، نراه هو هو أمساً واليوم وإلى الأبد، قد يتغير الناس، ولكنه هو هو لا يتغير: "لا يقف إنسان في وجهك كل أيام حياتك كما كنت مع موسى أكون معك لا أهملك ولا أتركك".. وعمل الله لن يصبح بين الناس شيئاً ماضياً فقط، بل لابد أن يصبح حاضراً ومستقبلاً أيضاً، وهذا العمل يتحرك من جيل إلى جيل، ومن عصر إلى عصر، والنعمة الإلهية ستجد دائماً أمامها العمل المناسب الذي ينبغي أن يعمل، والشخص المناسب الذي يمكن أن يكون واسطة هذه النعمة بين الناس،.. إننا ننظر إلى الماضي لا لنتجمد هناك، أو نقرأ قصة لا يجوز أن تتجدد وتتكرر، إن الله إله إبراهيم، هو أيضاً إله اسحق ويعقوب، وإله موسى هو أيضاً إله يشوع وجدعون وصموئيل والأنبياء،.. وإن إله العهد القديم هو هو بعينه إله العهد الجديد، وسيعمل الله طالما كانت هناك قضية منتصبة أمام عينيه، وطالما كان هناك الإنسان الذي يخلع حذاءه توقيراً للرؤيا الإلهية، وهو يرى رئيس جند الرب وقد وقف قبالته وسيفه مسلول في يده! وحقاً إن الله -كما قال أحدهم- لم يفرغ جهده كله مع موسى، بل إن مخازنه مليئة بالنعمة والإحسان والرحمة لمن ينتظر ويستقبل!!.. والدين ليس تراث الماضي أو العمل الذي انتهى مع الأيام!!..



يشوع والمعركة الكبيرة

إذا كانت سياسة الله ثابتة لا تتغير، فإن أساليبه بغير حدود أو انتهاء، وهو في كل الظروف والأحوال يطلب أن نتأكد أنه في الطليعة على الدوام،.. وكانت الخطة الأساسية في المعارك المجهولة أن يمضي التابوت واضحاً أمام جميع الشعب، وأن يرى القائد رئيس جند الرب معه، وأن يعلم الكل أن حقيقة المعركة ليست هي جهداً بشرياً خارقاً، أو معركة الأسلحة أو الأعداد المتكافئة، أو المختلفة التكافؤ، بل أن جوهر المعركة: أن الرب يقاتل عنكم وأنتم تصمتون!!..

هذه المعركة الكبيرة لا يمكن أن تنجح، حيث هناك الفساد والخطية، والله لا يحارب في معارك الخطاة، وهو لا يمكن أن يساند يشوع وهناك عخان المختلس السارق، ولن تنجح المعركة ما لم تدفن الخطية في وادي غخور، ويصبح هذا الوادي بعد ذلك باباً للرجاء!!.. لم تستطع السبعة الأوتار الطرية التي قيد بها شمشون، أو الخصل السبع من شعر رأسه المربوطة في الوتد، أو سدى النسيج أن تهزمه أو تضعفه، ولكن الجبار سقط عندما ضاعت معاهدته مع الله بحلق شعره،.. إن المعركة الصحيحة الناجحة تتطلب أولاً وأخيراً فحص النفس في حضرة الله، والتخلص من كل شر أو خطية أو دنس أو فساد!!..

والمعركة الكبيرة مع ذلك ليست شيئاً سحرياً يأتي إلى الإنسان وهو قابع في مكانه يحلم بها بل هي جهد واضح يتحقق فيه القول: "كل موضع تدوسه بطون أقدامكم لكم أعطيته كما كلمت موسى" وما لم تدس الأقدام المكان، فهو أبعد من متناول طالبيه أو منتظريه!!.. إن الله لا يعطي وعده للكسالى والنيام، لكنه دائماً يعطي أرضه للنفس الراكضة والقدم المتحركة، ولعله من الملاحظ أن الأرض الموعود بها لم يأخذها يشوع أو شعب الله بأكملها، وذلك لأنها توقفوا عن الأخذ، ولم تسع أقدامهم إلى النهاية في أرض الموعد.. هل تذكر أيها المؤمن ماذا قال أليشع ليوآش ملك إسرائيل عندما طلب منه أن يفتح الكوة لجهة الشرق ويرمي سهامه ورمى الملك ثلاث مرات ووقف وغضب أليشع وقال له لو ضربت خمس أو ست مرات لضربت آرام عدوك إلى الفناء ولكنها مأساة المؤمن عندما يقصر إيمانه، وهو يقول ما قاله آخاب: "أتعلمون أن راموت جلعاد لنا ونحن ساكتون عن أخذها".. ما أكثر ما يضيق الواقع عن العطية التي يقصد إلهنا أن يعطيها لكل واحد منا!!..

والمعركة الكبيرة لا تتطلب في واقع الأمر جهداً بشرياً، بل أن الجهد أولاً وأخيراً هو سمة الإيمان في انتظار جهد الله مع الإنسان، أو لغة أخرى في معركة الإيمان!!.. وهل في قدرة إنسان أن يوقف الشمس وحركة الليل والنهار؟؟ وأوقف يشوع الشمس والقمر في المعركة بيقين الإيمان،.. وهل في قدرة البشر أن تسقط أسوار أريحا بمجرد الطواف حولها، والهتاف في آخر طواف؟؟ ولكن: "بالإيمان سقطت أسوار أريحا بعدما طيف حولها سبعة أيام".. وما تزال هناك إلى اليوم، الأسوار العالية، والقلاع الشامخة التي بناها الشيطان في الأرض، ونحن ربما نرى الشيطان، لكننا نعجز أن نرى رئيس جند الرب الذي يأتي إلينا، وهو يريد أن يكون معنا!! ولا يطلب منا أسلحة بشرية، لأن سلاح الإيمان والصلاة واليقين بأن الذي معنا أقوى من الذي علينا، هو السلاح الوحيد الغالب المنتصر في كل معارك التاريخ!!..

هل تعلم أن الله وضع أمامي وأمامك على الدوام أرضاً يفصلها شاطيء الأردن الممتليء إلى آخر شطوطه، وأن كل جهدك أن تضع قدم الإيمان الثابتة، وسترى العجب لأن الأردن كالبحر الأحمر سينغلق أمامك، وتعبر إلى أرض موعدك وتأخذ هناك عسلك ولبنك، لأنك لست منفرداً في الطريق، بل تسير على الدوام في صحبة الله، رب الجنود!!..

يشوع والنجاح الدائم

ما أجمل كلمة النجاح، يسمعها يشوع من الخطوة الأولى، وهي ليست نجاحاً متقطعاً أو محدوداً، بل هي النجاح أينما ذهب واتجه!!.. والنجاح عند يشوع مرتبط بشيء واحد: "إنما كن متشدداً وتشجع جداً لكي تتحفظ للعمل حسب كل الشريعة التي أمرك بها موسى عبدي لا تحد عنها يميناً ولا شمالاً لكي تفلح حيثما تذهب لا يبرح سفر هذه الشريعة من فمك بل تلهج فيه نهاراً وليلاً لكي تتحفظ للعمل حسب كل ما هو مكتوب فيه لأنك حينئذ تصلح طريقك وحينئذ تفلح. أما أمرتك تشدد وتشجع لا ترهب ولا ترتعب لأن الرب إلهك معك حيثما تذهب".. والله يأمر هنا يشوع أن يعود إلى شريعة موسى.. فهو ليس بالإنسان الذي يسير وفق هوى النفس أو حكمة الناس أو حكمته الخاصة، لقد أعطاه الله في الطريق شريعة لا يجوز أن يتنكب عنها يمنة أو يسرة، والشريعة عند يشوع كانت البداءة التي بدأ بها موسى الكتاب العظيم الذي توالت أسفاره بعد ذلك، فيما نعرف الآن بالكتاب المقدس، وهو أعظم كتاب في كل العالم، الكتاب الغني بالنور والحكمة والمعرفة والإرشاد، وقد ألقى به في تربة الأرض الإنسانية، ليخرج لها البستان العظيم الحافل بكل الأزهار والأثمار الرائعة!!.. وما من إنسان أو أمة أمسك به إلا وهداه أعظم هداية، وأروعها على هذه الأرض!!..

كان على يشوع لا أن يقرأ كتاب الشريعة فحسب، بل أن يتخذه صديقاً يومياً يسير معه كل صباح وكل مساء، كان عليه أن يخلق في نفسه وبيته وشعبه عادة التأمل اليومي في كلمة الله،.. وألم يغن صاحب المزمور الأول بهذه الحقيقة عندما قال: "لكن في ناموس الرب مسرته وفي ناموسه يلهج نهاراً وليلاً فيكون كشجرة مغروسة عند مجاري المياه التي تعطي ثمرها في أوانه وورقها لا يذبل وكل ما يصنعه ينجح".. ومن المؤكد أن الحياة المسيحية تجف وتتنكب طريقها على الدوام. ما لم تنصت إلى الإرشاد الإلهي الذي يأتيها من كلمة الله، وحكمة الله،.. ولقد شاء الله أن يعلم يشوع درساً قاسياً في عدم الإنصات إلى الفهم البشري دون سؤال الله، في قصة الجبعونيين الذي أوهموه بأنهم آتون من بلاد بعيدة، وأن ثيابهم تمزقت، وأحذيتهم تهرأت وخبزهم أصبح فتاتاً يابسة، وهم راغبون في معاهدة صداقة وأمن، وكان حرياً بيشوع أن يعرف من الله الأمر لكنه تعجل ودخل معهم في عهد: "فأخذوا من زادهم ومن فم الرب لم يسألوا".. وسقط يشوع في الفخ، وأضحى الجبعونيين شوكة في جنوب الإسرائيليين إلى المدى البعيد، وما أكثر ما تتجدد قصة الجبعونيين مع أبناء الله في كل العصور عندما لا يأخذ الناس إرشاد الله متوهمين أن الذكاء البشري يمكن أن يعطي الجواب الصحيح!!.. وكلمة الله تعطي الفلاح عندما تسير جنباً إلى جنب مع كل أمور حياتنا!!.. ولقد وجد الكثيرون من العادة اليومية للتأمل في كلمة الله والإنصات إلى صوته فيها كل إرشاد صادق وحكيم، ويكفي أن تقرأ القصص الرائعة في حياة هؤلاء أمثال چورچ مولر، لقد قرأ الكتاب المقدس من البداية إلى النهاية أكثر من مائة مرة، وتعلم منه الفطنة والإرشاد والحكمة في تصريف الأمور، ومعرفة الرأي الإلهي!!.. ولقد تساءل في غضب "ٌإدوارد أرفنج" وهو يتحدث إلى عصره في زجر الأنبياء: "من هو الإنسان الذي يشعر بالجلال والعظمة من تلقى الكلمة المنعشة النازلة إليه من درج السماء؟!! ومن ذا الذي يشعر بوزن الحرف الواحد وقيمته عندما ينزل إلينا من فم الله؟. ومن ذا الذي يشعر بالخوف المثير والرجاء المرهب في كلمات يتعلق معها مصيره الأبدي؟ ومن ذا الذي لا يمتليء صدره بمد العرفان، كلما تذكر الفداء والخلاص بدلاً من الضياع في الهلاك الأبدي؟!!.. هذا الكتاب نتاج الفكر الإلهي، وكمال الحكمة السماوية.

كثيراً ما يحظى بالاهتمام من يوم إلى يوم، وربما من أسبوع إلى أسبوع، وكثيراً ما لا يأخذ مكانه اللازم لسعادتنا وراحتنا وصحتنا الروحية، بل كثيراً ما لا نهتم به في أوقات نحن أشد ما نكون حاجة إليه، عند الآلام والضعف والمحن والأحزان!!.. ولو كان للكتب ألسنة تصرخ بها من معاملة الناس، لصرخ هذا الكتاب قائلاً: اسمعي أيتها السموات وأصغي أيتها الأرض لقد جئت من حضن الله ومحبته، دون أن ألقي ترحاباً من الناس، وقبولاً كريماً،.. إني أفتح أمامكم أبواب الخلاص، وطريق الحياة الأبدية التي لم تكونوا تعرفونها، ولكني لم ألق ترحاباً بكم، بل إنكم تريدون الفصل بيني وبين سعادة الناس وبطولتهم!!.. والربط مع أمراضهم ونقصهم!!.. إنكم لم تسمحوا أن أرشدكم إلى الحكمة والفطنة، بل بالحرى طوحتم بي خلف مشاغلكم، وألقيتم بي في زوايا إهمالكم ونكرانكم.. ولو أنكم أنصتم لي لأعطيتكم السلام الذي كان لي عندما: "كنت عنده صانعاً وكنت كل يوم لذته فرحه دائماً قدامه.. لأن من يجدني يجد الحياة وينال رضا من الرب ومن يخطيء عني يضر نفسه كل مبغضي يحبون الموت"..

كان هذا سر النجاح عند يشوع، إذ ظل على الدوام يلهج في ناموس الرب ويعلم الشعب هذا الناموس: "وعبد إسرائيل الرب كل أيام يشوع وكل أيام الشيوخ الذين طالت أيامهم بعد يشوع والذين عرفوا كل عمل الرب الذي عمله لإسرائيل"..

يشوع كرمز ليسوع المسيح

ولعله آخر ما نختم به الحديث عن يشوع ذلك التشابه القائم بينه وبين المسيح، وكلاهما يحمل اسماً واحداً مع الفارق البعيد بين الرمز والمرموز، والظل والحقيقة، والأصل والتقليد!!.. وهنا يسرح خيال المفسرين المتعبدين والروحيين ويمتد ويمرح.. وعندهم أن موسى وهرون عبراً بشعب الله، ومع ذلك تركاه في القفر حتى أدخله يشوع إلى أرض الموعد، وكان موت موسى ومجيء يشوع بعده رمزاً لبقاء الناموس حتى يأتي يسوع المسيح،.. وقد أضحى يشوع قاضياً وحاكماً للأمة، ابتداء من نهر الأردن، حيث تعمد المسيح وأخذ المعمودية من هناك مركزه النبوي،.. وكما اختار يشوع من النهر اثنى عشر حجراً أقامها للشهادة، اختار المسيح تلاميذه الاثنى عشر وأقامهم للشهادة بين الناس، وكما كانت راحاب الزانية أول من آمن من الأمم، ودخلت في زمرة شعب الله، هكذا أعلن يسوع المسيح وهو يتحدث إلى اليهود عن أن العشارين والزواني سيسبقونكم إلى ملكوت الله!!..

ومهما يكن من أوجه الشبه بين يشوع ويسوع، فمما لا شك فيه أن هناك فارقاً كبيراً بين الراحة التي قدمها يشوع، والراحة التي يقدمها يسوع المسيح، لقد جاء في سفر يشوع: "واستراحت الأرض من الحرب" "فأراحهم الرب حواليهم" "والآن قد أراح الرب إلهكم إخوتكم كما قال لهم" "وكان غب أيام كثيرة بعدما أراح الرب إسرائيل من أعدائهم حواليهم" غير أن هذه الراحة هي التي أشار إليها كاتب الرسالة إلى العبرانيين: "لأنه لو كان يشوع أراحهم لما تكلم بعد ذلك عن يوم آخر إذا بقيت راحة لشعب الله" وليست هذه الراحة إلا الراحة التي يقدمها المسيح وفيه: "تعالوا إليَّ يا جميع المتعبين والثقيلي الأحمال وأنا أريحكم" وهي الراحة من الذنب والهم والضيق والمعاناة في هذه الأرض، والطوبى الأبدية: "هنا صبر القديسين، هنا الذين يحفظون وصايا الله وإيمان يسوع.. وسمعت صوتاً من السماء قائلاً: لي أكتب طوبى للأموات الذين يموتون في الرب منذ الآن نعم يقول الروح لكي يستريحوا من أتعابهم وأعمالهم تتبعهم"..

elraiek G
09-16-2010, 05:46 PM
( 15 )

كالب

"وأما عبدي كالب فمن أجل أنه كانت معه روح أخرى

وقد اتبعني تماماً أدخله الأرض التي ذهب إليها وزرعه يرثها"

(عدد 14: 24)


مقدمة

سار ديوجين في رابعة النهار في شوارع أثينا يحمل مصباحه المضاء، وعندما سئل عما تبحث، أجاب إجابته الخالدة: "أبحث عن رجل" ومن الغريب أن ديوجين لم ير في أثينا الرجل حتى ولو كان الاسكندر الأكبر نفسه، والذي صاح ذات يوم: لو لم أكن الإسكندر، لوددت أن أكون ديوجين.. وأجاب ديوجين على الفور: لو لم أكن ديوجين لوددت أن أكون أي إنسان على الأرض إلا الاسكندر!!. ألم يقل إرميا على لسان الله: "طوفوا في شوارع أورشليم وانظروا واعرفوا وفتشوا في ساحتها هل تجدون إنساناً أو يوجد عامل بالعدل طالب الحق فأصفح عنها".. وألم يردد حزقيال عن الله ذات الفكر: "وطلبت من بينهم رجلاً يبني جداراً ويقف في الثغر أمامي عن الأرض لكي لا أخربها فلم أجد".. إلى هذا الحد يندر وجود الرجل؟!! وإلى هذا الحد يبدو وجوده قليلاً ومحدوداً؟!!.. قد يصح الأمر إذا كان الحديث عن موسى أو بولس أو غيرهما من عمالقة الرجال الذين يضن بمثلهم الزمن، أو تلدهم الأيام،.. لكن السؤال يتجاوز إلى من يقف وراءهم في الصفوف،.. وهل هذا الصنف أيضاً قليل وشحيح ونادر؟!! من المؤسف أن الجواب هنا أيضاً بالإيجاب؟!! لم يكن كالب موسى عصره، وجاء تالياً ليشوع القائد، ومع ذلك كان من الشخصيات النادرة القليلة، والتي تعد في حساب الرجال،.. والسر كامن في أعماقه، وداخله، إذ أن الرجل في القياس الصحيح لا يمكن أن يقاس بجسده ونصيب هذا الجسد من الجمال أو الدمامة، أو بثروته ومدى ماله غنى أو فقراً، أو بظروفه ومدى ما في هذه الظروف من يسر أو عسر، أو بحظه في الحياة ومدى ما له من شهرة وذيوع صيت، أو نكران الناس والاختفاء في زوايا النسيان!!.. إن القياس الصحيح الوحيد بمدى ما له من روح تختلف عن غيرها من الأرواح، ولهذا قال الحكيم: "الرب وازن الأرواح".. "الرب وازن القلوب".. والرجل الصحيح عند الله بمدى ما له من روح أو قلب، وكانت كفة كالب غالبة من هذا القبيل، ولذا يجمل أن نراه.



كالب وصفات روحه الأخرى

من هو كالب، وما هي أخلاقه وصفاته، الظاهرة من قول الله: "كانت معه روح أخرى وقد اتبعني تماماً.."؟.. قد يكون من المناسب أن نرى -باديء ذي بدء- ارتباط روحه ببدنه، أو انعكاس الروح على بدنه، وتأثيرها فيه، وفاعليتها معه،.. وهنا يمكن أن نقول أن روح كالب كانت أولاً -وقبل كل شيء- روح الشباب الدائم،.. لقد كان كالب من الشخصيات النادرة التي عاشت الحياة ربيعاً كاملاً، ولم تعرف الشيخوخة قط،.. فهو في الأربعين من عمره هو هو في الثمانين أيضاً: "والآن فها قد استحياني الرب كما تكلم هذه الخمس والأربعين سنة من حين كلم الرب موسى بهذا الكلام حين سار إسرائيل في القفر والآن فها أنا اليوم ابن خمس وثمانين سنة فلم أزل اليوم متشدداً كما في يوم أرسلني موسى كما كانت قوتي حينئذ هكذا قوتي الآن للحرب وللخروج وللدخول".. والشيخوخة بهذا المعنى ليست عمراً متأخراً يصل الإنسان إليه، بل هي في الواقع حالة نفسية تصل إليها الروح، فمن الناس من يشيخ في الثلاثين من عمره، ومن الناس من يحيا في الشباب وهو فوق الثمانين،.. وهناك تفاعل وتجاوب بين الروح والجسد من هذا القبيل!!.. خضع الشاب لعملية جراحية خطرة دقيقة، وعندما أفاق من المخدر، قال له الطبيب: هل تعلم لماذا استطاع جسدك أن يتحمل هذه العملية الدقيقة الخطرة؟ وأجاب الشاب مبتسماً: نعم لأني أعيش حياتي عفاً مستقيماً.. وقال الطبيب: أجل وهذا هو السبب الوحيد لنجاتك!!.. فلو أنك عشت حياة مستبيحة متلافة لما أمكن أن تجتاز طريق الموت الذي اجتزته،.. ولا شبهة في أن كالب كان في الخامسة والثمانين من عمره شاباً، لأنه عاش حياة لا يمكن أن يستهلكها فساد أو يضيعها مروق عن الاستقامة!!.. لقد بنى الرجل بيته فوق الجبال في حبرون، وهو من ذلك الصنف من الناس الذي يستنشق الهواء ملء رئتيه، ويعيش الحياة الهادئة السليمة الصحية فوق الجبل أو في بطن الوادي، ولا يعيش للحياة أو تعيش الحياة له، ومثل هذا الإنسان هيهات أن يشيخ أو يطوي في حياة عبوسة وهما وقلقاً!!.. لأنه يملك على الدوام روح الشباب!!.. وإلى جانب هذه الروح كان يعيش حياة الاستقامة، فالحياة عنده خط مستقيم لا يعرف عوجاً أو التواء، وهذا الخط ليس من صنعه أو تفكيره أو استحسانه، بل هو خط الله الذي لا ينحرف عنه أو يتنكب الطريق!!.. كان كالب بن يفنة من سبط يهوذا، وهناك تساؤل حول ارتباط كالب بهذا السبط، أهو ارتباط الأصل أو الانتماء؟؟ وهل كان من الدخلاء الذين كانوا لفيفاً خرجوا مع شعب الله في مصر، ولكنه آمن وسار مع الشعب ودخل في سبط يهوذا؟!!.. وهل هو أدومي الأصل؟!! أم من أصل يهوذا؟!!. تختلف الآراء حول ذلك وتتعدد، وإن كان من المؤكد أنه حسب من سبط يهوذا وكان من المعدودين فيه، المتقدمين في رجاله، والممثلين له في فحص الأرض التي كان عليهم أن يأخذوها فيما بعد!!.. ليس البحث هنا بذي قيمة بقدر ما الحقيقة الروحية، إنه كان إسرائيلياً حقاً لا غش فيه، وقد وصفه الله أجمل قول وأصدقه: "وقد اتبعني تماماً" كان جندياً بطبيعته المحاربة، وكان أكثر بروحه المستقيمة التي لا تعرف اللف أو الدوران، وفي أي طريق ملتو أو معوج قد يسير غيره فيه إلا أن قرار حياته هو الدائم: "وأما أنا فاتعبت تماماً الرب إلهي".

وهو هنا يكشف عن طبيعته الدينية العميقة، فالدين عنده علاقة شخصية فردية بالله "إلهي" وهي أكثر من ذلك تبعية وولاء مستمر لا يهتز أو يتقلقل أو ينحرف قيد أنملة،.. كان لرجل يشرب من ينابيع الشركة مع الله، وكان يملك هذه الينابيع، قبل أن يبلغ حبرون، ويصل إلى الينابيع العليا والسفلى التي طلبتها عكسة ابنته في قرية سفر!!.. فإذا لم يكن من إسرائيل أصلاً، وإذا كان قد دخل إلى اليهودية انتساباً فقد بز فيها الأصلاء ويحق فيه القول الذي وصف به المسيح قائد المئة الأممي: "فلما سمع يسوع تعجب وقال للذين يتبعونه الحق أقول لكم لم أجد ولا في إسرائيل إيماناً بمقدار هذا وأقول لكم أن كثيرين سيأتون من المشارق والمغارب ويتكئون مع إبراهيم واسحق ويعقوب في ملكوت السموات وأما بنو الملكوت فيطرحون إلى الظلمة الخارجية هناك يكون البكاء وصرير الأسنان".. وكانت روح كالب أيضاً روح الصدق إذ أنه دائماً يتحدث بما يقتنع به دون زيادة أو نقص، وهو لا يتأثر بآراء الآخرين فهو يروي عن المدن التي رآها الرواية الدقيقة وهو يصف انطباعه الشخصي دون تأثر بانطباعات الآخرين!!.. إنك يمكن أن تصفه بحق "كالب الصادق البالغ الدقة في روايته وحديثه!!. وكان ولا شك عنده روح الشجاعة التي تؤثر الرجم دون أن تغير رأيها أو تداور فيه مهما اختلف مع الأغلبية حوله، كان واحداً من الشجعان القلائل، الذين يقودون في العصور ولا يقادون، ويتقدمون ولا يتخلفون، وهو لا يناضل في الوطاء، بل يأخذ طريقه بشجاعة إلى الجبال حيث هناك معركته وحربه!!.. ومع أن شجاعة الشباب قد تهدأ وتتراجع مع الأيام، إلا أن كالب كان شجاعاً في الخامسة والثمانين من عمره كشجاعته في الأربعين سواء بسواء!!.. ومع ذلك فالرجل كان وديعاً متواضعاً لم يصف الجواسيس الآخرين وصفاً قاسياً وهو يتحدث إلى يشوع بل قال: "وأما إخوتي الذين صعدوا معي فأذابوا قلب الشعب":.. كانوا رغم شرهم وعدم إيمانهم أخوة في الخطأ، وهي كلمات لا يستطيع أن ينطق بها إلا من تشرب روح الوداعة والتواضع،.. وكان أكثر من هذا كله يملك روح الصبر العجيب، لقد أعطاه موسى وعداً، لم يتحقق قبل خمسة وأربعين عاماً، ومع ذلك لم يتراجع عن اليقين بأن هذا الوعد لابد أن يتحقق في يوم من الأيام!!..



كالب ومتاعب الروح الأخرى

والروح الأخرى على ما أدركنا من سمات وصفات، لابد أن تواجه متاعب جمة في الحياة، لو شئنا أن ندقق فيها لرأيناها على الأغلب ثلاثية..



المتاعب مع النفس في الطريق المنفرد

عندما رجع الاثنا عشر من تجسس الأرض، انقسموا إلى فريقين: فريق الأغلبية وكانوا عشرة، وفريق الأقلية وكانا اثنين، كالب بن يفنة ويشوع بن نون!!.. واختار الاثنان الطريق المنفرد، طريق الأقلية،.. وهذا الطريق لا يسير فيه إلا أعظم الشجعان في الأرض، الذين يعيشون ويموتون من أجل الرأي الذي اعتنقوه، وأضحى دينا ومذهباً لحياتهم بين الناس، وأبطال الطريق المنفرد هم إبراهيم الذي ترك أهله وعشيرته، وسار يضرب في الأرض وحيداً أو شبه وحيد، دون أن يقبل اندماجاً أو اختلاطاً يترك أثره الماحق على نفسه ورسالته،.. وإيليا الذي وقف في جانب، والأمه كلها في جانب آخر، ومع ما في هذا الطريق من قسوة أو عزلة نفسية مروعة، إلا أننا نراه لا يبالي بها وهو يقول: "بقيت وحدي وهم يطلبون نفسي ليأخذوها".. وبولس الذي صاح: "الجميع تركوني. لا يحسب عليهم".. وأثناسيوس الذي قيل له: لقد أضحى العالم كله ضدك، فأجاب: وأنا ضد العالم،.. وجاليليو الذي أجبروه على أن يركع ويقول أن الأرض مستوية، فركع وقام صارخاً وهو يقول: لكنها كروية!!.. ولوثر الذي تعرض لأكبر محاكمة في التاريخ إذ أنه وقف أمام الامبراطور شارل الخامس، وأمام عدد من القضاة يتجاوز المائتي قاض، وصاح صيحته المجلجلة التي تخطت الأجيال: "هنا أقف ولا أفعل غير ذلك وليعني الله"!!.. عندما كان على إبراهام لنكولن أن يوقع قرار تحرير العبيد، القرار الذي لابد منه، وإن كان في الوقت نفسه سيفتح جراح الأمة بأكملها في الحرب الأهلية، ظل يمسك القلم ويضعه ليلة بأكملها، وهو ساهر إلى الصباح حتى وقعه بعد طول المعاناة النفسية في معركة ضارية مع نفسه!!..

من السهل أن يسير الإنسان في موكب الأغلبية، يردد هتافها، ويتحدث بنفاقها، إذا لم يكن على مبدأ وخلق، وأصعب ما يواجهه أن يقف منفرداً أو مع الأقلية إذ التزم الأمر أن يشهد لعقيدته ومبدأه.. وقف فون زلند القائد الألماني أمام فردريك الامبراطور مثل هذا الموقف، وقد كلل الشيب رأسه، إذ اجتمع مع الامبراطور وقادة بلاده، وسمعهم يسخرون ويتندرون بالدين، وبشخص المسيح، فما كان منه إلا أن أمسك عصاه، والتفت إلى الامبراطور وهو يقول: لقد حاربت يا مولاي من أجلك أربعين معركة،.. وها أنا الآن شيخ أدنو من نهاية حياتي، وبعد قليل أواجه سيدي الأعظم،.. وأنا لا أسمح أن يهان اسمه أمامي، ولأجل ذلك سأخرج من الملك،.. وصرخ الامبراطور: إني أعتذر.. إني أعتذر يافون زلند!!.. أعتذر عن كل ما قيل!!.. وهذا حسن، ولكن ينبغي أن ندرك أن موقف القائد العجوز كان في حد ذاته انتصاراً على المعركة التي ولا شك نشبت في داخله قبل أن يقول مثل هذه الأقوال!!..



المتاعب مع الآخرين في الاضطهاد القاسي

ليس الأمر أمر معركة مع النفس، بل هو أكثر من ذلك، قد تكون معركة قاسية مع الآخرين،.. وفي كل جيل وعصر يتعرض أرباب الطريق المنفرد لما لا ينتهي من صور الاضطهاد النفسي والمعنوي والمادي، الأمر الذي أجمله المسيح في القول: "طوبى لكم إذا عيروكم وطردوكم وقالوا عليكم كل كلمة شريرة من أجلى كاذبين"!!.. ومع أننا لا نعلم ماذا قال الإسرائيليون عن يشوع وكالب، في ذلك اليوم البعيد،.. إلا أنهم من المؤكد قد لصقوا بهما كل النعوت القاسية، والألفاظ الشريرة،.. وما أكثر ما اتهم القديسون في الأرض بأشد أنواع التهم والبذاءات، فهم خونة، مجرمون، أفاقون، كاذبون، يعملون لصالحهم ولذاتهم،.. ولعل من أعجب ما سجل الوحي قول اليهود عن بولس -بعد أن قبض عليه في أورشليم أمام الأمير، وهو يحتج أمامهم أنه لم يفعل شيئاً، وأنه يطيع الرؤيا السماوية التي قال له الله فيها: "اذهب فإني سأرسلك إلى الأمم بعيداً، فسمعوا له حتى هذه الكلمة ثم رفعوا أصواتهم قائلين- خذ مثل هذا من الأرض لأنه كان لا يجوز له أن يعيش".. فإذا كان بولس يقول هذا، فإن حكم الإعدام ليس هو الأمر الجائز فحسب، بل أكثر من ذلك أن وجود مثل هذا غلطة شنيعة بين الناس!!.. وبمثل هذا المعنى تعرض كالب بن يفنة للرجم، وتعرض -وما يزال يتعرض- الكثيرون الذين لا يعيرون فحسب، بل يطردون أيضاً، ويشردون، وتقطع عنه أسباب الحياة المعنوية والمادية، فهم في القيود والحبس والتشريد والتجويع والتعذيب، وكل ما يمكن أن تبتكره وشحية الجلادين المعذبين!!.. وقد ظهر كالب بن يفنة بثيابه الممزقة بطلاً عظيماً أمام الله والناس، وحفظه الله من الموت، المريع،.. وعاد الناس بعد ذلك يذكرونه بالإجلال والإكرام،.. وهذا ما يفعله الناس -للأسف متأخرين أو كما وصفهم السيد المسيح: "ويل لكم أيها الكتبة والفريسيون المراؤون لأنكم تبنون قبور الأنبياء وترينون مدافن الصديقين وتقولون لو كنا في أيام آبائنا لما شاركناهم في دم الأنبياء فأنت تشهدون على أنفسكم أنكم أبناء قتلة الأنبياء"..



المتاعب مع الله في الطريق المنفرد

وهل يتعب الإنسان مع الله في الطريق المنفرد؟.. إنه غالباً ما يتعب من صبر الله وطول أناته طوال الطريق!!..

نعم لقد قضى الله على العشرة في الحال، في قصة كالب، لكنه مع ذلك كان لابد لكالب أن ينتظر خمسة وأربعين عاماً قبل أن يتحقق موعد الله معه، وهو زمن طويل بالقياس إلى عمر الإنسان، ومحدودية صبره،.. هذا هو الصبر الطويل، الذي كادت تزل قدما آساف بسببه عندما قال: "حقاً قد زكيت قلبي باطلاً وغسلت بالنقاوة يدي وكنت مصاباً اليوم كله وتأدبت كل صباح لو قلت أحدث هكذا لغدرت بجيل بنيك" والذي جعل إرميا يصيح: "أنت يا رب عرفت اذكرني وتعهدني وانتقم لي من مضطهدي بطول أناتك لا تأخذني اعرف احتمالي العار لأجلك".. "قد أقنعتني يارب فاقتنعت وألححت على فغلبت صرت للضحك كل النهار كل واحد استهزأ بي لأني كلما كلمت صرخت ناديت ظلم واغتصاب لأن كلمة الرب صارت لي للعار وللسخرية كل النهار فقلت لا أذكره ولا أنطق بعد باسمه فكان في قلبي كنار محرقة محصورة في عظامي فمللت من الإمساك ولم أستطع" والذي دفع بحبقوق إلى أن يقول: "حتى متى يا رب أدعو وأنت لا تسمع أصرخ إليك من الظلم وأنت لا تخلص..،.. ألم يرسل المعمدان تلميذيه إلى المسيح وهو يقول: "أنت هو الآتي أم ننتظر آخر"؟!!..



كالب ومكافآت الروح الأخرى

قد ينتظر الإنسان قليلاً أو كثيراً، ولكن الله لابد أن يكافيء من يتبعه تماماً بروح أخرى تختلف عن روح الآخرين،.. وقد كافأ الله كالب بالعمر المديد، ولعله وهو يرى العشرة جواسيس يقضي عليهم في الحال ويموتون، ورأى نفسه ويشوع من تجاوزا العشرين من العمر، وهما فقط اللذان يبقيان حتى يدخلا أرض الموعد،.. لعله انحنى شكراً، وهو يرى العشرة يدفنون والجبل كله يتهاوى على رمال سيناء، ويبقى هو بمعجزة كريمة من الله،.. وكم أدرك في تلك اللحظة بركة الإيمان المنقذة والحارسة معاً،.. بل لابد أن ننظر إلى بركة البنين الجسدية التي استمر عليها، فلم تعمل فيها الشيخوخة أو تهدمها الأيام، أو تنال من قوتها في الدخول أو الخروج أو الحرب،.. لقد كانت هذه البنية قوية إلى الدرجة التي تتسلق فيها الجبال، وتدخل المعارك الوعرة وتقتحم الصعاب، ويدرك صاحبها أنه بين يدي الله أمين على استعداد أن يعطي الوهاد والجبال بما فيها من سعة وارتفاع وينابيع، بذلك الشرط الواحد أن يتسع الإيمان ويمتد إلى الدرجة: "إن الأرض التي وطئتها رجلك لك تكون نصيباً ولأولادك إلى الأبدلأنك اتبعت الرب إلهي تماماً"..

آه كم من أرض موعد تضيع من حياتنا، وكم من بركات غنية هي أدنى إلينا وأقرب، بشرط أن تطأها قدم الإيمان، دون حاجز من عمر أو صعوبة،.. فهل نصعد مع الرجل القديم لطرد العمالقة من حبرون ونقول: "فالآن أعطني هذا الجبل الذي تكلم عنه الرب في ذلك اليوم لأنك أنت سمعت في ذلك اليوم أن العناقيين هناك والمدن عظيمة ومحصنة لعل الرب معي فأطردهم كما تكلم الرب.. فباركه يشوع وأعطى حبرون لكالب بن يفنة ملكاً لذلك صارت حبرون لكالب بن يفنة القزني ملكاً إلى هذا اليوم لأنه اتبع تماماً الرب إله إسرائيل"

elraiek G
09-16-2010, 05:48 PM
( 16 )

عخان بن كرمي

". فأخذ عخان بن كرمي بن زبدي بن زارح من سبط يهوذا"

(يش 7: 18)

مقدمة

كان عخان بن كرمي درساً قاسياً ينبغي أن يتعلمه الإسرائيليون وهم في الخطوات الأولى من أرض الموعد،.. وهذا الدرس أن الله لا يمقت شيئاً أو يكرهه، قدر مقته وكراهيته للخطية والشر،.. وأنه لا يتوانى عن العقاب، حيث توجد الخطية، وفي أي مكان تكون،.. أو الهزيمة دائماً تأتي من الداخل وليس من الخارج،.. فإذا كان الإنسان نقياً في داخله، فإن أسوار أريحا ستسقط دون أن يرتفع عليهامعول واحد، أو تمتد إليها يد بشرية،.. أما إذا جاء الفساد فإن عاي الصغيرة ستطارد المهاجمين، وتكون أكثر قدرة وقوة من أريحا الأقوى والأكبر،.. إن المحطم الوحيد للإنسان هو الخطية، فهي السوس الذي ينخر في عظامه، والسرطان الذي يستشري في جسده، والقضاء الذي يدفنه في قبره، وأنه يوم يعرف طريق الخلاص من الخطية، أو الانتصار عليها، يعرف طريقه الصحيح إلى النجاح والقوة والنصر،.. والعكس صحيح، إذ يوم يغلب منها، سيسقط بغير يدين، وسيهدم مهما تصور أنه مقتدر، وقد شاء الله أن يضع في العهد القديم قصة عخان بن كرمي، والإسرائيليون في أول شوطهم في الطريق، كما وضع قصة حنانيا وسفيرة في مطلع العهد المسيحي في تاريخ الكنيسة. ولعلنا بعد هذا يمكن أن نرى قصة عخان من الزوايا التالية:



عخان والتجربة

كانت مدينة أريحا باكورة المدن التي سقطت دون حرب بين يدي شعب الله، وكأي باكورة في الأرض، لابد أن تعطي لله، وقد كانت المدينة جميلة وغنية وممتلئة بالخيرات والثروات والذهب والفضة والملابس، وكان على الإسرائيليين جميعاً أن يعلموا أن المدينة محرمة، وأن ما فيها ليس لبشري أن يأخذ منها قلامة ظفر، بل الكل لله، ولبيت الله،.. وقد أعلن يشوع هذه الحقيقة واضحة صريحة أمام جميع الشعب دون لبس أو إبهام، فالحرام أساساً هنا ليس مجرد أسلاب حربية يجوز للجنود أن يأخذوها ويغتصبوها، بل هي حق الله، إذا اعتدى أحد عليه، فهو سارق وسالب لله نفسه. وكان على عخان بن كرمى - وهو يقتحم حاجز البيت الذي سرق منه السلب- أن يدرك أنه يقتحم حاجزاً أعظم وأقوى، حاجز الله الذي تخطاه تحت وطأة التجربة وقسوتها!!.. ومن الواضح أن التجربة حدثت في الظلام، وأن عخان استطاع أن يحصل على غنيمته دون أن يلاحظ أحد، هل أخذها في الليل، ودفنها في الظلام في خيمته؟!!.. أو أنه في اقتحام المنازل شاغل غيره من المقتحمين حتى لا يتنبه أحد إليها، وقد لمع في عينيه لسان الذهب، والرداء الشنعاري النفيس والمائتي الشاقل من الفضة؟!!.. إنه على أي حال استطاع الانفراد بالغنيمة، وحفر حفرة عميقة في خيمته، ودفنها هناك، وخرج خارج الخيمة يغبط نفسه، لأن أحداً لم يره أو يتنبه إلى ما فعل.. هل استراح في تلك الليلة وأمكنه أن ينام فوق غنيمته المدفونة؟!! هل ثار عليه الضمير، وحاول أن يسكنه ويهدئه بأنه لم يفعل إثماً أو حراماً، لأن الغنيمة لا شيء بالنسبة للأسلاب الكثيرة المقدمة لله؟.. أو أن الله لا يجوز أن يضيق الأمر فيأخذ كل شيء لبيته وخزانته، دون أن يترك لهم شيئاً؟.. قد تكون هذه ثورة الضمير -أو ما أشبه- في تلك الليلة السوداء في تاريخ حياته، وقد يكون قد أغلق على نفسه تحت وخز الضمير، وأخذ يعمق الحفرة، وهو يظن أنه بالعمق البعيد يستطيع أن يدفن في أعماقه هو، في العقل الباطن خطيته النكراء!!.. لسنا نعلم، ولكننا نستطيع أن نؤكد أنه لم يغمض له جفن أو يعرف الراحة على الإطلاق، وقد طار النوم من عيني قايين قبله، وهو يصيح في حضرة الله، ذنبي أعظم من أن يحتمل إنك قد طردتني اليوم عن وجه الأرض وعن وجهك أختفي وأكون تائهاً وهارباً في الأرض فيكون كل من وجدني يقتلني".. وطار من عيني "مكبث" بعده كما جاء في نظم شكسبير الشعري

أنصت لقد سمعت صوتاً يصرخ: لا نوم بعد الآن

مكبث.. هل ينام القاتل؟!! إن البريء ينام!!..

ومع ذلك فالصرخة تدوي: مكبث هل ينام القاتل؟!!

عندما صور فيكتور هوجو قايين هارباً في الأرض لا يستطيع الراحة والاستقرار والنوم، كان يصوره فزعاً من عين رهيبة تحدث عليه وتفزعه في الجو، وهو يصرخ ويحاول أن يغمض عينيه عن رؤياها، وأطلق عليها هوجو "الضمير"، وفي الحقيقة هي عين الله التي رأت قايين، ورأت عخان، ورأت -وماتزال ترى- خطاة الأرض وتفزعهم وترهبهم في كل مكان وزمان،.. إن المشكلة الحقيقية في تجربة عخان بن كرمي كانت في عينه هو، ولو أن هذه العين كانت بسيطة، وأدت رسالتها وواجبها كما يؤدي الجندي واجبه دون الانحراف هنا أو هناك، لما وصل الرجل إلى الضياع والدمار الذي انتهى إليه!!..: "ولكن كل واحد يجرب إذا انجذب وانخدع من شهوته ثم الشهوة إذا حبلت تلد خطية والخطية إذا كملت تنتج موتاً".. وقد أبدع توما القمبيزي، وهو يصور المراحلة المختلفة للتجربة، فهي نظرة شهية تدغدغ الإحساس، وهي خيال غامض، لا يلبث أن يأخذ صورة في الذهن واضحة، مصحوبة بقطرات مسكرة ندية لا تلبث أن تسقط على القلب لتتحول قيوداً وسلاسل جبارة تغله وتقيده وقد شدد السيد المسيح لذلك على العين ونظرتها، فتحدث عن النظرة المشتهية للمرأة والتي هي الزنا بعينه،.. وطلب معاملة العين بكل شدة وعنف إذا ما قادت صاحبها إلى العثرة!!..: "إن أعثرتك عينك فاقلعها وألقها عنك خير لك أن تدخل الحياة أعور من أن تلقى في جهنم النار ولك عينان".. وهو لا يقصد -ولا شك- العين المادية لأن الأعور يستطيع أن ينظر بالعين الأخرى، ما كان يراه بالعين المقلوعة!!.. إنه يقصد بالأحرى الحرمان الاختياري من الأشياء المحبوبة التي تجرب الإنسان، وفي ذلك تقول روستي وهي تخاطب الفتيات الشابات بما يصلح أن يكون نصيحة للجميع: "واجبنا أن نسقط كل ما تتعلق به نفوسنا، مما يضعف حياتنا الروحية،.. وماذا إذن؟!! إن الكتب التي نمتنع عن قراءتها الآن سوف نستبدلها في الأبدية بكنوز الحكمة والمعرفة!!.. والموسيقى التي نرفض أن نسمعها سنجد تعويضاً عنها في فرح المفديين،.. والصور التي نغمض العين عنها ستنتهي بنا إلى الرؤيا السماوية المطوبة العجيبة، والمصاحبة البشرية التي نتباعد عنها، سوف يكون البديل عنها مصاحبة الملائكة والقديسين، وما نرفض من ملاهي ومسرات سوف نجد أسمى منه في أفراح اليوبيل الأبدي في السماء"..

أجل ومن يحفظ نظره بنعمة الله مستقيماً كريماً، نبيلاً سماوياً، سيجد السعادة الحقيقة في الحياة الحاضرة، والعتيدة أيضاً!!..



عخان والهزيمة

وأية هزيمة هذه التي لم تصب عخان وحده، بل امتدت إلى يشوع، وإلى الشعب، وإلى ستة وثلاثين رجلاً قتلوا في المنحدر في طريق الهروب، فقد كانت الهزيمة الأدبية والروحية بالغة، فهو يخرج إلى الناس بعينين زائغتين، منخفضتين لا تعرفان الهدوء والاستقرار، وهو يشعر أنه حقير، حتى ولو تصور نفسه يلبس الرداء الشنعاري النفيس،.. وهو يرى لسان الذهب، وكأنما يتكلم إليه بأحط الكلمات وأقساها، وهو يرى المائتي شاقل، وقد أضحت لمستها كمن يلمس فضة، تخرج من النار لتشوي أصابعه شيا، وهو يسمع أصواتاً تصم أذنيه، وتقول له كلمة واحدة: حقير حقير حقير!!..

وهو يرى طوله وقد تناقص، ورأسه وقد سقط في خزي، وكل يد تمد إليه البنان، وكأنما تقول: انظروا هذا هو الخائن هذا هو اللص!!.. وهو لا يجرؤ أن يرفع عينيه نحو السماء، فقد دمر علاقته مع الله، وهو يسير مثقلاً بالذنب، مربوطاً بالهم، وقد بعد الله بوجهه عنه، وهو يرى الجحيم قبل أن يصل إليه، والهاوية قبل أن يتردى فيها!!. مسكين عخان هل دوى في أذنيه ذلك الصوت البعيد الآتي بعد أجيال متعددة: "لأنه ماذا ينتفع الإنسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه أو ماذا يعطي فداء عن نفسه؟!! كم يساوي الرداء الشنعاري، ولسان الذهب، وشواقل الفضة تجاه نفسه التي لا تقدر بثمن أو تقوم بذهب الأرض كلها أو فضتها، وليس بذهب أريحا ومالها المسروق؟!! مسكين وإلى الأبد مسكين أيها التعس عخان بن كرمي.. ولحقت الهزيمة يشوع والشعب، وويل للناس من الجنود الغزاة عندما يقضون وهم أشبه بالوحوش على الأسلاب والغنائم، وإن كان "الكسندر هوايت" يكذرنا بأن يشوع مغبوط هنا، لأن الجيش بأكمله سلم من التجربة، ولم يسقط فيها سوى فرد واحد، بالمقارنة مع آلاف السارقين من الغزاة الذين لا يتورعون عن أخذ كل شهي، وهم يدوسون بأقدامهم المدن المهزومة، على أن كلمة الله واضحة، فإن ذبابة واحدة تنتن قارورة العطار، وأن شخصاً واحداً يتردى ويتباعد عن الحق، هو أشبه بالخميرة التي تخمر العجين كله، وأن إنساناً واحداً في شعب الله، أو الكنيسة إذا دخله الميكروب، فإنه سينتقل بكل تأكيد عدواه القاتلة للجميع،.. ومن الملاحظ أن الله وهو يتحدث عن الخطية هنا لم يذكر عخان بشخصه، بل ذكر إسرائيل بأكمله: "قد أخطأ إسرائيل بل تعدوا عهدي الذي أمرتهم به بل أخذوا من الحرام بل سرقوا بل أنكروا بل وضعوا في أمتعتهم فلم يتمكن بنو إسرائيل للثبوت أمام أعدائهم يديرون قفاهم أمام أعدائهم لأنهم محرومون ولا أعود أكون معهم إن لم تبيدوا الحرام من وسطكم".. إن يشوع وشيوخ إسرائيل الممزقى الثياب والتراب على رؤوسهم، والشعب الذي ذاب قلبه كالماء، يكشفون عن الرابطة بين الفرد والجماعة، وعن الهزيمة التي تتجاوز مسببها لتلحق بالآخرين،.. إذا ضلت فتاة في بيت، فإن عارها لا يقف عندها وحدها، بل يمتد إلى كل فرد فيه، وإذا تجرع فتى ساقط من كأس خطيته جرعات من المرارة، فإن أهل البيت جميعاً لابد أن يمصمصوا شفاهم المريرة مما لابد أن يشربوه من هذه الكأس بالذات،.. إن الخطية ترعى كآكلة، وقلبي يتمزق على الستة والثلاثين رجلاً الذين سقطوا كما يصفهم الكتاب عند المنحدر، أجل وكان لابد يدرون أو لا يدرون أن يسقطوا وتسقط معهم أمة بأكملها عند منحدر الخطية والإثم والشر والفساد!!.. أليس معظم النار من مستصغر الشرر؟!!..



عخان والاعتراف

كان لابد للخطية التي تمت في الظلام أن تكشف، ومن الملاحظ أنها لم تعرف إلا بالثياب الممزقة، والتراب والمهال على الرؤوس والصرخة الباكية، كان هناك سر محير. لا يعرفه يشوع، ولابد أن يظهر ويبين، ولم يعرفه الرجل إلا عندما سقط على وجهه إلى الأرض أمام تابوت الرب إلى المساء، ولن تنكشف الخطية إلا بالتذلل والاتضاع والصوم في حضرة الله بكل ألم وخشوع،.. ولعله ملاحظة الكسندر مكلارن الدقيقة في هذا الصدد، أن العمل على استئصال الخطية أهم عند الله من الصلاة: "فقال الرب ليشوع لماذا أنت ساقط على وجهك قد أخطأ إسرائيل".. "قم قدس الشعب وقل تقدسوا للغد،.. هل يستطيع المؤمنون إدراك هذه الحقيقة وممارستها على هذا الوجه العملي العظيم، إنهم مرات كثيرة يعكسون الآية، فهم دائمو الركوع أمام الله من أجل الشر والفساد دون أن يمدوا أيديهم لاستئصاله والقضاء عليه،.. إن الصلاة العملية، هي أن تقدس الشعب للغد، وأن تطهره للمستقبل وأن توجد سليماً بريئاً بعد دفن الخطية والتوبة عنها، والتطهير من جراثيمها وميكروباتها القاتلة!!..

اعترف عخان بن كرمي بخطيته، فهل كان اعترافه كاملاً وصحيحاً؟ إن نقطة القصور الواضحة في هذا الاعتراف، إنه لم يأت من نبع قلب صاحبه، بل جاء وليد الإكراه، فهو لم يأت من تلقاء نفسه قبل أن تجتمع الأسباط سبطاً سبطاً، ويؤخذ سبط يهوذا بعشائره، والعشائر ببيوتها، حتى يكشف الله الخاطيء ويفضحه أمام الجميع، ويكره هو على الاعتراف الذي لابد منه،.. لو اعترف عخان بن كرمي قبل ذلك، ولو جاء اعترافه، قبل أن يعرف أحد ما فعله، ولو جاء صارخاً أمام يشوع باكياً منتحباً، قائلاً ما قاله داود بعد ذلك لله: “إليك وحدك أخطأت والشر قدام عينيك صنعت” لربما قبل الله توبته، ولربما كان له مصير آخر غير الذي وصل إليه”!!.. لكن عخان بن كرمي اعترف كما اعترف فرعون أكثر من مرة تحت ثقل الضربات، وليس عن شعور بالتوبة، أو كما اعترف شاول بن قيس عندما قال لصموئيل: “أخطأت، وعندما صاح أمام داود “انحمقت جداً” دون أن يكون هناك شعور بالتوبة، أو إقلاع عن الإثم،.. إن الاعتراف الصحيح هو العودة إلى الله، والإقرار بالذنب، لا بسبب الخسارة المادية التي قد تلحق بصاحبها، بل بالأحرى للخسارة الروحية التي تفقد العبد علاقته بالسيد، والابن علاقته بأبيه السماوي!!.. ليس ما نفقد بل من نفقد، هذا هو الركن الصحيح في الاعتراف السليم أمام الله!!..



عخان والعقاب

لم يلبس عخان الرداء الشنعاري، ولو لمرة واحدة في حياته، أغلب الظن أنه كان مستعجلاً وهو يخفيه، أو أنه لبسه دقائق معدودة ليرى كم هو جميل على جسده، ولم يدر عخان أن الرداء سيكون كفناً له، وسيدفن معه وربما فيه،.. ولم يستمتع عخان بلسان الذهب لأن هذا اللسان قد شهد ضده وحكم عليه أقسى حكم يحكم به على إنسان،.. ولم يبع عخان أو يشتر بالمائتي شاقل التي اختلسها من حق الله المحرم عليه،.. إن الجريمة لا تفيد صاحبها كما يقولون، ولا يمكن أن تعطيه رجاء في أي شيء،.. إن الخطية تصنع دائماً لصاحبها قبراً أو حفرة واسعة، لأنها تنتهي به في العادة -إن لم يتب- إلى الهوة الأبدية التي لا قرار لها!!.. ذهب آخاب إلى كرم نابوت اليزرعيلي ليرثه، ولم يدر أنه: "في المكان الذي لحست فيه الكلاب دم نابوت، تلحس الكلاب دمك أنت أيضاً".. أخذ جيحزي من عطية نعمان السرياني، وسار في الطريق يحلم بالفضة، والثياب، والزيتون والكروم، والغنم والبقر، والعبيد والجواري،.. ولم يحلم بالبرص الذي سيلصق به وبنسله إلى الأبد!!.. أخذ يهوذا الثلاثين من الفضة، وتحولت ناراً في يده فطرحها في الهيكل، واشترى بها اليهود مقبرة الغرباء لأنه حقل دم،.. وكان هو الغريب عن تلاميذ المسيح، وقد غاص به الإثم إلى مقبرته الرهيبة المظلمة الأبدية!!..

هل قرأت الكلمة الدقيقة "أخذ عخان"؟ والشرير دائماً يؤخذ بحبل آثامه وخطاياه، ولا مهرب أو مفلت، لم يستطع الليل أو الظلام أن يحميه من الأخذ، لأنه: "أين أذهب من روحك ومن وجهك أين أهرب إن صعدت إلى السموات فأنت هناك وإن فرشت في الهاوية فها أنت إن أخذت جناحي الصبح، وسكنت في أقاصي البحر فهناك أيضاً تهديني يدك وتمسكني يمينك فقلت إنما الظلمة تغشاني فالليل يضيء حولي الظلمة أيضاً لا تظلم لديك والليل مثل النهار يضيء كالظلمة هكذا النور"..

أخذ عخان من بين الشعب والأسباط والعشائر والبيوت، وكأنما يوم الدينونة العظيمة قد جاء، وكل واحد لابد أن يعطي حساباً عما فعل خيراً كان أم شراً، ولا يستطيع أحد أن يتبادل الموقع مع آخر، أو يختفي في وسط الجمهور الكثير العدد أو الزحام الذي يتلاصق فيه الناس حتى يكادوا أن يصبحوا كتلة واحدة، أخذ عخان كما قال سيد الصادقين: "يكون اثنان على فراش يؤخذ الواحد ويترك الآخر، تكون اثنتان تطحنان معاً، فتؤخذ الواحدة وتترك الأخرى".. وقد تخطيء العدالة الأرضية، فتضع المظلوم مكان الظالم، أو تقتص من البريء، وتترك المجرم، لكن عدالة السماء هيهات أن تخدع أو تغش، وهيهات أن تترك الخاطيء بدون عقاب أو قصاص.. فعل عخان فعلته في الظلام، وأخذ أمام الناس في وضح النهار،.. إنه يذكرنا بقول الله لداود "أنت فعلت بالسر وأنا أفعل هذا الأمر قدام جميع إسرائيل وقدام الشمس"..

ثمة أمر آخر ينبغي أن نلتفت إليه، وهو أن عخان لم يذهب وحده، بل ذهب بيته أيضاً معه، وأن الحرام لم يؤخذ وحده، بل ضم إليه كل ماله أيضاً من بقر وحمير، وغنم وخيمة، وصعد الإسرائيليون جميعاً ليرجموا الرجل وبيته في وادي عخور، وقد حاول الكثيرون أن يبعدوا بين الرجل وأولاده وبنيه، إلى الدرجة أن بعضهم قال إن أولاده ذهبوا ليروا رجمه، وأنه رجم مع ما كان يملك، وأنه لا يجوز أن يؤخذ الأولاد بجريدة أبيهم، وأن الآباء إذا أكلوا الحصرم، فلا يجوز لأسنان الأولاد أن تضرس، .. ووجدالغير ممن قال إن اعتراف عخان كان كاملاً وصحيحاً، وأنه إذا كان قد عوقب هو أو بيته، فإنه عقاب الجسد الرادع للآخرين، أما الروح فتخلص بهلاك الجسد في يوم الرب يسوع،.. ووجد من ذكر أن النص الكتابي واضح ولا يحتمل اللبس، وأن الرجل قضي عليه مع بيته، وأن العلاقة بين رب البيت وأهل بيته علاقة نيابية دائمة، وكما يرث المرء الغنم عن والديه، فإنه قمين به أن يرث الغرم أيضاً، وأنه في كل الحالات ستفعل النعمة الإلهية فعلها، فإذا جاز لأحكام الوراثة أن تفعل فعلها من حيث الميراث الجسدية أو البدنية، فإنه تقصر عن الوصول إلى المصير الأبدي، لأن النفس التي تخطيء هي تموت، فإذا ذهب قورح بشره وتمرده فإن بني قورح لم تبتلعهم الأرض حتى يغنوا مزامير الرحمة والإحسان الإلهي على مسمع الناس في كل الدهور!!.

إن الأقرب إلى التصور، والأبسط في التفسير، أن البيت كان على شاكلة الرجل، وأنه إذا كان رب البيت بالدف ضارباً فشيمة أهل البيت كلهم الرقص، وأنه كما كانت سفيرة على علم بما فعل حنانيا، فإن بيت عخان كان على علم بما فعل، وأن الأسرة قبلت ما فعل، أو رضيت أو تسترت عليه، أو لم تشأ أن تفضحه، وكان السكوت على أي حال نوعاً من التضامن والرضا،.. وذهب البيت مع الرجل، وذهب الحلال مع الحرام، وتحول الكل إلى رجمة مرتفعة محترقة، تشهد بصدق الله وعدالته وغضبه وكراهيته الأبدية للخطية!!

ولكن السؤال مع ذلك يأتي: أين رحمة الله في هذه كلها؟ لقد صرخ حبقوق أمام السيد قائلاً: "في الغضب أذكر الرحمة" وها نحن نرى هذه الرحمة عندما نستمع إلى هوشع: "لكن ها أنذا أقمتها وأذهب بها إلى البرية وألاطفها وأعطيها كرومها من هناك ووادي عخور باباً للرجاء".. وهنا نتحول من "يشوع" إلى "يسوع" ونتحول من المحارب القديم إلى رئيس السلام والرحمة،.. وعندما دفنت الخطية في وادي عخور (والكلمة "عخور" تعني "اضطراب") جاء يسوع ليصنع من الآكل أكلاً ومن الجافي حلاوة، جاء ليحول الاضطراب والألم والحزن والضيق، إلى لغة التوبة، ويفتح من هناك باباً للرجاء في رحمة الله وإحسانه وحبه وحنوه ولطفه وغفرانه!!..

ألا ما أعظمه من سيد وأروعه من محب! وما أبعد الفرق بين "يشوع" وهو يصب جام غضبه على عخان في قوله: "كيف كدرتنا يكدرك الرب في هذا اليوم فرجمه جميع إسرائيل بالحجارة، وبين "يسوع" وقد جاءوا إليه بالمرأة التي أمسكت في زنا ولما أقاموها في الوسط قالوا له: "يا معلم هذه المرأة أمسكت وهي تزني في ذات الفعل وموسى أوصانا أن مثل هذه ترجم، فماذا تقول أنت؟.. ولما استمروا يسألونه انتصب وقال لهم من كان منكم بلا خطية فليرمها أولاً بحجر، وإذ كانت ضمائرهم تبكتهم خرجوا واحداً فواحداً مبتدئين من الشيوخ إلى الآخرين، وبقى يسوع وحده والمرأة واقفة في الوسط فلما انتصب يسوع ولم ينظر أحداً سوى المرأة قال لها يا امرأة أين هم أولئك المشتكون عليك أما دانك أحد فقالت لا أحد يا سيد فقالت لها يسوع: ولا أنا أدينك اذهبي ولا تخطئي أيضاً"..!!

وربما لا نجد في الختام كلمات أروع مما كتب الكسندر هوايت وهو يقول ما ملخصه: "كان للقاء الرب لعخان بن كرمي في ذلك اليوم في وادي عخور، وادي الاضطراب، لقاء الدينونة!!.. على أنه يلتقي بي وبك، في وادي الاضطراب، لقاء الحنان والحب والرحمة، فإذا حدث أن فتحت بابك ذات مساء لألتقي بك منبطحاً على وجهك في ألم واضطراب أمام الله،.. فسأصفق لك في ذلك سعيداً مبتهجاً،.. لقد قادك الاضطراب إلى الله، وسأركع إلى جوارك، لأشاركك هذا الاضطراب، وستركع معي لتشاركني اضطرابي وسوف نخرج من الاضطراب سعداء بوادي عخور، حيث دفنا الخطية هناك إلى الأبد، وحيث صحنا أمام السيد: "لما سكت بليت عظامي من زفيري اليوم كله لأن يدك ثقلت على نهاراً وليلاً تحولت رطوبتي إلى يبوسة القيظ، أعترف لك بخطيتي ولا أكتم إثمي قلت أعترف للرب بذنبي وأنت رفعت آثام خطيتي لهذا يصلي لك كل تقي في وقت يجدك فيه عند غمارة المياه الكثيرة إياه لا تصيب أنت ستر لي من الضيق تحفظني بترنم النجاة تكتنفني"..

elraiek G
09-16-2010, 05:50 PM
( 17 )

شمجر بن عناة

"وكان بعده شمجر بن عناة فضرب من الفلسطينيين

ست مائة رجل بمنساس البقر"

(قض 3: 31)


مقدمة

هل سمعت أو قرأت عن المشاجرة الخيالية الطريفة بين أصابع اليد الواحدة، والتي تخيلها أحد الكتاب وتقول، إنها بدأت بالإبهام، عندما ادعى أنه الأعظم، وأن الله لهذا السبب خلقه منفصلاً عن بقية الأصابع، حتى لا تجسر على الاقتراب منه، إذ هو السيد، وهي العبيد؟؟ وثارت السبابة على هذا المنطق، وقالت: لو أن الرآسة بالحجم لتسلط الثور أو الفيل على ابن آدم، إنما الرآسة بمن له القدرة على الأمر والنهي،.. والناس عندما تأمر أو تنهي، تجدني أنا في مواجهة الغير، أنا الآمر الناهي بين الناس، أنا الرئيس، وضحكت الإصبع الوسطى وهي تقول: إن السيادة متوفرة لي، فأنا أطول الكل، والكل إلى جواري أقزام،.. وصاحت البنصر، ولوحت بالخاتم الذهبي فيها التي تعود الناس أن يضعوها في اليد اليسرى، وقالت: إنه لا يضعون خاتم الزواج إلا فيَّ!!.. وقالت الخنصر مهلاً أيها الصحاب، فقد أكون أصغر الكل، لكنني كما تلاحظون أحمل الجميع فوقي!!.. ربما كانت الخنصر أقرب الجميع إلى الصدق والصواب،.. لكن العبرة الحقيقية ليست في واحدة من الأصابع، بل في صاحب اليد الذي يحملها ويحمل أصابعها معاً!!..

كان شمجر بن عناة واحداً من أكثر المغمورين في الكتاب، لكن هذا الرجل المغمور المجهول، استخدمه الله كالأصبع الصغير في إنقاذ شعبه، والله على استعداد أن يستخدم أضعف الناس أو أقلهم حظاً من ظروف الحياة، حتى ولو لم يملك من الأسلحة في يده إلا منساس البقر، أو ذلك المنخص الذي يخز به الحيوان عندما يتوقف عن السير ويرفض التقدم بعناء!!.. إنها قصة إنسان تبعث الرجاء في أضعف الناس عندما يدفعهم الله إلى الأمام،.. ولو لم يكن يزيد في حياته العادية عن راعٍ من رعاة الأبقار. هلم معاً نر قصة شمجر بن عناة، ولماذا اختارته العناية ليكون من أوائل القضاة في إسرائيل:



شمجر راعي البقر

ليس هناك ما يخلب لب الصغار أو الشباب، قدر رؤياهم على الشاشة أو في صفحات الكتب رعاة الأبقار الأمريكيين، ولا أنسى صبياً صغيراً طريفاً التقيت به ذات يوم، وهو يلبس زيهم، بالحزام العريض، وإذ سألته ماذا تود أن تكون في الحياة؟، وظننت أنه سيختار مهنة من مهن الناس التي يراها حوله، كأن يكون طبيباً أو مهندساً أو صانعاً أو تاجراً، وجاء في الجواب: أريد أن أكون واحداً من رعاة الأبقار.. إنه يريد أن يمتطي صهوة جواد يسابق الريح، ويصعد به فوق الجبال أو السهوب، ويدفع أمامه الأبقار إلى المراعي، وهو يدخل في عراك مع من يعتدي عليها أو عليه، وهو لا يبالي بالجروح التي تصيبه أو تأتيه من الآخرين، إنه يريد أن يكون ابن الطبيعة الطليق وهو لا يرغب في قيود الحضارة أو المتحضرين!!.. إنه مفتون بما أطلق عليه توماس كارليل "عبادة البطولة" أو تمجيد البطولة كما يقول علماء النفس، أو هو ذلك النوع من الحياة الذي يضيق بالمنطق القائل نأكل ونشرب لأننا غداً نموت، أو نقضي أيامنا بهدوء وسكينة، حتى يطوح بنا من بعدنا في حفرة يسوونها بالتراب، لأننا تراب وإلى تراب نعود،..

كان شمجر بن عناة راعياً من رعاة الأبقار، ظهر منذ آلاف السنين، قبل رعاة الأبقار الأمريكية، وكان لا يملك عندما داهمه في مزرعته وبين أبقاره ستمائة من الغزاة، وتلفت حوله، فلم يجد سلاحاً يواجههم به، ولم يجد بين يديه سوى منساس البقر، فأمسك به، وأبى أن يتراجع وقتل ستمائة بمنساس البقر، ويبدو أنه كان يملك في ذاته وداخله شيئاً أعظم وأكمل بما لا يقاس من هذا المنساس.





شمجر والإيمان الخارق

في أعماق كل واحد منا كمؤمنين قوة خارقة، لو نملك الإفصاح عنها تصبح آية للعالمين هل قرأت عن ذلك الرجل الذي وجد فرخاً صغيراً من أفراخ النسر فحمله إلى بيته، ووضعه بين أفراخ الدجاج، وأطعمه من طعامها، وكان ينظر إلى الفراخ، والفراخ تنظر إليه، كان وضعه غريباً في وسطها، وكان وضعها معه لا يقل غرابة، وابتدأ ينمو في حجمه، وابتدأ جناحاه يطولان، على أنه لم يلبث أن أصابه الضمور، وقلت حركته، فأخذه صاحبه إلى أعلى البيت وتركه على السطوح، ولكنه لم يلبث أن عاد من هناك إلى وسط الفراخ،.. ماذا يفعل معه الرجل؟، أخذه ذات صباح، إلى جبل عال، وأعطى وجهه للشمس وظهر النور العظيم، وهب النسيم، وإذا بشيء عجيب لا يدري النسر كنهه، فقد رفع عينيه نحو السماء، ومد جناحيه في الفضاء وارتعش بكامله، وصعد إلى أسمى علو، وعندئذ أدرك أنه لم يخلق للأرض، ولكنه خلق للسماء!! هذا هو شمجر بن عناة، وهذا هو أنا وأنت حينما ندرك الحقيقة التي تغيب عن حياتنا سنوات طويلة، نعيش فيها أسرى الهزيمة، والضياع، واليأس كفرخ النسر في عشش الدجاج، كان شمجر بن عناة يعلم أن أمة ولدت إبراهيم واسحق ويعقوب ويوسف وموسى ويشوع أمة أبطال، لم يكن لهم من قوة في ذاتهم ولكنهم استمدوا قوتهم من الله القادر على كل شيء.. وما من شك بأن شمجر بن عناة كان يسأل نفسه على الدوام لماذا نعيش في ظل الطغيان والضيق والهزيمة واليأس والله لم يتغير، وآباؤنا كشفوا عن أعظم الانتصارات التي جاءتهم من الاستناد إلى الله،.. وقد أدرك الرجل بأنه ليس في حاجة إلا إلى الإيمان،.. وليس الإيمان ببعيد عنه أو من أي إنسان يرغب في الاتصال بالله،.. إن الإيمان لا يزيد عن تغيير حالة قلب، وارتقاء بالنفس لتفرد جناحيها بلا حدود أو قيود في سماء الله،.. وليس الإيمان إلا أن ينتظر الله: "ومنتظرو الرب يجددون قوة يرفعون أجنحة كالنسور".. وما الذي يمنعه من الأجنحة المرتفعة!!.. لم يطلب الله من الإنسان شروطاً معينة حتى تكون له هذه الأجنحة. فهي للعالم ولمحدود العلم، وهي للفقير وللغني، وهي للصغير وللكبير، وهي للرجل والمرأة، وهي لمن يقف في أول الصف، أو من يكون في الصف الأخير!!..

وإذا كان شمجر بن عناة قد أدرك هذه الحقيقة في عودته إلى التاريخ القديم، فلعلنا أكثر قدرة منه نحن الذين انتهت إلينا أواخر الدهور، وما أكثر ما يحفل التاريخ المقدس بآلاف الأبطال الذين جاءوا من الصف الأخير ليأخذوا الصف الأول، ولم يكن لهم ما يميزهم سوى الإيمان بالله!!.. ألم يكن غلاماً صغيراً ذاك الذي لم يدع إلى المعركة بل ذهب إليها ليرى إخوته الكبار؟؟ أو في لغة أخرى لم يكن حتى في الصف الأخير، بل كان خلف الصفوف جميعاً، ومع ذلك برز لا يضحى في الصف الأول مع الملك، وقائد الجيش، بل ليبرز الجميع، ويصبح هو وحده بطل المعركة، وذلك لأنه كان يملك إيماناً أكثر من الجميع.. ألم تكن "جان دارك" الفتاة الفلاحة الفرنسية في الثامنة عشرة من عمرها، عندما قادت الجيش الفرنسي المهزوم، لتحول الهزيمة إلى نصر، وتتوج الملك، وهي لا تعرف شيئاً عن فنون الحرب، وتعرف كل شيء عن قدرة الإيمان في حياة أبسط الناس على الأرض؟؟ أمن فقط، قد يكون هو النداء الأول والأخير لأبسط إنسان على الأرض ليتحول مثل راعي البقر القديم ليصنع المعجزات!!..



شمجر والغضب المقدس

تقول دبور في أغنيتها العظيمة: "في أيام شمجر بن عناة في أيام ياعيل استراحت الطرق، وعابرو السبيل ساروا في مسالك معوجة".. وهي تعطي الصورة التي تلت عصر يشوع، والتي عاث الفساد فيها في البلاد، وضاع الأمن، وانقلبت الأوضاع حتى أضحى المسافرون لا يجرؤون على السير في الطرق التي امتلأت باللصوص، إلى الدرجة أن عابري السبيل كانوا يبحثون عن المسالك الجانبية المعوجة، لعلهم يفلتون من قطاع الطرق، كان النهب هو الشائع، والأمان هو الاستثناء، وكان السر واضحاً في ذلك أن الشعب ترك إلهه، فتركه إلهه للفزع والرعب والضياع، وكان راعي الأبقار ينظر إلى الأوضاع فيلتهب قلبه بالثورة المكبوتة، إنه يعلم أن سر البلوى هو انصراف الناس عن الإله العظيم الذي أخرجهم من مصر وأعطاهم الأرض، ومع ذلك رفضوه واختاروا: "آلهة حديثة حينئذ حرب الأبواب".. وستبقى الحرب دائماً على الأبواب، عندما نقفل الباب في وجه إلهنا، ورأى شمجر الظلم والطغيان والنهب، في الحقول الضائعة، والجموع الجائعة، والشعب المستعبد المسكين،.. وامتلأ الرجل بالغضب المقدس،.

هناك نوعان من الغضب يختلفان تمام الاختلاف، ويتباينان تمام التباين،.. هناك الغضب الآثم الذي يصنع بر الله، كغضب نبوخذنصر عندما امتلأ غيظاً وتغير منظر وجهه على شدرخ وميشخ وعبد نغو، وأمر بأن يحمي الأتون سبعة أضعاف أكثر مما كان معتاداً أن يحمي، وذلك لأن هؤلاء تعمدوا ألا يعبدوا آلهته أو يسجدوا لتمثال الذهب الذي نصبه،.. ومثل هذا الغضب أناني حقود قاس مستبد متغطرس يكرهه الله كل الكراهية، ويعاقب -إن آجلاً أو عاجلاً- صاحبه والداعي إليه،.. لكن هناك نوعاً من الغضب الآخر، كغضب فنيحاس الذي طعن الزاني والزانية، ودان القباحة المتسهترة التي تفعل الشر في المكان المقدس، وهناك غضب موسى عندما رأى العجل الذي عبدوه الإسرائيليون، وطحنه وسحقه وذراه على وجه المياه، وهناك غضب المسيح عندما حمل سوطه وطرد من حولوا بيت الله إلى مغارة لصوص،.. رؤى أحد رجال الله، وهو يتميز غيظاً وغضباً في الطريق، لأنه رأى لونا ًمن ألوان الظلم لا يستطيع أن يسكت عليه ويهادنه، ورؤى آخر يمسك فرشاته، ويحمل سلماً، إلى مكان كتبت فيه كلمات قبيحة، لابد له أن يمحوها محواً، لأنها آذت عينيه، ويمكن أن تفسد حياة الكثيرون من الشباب الذين يقرأونها كان شمجر بن عناة يملك هذا النوع من الغضب المقدس!!..



شمجر والدفاع المشروع

إن المدقق في قراءة قصة شمجر بن عناة، يرى أن شمجر لم يكن مهاجماً، إذ لا يتصور قط أن رجلاً يحمل معه منساس البقر ليأخذه سلاحاً يهاجم به ستمائة رجل من الأعداء الأشداء المسلحين، بل المتصور أن الرجل كان في حقله أو كان يرعى أبقاره في مكان ما، وتعرض له الغزاة على أسلوب وحشي مثير،.. فهل كان له أن يهرب، ويترك أرضه، أو أبقاره، ويعتبر النجاة نوعاً من الفوز، يغبطه عليه أهله وصحبه عند عودته إلى البيت؟؟ لا أعتقد أن الرجل أصيب بحالة من الجنون، كذلك الجندي الذي دخل في وسط الأعداء وأخذ يمعن تقتيلاً، وعندما نظره معسكره على هذه الحال، ورجع إليهم، قالوا له ماذا فعلت وكيف جرؤت على الدخول في وسط الأعداء على هذه الصورة؟.. أجاب: لست أعلم، لأني وجدت نفسي في حالة من الجنون لا أدريها، هي التي فعلت كل هذا،.. لا أظن أن شمجر بن عناة كان له هذا النوع من الجنون، إنما أعلم أن الرجل أدرك ما قاله كرومويل فيما بعد، عندما سألته أمه: ألا يحسب حساب المعارك التي يدخلها.. أجاب: يا أمي توجد لحظات في الحياة لا يستطيع الإنسان فيها أن يقيم أي وزن لما يمكن أن يحدث،.. أليس هذا ما وصل إليه الثلاثة فتية الذين رحبوا بالنار سواء خرجوا منها أحياء أو لم يخرجوا، وهذا نسمعه من جوابهم الحاسم للملك القديم!: "يا نبوخذنصر لا يلزمنا أن نجيبك عن هذا الأمر يوجد إلهنا الذي نعبده يستطيع أن ينجينا من آتون النار المتقدة وأن ينقذنا من يدك أيها الملك وإلا فليكن معلوماً لك أيها الملك أننا لا نعبد آلتهك، ولا نسجد لتمثال الذهب الذي نصبته".. لو أن حادث شمجر مع الغزاة كان حادثاً شخصياً لا يتكرر، لربما أمكن التصرف فيها بصورة مخالفة،.. لكن هذا الاعتداء كان أكثر من اعتداء شخصي إذ هو اعتداء على أمة وشعب، وأكثر من ذلك هو تحد وإهانة واستهتار باله هذا العشب، والعقيدة الدينية التي يتمسك بها، هو صراع بين تابوت الله وداجون، وبين الإله الحق والآلهة الباطلة،.. وأدرك شمجر بن عناة أنه أفضل له أن يعود إلى بيته حياً أو ميتاً من أن يسلم للظلم والفساد والشر أن يفعله فعله!!..

إن السؤال عن الدفاع المشروع، ما يزال من أهم الأسئلة التي تطرح على الذهن البشري -ما هي فلسفته ووسائله وحدوده؟!! وباديء ذي بدء نحن لا نعرف جماعة إنسانية ترفض في الأرض كلها فكرة الدفاع المشروع، إلا طائفة الكويرز أو الأصحاب، وهذه الطائفة لا تقبل العنف بأي صورة، وقد حدث أن سيدة من "الأصحاب" دخلت ذات يوم إلى بيتها، فرأت لصاً يعبث بأموالها ومجوهراتها، ولما رآها وجه غدارته نحوها، فقالت له: لا تفزع ولا داعي لأن توجه غدارتك إلى، إن عندي الكثير، وخذ ما تريد، وأنت قبل وبعد الكل إنسان وأخ لي،.. وأسقط في يد الرجل،.. وقال لها: يا سيدتي لقد قاومني الناس كثيراً، وحولوا بهذه المقاومة مني مجرماً عتيداً، ولم أسمع لغة كهذه قط من بين الناس، ولم أسمع أن واحداً دعاني أخاً، بل أنا في نظرهم مجرم حثالة الناس، لن آخذ شيئاً منك يا سيدتي،.. وخرج، ولعله خرج إنساناً آخر.. هذه هي فلسفة الأصحاب، إنهم يرفضون مقاومة الشر استناداً إلى قول المسيح: "سمعتم أنه قيل عين بعين وسن بسن وأما أنا فأقول لكم لا تقاوموا الشر بل من لطمك على خدك الأيمن فحول له الآخر أيضاً ومن أراد أن يخاصمك ويأخذ ثوبك فاترك له الرداء أيضاً ومن سخرك ميلاً واحداً فاذهب معه اثنين"، على أن المسيح -فيما أعتقد- لم يكن يقصد المعنى الحرفي بالدليل أنه لم يطبقه هو، وقال للخادم الذي لطمه أمام رئيس الكهنة: "إن كنت قد تكلمت ردياً فاشهد على الردي وإن حسناً فلماذا تضربني".. كما أن بولس فسر المقاومة المقصودة هنا مقاومة الشر بالشر إذ قال: لا تجازوا أحداً عن شر بشر معتنين بأمور حسنة قدام جميع الناس إن كان ممكناً فحسب طاقتكم سالموا جميع الناس لا تنتقموا لأنفسكم أيها الأحباء بل اعطوا مكاناً للغضب لأنه مكتوب لي النقمة أنا أجازي يقول الرب فإن جاع عدوك فاطعمه وإن عطش فاسقه لأنك إن فعلت هذا تجمع جمر نار على رأسه لا يغلبنك الشر بل اغلب الشر بالخير".. على أن بولس نفسه، وهو خير مفسر للمسيح ولكلامه، لم يفسر الأمر بالتخلي عن الحق المشروع للإنسان الذي يمكنه أن يتمسك به في لحظات الدفاع عن النفس، فعندما اعتدى عليه دون حق في فيلبي، وأرسل الولاة الجلادين إلى حافظ السجن ليطلقه وسيلا أجاب: "ضربونا جهراً غير مقضي علينا ونحن رجلان رومانيان وألقونا في السجن أما الآن يطردوننا سراً كلا بل ليتأتوا هم أنفسهم ويخرجونا".. ولم يكن له لطف المسيح عندما أمر حنانيا رئيس الكهنة أن يضربوه على فمه: "حينئذ قال له بولس سيضربك الله أيها الحائط المبيض أفأنت جالس تحكم على حسب الناموس وأنت تأمر بضربي مخالفاً الناموس".. إن فلسفة الدفاع المشروع تدور وجوداً وعدماً حول كسب المعتدي، والوصول إلى السلام، ورفعه إلى مستوى العدالة والحق الإلهي،.. وفي سبيل ذلك يمكن التخلي عن الحق الشخصي، في سبيل غرض أعلى وأسمى، على أن هذا لا يعني بحال ما طرح جميع الوسائل الأخرى التي قد تكون في إمكانية الإنسان، كالحق الذي كان لبولس بصفته مواطناً رومانياً يحق له التمسك بتطبيق القوانين الرومانية العادلة، إذا ما شط المعتدي، وحاول أن يتجاوز هذه القوانين والحقوق!!..

على أن الالتجاء إلى القضاء ليس مطلقاً، فقد يكون الأفضل مرات متعددة معالجة الأمور بعيداً عن هذا السبيل، ولا سيما إذا كان المتنازعون من الإخوة أو المؤمنين، وقد عاب الرسول على الكورنثيين الالتجاء إلى المحاكم الخارجية، وطلب دعوى التحكيم الكنسي دون هذه المحاكم: "أيتجاسر منكم أحد له دعوى على آخر أن يحاكم عند الظالمين وليس عند القديسين ألستم تعلمون أن القديسين سيدينون العالم. فإن كل العالم يدان بكم فأنتم غير مستأهلين للمحاكم الصغري"..

إن الحق في الدفاع المشروع أمر ينبغي أن يقدره الإنسان بكل كلمة وفطنة، ولسنا نعلم مدى فلسفة ذلك المرسل الذي كان يسير في ليلة من الليالي وهو يركب في إحدى البلاد الشرقية، فخرج إليه جماعة من قطاع الطرق، فرفع سلاحه في وجههم، وكانوا يعرفونه، فقالوا له: هل يجوز لمرسل أن يقتل الآخرين، وهو أول من ينادي بالوصية القائلة: لا تقتل؟.. وكان جوابه: إني وأنا أرفع السلاح أنفذ الوصية، لأني إذا سلمت بسهولة في نفسي، فأنا أشارككم في قتلها، وترك القاتل ليقتل دون الوقوف في طريقه دون حماية النفس، إنما هو تشجيع مباشر له على العدوان وحماية غير مباشرة للنفس التي حرم الله قتلها!!..

هل كانت هذه الحكمة هي حكمة شمجر بن عناة؟.. أم أن شمجر كان يرى نفسه قاضياً لإسرائيل، وأن مهمته أن يدفع الظلم والاعتداء، وأن أنوار العهد الجديد لم تصل إليه أو تصل إلى ياعيل التي ضربت رجلاً نائماً لا يملك الدفاع عن نفسه، وقد استأمنها على نفسه في هذا البيت؟؟..

مهما يكن الأمر فإن عصر الرجل، كان يختلف ولا شك عن عصرنا من نوع الحياة والهدف والغاية، وكانت قضية الرجل قضية دينية، لم يدفع فيها عن نفسه شراً فحسب، بل كان أكثر من ذلك رجلاً يدفع الشر على البؤساء والمعذبين والمظلومين من شعب الله في أيامه!!.. فإذا جئنا إلى العصر المسيحي، فليكن موقفناً دائماً من الاعتداء نسيان الصالح الشخصي، أو الرغبة الشخصية في الانتقام، والسعي ما أمكن إلى كسب المعتدى لله، والحق والسلام، والتسليم في كافة الأمور لمن يقضي بعدل!!.

غير أن هناك شيئاً واحداً لا يجوز التزحزح عنه قيد أنمله، وهو أن لا يكون السلام على حساب الحق ومجد الله،.. وهنا لننصت بكل خشوع إلى قول السيد: "لم آت لألقي سلاماً على الأرض بل سيفاً".. ولقد بلغ المؤمنون أروع صور الشهادة، عندما أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله!!.. لقد أبى الشهداء في روما أن يقبلوا السلام على حساب يسوع المسيح، ومع أن هناك أمثلة لا تنتهي، لكننا سنذكر قصة غلام صغير ارتبطت قصته باستشهاد مارسيلوس، وكان الغلام اسمه ماركوس بولو سيرفيللي، وكان في الثالثة عشرة من عمره وكان ينتسب إلى عائلة سيرفيللي النبيلة التي أدت أروع ما تستطيعه عائلة لبلادها،.. وعندما وجه القاضي التهمة للغلام بأنه مسيحي، أجاب على الفور: هذا الاتهام يعد شرفاً لي. أنا مسيحي، وأعتبر نفسي سعيداً لأني أستطيع أن أعترف بذلك أمام هذا الجمع الغفير، وعندما قال له القاضي: أيها الولد الشقي: هل تعرف نوع التهمة الموجهة ضدك؟؟ أجاب: أنا متهم بغير جريمة، وإيماني يعلمني أن أخاف الله، وأخدم الامبراطور، وأطيع كل القوانين العادلة، وقد نفذت كل هذا بضمير صالح،.. قال له القاضي: إن جريمتك أنك مسيحي خائن للوطن، فأجاب: أنا مسيحي، ولكني لست خائناً للوطن، وإذ قال له القاضي: إن القانون يحرم الإيمان بالمسيح ومن يكسر هذا القانون عقابه الموت.. أجاب: أنا مسيحي.. قال القاضي: إذاً فعقابك الموت.. وقال الغلام: فليكن. حاولوا أن يثنوه بكافة الطرق، بالتهديد، والإغراء، ولكنه ثبت كالطود الراسخ ووضع الغلام أمام نمر جائع.. وتحول كتلة من العظام والدم!!.. ومات شجاعاً كأفضل ما يكون الإنسان في الشهادة المسيحية ولو غرق في بحر من دم!!..



شمجر والوسيلة الضعيفة

هوجم شمجر بن عناة، ولم يكن يملك سلاحاً، فإن الفلسطينيين جردوا الشعب من كل سلاح، كان يرعى أبقاره، وكان يمسك بمنساس البقر، وكان المساس هو السلاح الوحيد الذي يحمله، ويمكن أن يستخدمه، ولم يتوان الرجل عن استخدام الوسيلة الهزيلة الضعيفة، التي قادته إلى النصر وإلى قيادة الأمة بأكملها،.. من الناس من هو على استعداد أن يحارب، ولكن بشرط أن يكون في يده السلاح المناسب، ولو أدرك الحقيقة أن السلاح المناسب، هو الذي بين يديه، مهما كان ضعيفاً أو ضئيلاً أو صغيراً،..

عند الأمريكيين قصة صبي صغير اسمه لوقا فارنوم، وكان ولداً فقيراً أعرج، صبي حداد، وحدث ذات يوم أثنآء حرب الاستقلال، والصبي يقف أمام الدكان، وهو حزين لأنه لا يستطيع أن يذهب إلى المعركة لعجزه وضعفه، وإذا بجماعة من الفرسان تمر به، ويسألونه وقد تبينوا أن معلمه غير موجود، عما إذا كان يستطيع أن يضع حدوة للحصان، فأجاب بالإيجاب لأنه ساعد معلمه كثيراً في صنع الحدوات، وتركيبها،.. وقام بالعمل خير قيام، وقال له القائد: اعلم أيها الصغير أنك قمت بعمل في خدمة بلدك يساوي عمل عشرة جنود، وكان المتكلم هو الكولونيل وارنر الذي أرسل لنجدة معركة من أهم المعارك التي قلبت ميزان الحرب، ولم يكن يعلم الولد الصغير الأغنية القائلة:

لما سقط المسمار ضاعت الحدوة

لما ضاعت الحدوة ضاع الحصان

لما ضاع الحصان ضاع الراكب

لما ضاع الراكب ضاعت المعركة

لما ضاعت المعركة ضاعت الدولة

كل هذا حدث لما ضاع المسمار

ليس الأمر أمر راعي البقر أو المنساس في يده، إذ أن الأمر أعظم من ذلك بما لا يقاس، إذ هو أمر الله الذي يمسك بالراعي والمنساس معاً، والله لابد أن يكون الأول والأخير في المعركة، وكرامته لا يعطيها لآخر، لو كان هناك شيء آخر مع موسى غير العصا، لربما التفت الناس إلى هذا الشيء، ولم يروا الله السيد المنتصر،.. ولو كان هناك شيء بيد داود غير المقلاع وحجارة الوادي الملس، في مواجهة جليات، لما ظهر الله، ولما استطاع الشاب القديم أن يقول للجبار: "أنت تأتي إليَّ بسيف ورمح وترس وأنا آتي إليك باسم رب الجنود إله صفوف إسرائيل الذين عيرتم اليوم، هذا اليوم يحبسك الرب في يدي فأقتلك وأقطع رأسك..".. لم ير شمشون على مقربة منه -وهو يواجه الفلسطينيين- سوى لحي حمار كان سلاحه في قتل ألف منهم!!.. وهكذا يعمل الله في الآنية الضعيفة في كل العصور والأجيال أو كما قال أحدهم: "لا بالقدرة ولا بالقوة استطلع لوثر أن يواجه ثورة روما وقوتها ومقامها ويحقق الإصلاح،.. ولا بالقدرة ولا بالقوة استطاع وليم بوث أن يقابل الفقر والسخرية والهزء وينشيء جيش الخلاص العظيم.. ولا بالقدرة ولا بالقوة استطاع وليم لويد جارسون أن يهاجم -وهو أعزل- نظام الرق، ويطلق من عقالها القوة التي حررت آخر الأمر أربعة ملايين من العبيد"..

لقد أدهشت شجاعة وليم أورنج في تسليح الفلاحين في هولندا والفلاندرز ضد طغيان الملك فيليب وألفا الدموية، وإذ تساءل الملك الأسباني عمن يكون وراء هذه الحركة من حلفاء أو ملوك: أجاب وليم الشجاع: "إنك تسألني عما إذا كانت قد دخلت في حلف رسمي مع قوة أجنبية ألا فاعلم أني قبل أن أحمل على عاتقي قضية هذه الولايات المنكوبة قد دخلت في الحلف والعهد مع ملك الملوك ورب الأرباب".. ولقد فعل هذا من قبل شمجر بن عناة وهو يمسك منساس البقر، وتستطيع أنت وأنا أن نفعل، في مواجهة معارك الخطية والإثم والفساد والشر، ذات الشيء ونحن نغني أغنية بولس العظيمة: "أستطيع كل شيء في المسيح الذي يقويني"..!!..

elraiek G
09-16-2010, 05:51 PM
( 18 )

جدعون

"الرب معك يا جبار البأس"

(قض 6: 12)


مقدمة

ما أوسع الفرق بين نابليون وجدعون، وبين تكتيك المدفعية الثقيلة وتكتيك الجرار الفارغة. كان نابليون في الحرب لا يؤمن بالله، ويقول ساخراً إن الله مع المدفعية الثقيلة، وكان يؤمن بثلاثة عناصر يقوم عليها النجاح في الحرب: عدد الجنود، والتسلح الجيد، وعبقرية القيادة. ومن العجيب أن الثلاثة توفرت له، ومع ذلك هزم هزيمة منكرة، فقد قاد حملته إلى روسيا، وكان تكتيك الروس الانسحاب أمامه وحرق المدن بكاملها حتى لا يجد ملجأ أو طعاماً، وذهب بنصف مليون جندي، وعاد ببضعة آلاف، قد لا تصل إلى الخمسين ألفاً، وعندما سئل عن سر الهزيمة قال: لقد هزمني الچنرال يناير، ويقصد بذلك الشتاء الروسي، وفي آخر معاركه ووترلو، وفي شهادة واحد من كبار العسكريين أنه وفقاً للحساب البشري والتخطيط العسكري، كان أوفر حظاً من ولنجنتون، وعندما سئل: ومن الذي هزمه إذاً؟.. أجاب! الله هزم نابليون رغم عبقريته العسكرية، أو مدفعيته الثقيلة،..

لم يعرف جدعون العدد الكثير فقد أمره الله ألا يبقى من جيش قوامه اثنان وثلاثون ألفاً وثلاثمائة من الجنود، وألا يحمل معه سيفاً واحداً، وأن يتسلح بثلاثمائة من الجرار الفارغة، وثلاثمائة من الأبواق، وثلاثمائة مصباح، وكان تكتيكه العسكري، أن يضرب الجنود بالأبواق، وأن يكسروا الجرار، وأن يرفعوا المصابيح في أيديهم، وذلك في أول الهزيع الأوسط، عندما كان جنود الأعداء غارقين في النوم العميق قبيل منتصف الليل بقليل،.. وعندما نسأل بعد ذلك، ومن الذي هزم المديانيين إذاً؟ لا نجد سوى الجواب الوحيد: الله هزم المديانيين، ويهزم في كل جيل وعصر الطغاة مهما كان عددهم ومهما كانت أسلحتهم. إن قصة جدعون من أمتع وأصدق القصص التي يجمل أن نضعها أمام أنظارنا، ونحن نخوض حرب الحياة، ومعارك الأيام!!..



جدعون والقوى الداخلية الكامنة فيه

هل رأيت جدعون عندما باغته ملاك الرب، وقال له الرب معك يا جبار البأس؟، كان جدعون في ذلك في الحضيض نفسياً، في أسوأ حالة يمكن أن يكون عليها الإنسان، وجهه مملوء بالتراب، وعيناه لا تكادان تقويان على النظر، جلس الملاك أمامه تحت البطمة، وهو عاجز عن رؤياه، والأعجب أن الملاك مع هذا كله يناديه قائلاً: الرب معك يا جبار البأس، وهي في نظره سخرية ما بعدها سخرية، كيف يمكن أن يكون جباراً، وهو الخائف من المديانيين والذي يخبط الحنطة في المعصرة ليهربها من المديانيين، ويكاد يخاف من ظله هو؟.. ولكن الملاك مع ذلك يرى فيه رجلاً جبار بأس، وأن هناك قوى هاجعة في داخله توشك أن تستيقظ، وتوشك أن يكشفها الله له!!.. هل حقاً ما قاله أحدهم: إن الناس أربعة.. رجل يجهل، ويجهل أنه يجهل، ذلك مدع أتركه.. ورجل يجهل ويعلم أنه يجهل، ذلك بسيط علمه،.. ورجل يعلم، ويجهل أنه يعلم ذلك نائم أيقظه،.. ورجل يعلم، ويعلم أنه يعلم، ذلك معلم اتبعه!!.. كان جدعون الجبار النائم الذي جاء الله ليرفع عنه التراب الذي يعفر وجهه، ويخرجه من المعصرة التي اختبأ فيها، ومن الظلام الذي حاول أن يتدثر به!!.. ومن الندم الذي وصل إليه حتى عجز عن أن يدرك جبروته الصحيح!



الجبار الصريح

وكانت هذه سمة من أفضل سمات الرجل، إنه ذلك الإنسان الصريح الذي لا يخبيء في أعماقه شيئاً يداور به الواقع الذي يعيشه،.. قال له الغريب: الرب معك،.. وكان الجواب: لا يا سيدي، إنني لا أستطيع أن أصدق هذه الحقيقة، وذلك لأن الرب الذي تذكره لي، يختلف تماماً عن الذي حدثنا به آباؤنا: "وإذا كان الرب معنا فلماذا أصابتنا كل هذه؟ وأين عجائبه التي أخبرنا بها آباؤنا، قائلين: ألم يصعدنا الرب من مصر والآن قد رفضنا الرب وجعلنا في كف مديان".. هذا رجل صريح لا يداور الحقيقة التي يلمسها بيديه، وهو يطرحها أمام الغريب الذي يتحدث معه دون سابق معرفة،.. ساوره الشك، وهو من أخلص الناس في شكوكهم، وهو يطرح تجاربه الذهنية دون لف أو دوران أمام ملاك الرب وهو لا يعلم، وما أجمل أن يكون الإنسان صريحاً، شفافاً كالبللور، أمام الله، يعكس الظلال التي تقع عليها دون أن يغطيها أو يداريها، وهذا أعظم وأجدى أمام السيد، من التكلف والتصنع والمداورة،.. فمن الناس من يملأ قلبه التذمر، وهو يدعى الشكر، أو يمتليء بالغيظ وهو يدعي الرضا!!.. جيد عند الرب أن تتحدث بشكوكك ومتاعبك ومخاوفك وضيقك، ولن يضيق الرب بهذا الإحساس ما دمت صادقاً مخلصاً أميناً. إن صفحات الكتاب ممتلئة بهذه الحقيقة من أناس جابهوا الله بما يعتمد في صدرهم بدون مواراة،.. وهل رأيت أجرأ من يقول لله مع موسى محتجاً، وهو يرى أن مقابلته لفرعون، لم تخرج الشعب، بل زادت الطينة بلة، أو زاد الثقل عليهم: "فرجع موسى إلى الرب وقال يا سيد لماذا أسأت إلى هذا الشعب لماذا أرسلتني لأنه منذ دخلت إلى فرعون لأتكلم باسمك أساء إلى هذا الشعب وأنت لم تخلص شعبك"؟؟ وهل وقفت مع إيليا وهو يصرخ لله ويقول: "أيها الرب إلهي أأيضاً إلى الأرملة التي أنا نازل عندها قد أسأت بإماتتك ابنها؟؟".

وهل سمعت آساف وهو يكاد يترك الدين: "حقاً قد زكيت قلبي باطلاً وغسلت بالنقاوة يدي وكنت مصاباً اليوم كله وتأدبت كل صباح؟؟"..

وهل ذكرت إرميا وقد ناله الجهد والتعب، إلى درجة التصميم أن لا يذكر اسم الرب بعد: "فقلت لا أذكره ولا أنطق بعد باسمه فكان في قلبي كنار محرقة محصورة في عظامي فمللت من الإمساك ولم أستطع؟؟"..

وهل أدركت حبقوق وهو يبدأ سفره: "حتى متى يا رب أدعو وأنت لا تسمع، أصرخ إليك من الظلم وأنت لا تخلص؟؟"..

وهل تابعت المعمدان وهو يرسل تلميذيه إلى السيد قائلاً: "أنت هو الآتي أم ننتظر آخر؟؟".. هؤلاء جميعاً كانوا على لظى الشكوك، ولكنهم كشفوا أعمال نفوسهم لله، ولم يضق الله بشكهم، إذ كانوا أمناء صادقين دون خداع أو ختال أو رياء!!.

إن هناك فرقاً بين شك وشك،.. هناك من يشك كجدعون، دون أن تكون له الرغبة في التمسك بالشك أو الإبقاء عليه، على العكس ممن يشك وهو مصر على عدم التحول عن هذا الشك، مهما كانت البراهين واضحة أمامه،.. قيل عن الواعظ العظيم فردريك روبرتسن أنه عاش سنوات متعددة في صراع مع الشك، كان أميناً في بسط هذا الشك أمام الله، ولم تضعف الوساوس خدمته على الإطلاق، حت انتصر في معركة الشك، وخرج إلى إيمانه العظيم بالله،.. قيل عن اثنين من اسكتلندا كان أحدهما شاباً والآخر عجوزاً: كان الشاب مهما تلونت الظروف معه، يؤمن بأنه يسير إلى جوار الله، وكان يتكلم على الطريق معه، كما يكلم الإنسان صاحبه الذي يتمشى معه، وكان الآخر عجوزاً، مرض وطال مرضه، وكان يضع إلى جواره كرسياً يطلق عليه كرسي الله، وقد رأوه في لحظة الموت، وقد مد يده إلى الكرسي، وعلق أحدهم بالقول هل كان الكرسي خالياً؟!!. كن صريحاً أبلغ الصراحة مع الله، ما دمت مؤمناً يملؤك الإخلاص الذي يعلم الله!!..



الجبار الوديع

لم يكن وديعاً فحسب، بل كان رائعاً في وداعته،.. يقول له الملاك: "اذهب بقوتك هذه وخلص إسرائيل من كف مديان أما أرسلتك فقال له أسألك يا سيدي بماذا أخلص إسرائيل ها عشيرتي هي الذلى في منسى وأنا الأصغر في بيت أبي".. هل وقفت أمام الجبار الذي يقول: "أنا الأصغر؟؟، وهل وقفت أمام سر من أعظم الأسرار في حياة الأبطال الناجحين الذي يرون نفوسهم على حقيقتها ويقولون: "أنا الأصغر؟؟.. هل علمت لماذا ترك بولس اسمه القديم "شاول"، وعرفه العالم باسم بولس الذي يعني "صغير" لأنه أدرك هذه الحقيقة، إنه يبدأ ويعيش وينتهي تحت إحساس الإنسان الصغير، مهما فعل في هذه الدنيا،.. بل هل نعلم بأنه نافس جدعون منافسة قوية في التعبير "الأصغر" فعندما وازن بين نفسه والرسل قال: "وآخر الكل كأنه للسقط ظهر لي لأني أصغر الرسل، أنا الذي لست أهلاً لأن أدعى رسولاً لأني اضطدت كنيسة الله"؟؟ على أنه في الموازنة أكثر من ذلك مع القديسين قال: "لي أنا أصغر جميع القديسين أعطيت هذه النعمة أن أبشر بين الأمم بغنى المسيح الذي لا يستقصى" لم يضع بولس مجرد الموازنة مع الرسل ليرى نفسه أصغرهم، بل مع جميع القديسين ليقول أنا الأصغر!!..

هل الإحساس بالأصغر هو المغالاة في التعبير عند جدعون أو بولس أو من على شاكلتهما من العظماء؟ أو هو الاكتشاف الصحيح الذي ينبغي أن يكتشفه جبابرة الأرض أمام السيد: "الجالس على كرة الأرض وسكانها كالجنوب الذي ينشر السموات كسرادق ويبسطها كخيمة للسكن الذي يجعل العظماء لا شيئاً ويصير قضاة الأرض كالباطل".. وهل يزيد الإنسان أمام الله مهما كانت عظمته عن الجنوب أو الجراد؟؟ وما الفرق بين جرادة وجرادة؟؟ لو أنك رأيت نملاً يندفع في خط طويل أمامك، ما الفرق بين نملة وأخرى؟؟ إذا رأيت عشباً هنا أو عشباً هناك، ما الفرق بين هذا وذاك؟؟ والإنسان عشب: "كل جسد عشب وكل جماله كزهر الحقل يبس العشب ذبل الزهر لأن نفخة الرب هبت عليه حقاً الشعب عشب يبس الشعب ذبل الزهر وأما كلمة إلهنا فتثبت إلى الأبد".. عندما اعتلت الملكة ولهلمينا عرش هولندا، علمتها أمها دائماً أن تكون متواضعة صغيرة،.. ذات مرة طرقت غرفة أمها، وعندما صاحت الأم: من بالخارج؟؟ جاء الجواب: ملكة هولندا.. أريد الدخول،.. ولم يكن من مجيب!!.. وعادت الابنة تطرق.. وكان السؤال من بالخارج؟.. وجاء الجواب: ولهلمينا هولندا؟!!.. ولم يكن من مجيب، ثم طرقت الابنة مرة ثالثة: وإذا بالسؤال: من بالخارج؟.. وكان الجواب ابنتك الصغيرة وعندئذ قالت الأم: ادخلي!!.

كان لورد كلفن من أعظم علماء علم الأحياء، وكانوا يسألونه عما فعل وأنجز.. فيأتي الجواب: لا شيء وحياتي فاشلة!!.. وعندما انتصر إبراهام لنكولن على منافسه، وأصبح رئيساً للولايات المتحدة.. قال: في الحقيقة أنا لا أصلح أن أكون رئيس الولايات المتحدة.. وطالما سمع الناس أينشتين العظيم يقول: إن سر ما وصل إليه يرجع إلى العديد من تلاميذه المجهولين غير المعروفين!!.. لقد بلغ جدعون السر الذي قال عنه المسيح لتلاميذه بعد قرون طويلة، وهو يقيم ولداً صغيراً في الوسط، إذ رآهم يتشاجرون عمن يكون الأعظم،.. وقال: "لأن الأصغر فيكم جميعاً هو يكون عظيماً"..



الجبار المناضل

عندما جاءه الملاك، لم يجده مسترخياً في مكانه، أو نائماً في سريره بل جاءه في الوقت الذي كان فيه يخبط الحنطة، ويبدو أنها كانت كمية قليلة لا تحتاج إلى نورج، أو أنه لا يجد النورج بسهولة، فهو يقوم بالعمل مهما كلفه من جهد وتعب، كان الرجل بطبيعته مناضلاً متحركاً، وهو لهذا من النوع المحبوب لدى الله،.. إن الله لا يهتم بنوع العمل الذي تقوم به، ومقدار ما فيه من عظمة وجلال ومجد، بل يهمه أولاً وأخيراً أن تقوم بالعمل بأمانة وجد وإخلاص، مهما بدا العمل صغيراً أو حقيراً.. عندما طلب الله موسى، طلبه وهو يرعى أغنام حميه في مديان، وعندما طلبه داود كان داود وراء الأغنام في بيت لحم، وعندما وجد جدعون وجده وهو يخبط الحنطة،.. قم بعملك مهما كان صغيراً، ولا تنتظر مؤجلاً العمل حتى تصل إلى ظروف أسمى وأفضل، إن الله يأتي إليك حتى ولو كنت وراء قليل من الحنطة، تعمل في معصرة دون أن ينتبه إليك أحد. قيل عن رجل حكم عليه بالسجن مدى الحياة، وكان الرجل يهوى الموسيقى ولم يقل الرجل أن لا أمل في الخروج، بل كان في السجن يلحن ويدرس الموسيقى حتى أصبح من أعظم رجال الموسيقى في عصره، وخرج من السجن بالعفو ليجد نفسه يسمع الدنيا بأكملها موسيقاه،.. قد تكون سجين ظروف قاسية في سجن الفقر، أو الاضطهاد، أو المرض، أو التعب، أو العزلة، اعمل دون أن تستهين يوماً بالأمور الصغيرة، فإن أعظم أعمال الدنيا جاءت من أناس بدأوا صغاراً وعملوا!!..



جدعون والخطية المانعة

كان السؤال الذي وضعه جدعون أمام الملاك: هل تغير الله؟. ولماذا لا تظهر عجائبه التي سمعها من آبائه وأجداده؟؟ وكان عليه أن يعلم أن الله ليس عنده تغيير أو ظل دوران،.. وأن البشر هم الذين يتغيرون، ويكفي أن يلقى جدعون أقرب نظرة إليه، في بيته وعند أبيه ليرى كم كان التغيير مخيفاً ومؤلماً وبشعاً،.. لقد تفشت الوثنية في الشعب إلى درجة أن أباه أقام مذبحاً للبعل، ويعتقد البعض أن هذا المذبح كان لأبيه خاصة، ويرى آخرون بأنه كان لأبيه وللمدينة كلها، وما من شك بأن الله ضاق بهذا التحول عنه، وسلم الشعب للأعداء، وكان لا يمكن أن ينقذهم قبل أن يطهرهم من الفساد الذي وصلوا إليه، وهذا التطهير له الجانب السلبي في هدم مذبح البعل، والجانب الإيجابي في بناء مذبح الرب على رأس الحصن ليبقى مرتفعاً ومنظوراً من الجميع، وهناك تساؤل: هل قدم جدعون العجلين ذبيحة أو العجل الواحد؟؟ وأغلب الظن أنه قدم عن نفسه عجل أبيه، لكن الأهم كان العجل ابن السبع سنين، وهي سنو الفساد والاستعباد التي أدخلها المديانيون إلى حياتهم، وكانت الذبيحة هنا إشارة لهدم كل رابطة تربطهم بالوثنية السوداء التي عاشوا فيها!!..

عندما دخلت الخطية حياة الشعب دخل الخراب، فقد استولى المدينيون على كل شيء، وكانوا أشبه بالجراد الذي يأكل كل شيء ولا يترك وراءه إلا أرضاً جرداء بدون ثمر أو طعام. ودخل الحزن، وكثرت الضحايا، وسقط الشباب كالأعواد الزاهرة الذاوية، وقتل ذبح وصلمناع سبعين رجلاً هم إخوة جدعون الأشقاء، ودخل الفزع ليصنع فعله القاسي في حياة الناس، إذ لم يعد هناك أمان أو اطمئنان. وعندما جاء الملاك كان جدعون يخبط حنطته في خوف ورعب ليهرب بها من المديانيين.. وكان على جدعون قبل أن يحتج أو يصنع شيئاً أن يقول ما قاله إرميا في مراثيه فيما بعد: "لماذا يشتكي الإنسان الحي الرجل من قصاص خطاياه لنفحص طرقنا ونمتحنها ونرجع إلى الرب"..!!



جدعون والإيمان المسترد

كان العنصر الأساسي في حياة جدعون أن يتخلص من كل شك، وبعد أن يطهر نفسه والشعب يسترد إيمانه العظيم بالله، الإيمان الذي صنع العجائب العظيمة مع آبائه، ويمكن أن يصنعها أيضاً معه،.. وقبل الله ذبيحته الأولى، وقبل أن يعطيه البرهان في الجزة مرتين، مرة تمتليء بالطل والأرض جافة، والثانية عندما تجف والأرض كلها ممتلئة بالطل،.. وزاد الله بأن أسمعه حلم المدياني الذي تحدث عن رغيف الخبز من الشعير الذي قلب خيمته، والذي فسره الآخر بأنه سيف جدعون بن يوآش رجل إسرائيل..

كان بسكال الفيلسوف معجباً إلى الحد الكبير بجدعون بن يوآش، وهو صاحب ذلك الخيال الطريف، والذي ذكر فيه أن أم جدعون أخذت جزة ابنها، وصنعت منها صديرياً يلبسه على صدره كل حين، ويذكره على الدوام بإيمانه بالله، كلما تعرض هذا الإيمان لهزة من الهزات، وسار جدعون بإيمانه ليدخل ركب التاريخ وصفوف الأبطال، ويكتب اسمه في الرسالة إلى العبرانيين قبل أن يعوز الوقت الكاتب الذي جعله يمر بالكثيرين دون أن يذكر أسماءهم وأفعالهم العظيمة!!..

كان الفرق بين إيمان جدعون الأول وإيمانه الثاني: إن الإيمان الأول كان إيماناً إخبارياً نقل إليه من الكثيرين عما فعل الرب مع آبائه وأجداده في القديم، أما الإيمان الثاني، فهو الإيمان الاختباري الذي فيه تلاقى مباشرة مع الله واختبره، وهناك فرق عظيم، بين مجرد السمع، وبين الاختبار الفعلي، وبين أثر هذا وذاك في حياة الناس، ويكفي أن نرى الفرق بين إيمان أهل سوخار بسبب ما قالت المرأة السامرية لهم، وإيمانهم المباشر بعد لقاء المسيح المبارك معهم: "فأمن به من تلك المدينة كثيرون من السامريين بسبب كلام المرأة التي تشهد أنه قال لي كل ما فعلت، فلما جاء إليه السامريون سألوه أن يمكث عندهم فمكث هناك يومين فآمن به أكثر جداً بسبب كلامه وقالوا للمرأة إننا لسنا بعد بسبب كلامك نؤمن لأننا نحن قد سمعنا ونعلم أن هذا هو بالحقيقة المسيح مخلص العالم.



جدعون والمعركة الناجحة

ومع أن معركة جدعون كانت من أغرب المعارك التاريخية على وجه الأرض، إلا أنه يمكن أن نلاحظ عليها ما يلي:



استراتيچية القائد الأعلى

كان على الجنود أن يصرخوا "سيف للرب ولجدعون".. ولئن كان جدعون هو الأداة البشرية فإن الله هو القائد الأعلى، وهذا القائد لا يسير بمنطق الناس أو حكمتهم أو فهمهم البشري، بل إنه على العكس يقلب كل شيء ويجعله مضاداً للفكر البشري، والسر في ذلك كما قال هو: "لئلا يفتخر على إسرائيل قائلاً يدي خلصتني". ومن ثم فقد تقدم للحرب اثنان وثلاثون ألفاً، فوصل بهم الله إلى ثلاثمائة جندي، وحتى يقطع الطريق تماماً على كل ادعاء بشري، جرد الثلاثمائة جندي من كل سلاح يستخدم في المعارك ومن العجيب أن هذه استراتيچيته الثابتة في كل معارك الحياة، كلما أراد أن يصنع المعجزات، ويغير التاريخ، ويكفي أن نرى في كل العصور: "فانظروا دعوتكم أيها الإخوة أن ليس كثيرون حكماء حسب الجسد ليس كثيرون أقوياء ليس كثيرون شرفاء بل اختار الله جهال العالم ليخزى الحكماء، وأختار الله ضعفاء العالم ليخزي الأقوياء، واختار الله أدنياء العالم والمزدرى وغير الموجود ليبطل الموجود لكي لا يفتخر كل ذي جسد أمامه".. وهو إلى جانب هذا يرفض الأسلحة البشرية التقليدية،.. هل قرأت ذلك الخيال الطريف الذي تصوره أحدهم، إن المسيح في عودته إلى السماء، استقبلته الملائكة، وقال لقد أتممت الرسالة وتركتها وديعة في يد الذين سينشرونها في الأرض؟؟.. وسأل الملائكة: هل هم فلاسفة الأرض، وقال المسيح: كلا.. هل هم أغنياء الأرض.. وأجاب: كلا.. هل هم مجموعة من الجيوش الزاحفة في الأرض.. وقال المسيح: إنهم جماعة من الصيادين الفقراء الذين لا يملكون شيئاً، وإنما يحملون اسمي معهم في كل مكان!!.. أن أنظار الأصدقاء والأعداء تتجه في معركة جدعون إلى الله وإلى الله وحده!!..



استراتيچية الجندي الناجح

عندما صرخ الجنود، كانت صرختهم: "سيف للرب ولجدعون" ومع أن جدعون يستوي والعدم بالنسبة للمعركة، لكن وجوده ووجود جنوده أمر أساسي وجوهري في النصر، وبكل إجلال واحترام لله، نقول: إنه لا يصنع شيئاً في الأرض إلا إذا استخدم الأداة البشرية، لكن السؤال يأتي: من هم الذين يستخدمهم الله؟؟.. إن الله هنا يهتم بالنوع أكثر من العدد، لقد أعاد من المعركة الخائفين الذين ليس لهم قوة الإيمان وجسارته، وأدخل البقية الأخرى في الامتحان عند شرب الماء فالذي جثا على ركبتيه للشرب كان في جانب، والذي ولغ بيده كما يلغ الكلب كان في جانب آخر، وكان العدد الأخير ثلاثمائة، هم الذي دخلوا المعركة، أما الآخرون فسرحوا، ويعتقد كثيرون أنهم سرحوا لأن الانبطاح على الوجه، كان عادة الذين تعودوا الانبطاح أمام البعل في العادة، وهؤلاء مرفوضون أي لأنهم كانوا في السهل، وأعداؤهم كانوا في أعلى الجبل ويسهل أن يهاجموهم وهم على هذا الوضع، ولا يجوز لإنسان أن يدخل المعركة، ثم ينبطح على وجهه، أو لأنهم يريدون أن يشربوا ملء بطونهم، وليس لهم حركة الآخرين، وتأهبهم، الذين يرون فقط ظمأهم وهم مثل آبائهم الذين خرجوا من مصر وأحقاؤهم مشدودة، والأحذية في أرجلهم، لأنهم على استعداد للحركة السريعة!!.. أياً كان الفكر، فمما لا شك فيه أن "النوع" في الثلاثمائة هو الأفضل والأنشط والأكثر استعداداً وتأهباً للقتال!!..

من طريف ما يذكر أن أحد رجال الله قال لزميله الذي سأله عن الأحوال وأجاب الآخر: رائعة إذ أن الكنيسة في نهضة عظيمة، لقد شطبنا من عضويتها خمسين عضواً،.. وكانت هذه حقاً نهضة عظيمة، إذ أن الله يسر بالنوع أكثر من الكم، والثلاثمائة بغيرتهم وحركتهم وجسارتهم أفضل من ثلاثين ألفا أو يزيد من الخائفين أو الكسلة، أو المترددين أو المنبطحين على وجوههم!!..



استراتيچية الوسيلة البارعة

باغت جدعون الأعداء عندما تثقل نومهم في أول الهزيع الأوسط الذي يبدأ حسب النظام اليهودي من الساعة العاشرة إلى الثانية صباحاً، وطوقهم من ثلاث جهات، وهم يستيقظون على فرقعة الجرار المكسورة والأنوار المرتفعة، والأبواق الضاربة، فلا يعتقدون أن المهاجمين هم ثلاثمائة جندي بغير سلاح، بل هم جيوش جرارة تطوقهم من ثلاث جهات، وفي الفزع والرعب لا يعرف العدو من الصديق، وإذا بهم كل واحد يقتل جاره، لم يقاتل جدعون أجساد أعدائه، بل قاتل أذهانهم، وساعد بعضهم على إهلاك بعض!! وفي المعارك الروحية، نحن لسنا إلا جراراً فارغة يستخدمها الله أفضل استخدام، رغم تصدعها وضعفها، ولا قدرة لنا إلا أن نرفع أمام العالم الغارق في الظلام مشاعل النور والحق والخير والسلام،.. وليس لنا من سلاح إلا كلمة الله نبوق بها للناس، فإذا بعالم الخطية والفساد والشر يسقط تحت أقدامنا أسرع من البرق!!..

ترى هل نستطيع أن نستعيد الوسيلة القديمة البارعة، فلا نرى نفوسنا في معارك الحياة، سوى جرار فارغة تحمل مشعل النور العظيم للعالم، وبوق الكلمة الإلهية كصوت صارخ في البرية؟!!



جدعون والتجربة الزاحفة

وهذا آخر ما تنتهي به في قصة الرجل، لقد واجهته التجربة في قمة انتصاره فرفضها عندما طلب منه أن يكون ملكاً على الشعب، زمجرت التجربة في وجهه، ولكنه أبى أن يأخذ مكان الله وقال: "لا أتسلط أنا عليكم ولا يتسلط ابني، الرب يتسلط عليكم".. وتركه الشيطان إلى حين، ليداوره مرة أخرى، ولكن بأسلوب آخر لا كملك بل ككاهن، فصنع أفوداً وابتعد عن شيلوه، وكان ذلك فخاً له ولبيته ولشعب الله،.. إن جدعون يذكرنا على الدوام، بأنه لا يوجد فينا إنسان محصن ضد التجربة وأنه في الصغر والصبا والشباب والشيخوخة، نحن في حاجة إلى أن نصرخ: "اختبرني يا الله واعرف قلبي، امتحني واعرف أفكاري وانظر إن كان في طريق باطل واهدني طريقاً أبدياً"..

هل صرخ جدعون هذه الصرخة أو مثلها؟؟.. وهل تاب عنها؟؟.. نحن نشكر الله الذي لم يحرمنا من الرجاء فيه أو في شمشون من بعده، عندما نقرأ الكلمات الإلهية ونراه من أبطال الإيمان في الرسالة إلى العبرانيين القائلة: "وماذا أقول أيضاً لأنه يعوزني الوقت إن أخبرت عن جدعون وباراق وشمشمون ويفتاح وداود وصموئيل والأنبياء!!..".. شكراً لأجل النعمة التي أنقذت جدعون.. وأنقذت شمشون أيضاً!!..

elraiek G
09-16-2010, 05:53 PM
( 19 )

شمشون

"دعا شمشون الرب وقال يا سيدي الرب اذكرني"

(قض 16: 28)






مقدمة

لست أظن أن هناك قصصاً كثيرة، يمكن أن تتحدث عن بطش الخطية وقسوتها وطغيانها، كم تتحدث قصة شمشون الجبار،.. هل لك أن تحدثني عن الشاب الذي التقى في كروم تمنة بشبل أسد يزمجر، ورفض الاثنان أن يفسح أحدهما الطريق للآخر، وانقض الشاب على الأسد ومزقه كشق الجدي وليس في يديه شيء.. وعاد بعد أيام ليرى دبراً من النحل في جوف الأسر مع عسل، فاشتار منه على كفيه، وأكل، وأعطى أبويه معه فأكلا؟؟!! وهل رأيت نفس الشاب وقد أنامته امرأة على ركبتيها، وكان موسى الحلاقة الناعمة أشد فتكاً من أنياب الأسر،.. وذهب العهد الذي يربطه بمصدر قوته، فقلعت عيناه، وربط بسلاسل نحاس، وكان يطحن في بيت السجن؟؟! وهل رأيت شمشمون الأعمى، وقد طحنه الألم، فثاب إلى رشده، وابتدأ شعر رأسه ينبت، وعاد إلى مصدر عهده وقوته؟؟، وهل رأيت النعمة تأخذه في حضنها الأبدي، وهو يصلي أن يغفر الله له، ويذكره؟؟.. وهل رأيت كاتب الرسالة إلى العبرانيين، وهو يكشف عن رحمة الله العظمى، وهي تضم شمشون إلى قائمة أبطال الإيمان في الأصحاح الحادي العشر عن الرسالة؟؟.. أن قصة شمشون تحمل في الواقع أرهب تحذير وأرق نداء، ولعلنا بعد ذلك يمكن أن نراها من الجوانب التالية:



شمشون.. من هو؟؟!!

دعته أمه شمشون والكلمة عند البعض: شمس وعند آخرين "مشمس" وهي في تصور يوسيفوس تعني "القوة" وربطها البعض بالكلمة شماس، وتعني الخدمة، وهي في المعنى الغالب تفيد النور القوى المبهج، ولد من عائلة من أعظم العائلات في عصرها، كان أبوه -كما يقول يوسيفوس- أعظم رجل في عصره، كان تقياً مقدساً رقيق المشاعر،.. وكانت أمه امرأة عظيمة، ربما تفوقت في إدراكها وتقواها عن أبيه.. ويمكن أن نراه من نواح متعددة الشخص المشمس المنير،.. إنه المنير في ذاته يبدو عندما ولد صحيح البنية جميل الطلعة، وقد أخذ شعره ينساب على كتفيه مع الأيام، ويبدو أنه كان شديد العناية بشعره إذ جعله سبع خصل، وفي هذا كله كان أدنى إلى الشمس الساطعة، فإذا أضفنا إلى ذلك روحه المرحة الحلوة، إذ لم يكن مظلم الوجه، كئيب النفس، بل هو الإنسان المرح، صاحب الفكاهة الحلوة، والأحجية البهة، واللغز الطروب، ولعلك تستطيع ملاحظة هذا كله من أقواله وأفعاله، فهو يحاج أصحابه أحجية، وهو يحرق الأكداس والزرع والكروم بأسلوب مضحك، فهو يجمع ثلاثمائة ابن آوي ويربط كل ذيلين معاً، مع مشعل في وسطهما، وإذا بالثعالب تجري على نحو غريب مضحك، والنار من المشاعل تحرق كل شيء،.. وهو يدخل إلى غزة ويجد الكمين يريد أن يحاصره في المدينة، فإذا به يقلع مصراعي باب المدينة والقائمتين والعارضة، ويحمل الكل على كتفيه ويصعد الجبل مقابل حبرون.. كان صاحب القلب المرح والفم الضحوك،.. وهو المنير في بيته، كانت أمه عاقراً، وكانت تحن إلى ولد، وجاءها رجل، وكان منظره كمنظر ملاك الله مرهب جداً، وتحدث إليها عن الولد المرتقب،.. ومنعها من أن تشرب خمراً أو مسكراً أو تأكل نجساً، لأن الولد سيكون نذيراً للرب من بطن أمه،.. ولم تكن المرأة في حاجة إلى خمر، لأن الخبر في حد ذاته أسكرها وأسكر زوجها، وكان الولد نور البيت المتلأليء المشرق، والأولاد في العادة نور البيوت، فكيف بهم إذا كانوا على النحو الخارق الذي كان عليه شمشون.. وهو المنير في أمته، إذ كان بطل الأمة وملاؤها، تتجه إليه في لحظة من أدق اللحظات عندما خيمت الظلمة والضيق والتعاسة على شعبه وبلاده من اضطهاد الفلسطينيين في ذلك الوقت!!.. وهو المنير في عصره، إذ كان المرهب المخيف، الذي يثير بعضلاته المفتولة، وقوته الخارقة الأصدقاء والأعداء على حد سواء،.. وهل يكون الأمر غير ذلك، والناس إلى الآن في القرن العشرين، تقيم المباريات المحمومة بين المصارعين والملاكمين وأبطال كمال الأجسام، وتجزل لهم العطاء، وتنقل الأقمار الصناعية مبارياتهم، إلى عالم مشدوه ذاهل يكاد يتوقف عن العمل وهو يراقب صراعهم، وملاكماتهم، وألعابهم؟!!.. هذا هو شمشون إذا شئنا أن نتعرف على شخصيته وطبيعته!!..



شمشون وشعره

ولا يستطيع الإنسان أن يعرف قصة شمشون على حقيقتها، ما لم يقف عند هذا الشعر العجيب الذي كان ينسدل على كتفيه، والذي طال، ووزعه شمشون إلى سبع خصل، وكان هذا الشعر أشبه بعرف الأسد حول الرجل الجبار، كان رمز العهد أو المعاهدة التي تربطه بالله من بطن أمه،.. فلنقف قليلاً من هذه المعاهدة أو العهد لنرى معناه ومغزاه.. إنه أولاً: العهد السري بينه وبين الله الذي أفرزه من بطن أمه، كان عهد النذير،.. ولم يكن أحد غير أمه وأبيه يعرف مغزى العهد ومعناه، وعندما أدرك الصبي الأمور، عرفته أمه بهذا السر،.. وطوى الشاب السر في صدره، وبقى مكتوماً، حتى عرفته امرأة، وخرج السر من مكمنه الذي كان لا ينبغي أن يخرج منه!!.. وكل مؤمن في الحياة لابد له من شركة سرية مع الله،.. إذ لابد له من علاقة سرية مع خالقه وسيده وفاديه، ولا يمكن أن يكون المؤمن مؤمناً حقاً، دون هذه العلاقة العميقة القوية المباركة،.. إن الفرق بين إنسان العالم وإنسان الله، هو أن إنسان العالم يعيش دائماً في الدار الخارجية، ليست له الحياة أو الشركة أو الرؤى الإلهية، لكن إنسان الله هو الذي يدخل إلى القدس، وإلى قدس الأقداس، وهو الذي يقول في السريرة تعرفني حكمة، وهو الذي يرى ما لا يرى، أو بتعبير أعلى وأسمى: من لا يرى،.. وهو الإنسان الذي ليس له البصر فحسب، بل البصيرة أيضاً،.. وهو أيضاً العهد الأسمى، الذي لا يدانيه عهد، إذ أنه في شعر الرأس، أعلى ما في الإنسان، وموضع الاحترام والتوقير وأي عهد يربطنا بالله لابد أن يأخذ أعلى مكان فينا، ولا يجمل أن نضعه في منطقة أقل، أو أسفل حياتنا وأقدامنا،.. قال واحد من أعظم رجال الموسيقى في التاريخ: إن أية حياة لا يكتب الإنسان في أعلاها "الله" هي حياة فاشلة ضائعة.. والعهد إلى جانب ذلك -كان العهد الظاهر، فهو ليس مجرد العهد السري بين الإنسان وسيده، بل هو الظاهر في أجمل ما يكون المظهر،.. ولم يكن في شمشون ما يلفت النظر أكثر من شعره، وكان الشعر رمز النذر والتكريس، والتكريس- ولو أن أساسه خفي- إلا أن مظهره واضح للجميع، في الحياة الخالصة الكاملة لله أمام الجميع، ولا يجمل بالمؤمن أن يدعي حياة التكريس بمجرد العلاقة الخفية التي تربطه بالله، بل إن هذه الحياة في عمقها وجلالها ومجدها وعظمتها تظهر من انعكاس أثرها في الحياة أمام الناس.. ألم يقل السيد: "فإذا من ثمارهم تعرفونهم؟".. وكان العهد أيضاً عهد القوة، إذ لم تكن قوة شمشون قوة أصيلة، بل هي قوة مكتسبة، وطالما أن العهد يقوم بينه وبين الرب، فهو أشبه بالكهرباء، يسري تيارها طالما يبقى السلك قائماً بين المصدر والاستهلاك، فإذا انفصل الاستهلاك عن المصدر لأي سبب، فإن السيال الكهربائي يتوقف في نفس الثانية التي يحدث فيها الانفصال،.. وكل قوتنا من نبع القوة الإلهية، التي تصنع من الضعيف بطلاً، ومن العاجز أعجوبة، ومن القزم عملاقاً!!..

كان العهد عهد الحماية، إذ لا قوة على الأرض تغلب إنساناً ارتبط بعهده مع الله.. فإذا زمجر أسد في الطريق، وكان الصدام محتوماً، فإن روح الرب يدخل فينا، يحل علينا، وإذا بنا أقوى من كل أسود الدنيا، وإذا وقفنا في معركة مع ألف رجل، ونحن موثقون بالكثير من الحبال المقيدة، فإن لحي حمار طري يمكن أن نصرع به الألف، وحتى لا نجرب بأنها قوتنا الأصيلة، فنحن على شفا الموت ظمأ، حتى يأتي الينبوع من اللحي، ونشرب وننتعش، وترجع روحنا إلينا،.. إن حمايتنا من الله، وطالما العهد بيننا وبين الله،.. فماذا نقول لهذا؟.. إن كان الله معنا فمن علينا!!.. أجل “لولا الرب الذي كان لنا ليقل إسرائيل لولا الرب الذي كان لنا عندما قام الناس علينا إذاً لابتلعونا أحياء عند احتماء غضبهم علينا إذا لجرفتنا المياه، لعبر السيل على أنفسنا إذاً لعبرت على أنفسنا المياه الطامية، مبارك الرب الذي لم يسلمنا فريسة لأسنانهم، انفلتت أنفسنا مثل العصفور من فخ الصيادين، الفخ انكسر ونحن انفلتنا عوننا باسم الرب الصانع السموات والأرض!!.. والعهد آخر الأمر إذا انقضى. لا يمكن أن ينقضي من جانب الله،.. ونحن نتعجب في قصة شمشون كيف كان صبر الله عجيباً على ضعفه، ورغم الأخطاء والخطايا المتعددة؟! بقى الله معه، إلى أن غدر هو بالعهد وانفصل عنه!!.. وهي حقيقة واقعة في حياة المؤمنين في كافة الأجيال والعصور، إن نقض العهد لا يمكن أن يأتي على الإطلاق من جانب الله، إذ وإن كنا غير أمناء فهو يبقى أميناً لا يقدر أن ينكر نفسه!!..



شمشون وتجربته

ولعله من اللازم أن نلاحظ كيف جرب هذا الرجل على النحو الذي قاده إلى السقوط الرهيب:



حياة اللهو والمرح

كان شمشون في الأساس شاباً ضحوكاً بشوشاً، يميل إلى المرح واللعب والحفلات والألغاز والأحاجي، لم يكن من النوع الانطوائي، المنعزل، المتباعد عن الجماهير، ومع أن هذه الحياة قد تكون في الكثير من الأحايين نعمة كبرى، إلا أنها مرات كثيرة، ما تكون طريقاً قاسياً إلى التجربة، يتحول فيها المرح إلى الهزل، والأحجية إلى ال****، وال**** إلى السخرية، والسخرية إلى البذاءة في اللفظ أو الفعل،.. وكثرة الكلام لا تخلو من المعصية، فبالأولى إذ تحول الكلام إلى مجلس المستهزئين: "طوبى للرجل الذي لم يسلك في مشورة الأشرار وفي طريق الخطاة لم يقف، وفي مجلس المستهزئين لم يجلس". ومن المؤسف أن الكثيرين من المرحين لا يعرفون نقطة التوقف، وقد قال أحدهم: كان مودي مرحاً ولكنه كان تقياً،.. وكلما تعمق الإنسان في الشركة مع الله، وكلما تعمق في حياة التقوى، كلما عرف نقطة التوقف، التي لا تخرجه عن حياة التقوى والقداسة التي بدونها لن يرى أحد الرب!!..



المصاهرة الغريبة

كانت هذه المصاهرة الغريبة شركاً مزدوجاً إذ كانت شركاً للفلسطينيين، وشركاً لشمشون،.. كانت شركاً للفلسطينيين إذ كانت نقطة الاحتكاك مع شمشون، الاحتكاك الذي سار به إلى سلسلة من المعارك معهم،.. لكنها كانت للأسف شركاً لشمشون ذاته، إذ كانت الفتاة وثنية ومن أعدائه،.. ومن المؤكد أن الفتاة كانت لمنوح وزوجته ما كانت يهوديت ابنة بيري الحثي وبسمة ابنة إيلون الحثي اللتين كانتا مرارة نفس لاسحق ورفقة، وقد لاحق هذا الزواج من البداءة، ما لاحق من متابع لشمشون نفسه، الأمر الذي أدى إلى صراعه مع الفلسطينيين وحرقها وأباها بالنار،.. ومن ثم فمن الحقيقي أن نبارك الأبناء الذي يولدون لآبائهم في الرب!!.. ومن الحقيقي أن نباركهم يوم يأتون لآبائهم، قائلين قد اخترنا الفتاة المؤمنة الشريكة لنا في حياة الإيمان، وحب الله، وخدمته، ومجده في الأرض!!.. يومئذ سيحمد الآباء الرب ويشكرون فضله الذي هدى أبناءهم إلى هذا الاختيار، ولم يسمح لهم أن يقعوا في شرك الوثنيات الجميلات أو الغنيات أو المثقفات، ما دمن في الجمال أو الغنى أو الثقافة، لا يعرفن الرب أو حياة الإيمان المقدسة، التي يقال معها: إن ما جمعه الرب لا يفرقه إنسان!!.. ولا شبهة في أن فتاة تمنة كانت أبعد الكل عن هذه الحياة!!..



عدم الابتعاد عن التجربة

ويبدو هنا أن شمشون مثلاً مخجلاً ومخيفاً، لهذه الحقيقة، فهو يذهب إلى الزانية في غزة، وهو يحب دليلة في وادي سورق، وهو يقبل أن ينام على ركبتيها بشعره المقدس، وهو يراها تضع له الكمين تلو الكمين، وهو يلهو معها بهذا العبث الغريب: بماذا قوتك العظيمة، وبماذا توثق لإذلالك" وهو يسمح لها أن تربطه بسبعة أوتار طرية، أو بسبعة حبال جديدة، أو تربط خصل شعره السبع بوتد النسيج والسدى، إلى أن يتحدث -وقد ضاق بعبثها- بسره الكامل الذي لم يعرفه أحد سوى أبويه العجوزين، اللذين كانا وعلى ما هو واضح من الرواية الكتابية -قد ماتا، ولا يعلم سره أحد من الناس إلى أن عرفته دليلة الزانية الفلسطينية،..

وهنا لابد لنا من وقفة تأمل، كيف استمر الرجل عشرين عاماً ينتقل في شراك التجربة، ومع ذلك فهو قاض الأمة. وقائدها، ومعلمها؟؟ وكيف يتركه الله، مثل هذا الوقت الطويل وكيف يصبر عليه، وكيف يساعده، رغم هذا الانهيار الأخلاقي الرهيب عنده؟!! من المؤكد أن الله أرسل إليه أصواتاً كثيرة محذرة، ومن المتصور أن شمشون كانت له نوبات وقتية يعود بها إلى حالة من السوء والخطية،.. ونحن لا نستطيع أن نرميه بالأحجار، ونحن نذكر صبر الله العجيب والعظيم. ربما عشرين سنة أو أكثر من حياتنا، وهو ينبهنا، ويبكتنا، ويتحدث إلينا عن مركزنا وعن العار الذي نسببه لأنفسنا، ولمجده، ونحن نرجع إلى ضعفنا، وقصورنا، وكثيراً ما يأتي التوبيخ لنا حتى من أهل العالم، كما وبخ أبيمالك إبراهيم من أجل سارة وهو يقول له: "ماذا فعلت بنا وبماذا أخطأت إليك حتى جلبت عليَّ وعلى مملكتي خطية عظيمة أعمالاً لا تعمل عملت بي".. على أي حال، لقد صبر الله على شمشون عشرين سنة بأكملها، قبل أن يدخله في أتون العذاب، أو في أشد الضيقات والمتاعب، وكأنما يقول له: "أم تستهين بغنى لطفه وإمهاله وطول أناته غير عالم أن لطف الله إنما يقتادك إلى التوبة"..

إن مأساة هذا الرجل أنه كان واثقاً بنفسه أكثر مما ينبغي، وهو لم يتعلم الحكمة التي سمعها لوط: "اهرب لحياتك" أو حكمة يوسف عندما ترك ثوبه وهرب خارجاً من نطاق التجربة وهو يصيح: كيف أصنع هذا الشر العظيم وأخطيء إلى الله!!..



شمشون وسقوطه

إن قصة سقوط هذا الرجل درس ينبغي أن يلقنه كل جيل للجيل الذي يأتي بعده، لقد واجه الرجل أسدين، أولهما منظور والثاني خفي، أما الأول فقد جاءه في كروم تمنة في صدر الشباب، وكان شمشون قوياً ببراءته ونقاوته وطهارة شبابه، فحل عليه روح الرب، فشق الأسد كشق جدي ولم يكن معه شيء،.. أما الثاني فقد جاء مختفياً وراء امرأة: "لأن إبليس خصمكم كأسد زائر يجول ملتمساً من يبتلعه هو".. جاءه الأول وهو في كمال يقظته، فانتصر عليه، وجاءه الثاني، وهو نائم على ركبتي امرأة فقضى عليه، جاءه الأول بمخالب وأنياب رهيبة، ومع ذلك فقد تمكن منه وصرعه،.. وجاءه الثاني- ومن عجب أن موسي الحلاقة الناعمة كانت هذه المرة أرهب وأشد فتكاً من المخالب والأنياب، فانتهت قوته على ركبة المرأة. في الصراع المنظور تستطيع أن تعلم من أين يأتي الهجوم، وبأي أسلوب يكون، وتعرف كيف تواجهه مهما كانت شدته، والله معك،.. أما في الآخر، فإنك تدخل في صراع رهيب غير منظور، لا تعلم فيه عدد أعدائك، ومن هم، ومن نقط الوثوب التي يريدون أن يثبوا عليك منها: "فإن مصارعتنا ليست مع لحم ودم بل مع الرؤساء مع السلاطين مع ولاة العالم على ظلمة هذا الدهر مع أجناد الشر الروحية في السماويات من أجل ذلك احملوا سلاح الله الكامل لكي تقدروا أن تقاوموا في اليوم الشرير وبعد أن تتموا كل شيء أن تثبتوا".. هل سمعت أو قرأت عن ذلك الراهب الذي كان يهتم بخدمة بلده في أعلى الجبل، وكان أميناً قوياً متعففاً في الخدمة، وأراد الشيطان أن يمنعه؟. تصارع الاثنان، ووعده الشيطان إذا أمكنه أن يهزمه، فإنه سيقدم له دجاجة في كل يوم، واستطاع الراهب أن يسقط الشيطان تحته، وقام الشيطان ليوفي بوعده، وكان يقدم له فعلاً كل يوم دجاجة يأكلها، ولاحظ الراهب أن الشيطان قدم له أول دجاجة وكانت ممتلئة من اللحم والدسم، ثم لم يلبث أن أخذ حجم الدجاجة ووزنها يتناقص يوماً بعد آخر، حتى جاء يوم لم يقدم الشيطان للراهب سوى قليل من المرق، بعد أن شربه، دخل في عراك مع الشيطان، وتعجب الراهب، إذ سرعان ما سقط تحت قدمي الشيطان فريسة سهلة ميسورة، بعد أن استطعم الدجاج ومرقة!!.. وكم من الناس بدأوا أسوداً يشقون التجارب والإغراءات والصعاب، كشق جدي!! لكنهم على ركبتي امرأة أو أمام مال، أو جاه، أو وظيفة، تأتي موسي الحلاقة على عهد النذير، وتقطع علاقته العظيمة بالله، فيسقط سقوط العملاق الجبار، ويكون سقوطه، كما قال السيد المسيح، عظيماً!!..



شمشون ومأساته

انتهى الرجل الضحوك إلى المأساة الغارقة، ولا أعلم كم بكى، أو كم حزن على ما فقد، ولكني أعلم أنه فقد الكثير:



فقد الرب

وهي أكبر كارثة ألمت به، وأقسى ما فيها أنه لم يعلم أن الرب فارقه!!.. لقد كان الشعر هو الرابط الدائم الذي يربطه بإلهه، ومد يده إلى رأسه الزلحاء، ولم يجد شعرة واحدة هناك،.. لقد حملت دليلة الشعر في حجرها وهكذا ضاعت معاهدته مع الله، وجاء نقض المعاهدة من جانبه، وهيهات أن يأتي من جانب الله،.. وفقد بمفارقة الرب كل شيء، وانتفض وهو يظن أنه ينتفض بعضلات الأمس القوية، ولكن شمشون ضاع، لأنه أضاع شركته مع الله!!.. وليس هناك ما يعدل في الحياة ضياع إنسان يسير بغير الله في العالم!!.. ألم يصح قايين: "إنك قد طردتني اليوم من وجه الأرض ومن وجهك أختفي وأكون تائهاً وهارباً في الأرض؟!!.. وألم يقل موسى: “إن لم يسر وجهك فلا تصعدنا من ههنا فإنه بماذا يعلم أني وجدت نعمة في عينيك أنا وشعبك أليس بمسيرك معنا نمتاز أنا وشعبك عن جميع الشعوب الذين على وجه الأرض”؟!.. وألم يصرخ داود: "لا تطرحني من قدام وجهك وروحك القدوس لا تنزعه مني"؟!!.. عندما يفقد الإنسان ربه سيصيح صيحة شاول بن قيس اليائسة: "وقد ضاق بي الأمر جداً، الفلسطينيون يحاربونني والرب فارقني ولم يعد يجيبني لا بالأنبياء ولا بالأحلام، فدعوتك لكي تعلمني ماذا أصنع فقال صموئيل ولماذا تسألني والرب قد فارقك وصار عدوك"؟!!..



فقد القوة

كانت قوة شمشون محفوفة بالخطر على الدوام، لست أعلم لماذا زمجر شبل الأسد في وجهه عند اللقاء في كروم تمنة، وماذا فهم شمشون من هذه الزمجرة، هل أراد كلاهما -وهما في أول طريق الحياة- أن يختبرا كل قوته، وها هي الفرصة الأولى أمام شبل الأسد ليعلم ماذا تستطيع عضلاته الفولاذية أن تعمل، ومن الواضح أنه بهذه الزمجرة كان هو الباديء في الهجوم، أو كما صوره أحدهم كما لو أنه يقول لشمشون: أفسح الطريق، فهو طريقي، ولا يمكن أن تمر فيه إلا فوق جثتي، وقال شمشون للأسد:.. لا.. إن الطريق طريقي أنا، وأنت المعترض بدون وجه حق، وسأجعل منك لغزاً يروى، وقصة، وأحجية تمتحن بها أذهان الناس،.. كان اللقاء الرهيب بين الاثنين بمثابة الامتحان الحقيقي لكليهما من أول الطريق، وحل روح الرب على شمشون فشقه شق جدي وليس معه شيء!!.. على أننا نستطيع أن نفسر الزمجرة بصورة أخرى: هل كان شبل الأسد وكأنما يتحدث إلى شمشون أن ورطة الطريق التي ينهجها من أول خطى حياته كقائد لأمة، كان شمشون في كامل نشوته بين كروم تمنة، وهو ذاهب ليخطب لنفسه فتاة فلسطينية، وكان يسير في الطليعة، وخلفه أبوه وأمه على مساندة بعيدة إلى الوراء، وكانت مهمة خطبة الفتاة ثقيلة على الأبوين لاختلاف الدين، والمذاهب، والمشارب، ولكنهما إزاء إلحاح ابنهما سارا وراءه، فزمجر شبل الأسد، وكأنما يريد أن ينبه شمشون إلى وعورة الطريق، وخطورته،.. علي أي حال لم يفهم شمشون شيئاً من هذا، وقامت المعركة، واندفع في الطريق الموروط، ليلتقي بعد عشرين عاماً مع الأسد غير المنظور الذي فتك به، ولم يجعله إنساناً عادياً فحسب، بل سخرية الناس في كل جيل وعصر،.. وخسر شمشون شهرته التقليدية كبطل العصور كلها في القوة البدنية، على أي حال إنه من الواضح دائماً أن الخطية قتلاها أقوياء، وهي النزيف المستمر لقوة الإنسان في الأرض مهما كان لون هذه القوة في البدن أو الذهن، أو العاطفة، أو الإرادة، وسيتبين الإنسان عندما ينتفض، أن قوته ضاعت دون أن يعلم!!.



فقد البصر

قلع الفلسطينيون عينيه. وما من شك بأنه صرخ صراخاً مراً، وهم يقلعون العينين، وفي الحقيقة لو أن هاتين العينيين قلعتا من البداءة لما حدث معه ما حدث،.. إن هناك علاقة بين البصر والبصيرة في الإنسان، فإذا انفتح البصر على منظر شهوة ملوثة، أغلقت البصيرة، والعكس صحيح، إذ عندما تفتح البصرية يغض المرء طرفه خشية وخوفاً وفزعاً،.. لم يدرك شمشون هذه الحقيقة، ففتحت عيناه على المحرمات، وكان لابد لهاتين العينين أن تنتهيا إلى ما وصلت إليه، وهو يدور في الظلام، يطلب من الغلام الذي يجره أن يدله على موضع العمودين في معبد الفلسطينيين الذي سيق له ليلعب هناك، إمعاناً في الإيذاء والإذلال، -والخطية دائاً تقلع عيني صاحبها، وتقتل الرؤية الصحيحة لأنها تغشى البصيرة،.. ومن ثم فإن أول علاقات التجديد هي أن يقول الإنسان: "كنت أعمى والآن أبصر".. "لتفتح عيونهم كي يرجعوا من ظلمات إلى نور، ومن سلطان الشيطان إلى الله حتى ينالوا بالإيمان بي غفران الخطايا ونصيباً مع المقدسين".. كانت مأساة شمشون أنه فقد البصيرة من الابتداء، ففقد البصر في النهاية!!..



فقد الحرية

ربط بسلاسل نحاس، وقادوه إلى بيت السجن، وهناك سجن، ومن الغريب أنه لم يكن يعلم أن هذه السلاسل من النحاس، بدأت أول الأمر من حرير، وأنها كانت تلتف حول جسده يوماً بعد يوم وهو لا يعلم، كان يهزأ بكل سلاسل، أليس هو الرجل الذي يستطيع -وقد قيد بالحبال الطرية أو الأوتار القوية- أن يحطمها كما لو كانت خيوطاً ناعمة شمتها النار، إنه لم يعرف ما قاله إشعياء، فيما بعد، ويل للجاذبين الإثم بحبال البطل، والخطية كأنه يربط العجلة- سمح الشاب للحية الرقطاء أن تلتف حوله، وهو يعتقد أنه يستطيع أن ينتصر عليها، ولم يدر أنها ستضغط عليه لتحطمه تحطيماً،.. كان شمشون القوي حراً يذهب كيفما يشاء ومتى يشاء، لكنه انتهى إلى الإنسان الأسير مقلوع العينين في سجن غزة!!.. وكان في هذه الحالة جداً بعيداً لأولئك الذين قالوا للمسيح: "إننا ذرية إبراهيم ولم نستعبد لأحد قط، كيف تقول أنت أنكم تصيرون أحراراً، أجابهم يسوع الحق الحق أقول لكم إن كل من يعمل الخطية هو عبد للخطية والعبد لا يبقى في البيت إلى الأبد أما الابن فيبقى إلى الأبد، فإن حرركم الابن فبالحقيقة تكونون أحراراً".. كان الاسكندر سيد العالم وعبد الخمر، وانتصر نلسون في ووترلو وكان عبد الشهوة الآثمة،.. وكم يعيش أبطال العالم من كل لون، داخل سجن غزة مع شمشون البطل، وهم يعلمون أو لا يعلمون!!..



فقد المركز

إذ هوى من المجد إلى الحضيض، من قائد الأمة إلى الطحن في السجن، إلى أحط عمل، وكان عقوبة المجرمين أو العبيد، أو العمل الذي يترك للإماء الأجيرات، وأي هوان أشد من هذا الهوان؟! وأي عار أقسى من هذا العار؟!.. ولكنها القصة الدائمة للخطية، والتي بدأها الشيطان بنفسه، إذ هوى من مركزه التليد عندما ترك رياسته، وأراد أن يأخذ مكاناً آخر، مكان الله في كبرياء قلبه،.. وهناك المفسرون الذين يبدأون به، وهم يرونه في شخص ملك بابل الذي تعالى وارتفع، في نبوة إشعياء، وسواء كان إشعياء يقصد الشيطان نفسه أو يقصد ملك بابل، أو يقصد أي إنسان آخر، تسقطه الخطية من مركزه المنيع، وهو يقول: "كيف سقطت من السماء يا زهرة بنت الصبح كيف قطعت إلى الأرض يا قاهر الأمم".. فمما لا شك فيه أن الخطية أسقطت شمشون كالزهرة من السماء، من مركزه العظيم التليد لينتهي به المطاف إلى عمل طحان في سجن غزة!!..



شمشون وتوبته

والذي لا شبهة فيه، هذه التوبة الأخيرة للجبار العظيم!!.. ما هي عناصرها وكيف حدثت وبماذا أثرت وأنتجت؟!!..



توبة الألم

وكان هذا الألم لازماً وضرورياً، لكي يتبين سخط الله وغضبه، وإن ابتداء القضاء من بيت الله،... وحتى لا يتوهم أحد أحد أن الله يمكن أن يهادن الخطية أو يسكت على مرتكبيها، كائناً من يكون، وعلى أي وجه تأتي،.. لم يكن الفلسطينيون هم الذين دفعوا شمشون إلى سجن غزة، بل كان الله، وما من شك أن المدينة التي شهدت تبذله وفجوره، لابد أن تكون مكان سجنه أيضاً،.. هذا هو قضاء الله العادل، لأن ما يزرعه الإنسان إياه يحصد أيضاً!!.. على أن الله في الوقت عينه جعل الألم رسول الرحمة للإنسان البائس،.. وكم يجعل الله الباب الضيق طريقاً إلى الحياة الأبدية: "وأضيق عليهم لكي يشعروا".. ومع أن الألم في حد ذاته رسول قاس صعب مرهب، لكنه مرات متعددة ما يكون الرسول المناسب للإنسان الموغل في آثامه وخطاياه،.. وقد قيل عن منسى الملك القديم: "فلما تضايق طلب وجه الرب إلهه".. لم تكن هي إذاً قسوة الله، بل هي رحمته الكاملة في غطاء قاس، أو هي لب ولبن جوزة الهند المغطى بالغطاء الخشن الصعب القاسي!!..



توبة التأمل

لم يعرف شمشون التأمل وهو على حجر دليلة، ولم يعرفه في ليالي عزه الآثمة،. ولكنه وهو في السجن مقلوع العينين ضعيف القوة يطحن في مذلة ومهانة، فتحت بصيرته على الانحراف الرهيب الذي وصل إليه، وأغلب الظن أن الحياة وقد أضحت ليلاً دائما أمام عينيه، كان يقول لنفسه إنها رحمة من الله أن يصل به إلى هذا الحد من المعاملة،.. إنه بالحري لا يستحق أدنى رحمة،. وقد جعل مجد الله في الحضيض وحق الله في الرغام، وقداسة الله أضحوكة الساخرين، إنه الآن يشكر الله على الظلمة الضاربة حوله، لأنها هي التي فتحت عينيه على العالم الآخر!!..



توبة العهد الراجع

أخذ يتحسس شعره، وفي كل يوم يتزايد الشعر، يعود عهده إلى قلبه وذهنه، وهو يسأل الله: هل تعود وتقبل ابنك الضائْع؟؟ وهل يمكن وقد نفضت العهد أن تسترد مرة أخرى لي؟!!.. هل استطاع بصورة ما أن يغني هذه الأغنية:

كما أنا وقد نقضت عهدك

جهلاً بحبك أهنت مجدك

الآن كي لك أكون وحدك

آتي أنا يا حمل الله الوديع



توبة المصلي

على أي حال لقد مات والصلاة على شفتيه، وهي صلاة رائعة عظيمة.. لقد قال الله: إنه مات فعلاً عندما خرج عن الخط الإلهي، وهو يريد أن يسترد هذه الحياة، وهو لا يستطيع أن يستردها في العالم الحاضر بعد أن ضيع كل شيء ولكنه يريد أن يصنع خدمة لله بخروجه إليه معوضاً ما فاته من الخدمة والسنين التي أكلها الجراد -وآمن شمشون برحمة الله الواسعة، وصرخ: اذكرني يا سيدي الرب!! وأنت أيها الخاطيء، هل تستطيع أن تصرخ، وأنت شمشون آخر، لتقول لله: اذكرني يا سيدي الرب: "ما الفائدة من دمي إذا نزلت إلى القبر هل يحمدك التراب، هل يخبر بحقك، استمع يا رب وارحمني، يا رب كن معيناً لي، حولت نوحي إلى رقص، حللت مسحي ومنطتقني فرحاً لكي تترنم لك روحي ولا تسكت، يا رب إلهي إلى الأبد أحمدك!!".. "لا تشمتي بي يا عدوتي، إذا سقطت أقوم، إذا جلست في الظلمة فالرب نور لي أحتمل غضب الرب لأني أخطأت إليه حتى يقيم دعواي، ويجري حقي "سيخرجني إلى النور، سأنظر بره، وترى عدوتي فيغطيها الخزي القائلة لي أين الرب إلهك، عيناي ستنظران إليها. الآن تصير للدرس كطين الأزقة"..

وإذا كان الله قد أجاب شمشون، ورحم من لا يستحق الرحمة، فإنه بكل تأكيد سيرحمك لأنه يسر بالرأفة ويكثر الغفران!!..

elraiek G
09-16-2010, 05:54 PM
يتبع.....

elraiek G
09-16-2010, 05:57 PM
( 20 )

عالي الكاهن

"وهذه لك علامة تأتي على ابنيك حفني وفينحاس

في يوم واحد يموتان كلاهما"

(1صم 2: 34)

مقدمة

في الحياة كثير من العلامات، يقرؤها الإنسان دون أن تكتب بقلم أو حبر،. كانت أول علامة عرفها الإنسان هي التي أعطاها الله لقايين المذعور الخائف، لكي لا يقتله كل من وجده،.. ويظن البعض أنها كانت رسماً على جبهته أو في وجهه يحذر الآخرين من قلته!!.. كانت هناك علامة أخرى وضعها الله أمام نوح، علامة ميثاق في قوس قزح، ينشره قبل كل مطر ليؤكد للإنسان أنه لن يعود ليدمر الأرض بالطوفان مرة أخرى،.. وهناك علامة الدم في القول: "أرى الدم وأعبر عنكم" وهي علامة الصليب للحياة في الفداء المجاني الذي جاء به المسيح سيدنا مخلص العالم إلى الأرض!!.. وهناك علامة الشفاء طلبها الملك حزقيا عندما سقط فريسة المرض القاتل وقال لله: "ما العلامة أن الرب يشفيني"؟… وهناك علامة الغدر البشعة التي بها سلم يهوذا المسيح: “والذي أسلمه أعطاهم علامة قائلاً الذي أقبله هو هو.. امسكوه”.. وهناك علامة النصر، قيل إن الملك قسطنطين رآها في الجو في هيئة صليب، وسمع صوتاً يقول: بهذا ننتصر!!.. هذه وغيرها من العلامات ذات المعاني المختلفة والمغازي المتعددة،.. فما هي العلامة التي وضعها الله أمام عالي الكاهن؟؟ لو صح أن نسميها لأطلقنا عليها "العلامة السوداء" إذا كانت علامة القضاء الإلهي الرهيب على ولديه وبيته وشعب الله،.. وللأسف فإن هذه العلامة جاءت لرجل، كان -في حد ذاته- طيباً وأميناً، لكنه ترك الحبل على الغارب لولديه، اللذين فسدا، وعاثا فساداً في كل شيء!!.. في الحقيقة إنها راية سوداء، يجمل بكل مؤمن أن يراها، وعلى وجه الخصوص خدام الله الذين يعظون الآخرين، دون أن يعظوا بيوتهم وأقرب الناس إليهم، وهم في حاجة دائمة إلى كلمة المسيح: "أيها الطبيب اشف نفسك"!!.. من يكون عالي وما هي القضية التي يبرزها أكثر من غيره، ونحن ندرس شخصيات الكتاب المقدس؟؟ هذا ما أريد متابعته فيما يلي:



عالي من هو

لم يكن عالي من نسل العازار الابن الأكبر لهرون، ولكنه كان من نسل إيثامار انبة الأصغر، ولا نعلم كيف كان رئيس الكهنة وهل لم يكن في ذلك الوقت من يصلح من نسل العازار لرئاسة الكهنة؟!! على أي حال لقد وجد صادوق من نسل ألعازار وأبيثار من نسل إيثامار أيام داود، ومع أننا لا نعلم الكثير عن أيامه الأولى، وهل كان في صدر الشباب من الشخصيات البارزة القوية، وهل عدت عليه الأيام، والشيخوخة، فلم تعد له القوة القديمة،.. غير أن الرجل -على أي حال والذي عاش إلى الثامنة والتسعين من عمره فإنه في حد ذاته رجلاً مخلصاً لخدمته، لم يمسه شخصياً ما يشير من قرب أو بعد إلى عيوب خلقية، أو امتهان لكرامة الخدمة، بل نحن نراه إلى اللحظة الأخيرة الرجل الذي يجلس على كرسيه وقد قامت عيناه وأنه لم يعد يبصر، وقلبه متحرك نحو تابوت الله، أكثر من تحركه نحو ولديه في المعركة، ولم يتستطع تحمل أسر التابوت، فسقط من فوق كرسيه لتكسر رقبته ويموت. قد عاش قاضياً وكاهناً لإسرائيل مدة أربعين عاماً، ومن الصعب أن تصفه بشيء أكثر من أنه الكاهن اللين العريكة، المستسلم، المخلص لعمله الكهنوتي، دون أن يكون الرجل الحازم الصلب الإرادة القوي التصرف!!..

قال السيد المسيح: ليكن كلامكم نعم نعم.. لا لا، وما زاد على ذلك فهو من الشر -ومن مأساة عالي أنه الرجل الذي يستطيع أن يقول "نعم نعم، دون أن يتمكن من القول: لا لا"!!.. وحتى عندما سمع قضاء الله على بيته وأولاده، القضاء الذي جاء على لسان صموئيل كان جوابه: هو الرب، ما يحسن في عينيه يعمل!!.. كان على عالي -وهو الرجل الطيب- أن يعلم أن الطيبة وحدها لا تصنع القائد العظيم، والإنسان الكامل،.. وأنه مهما يكن الإنسان طيباً، فإنه ستأتي عليه ساعة يلزم أن يقول بكل قوته: لا لا.. قالها يوسف عندما واجهته التجربة العظيمة، فصاح في وجهها: "لا لا".. كيف أصنع هذا الشر العظيم وأخطيء إلى الله.. وقالها موسى عندما وقف على مفترق الطرق، وأبى أن يدعى ابن ابنة فرعون، مفضلاً بالأحرى أن يذل مع شعب الله على أن يكون له تمتع وقتي بالخطية حاسباً عار المسيح غنى أعظم من خزائن مصر!!.. وقالها دانيال عندما وضع في قلبه ألا يتنجس بأطايب الملك وبخمر مشروبه، وقالها الثلاثة فتية: عندما طلب منهم أن ينحنوا لتمثال الذهب الذي صنعه نبوخذنصر.. وما أكثر الذين عرفوا في كل عصور التاريخ أن يقولوها لكل تجربة أو فساد أو خطية وقفت في طريقهم، طريق الحق والصدق والحياة. قيل عن شاب إنجليزي كان يملك مصنعا من أكبر مصانع البيرة في انجلترا، وكانت له حانات كثيرة للخمور، .. ولكن نعمة الله عملت في قلبه فقبل يسوع المسيح، وابتدأ يجول مبشراً ومنادياً بكلمة الخلاص، وذات يوم رأى فتاة مسكينة تدعو زوجها السكير من حانة من الحانات التي تتبعه، وتتطلب منه مالاً لأجل طعامها وأولادها، فما كان من الرجل إلا أن خرج من الحانة، ورفصها بقدمه لتسقط في ترعة أمام الحانة،.. وتطلع الشاب إلى أعلى الحانة، ورأى اسمه مكتوباً بحروف ذهبية في أعلاها،.. وأدرك كم هو مسئول عما حدث.. وقال: إن الرجل وهو يرفص امرأته إلى الترعة، لم يعلم أنه جعلني أرفص مليوناً وربعاً من الجنيهات نصيبي في المصنع وحانات الخمر التي أملكها!!.. كانت الضربة القاتلة لعالي الكاهن أنه لا يعرف أن يقول في الوقت المناسب "لا لا". فلحقه الشر من كل جانب ليدمر حياته وبيته وخدمته الكهنوتية!!".



عالي وحفني وفينحاس

"وكان بنو عالي بني بليعال لم يعرفوا الرب" ولا نظن أن هناك فاجعة يمكن أن تداني مثل هذه الفاجعة، إذ أن أولاد عالي لم يكونوا مجرد أولاد عاديين، بل كهنة الرب،.. فإذا كان الأصل أن الأسقف: "يجب أن يكون بلا لوم بعل امرأة واحدة صاحياً عاقلاً محتشماً مضيفاً للغرباء صالحاً للتعليم، غير مدمن الخمر، ولا ضراب، ولا طامع بالربح القبيح، بل حليماً غير مخاصم، ولا محب للمال يدبر بيته فكيف يعتني بكنيسة الله" فكم تكون الكارثة أنكى وأشد لو أن هؤلاء الأولاد يمارسون الخدمة الدينية بصورة من الصور.. هل وقفت معي لتتأمل العبارة القاسية الشديدة الوقع: "لم يعرفوا الرب"، وهل تنصرف هذه العبارة إلى أيامهم الأولى؟ وهل كان عالي مشغولاً ومنهمكاً في خدمته في شيلوه، مع جميع الناس، إلا بيته وأولاده؟؟ وهل كان أشبه بذلك القاضي الإنجليزي الذي كان مشغولاً بكتب القانون، ومحاكمة المتهمين،.. وقد سيق ذات يوم ابنه إلى المحاكم بتهمة قاسية، وقال القاضي الذي يحاكمه : ولكن كيف حدث هذا، وأين أبوك الذي لم ينبهك إلى فداحة الجرم الذي تقف أمامه الآن للمحاكمة؟؟! وقال الغلام: يا سيدي: لقد كان أبي مشغولاً بالآخرين، ويكتب القانون، ولو أنه أعطاني بعضاً من وقته لما ارتكبت هذه الجريمة، أو جئت إلى هذا المكان. أليس هذه خطية الكثيرين من الخدام الذين -لفرط اهتمامهم بالخارج- كانوا في حاجة إلى من ينبههم بأن أولادهم أولى بهذه الرعاية، وأكثر الناس حاجة إليها؟؟ ونحن لا نسمع عن زوجة عالي، وهل كان الرجل منكوباً إذ لم يجد المرأة التي تكمل نقصه عندما تتراكم عليه المسئوليات والأعمال، بل هل كانت هذه المرأة بحياتها وتصرفاتها، مشجعة لأولادها -وهي لا تدري- على السلوك الشائن المعيب؟!.. هل ترك عالي أولاده -وهم براعم خضراء- ولم ينتبه إلى تقويمهم من نعومة أظفارهم، ثم أراد أن يتدارك الأمر بعد ذلك، فإذا بعودهم قد تصلب، وتقست قلوبهم، فإذ هم قسي من أن ينضب هذا العود بعد إعوجاج؟!!.. أياً كان الأمر فقد زاد الطينة بلة، أن يتحول حفني وفينحاس ومن معهما إلى الخدمة الدينية ككهنة لله العلي، وهنا نقف على أغرب وصف لهؤلاء الكهنة، إذ هم بنو بليعال لم يعرفوا الرب، وقد اشتهروا بخطيتين رهيبتين: الدنس والطمع،.. وقد وصل الدنس إلى آخر حدوده، إذ كانوا يضاجعون النساء اللواتي يقدمن الخدمة الدينية في شيلوه،.. أما الطمع فقد ظهر في أبشع صوره، في أخذ السمين اغتصاباً، من التقدمات والذبائح، دون أن يراعوا حق الله وحق الكهنة في الذبيحة المقدمة،.. وكان لابد أن ينعكس هذا على الآتيين للعبادة وتقديم الذبائح.. فاستهان الناس بالتقدمة، وعملت في بيت الله أشد ألوان الفجور والآثام،.. ومن الغريب أن هاتين الخطيتين هما اللتان وصلتا بالكنيسة في العصور الوسطى إلى أحط دركات الانحدار الذي لا يكاد يتصوره عقل، والذي حدا مارتن لوثر أن يقوم بثورته الكبرى لإصلاح الكنيسة!!..

ماذا فعل عالي تجاه هذا الفساد المستشري؟!!.. إنه لم يفعل ما فعله موسى، عندما عبد الإسرائيليون العجل الذهبي، وعندما نزل من الجبل ليراهم أمامه يرقصون ويغنون فصاح: من الرب فإليَّ، فاجتمع إليه جميع بني لاوي، فقال لهم: هكذا قال الرب إله إسرائيل ضعوا كل واحد سيفه على فخذه ومروا وارجعوا من باب إلى باب، واقتلوا كل واحد أخاه، وكل واحد صاحبه، وكل واحد قريبه. ففعل بنو لاوي بحسب قول موسى، ووقع من الشعب في ذلك اليوم نحو ثلاثة آلاف رجل!!.. “الذي قال عن أبيه وأمه لم أرهما وبإخوته لم يعترف وأولاده لم يعرف بل حفظوا كلامك وصانوا عهدك”.. ومع أن خطية الإسرائيليين كانت بشعة ورهيبة وقاسية، لكنها لا يمكن أن تقارن ببشاعة ابني عالي اللذين حولا بيت الله إلى مغارة لصوص، ومكان للدعارة والفجور،.. وكل ما فعله عالي لا يتجاوز التوبيخ، أو على حد قول الشاعر العربي يضع النوى موضع السيف، والكلمة الناعمة موضع البتر والقطع والاستئصال!!..



عالي وحنة

ومن الغريب أن عالي بعد هذا كله، وهو يلاحظ حنة في صلاتها الملتهبة غير المسموعة، يتصورها سكرى، فيوبخها: "حتى متى تسكرين انزعي عنك سكرك"، ولعل خير ما يقال ههنا ما ذكره الكسندر هوايت عندما صاح: خبئني يا صخر الدهور، إذ أني أتعلق بصليبك، وأنا أنظر إلى عالي، ونفسي في شخص عالي. وأولادي في شخص حفني وفينحاس وإيخابود أبناء عالي،.. دعني أرى في عالي غباوتي وعماي بالنسبة لخطاياي، وخطايا أولادي، وخطايا شعبي وهم يسكرون بالكبرياء والفساد والشر، كان عالي في حاجة إلى أن يقول هذا الكلام منذ عشرين عاماً لأولاده السكارى الماجنين الأشرار، ولكنه يتركهم يتحول إلى حنة البائسة المسكينة السكرى من الألم والحزن والضيق ومرارة النفس، ولكنها هي الحقيقة المرعبة التي تلاحقنا جميعاً عندما نزن بوزنين، ونكيل بكيلين، ولا نفطن إلى الخشبة التي في عيوننا، ونحن نبحث عن القذى في عيون الآخرين!!.. وقف الرجل المسكين وهو يسمع التقريع القاسي من مدير الشركة التي يعمل فيها، وكان قد أخبره أن ابنه رسب في الامتحان، وكال له التهم في عدم تربية الأولاد تربية صحيحة سليمة،.. وصمت الرجل دون أن يتكلم كلمة واحدة،.. وفي هذه اللحظة بالذات دخل من يحمل خبراً، إن ابن المدير قد رسب هو أيضاً في الامتحان، وعلق المدير على الخبر بأن الولد ما يزال صغيراً في السن، وأمامه الفرصة والزمن!!.. لا تدينوا لكي لا تدانوا لأنكم بالدينونة التي بها تدينون تدانون وبالكيل الذي به تكيلون يكال لكم ويزاد. ولماذا تنظر القذى الذي في عين أخيك وأما الخشبة التي في عينك فلا تفطن لها أم كيف تقول لأخيك: دعني أخرج القذى من عينك، وها الخشبة في عينك، يا مرائي أخرج أولاً الخشبة من عينك وحينئذ تبصر جيداً أن تخرج القذى من عين أخيك"!!

على أنه بالإضافة إلى ذلك فإن من أقسى الأمور أن نتعجل الحكم على الآخرين، فقد يسكر الإنسان من آلامه التي يتجرعها في صمت، ونحن نظنه يشرب خمراً، ويكون مثلنا مثل يوحنا ويسلي عندما تعجل الحكم على رجل كان يعلم أنه مقتدر الحالة مالياً، ومع ذلك رآه في المشروعات الكنسية يدفع دون المنتظر منه كثيراً، وذات مرة تبرع الرجل بمبلغ ما رآه ويسلي حتى انهال عليه بالتقريع، وصمت الرجل دون أن يتكلم،.. وبعد ذلك زاره في منزله، وقال له: هل تعلم أن في هذه المدينة رجلاً امتنع عن تذوق اللحم، والكثير من ألوان الطعام؟؟، ومرات كثيرة لا يأكل حتى الخبز؟؟ وقال ويسلي: لا أعلم من هو الرجل!!.. وإذا بالرجل يقول له: أنا هو الإنسان!!.. ثم قص على ويسلي، قصة لم تكن معروفة له، إذ أن هذا الرجل في صدر شبابه كان تاجراً أخذ أموالاً كثيرة من الناس، ثم أفلس، وخربت بيوت كثيرة بسببه، على أنه -وقد جاء إلى المسيح- قرر في نفسه أن يعيد هذه البيوت من جديد،.. كان يأكل أقل الأطعمة، وهو يرد مبالغ لا يطالبه بها القانون بعد إشهار إفلاسه، ويطالب بها الضمير المسيحي النقي الحساس،.. وعندما استمع يوحنا ويسلي للقصة اغرورقت عيناه بالدموع، وقال للرجل: سامحني يا أخي فقد كلمتك كثيراً وأنا لا أدري!!..

ما أكثر ما نتعجل الأحكام على الناس، ناسين أن الله العليم بكل شيء، عندما أراد أن يحرق سدوم وعمورة: "وقال الرب إن صراخ سدوم وعمورة قد كثر، وخطيتهم قد عظمت جداً، أنزل وأرى هل فعلوا بالتمام حسب صراخها الآتي إليَّ وإلا فاعلم".. أو في لغة أخرى أنه يعلمنا ألا نحكم بالشبهات، فما أكثر ما نخطيء الأحكام وتبدو على العكس تماماً مما نفكر أو نتصوره.. هل سمعت عن ذلك المدرس الذي طلب من أحد التلاميذ في الصفوف الخلفية أن يقف ويقرأ قطعة من كتاب، وأمسك التلميذ الكتاب بيده اليسرى، وذراعه اليمنى وراء ظهره وابتدأ في القراءة،.. فما كان من المدرس إلا أن طلب منه أن يمسك الكتاب بيده اليمنى، وتشاغل الشاب وكأنه لم يسمع، واستمر في القراءة، وإذا بالمدرس يطلب إليه في غضب أن يتمم ما أمره به، وأخرج الشاب ذراعه اليمنى من وراء ظهره، فإذا بيده اليمنى مقطوعة بالتمام،.. وركع الأستاذ أمامه ولم تكن هناك لغة اعتذار يمكن أن تقال دون أن يعتذر بها الأستاذ بدموع.. كان عالي نبيل النفس، وهو يعترف بخطئه، محولاً هذا الاعتراف إلى صلاة أن يجيب الرب سؤال قلب حنة!!.. وانجابت الظلمة من وجه المرأة، لا لأن الرجل قد صحح تفكيره من ناحيتها، بل لأنها آمنت أن صلاته بلغت السماء واستجاب الرب لها. فمضت في طريقها وأكلت ولم يكن وجهها بعد مغيراً!!.. هل نتعلم أن الخلق المسيحي الصحيح أن ندوس كبرياءنا عند الخطأ، ونعترف به ونطلب الصفح عنه؟!!..



عالي وصموئيل

وقع عالي أمام أدق اختبار يمكن أن يقع فيه إنسان إذ أدرك من اللحظة الأولى أن هذا الصغير هو الذي أرسله الله ليأخذ مكان ولديه وليملأ الفراغ الذي سيحدث بعد موته وموتهما وهما في قمة الشباب،.. ولك أن تتصور وقع هذا على نفسه.. وهنا يختلف فردريك روبرتسن مع الكسندر هوايت، في فهم العواطف التي تجتاح قلب الرجل العجوز، فبينما يؤكد روبرتسن أن الحسد لم يعرف سبيله إلى هذا القلب النبيل، كان هوايت يعتقد العكس، وأن جثسيماني كلها قد اشتعلت في قلبه قبل أن يصل إلى القول: "هو الرب ما يحسن في عينيه يعمل" وأن عالي لو أنه كان على الصورة التي يتصورها روربرتسن لكان من طينة أخرى خلاف طينة الناس،.. وفي نظر هوايت أن عالي بلغ القمة في النبل وهو يرى هذه النبتة الجديدة الطرية، تقلع شجرتي ولديه، وتأخذ مكانهما،.. ومع ذلك فهو يرتفع فوق العواطف الأبوية والمشاعر الشخصية، ويحب الصغير محبة ربما لا تقل عن محبته لحفني وفينحاس، إن لم تزد!!.. هل رأيت الواعظ الشاب يأخذ مكان الواعظ القديم؟!.. وهل رأيت الولد الصغير يصعد سلم الشيخ الفاني؟!.. وهل لك أن تتحدث عن المشاعر العميقة التي يمكن أن تطوف بالذهن والحياة إن المرء لا يقبل أن يتفوق عليه أحد من الناس أو يأخذ مكانه، باستثناء واحد فقط، هو الابن الذي يسر الأب أن يكون امتداداً له في الحياة، أو بعد الموت،.. ولن يغار المرء من ابنه، إذ يتفوق عليه، بل بالحري يغار له ويتحمس لتفوقه،.. وقد رأى عالي في صموئيل ابنه الروحي، ورأى الفرق الشاسع بين الصغير النقي، والابنين الشريرين والمتمردين، وغار للشاب، وسر بأن لا يترك الرب شعبه بدون مرشد أو قائد،.. ونشأت بين الصغير والكبير علاقة من أسمى ما يمكن أن تكون العلاقة بين ابن وأبيه،.. فما أن يسمع الغلام في أعماق الليل صوتاً يناديه باسمه، حتى يسرع إلى عالي ظاناً أنه مصدر الصوت، وإذ يدرك عالي أن الصوت صوت الله وحتى يعلم صموئيل العبارة التي تعلمها ملايين الأولاد في صلاتهم وهم صغار: "تكلم يا رب لأن عبدك سامع".



عالي وإيخابود

كان إيخابود آخر المطاف في قصة الرجل الذي عاش ما يقرب من مائة عام، أو عاش ثمانية وتسعين عاماً، قبل أن تكسر رقبته وينتهي على أشنع صورة من الصور،.. كانت العلامة السوداء هي الراية التي مات تحتها، ولم يشفع فيه أنه كان بطبيعته رجلاً طيباً ومحباً ونبيلاً وغيوراً على بيت الله وكرامته!!.. لقد جاء إيخابود مقراً أن الله لا تهمه العواطف النظرية أو المواقف السلبية، بل لعله لا يضيق بشيء كما يضيق بالمواقف الفلسفية أو الحيادية في معارك الخير والشر،.. عندما قامت المعركة أيام دبورة جلس سبط رأوبين على مساقي الغنم يرقب المعركة من بعيد، وهو أشبه بالقادة العسكريين في غرفة العمليات، يقلبون وجوه النظر في أفضل الطرق إلى النصر،.. مع الفارق الرهيب أنهم يدخلون إلى أتون المعركة بعد ذلك، أما رأوبين فقد فض الجلسات وهو قابع في مكانه يستمع للصغير للقطعان،.. وإخوته يقفون على خط القتال يواجهون الموت، ومن ثم قالت دبورة: "على مساقي رأوبين أقضية قلب عظيمة لماذا أقمت بين الحظائر لسمع الصغير للقطعان. لدى مساقي رأوبين أقضية قلب عظيمة".. وعندما وقفت مدينة ميروز على الحياد جاء الصوت: "العنوا ميروز قال ملاك الرب العنوا ساكنيها لعناً لأنهم لم يأتوا لمعونة الرب بين الجبابرة،.. وسيأتي إيخابود عندما يرى الكاهن واللاوي الجريح على الطريق ويمران دون أن يتقدما لمساعدته ومعونته، وجراحه المنهمرة تنزف بما يجعله على الخط الفاصل بين الحياة والموت،.. وسيأتي عندما نرى الجائع، ونزوده بكلمات حلوة على ما يقول الرسول يعقوب: "إن كان أخ أو أخت عريانيين ومعتازين للقوت اليومي فقال لهما أحدكم أمضيا بسلام استدفئا واشبعا، ولكن لم تعطوهما حاجات الجسد".. وسيأتي إيخابود عندما تعشش الخطية في كل مكان، وتفقس بيض الأفعى في كل زاوية، ولن تصلح خرافة التصور أنه ما دام تابوت الرب مع المحاربين، فالنصر لابد أن يكون،.. فلن يعين التابوت حفني وفينحاس ابني عالي الدنسين الملوثين، ولن يكون التابوت ستاراً يقف خلفه الزاني والفاسق، والأحمق والشرير، ويكفي أن نقرأ ما قاله إشعياء فيما بعد: اسمعوا كلام الرب يا قضاة سدوم، أصغوا إلى شريعة إلهنا يا شعب عمورة لماذا لي كثرة ذبائحكم يقول الرب. أتخمت مع محرقات كباش وشحم مسمنات وبدم عجول وخرفان وتيوس ما أسر حينما تأتون لتظهروا أمامي من طلب هذا من أيديكم أن تدوسوا دوري لا تعودوا تأتون بتقدمة باطلة، البخور هو مكرهة لي رأس الشهر والسبت ونداء المحفل، لست أطيق الإثم والاعتكاف، رؤوس شهوركم وأعيادكم بغضتها نفسي، صارت على ثقلاً. مللت حملها فحين تبسطون أيديكم استرعيني عنكم وإن كثرتم الصلاة لا أسمع، اغتسلوا تنقوا، اعزلوا شر أفعالكم من أمام عيني، كفوا عن فعل الشر، تعلموا فعل الخير اطلبوا الحق، أنصفوا المظلوم، اقضوا لليتيم، حاموا عن الأرملة".. وهذا ما ذكره إرميا في القول: "ها أنتم متكلون على كلام الكذب الذي لا ينفع أتسرقون وتقتلون وتزنون وتحلفون كذباً وتبخرون للبعل وتسيرون وراء آلهة أخرى لم تعرفوها ثم تأتون وتقفون أمامي في هذا البيت الذي دعى باسمه علي وتقولون قد أنقذنا. حتى تعملوا هذه الرجاسات هل صار هذا البيت الذي دعي باسمي عليه مغارة لصوص في أعينكم"..

جاء إيجابود، وزال المجد عن إسرائيل، وسيموت عالي وفينحاس، ولو بجوار التابوت نفسه، وقد أخذ يوآب إلى الموت، وهو متمسك بقرون المذبح، وصدق ذلك الخادم الذي قال له أحد أعضاء كنيسته -وكان رجلاً متعباً- إني سأذهب إلى جبل سيناء، وسأنطق الوصايا العشر بصوت عالي من نفس المكان الذي أخذ فيه موسى هذه الوصايا،.. وأجابه الراعي: إنك لست في حاجة إلى الذهاب هناك، ولكنك في حاجة إلى أن تحفظ الوصايا هنا!!..

جاء إيخابود، لأن عالي جلس على كرسي بجانب الطريق يراقب، لأن قلبه كان مضطرباً لأجل تابوت الله،.. ولا نعلم إلى أي حد اضطرب قلبه والفجور من حول التابوت كان يرتكب في شيلوه كل يوم بدون حياء،.. بالحماقة الإنسان الذي يهتم بالمظهر دون الحقيقة، وبالطقس دون المضمون!!.. "ويل لكم أيها الكتبة والفريسيون المراؤون لأنكم تنقون خارج الكأس والصفحة وهما من داخل مملوآن اختطافاً ودعارة، أيها الفريسي الأعمى نق أولاً داخل الكأس والصفحة لكي يكون خارجهما أيضاً نقياً، ويل لكم أيها الكتبة والفريسيون المراؤون لأنكم تشبهون قبوراً مبيضة تظهر من خارج جميلة وهي من داخل مملوءة عظام أموات وكل نجاسة"..

جاء إيخابود لأن المعركة الحقيقية لم تكن بين إسرائيل والفلسطينيين، بل كانت بين إسرائيل والخطية، وقد زال المجد عن إسرائيل لأن الخطية وحدها هي التي تقبل كل مجد، لأن البر يرفع شأن الأمة، وعار الشعوب الخطية!!..

جاء إيخابود وارتفع العلم الأسود مرفرفاً على كل شيء،.. وأتت العلامة القاصمة للظهر، بل التي تكس العنق، فعالي يسقط من فوق كرسيه لتكسر رقبته، وابناه يموتان في الحرب، وتتعسر ولادة كنته، وتموت أثناء الولادة، وتلد ابنها الذي أطلقت عليه إيخابود والذي معناه "زال المجد" والمصائب لا تأتي فرادي كما يقولون، بل جاءت شاملة قاسية متسعة، مجسمة في اسم حفيد عالي، ومعلنة صدق الله الذي وإن أمهل لا يهمل، وإن توانى فهوذا لطف الله وصرامته!!..

جاء إىخابود ولم تقف نهاية القصة عنده، بل امتدت في سلسلة أجيال أخرى تأتي، وذلك لأن الله هو القائل: أكرم الذين يكرمونني والذين يحتقرونني يصغرون.. هل يمكن -ونحن نرى كل هذا- أن نصيح مع إرميا: "أيها الرب رجاء إسرائيل كل الذين يتركونك يخزون. الحائدون عني في التراب يكتبون لأنهم تركوا الرب ينبوع المياه الحية. اشفني يا رب فأشفى خلصني فأخلص لأنك أنت تسبيحتي"؟؟. كانت العلامة السوداء يمكن أن تغطي كل شيء، ويسود الظلام، في أيام عالي، لولا أن رحمة الله أرسلت شعاعاً من نور في صوت غلام يصلي: "تكلم يا رب فإن عبدك سامع!!".

elraiek G
09-16-2010, 05:58 PM
( 21 )

صموئيل

"..فقال صموئيل تكلم لأن عبدك سامع"

(1صم 3: 10)

مقدمة

ما من شك بأن صورة الصبي صموئيل وهو يصلي، الصورة التي رسمها الرسام العظيم يشوع رينولدز تعد من أشهر الصور المألوفة بين الناس، والمنتشرة في كل مكان، وهي الصورة التي ترتبط في أذهان الناس بهذا الصغير كما أسلمته أمه لله وللخلود، وما من شك بأن قصة صموئيل من أحلى القصص التي استخدمتها الأمهات في تربية أولادهن تربية صحيحة سليمة أمام الله والناس، ومن المعتقد أن سوسنة ويسلي التي ولدت تسعة عشر طفلاً عاش عشرة منهم، علمت أولادها هذه القصص، وهم في بكورة الحياة، لعل واحداً منهم يمكن أن يكون صموئيل آخر، وقد شاء الله أن يخرج من هولاء الأولاد، لا واحداً فحسب بل اثنين، يوحنا ويسلي، وأخاه تشارلس ويسلي، كان يوحنا ويسلي مؤسس الكنيسة "الميثودست" والمصلح العظيم، والكلمة "ميثودست" أطلقها في باديء الأمر الساخرون من يوحنا لما اتسمت به حركته من الدقة البالغة والحرص الشديد على النظام، ولعله تعلم هذا من أمه التي ربت أولادها على خوف الله، وخدمة الآخرين، والعمل المنظم، كان يوحنا ويسلي الخامس عشر بين إخوته، ومع هذا العدد الكثير من الأولاد فإن أمهم علمتهم جميعاً متى يستيقظون، ومتى ينامون، ومتى يأكلون، ومتى يخرجون، ومتى يلعبون أو لا يلعبون، وحتى البكاء أو الصراخ، فقد علمتهم ألا يرتفع صوت أحدهم فيه، وقد قيل أنه ليس بينهم من صرخ بصوت عال بعد السنة الأولى من عمره، وعندما كان يبلغ الواحد منهم الخامسة من عمره كانت لا تتركه حتى يتعلم في يوم واحد الحروف الهجائية، ويتعلم في اليوم الثاني أن يقرأ: "في البدء خلق الله السموات والأرض".. كان يوحنا في السادسة من عمره عندما نجا من حريق حدث في بيت كان فيه، وقالت أمه: لقد عزمت أن أعتني بنفس هذا الصبي الذي نجيته ليمتليء ذهنه بمباديء الديانة الحقيقية،. وعندما ننظر إلى يوحنا ويسلي علينا ألا ننسى أمه سوسنة،.. وعندما تريد أن تعرف الكثير عن صموئيل العظيم الذي يعتقد البعض أنه الرجل الثاني في تاريخ الأمة الإسرائيلية بعد موسى، وأنه كما وصفه دين استانلي: "جمع في شخصيته إلى درجة عظيمة صفات المحطم القديم، والمؤسس الجديد، كان لوثر، وألفرد العظيم، ويوحنا المعمدان، وبولس عصره".. من يكون هذا الرجل وما رسالته التي قدمها لجيله وللأجيال الأخرى التالية؟؟..



صموئيل من هو؟!!

كان صموئيل القاضي الخامس عشر من قضاة إسرائيل، كما كان النبي الأول من سلسلة الأنبياء التي تعاقبت بعد ذلك، وقد أخذته أمه من بكور الحياة إلى الهيكل حيث نما وترعرع هناك إلى جانب عالي الكاهن ما بين الخامسة أو السادسة من العمر إلى الثانية والثلاثين حين مات عالي الكاهن. وأغلب الظن أنه عاش العشرين عاماً التالية، وهو يعد للنهضة التي جاءت بعد ذلك، ولحركة التحرير التي قاد بها الأمة وهو في الثانية والخمسين من العمر، ومن المعتقد أنه خدم الشعب بمفرده أو مع شاول أربعاً وخمسين سنة، ومات في السادسة والثمانين من عمره. وإذا دققنا في صفاته وأخلاقه نلاحظ:


حياة النقاوة

كان صموئيل أشبه بالزهرة البيضاء النقية، تفتحت على الحياة في بيت تقي، وعندما ذهب إلى شيلوه حيث الجو الموبوء الملوث، أغلب الظن أن الولد اندفع برد الفعل أكثر إلى وأعمق الحياة المقدسة،.. وقد قيل إن برنارد شو وهو صبي صغير رأى أباه يدخل البيت مترنحاً من السكر، فتعمق المنظر في نفس الصغير، وأصبح يكره -من كل قلبه ووجدانه- المسكر والخمر، فإذا خرج صموئيل من عند أمه، التي أرضعته لبان الحياة المقدسة، وهي تعده لمستقبله العظيم، ليرى ابني عالي على ما بدا أمامه من قبح الحياة وبذاءة التصرف،.. وإذا امتد به الأمر ليرى ما تفعل الخطية من خراب في الأمة،.. فإن هذه كلها كانت من أهم العوامل التي جعلته من الصغر يتعلم كيف يرفض الشر ويختار الخير، وإذا كان الله لا يمكن أن يتراءى إلا للقلوب المقدسة النقية، فإن الصبي الذي يأتيه الله وهو في الثانية عشرة من العمر- كما يقول اليهود على لسان يوسيفوس -لابد أن يكون نقي القلب، ناصع السريرة: "طوبى للأنقياء القلب لأنهم يعاينون الله".. ونحن إذا تحولنا من هذا الصبي إلى الصبي الأعظم الذي قال لأبويه: "لماذا كنتما تطلبانني، ألم تعلما أنه ينبغي أن أكون في ما لأبي" ندرك كيف يسعى الله إلى الصغار، ويهتم بهم، ويدعوهم إلى حياة القداسة والنقاوة، قبل أن تتعرض حياتهم للتلوث، وهم -فيما خلا الصبي المعصوم- قد لا ينجون من تراب الخطية، وأوحال الفساد، كلما تقدمت بهم الحياة أو ساروا مع الأيام!!..

حياة الذكاء

ومما لا شبهة فيه أن هذا الرجل كان من أذكى الناس على ظهر الأرض، ولا يمكن للأم أن تتركه في السنين الأولى من حياته، وبعد أن فطمته، إلا إذا كانت واثقة من قدرته على التمييز، ومع أننا لا نستطيع أن نحكم بالضبط على سن الفطام، ففي الشرق وفي العصور القديمة، كانت هذه السن تتأخر، إلا أن الأم التي تعلم ولدها، ثم تطمئن على قدرة استيعابه وتمييزه للأمور المتخالفة، لابد وأن تكون يوكابد أخرى علمت موسى، ودفعته إلى قصر فرعون، وكان من المستحيل أن تطغي التعاليم الوثنية على ذهنه، وقد وصلت شيلوه إلى ما يشبه قصر فرعون، عندما أرسلت حنة ابنها إلى هناك،.. كانت الرامة على بعد ثلاثة عشر ميلاً من شيلوه،.. وكانت الأم تصنع لابنها جبة تقدمها في الذبيحة السنوية كل عام، لكني أعتقد أنها كانت حريصة على متابعة تقدم ابنها في النعمة والحكمة والقامة عند الله والناس، وإذا كان من المرجح أنه الرجل الثاني بعد موسى في التاريخ الإسرائيلي فيبدو أن ذكاءه كان إلى حد ما قرين الذكاء الموسوي الذي تهذب بكل حكمه المصريين، على أنه ينبغي ألا نرد الذكاء هنا إلى مجرد القدرة العقلية الطبيعية عند الصغير، بل علينا أن نعلم أن هذا الصنف من الناس لابد أن تسانده قدرة إلهية عجيبة، القدرة التي إذا قورنت بغيرها تبدو أشبه بقدرة دانيال والثلاثة فتية: "وفي كل أمر حكمة هم الذي سألهم عنه الملك وجدهم عشرة أضعاف فوق كل المجوس والسحرة الذين في مملكته".. إنه يسيرون وراء ذلك الصبي العجيب الذي قيل عنه: "ولكن يعطيكم السيد نفسه آية، ها العذراء تحبل وتلد ابناً وتدعو اسمه عمانوئيل، زبداً وعسلا يأكل متى عرف أن يرفض الشر ويختار الخير" "وكل الذين سمعوه بهتوا من فهمه وأجوبته"..

حياة الطاعة

وما من شك بأن صموئيل من مطلع حياته عاش حياة الطاعة الكاملة،.. وكأنما يسير وراء الصغير الأعظم الذي سيأتي فيما بعد وقيل عنه: "ثم نزل معهما وجاء إلى الناصرة وكان خاضعاً لهما" وذهب الصبي صموئيل من الرامة إلى شيلوه، ولست أعلم كيف ودعته أمه في هذه السن الباكرة من الحياة، ومما لا شك فيه أن هذا الوداع هز أعماق وجدانها،.. وكان خليطاً في قلبها بين الحنان والتكريس،.. لكني أهتز إعجاباً للصغير الذي أطاع أمه، ليستقر بعيداً عنها، رغم مشاعر الطفولة العميقة التي تربط بين كل طفل وأمه،.. بل وهو يقبل نذر أمه وأبيه كذبيحة مربوطة إلى قرون المذبح،.. وهو أكثر من ذلك كان خاضعاً لعالي خضوعاً مذهلاً، وما كان عالي بقادر على أن يلقنه الجواب للمنادي الكريم الذي يناديه باسمه في أعماق الليل ليقول: "تكلم يا رب لأن عبدك سامع" لولا أنه يعلم تماماً روح الطاعة التي جبل عليها، وتشربتها حياته على نحو مذهل عجيب، وعندما سارت به الأيام، وطوحته السنون نحو الغروب قال لشاول الملك: "لأن التمرد كخطية العرافة والعناد كالوثن والترافيم".. كان صموئيل من مطلع الحياة إلى النهاية ممتلئاً بروح الطاعة!!..

حياة الوداعة

كانت الطاعة عند صموئيل بروح الوداعة والتواضع، عندما تركته أمه للخدمة -كانت خدمته فتح الباب، وإطفاء السراج، والإسراع وراء نداء عالي،.. كان "خادماً" بدأ سلم الخدمة من الدرجة الملتصقة بالأرض،.. لم يأنف من أبسط الخدمات وأقلها، إنه أشبه بصبي المعلم في أيامنا هذه، وهل رأيت الصبي في الليل يقوم مرة ومرتين، ويذهب إلى عالي قائلاً: "ها أنذا لأنك دعوتني" دون أدنى تأفف أو ضيق؟!!.. من الناس من يطيع إذ تصور أن الدعوة تطلبه للمهام العظيمة الخطيرة، ولكنه يرفض هذه الطاعة إذا جاءته في صورة عمل بسيط صغير كفتح باب أو إطفاء سراج، أو غسل أرجل كما رفض التلاميذ، حتى قام الوديع الأعظم يغسل أرجلهم جميعاً حتى جاء إلى بطرس الذي ظنها مهانة لسيده لا يقبلها، إلى أن أدرك: “أتفهمون ما قد صنعت بكم أنتم تدعونني معلماً وسيداً وحسناً تقولون، لأني أنا كذلك، فإن كنت وأنا السيد والمعلم قد غسلت أرجلكم فأنتم يجب عليكم أن يغسل بعضكم أرجل بعض، لأني أعطيتكم مثالاً حتى كما صنعت أنا بكم تصنعون أنتم أيضاً، الحق الحق أقول لكم إنه ليس عبد أعظم من سيده ولا رسول أعظم من مرسله. إن عملتم هذا فطوباكم إن عملتموه”.. وأية طوبى لصموئيل الصغير الذي ذهب في طريق الوداعة إلى الحد أنه يسمع صوت عالي في أعماق الليل لعمل عادي بسيط،.. وهو لا يدري أنه يصل بهذه الوداعة البسيطة إلى أعظم ما يدور بخيال الإنسان،.. إنه ليس عالي بل الله السرمدي الذي ينادي الصبي الصغير!!.. إن الوداعة تحمل دائماً جزاءها الكبير لصاحبها دون أن يدري!!..

حياة الشجاعة

وقد بلغ الذروة في الشجاعة، وهو يقاوم تأثير البيئة المدمر في شيلوه، وهل من اليسير على الصبي الصغير، وهو يرى التجربة تكتسح الجميع إلى الدرجة التي قيل معها: "لأن الناس استهانوا تقدمة الرب".. هل من اليسير على هذا الصبي أن يصمد في المعركة وهو يرى المنشال ذا الثلاثة أسنان يعمل عمله عند طبخ اللحم في المرحضة أو المرجل أو المقلى أو القدر، وقد نشل به "صبي" آخر، هو صبي الكاهن، ما شاء من دسم الطعام؟؟. وهل كان من اليسير عليه، وقد استوى عوده، وأصبح شاباً في قوة الشباب، والفجور يدخل إلى خيمة الاجتماع ذاتها، عندما كان أولاد عالي يضاجعون النساء المجتمعات في باب الخيمة؟؟ هل كان من اليسير عليه أن يرفض مثل هذه الحياة الملوثة ما لم تكن له الشجاعة الأدبية العظيمة؟!! إنه صورة الشاب الذي يجد في وقت الهزل، ويسمو في وقت الصغار، ويترفع في منطقة الدنايا،.. كان صموئيل رجلاً عظيماً شجاعاً!..



حياة الصبر

كان في الثانية والثلاثين عند موت عالي أو حول ذلك، وقد ظل عشرين عاماً، يعد الأمة لمعركة التحرير، ولا يذكر الكتاب عنه الكثير في هذه الفترة،.. وأغلب الظن أنه كان يصارع في معركة أهم من تحرير الشعب من الفلسطينيين، إذ كان يصارع في تحرير الشعب من الخطية والدنس،.. وكان هناك آية في الصبر والانتظار، ورجال الله هكذا على الدوام، لابد أن يتزودوا بالصبر الرهيب، وقد يسمح الله لهم بسنوات طويلة في الصحراء مع موسى، وفي التشرد مع داود، وفي العربية مع بولس، ليبلغوا ما شاء الله أن يعطيهم من حياة الانتظار والسكينة والتسليم، ولم يخرج صموئيل عن القاعدة طوال عشرين سنة بعد موت عالي، إلى أن جاء آخر الأمر معركة التحرير!!..

حياة الصلاة

ومنذ تلك الليلة العتيدة التي استمع فيها إلى الله، ولذ له الاستماع، عرف الصغير طريقه إلى حياة الشركة المتعمقة مع الله،.. وقد كان لصموئيل في الصلاة رأي عجيب، إنها ليست علاقة بين الله والإنسان فحسب، أو لذة يلتذ بها من يرفع عينيه إلى الله، أو ملاذاً يلجأ إليه المتضايق كلما ضاق بالحياة أو ضاقت الحياة به، بل إن الامتناع عنها خطية فظيعة لا يستطيع أن يرتكبها، وقد ظهر ذلك في قوله إلى الإسرائيليين عندما طلبوا منه أن يصلي لأجلهم،، وكان جوابه: "وأما أنا فحاشا لي أن أخطيء إلى الرب فأكف عن الصلاة من أجلهم، بل أعلمكم الطريق الصالح المستقيم".. ونحن لا نستطيع أن نعرف إلى أي مدى بلغ الرجل في حياة الصلاة، غير أنه يمكننا القول إنه كان واحداً من أبرز رجال الله في حياة الصلاة إلى الدرجة التي يجعله الله فيها مثلاً ظاهراً في الأجيال كلها، إذ يقول على لسان إرميا: "ثم قال الرب لي وإن وقف موسى وصموئيل أمامي لا تكون نفسي نحو هذا الشعب أطرحهم من أمامي فيخرجوا".


حياة العدالة

وإلى جانب هذا كله عاش صموئيل حياة العدالة على أسمى ما تكون من ضرب رفيع، كان قاضي الأمة وحاكمها لسنوات متعددة طويلة،.. وعندما جاء أمامها فرد يديه لكل الشعب قائلاً: "وأما أنا فقد شخت وشبت وهوذا أبنائي معكم وأنا قد سرت أمامكم منذ صباي إلى هذا اليوم ها أنذا فاشهدوا عليَّ قدام الرب وقدام مسيحه ثور من أخذت وحمار من أخذت ومن ظلمت ومن سحقت ومن يد من أخذت فدية لأغض عيني عنه فأرد لكم، فقالوا لم تظلمنا ولا سحقتنا ولا أخذت من يد أحد شيئاً".. وبعد أكثر من ألف عام جاء آخر يقول للأفسسيين نفس الشيء وهو يخطب فيهم خطبة الوداع: "فضة أو ذهب أو لباس أحد لم أشته أنتم تعلمون أن حاجاتي وحاجات الذين معي خدمتهما هاتان اليدان".. أي صموئيل وبولس!، هل تسمحان لي وأنا واحد من أصاغر خدام الله، أن أقبل أيديكما، مصلياً إلى الله أن تكون لي ذات اليد النظيفة حتى أغني مع داود: من يصعد إلى جبل الرب، ومن يقوم في موضع قدسه، الطاهر اليدين، والنقي القلب، الذي لم يحمل نفسه إلى الباطل ولا حلف كذباً "يحمل بركة من عند الرب وبراً من إله خلاصه"...


صموئيل وإعداده للخدمة

هذه الحياة، لم تولد بهذه الصورة بين يوم وليلة، بل كانت حصيلة أعداد بعيد عميق طويل لعل أظهره:



صموئيل وأمه

ولا حاجة إلى القول إن أم صموئيل كانت معلمه الأول الذي أعده وكرسه للخدمة المقدسة، وقد كانت حنة من أعظم السيدات اللاواتي ظهرن في التاريخ المقدس، في كل الأجيال، ويكفي أنك تراها في عمق الألم تقول بلغة منتصرة لعالي الكاهن: "لا يا سيدي إني امرأة حزينة ولم أشرب خمراً ولا مسكراً بل أسكب نفسي أمام الرب، لا تحسب أمتك ابنة بليعال لأنه من كثرة كربتي وغيظي قد تكلمت إلى الآن"... لقد شربت المرأة عميقاً من ينبوع النعمة الإلهية، وأعطت ابنها أيضاً معها فشرب!!... لقد تأثر صموئيل أبلغ التأثر بأمه الحبيبة، وما أجمل أن تقف الأم بهذه الصورة لتعد ابنها للرسالة العظيمة الموضوعة عليه من الله... لقد فعلت حنة هذا،.. وفعلته أم يوحنا فم الذهب عندما دعت ولدها من الصغر "عارية"،.. وفعلته مونيكا أم أوغسطينس التي اكتسبت ولدها لله بصبرها ودموعها وصلواتها!!.. ألا ما أجمل ما يقول الكسندر هوايت بهذا الصدد: "لقد كانت أم صموئيل تذهب عاماً بعد عام إلى شيلوه، وتصعد له الجبة التي تصنعها له، وتكبرها عاماً عن العام الذي سبقه، حتى أضحى رجلاً... وعندما مات صموئيل ووصل إلى السماء، وأرجعه الله إلى شاول ليدينه على خطاياه وشره، عرف صموئيل بالجبة ذاتها!!.. وإن كانت هناك مصنوعة من نسيج نوراني أبدي عظيم!!.. على أي حال ما أسعد صموئيل بأمه.. ولو أن حفني وفينحاس كانا لهما أم مثل أم صموئيل "لما ضاع عالي، وولداه، وضاع الكهنوت من بيته!!..

سئل أحدهم: متى نبدأ تربية الطفل؟ فأجاب: قبل أن يولد بثمانين عاماً أي نبدأ بإعداد جده،.. وقال أحد الخدام: لقد ظللت أدرس مدى سبعة عشر عاماً، المنضمين إلى عضوية الكنيسة التي أقوم بخدمتها وكيف انضموا إلى عضويتها، فرأيت أن ثلاثمائة وسبعة وعشرين من ثلاثمائة وأربعة وسبعين كان الأب أو الأم أو كلاهما معاً أتقياء مؤمنين، أما الباقون وقدرهم سبعة وأربعون فقد جاءوا من آباء غير مؤمنين، أو في معنى آخر أن واحداً مقابل سبعة جاء به الله بعيداً عن التأثير البيتي، ومع أننا لا نستطيع أن نفرق بين تأثير الأب أو الأم، لكننا نعلم على أي حال أن تأثير الأم أوفى وأرجح. وقصص الكتاب المقدس خير شاهد على ذلك إذ أن أغلب القادة والملوك أو الأنبياء الذ ين كان خلفهم الأم المقدسة والدافعة لابنها لمجد الله وخدمته.. وفي اختبارات مائة وعشرين خادماً كانوا مجتمعين مرة، وكانوا يتداولون ويتحدثون عن التأثير البيتي في حياتهم ذكر مائة منهم أنهم جاءوا إلى الله والخدمة عن طريق الأم!!..

كان جون راندلف من الأمريكيين المعاصرين الثورة الفرنسية، الثورة التي أخذتها في قوة وقت من الأوقات موجة من الإلحاد، وقد قال هذا الرجل الذي كان يشغل منصباً هاماً في بلاده إني أؤمن أن موجة الإلحاد الفرنسي، كان يمكن أن تكتسحني في طريقها لولا شيء واحد، وهو ذكرى تلك الأيام التي تعودت فيها أمي القديسة، أن تجعلني أركع إلى جوارها، وتمسكني بيدي، وتطلب إليَّ أن أكرر الصلاة الربانية!!...

في ذكريات إحدى الأمهات التي وجدت بعد وفاتها هذه العبارة: نهضت هذا الصباح مبكراً، وصليت من أجل أولادي طالبة أن يصبح الذكور منهم خداماً ومرسلين... وقد أجاب الله هذه الصلاة، إذ جعل أولادها الخمسة خداماً ومرسلين.. كما جعل من بناتها الثلاث شابات نشطات عاملات في الكنيسة التي كن يخدمن فيها!!...

عندما نذكر قصة صموئيل ينبغي ألا ننسى الأم التي قدمته لله ولمجده وخدمته!!..



صموئيل وعالي

لئن كانت حنة تكشف لنا عن الأثر الوراثي في الحياة الدينية، فإن عالي يعطينا صورة البيئة ومدى تأثيرها أيضاً في هذه الحياة،.. أصعدت حنة وزوجها ابنهما إلى شيلوه، وأخذا ثلاثة ثيران وايفة دقيقة وزق خمر، وكان ثور من الثيران -ولا شك- الذبيحة العادية، والثور الثاني ذبيحة الشكر لأجل هذا الابن، والثور الثالث ذبيحة تكريس الابن وتقديسة للخدمة. واستلم عالي الولد وأحبه ولئن كان الزمام قد أفلت من يد هذا الكاهن الشيخ في تربية ولديه حفني وفينحاس، إلا أنه لم يفلت في إعداد هذا الصبي لله، ومع أننا أشرنا إلى سمو روح عالي في هذا الشأن، عندما استعرضنا شخصية عالية ونحن ندرسها على انفراد، إلا أننا نعود فنكرر أن عالي ارتفع فوق الحسد وكل عاطفة بشرية رخيصة، وهو يرى هذا الصغير، يأخذ مكانه ومكان و لديه،.. إلا أنه أحسن تربيته، وأعده كأجمل ما يكون الإعداد!!.. وسعيد الغلام الذي يجد إلى جانب أمه المعلم الطيب النافع العظيم!!..



صموئيل والاختبار الشخصي

ومهما تكن علاقة صموئيل بأمه أو بعالي، ومهما تكن الآثار المترتبة على تعاليمهما له، فإن الأثر الأعمق والأبعد، والذي لا يمكن أن يضيع مع الأيام، هو اللقاء الشخصي مع الله،.. عرف صموئيل الله من سن مبكرة جداً، أو بالحري عرف الله وهو صبي غض صغير، تمتع بالولادة الجديدة في صبح الحياة، وكان يتزايد: "نمواً وصلاحاً لدى الرب والناس أيضاً"... وعندما جاء الرب إلى صموئيل وهو في الثانية عشرة على الأغلب من العمر، كان من المؤكد أنه قد ولدا جديداً من الرب، وإن كان هو ذاته لا يدرك الرب بعد". وكم من الأولاد الصغار يولدون ولادة جديدة، وهم لا يدرون أن الله مس حياتهم بالولادة المباركة، حتى يتكلم الله إليهم كلاماً واضحاً صريحاً مفهوماً!!.. وإذا نسى صموئيل في حياته كل شيء، فهو لا يمكن أن ينسى تلك الليلة الخالدة التي فيها تكلم الله وناداه: صموئيل صموئيل ثلاث مرات متوالية، ومع أن الحديث في حد ذاته كان عن أولاد عالي إلى الدرجة التي خاف فيها صموئيل أن يخبر عالي بالرؤيا حتى أجبره على ذلك،.. لكنه الصوت الذي جاء إلى صموئيل، ليؤكد له وجود الله، وكراهية الله العميقة للخطية، وعتابه القاسي لها،.. وفي الوقت عينه يفتح أمامه الطريق إلى الشركة الخصبة العميقة القوية مع الله حتى يقال: "وكبر صموئيل وكان الرب معه ولم يدع شيئاً من جميع كلامه يسقط إلى الأرض وعرف جميع إسرائيل من دان إلى بئر سبع أنه قد ائتمن صموئيل نبياً للرب، وعاد الرب يتراءى في شيلوه لأن الرب استعلن لصموئيل في شيلوه بكلمة الرب"...



صموئيل والإصلاح الداخلي

لم تكن معركة صموئيل الأول مع الفلسطينيين، بل مع الخطية والشر، وقد عاش صموئيل عشرين عاماً بعد موت عالي يعد بلاده ومواطنيه للنهضة الحقيقية، والإصلاح الداخلي، وقد بدأ هذا الإصلاح أولاً بالألم إذ: "ناح كل بيت إسرائيل وراء الرب"... والإصلاح لا يمكن أن يأتي إلا بالألم والنوح والبكاء على الخطية، وقد بدا هذا شعوراً حاداً عند الشعب، أليست خيمة الاجتماع في شيلوه مهملة، وتابوت العهد في بيت أبيناداب على الحدود، والحياة الروحية راكدة تبعث على الضيق والألم والقلق؟؟... ولن تحدث نهضة روحية على الإطلاق، قبل أن يضيق الناس بالحياة التي يحيونها بعيداً عن الله...!!.

وكانت الخطوة الثانية: نزع الأصنام، إذ نزع الإسرائيليون البعليم والعشتاروث التي أخذوها عن الوثنيين حولهم، والتي أغرقتهم في الشهوات والآثام والبعد عن الله، إذ كانت مبادئها تلهب إحساساتهم وتثير فيهم أحط الغرائز وأدناها،.. ولا يمكن أن تأتي النهضة في كل جيل إلا إذا حطمنا الأصنام التي تربطنا بالعالم وشهوته وفجوره ثم كان الأمر بعد ذلك "إعداد القلب" وما نزع الأصنام إلا الجانب السلبي من موقف الإنسان من العالم والخطية، أما إعداد القلب فهو الجانب الإيجابي الذي يأتي بالتأمل والعزم واختيار الله، ولهذا طالب صموئيل الإسرائيليين أن يعدوا قلوبهم للرب، ويعبدوه وحده،.. وقد جاء المرنم القديم بعد هذا ليدرك حكمة الاتجاه المركز نحو الله عندما قال: "وحد قلبي لخوف اسمك"... ثم طلب صموئيل أكثر من ذلك، إذ دعى إلى "الرابطة الروحية"، ولهذا جمع الأمة في المصفاة لتصلي أمام الله في وحدة روحية رائعة.. والإصلاح الحقيقي هو الذي يتجاوز الفرد والأسرة ليشمل أبناء المتفرقين ليجمع شملهم في وحدة واحدة!!... وهذه الرابطة الروحية لابد أن تجتمع في حزن وتوبة وصوم،.. وكانت صلاة الإسرائيليين مصحوبة بالصوم، والصوم في حد ذاته، ليس مجرد إذلال جسدي، بل هو أكثر من ذلك، إذ هو تفرغ النفس المنكسرة، وهذا ما فعله الإسرائيليون إذ صاموا وسكبوا هناك ماء دليل القلب المسكوب التائب، وكما لا يرجع الماء المهراق مرة أخرى فهكذا هم بذات المعنى تعهدوا ألا يرجعوا إلى آثامهم وخطاياهم وشرورهم، وفسادهم، والآلهة الغريبة التي عبدوها!!..



صموئيل والطريق الدائم إلى النصر

عندما اجتمع الإسرائيليون في المصفاة، رأى الفلسطينيون في هذا التجمع نوعاً من الثورة والتمرد،.. وأرادوا القضاء على هذه الثورة على وجه الباغتة والمفاجئة، وظهروا فجأة أمام المجتمعين للصلاة، وكان الإسرائيليون أعجز وأضعف من أية مواجهة، وكان سلاحهم الأول والأخير الصراخ إلى الله،.. فطلبوا من صموئيل أن يصرخ إلى الله من أجلهم، وقدم صموئيل حملاً رضيعاً، وأصعده محرقة بتمامه إلى الله دليل التسليم الكلي والخضوع التام للمشيئة الإلهية، وإذ تقدم الفلسطينيون للمعركة، أرعدت السماء وصبت الصواعق على رؤوسهم ليعلم الجميع أن النجاة والنصرة من الله، وليست نتيجة جهد بشري، بل هي بالأحرى نتيجة الصلاة، ونصب صموئيل على الطريق بين المصفاة والسن حجراً أطلق عليه حجر المعونة، وقال عبارته المشهورة: "إلى هنا أعاننا الرب"- أيها السالك في الطريق في أرض الأحياء، هل استطعت أن تنصب مثل هذا الحجر؟.. وهل أردكت ماذا تعني هذه الكلمات؟؟، إنها -إن تحدثت- فإنها تتحدث أولاً وقبل كل شيء عن أن سر النجاة أو الحرية أو النصرة يرجع في حياة المؤمن إلى "المعونة" الإلهية... هكذا قالها يعقوب في أخريات حياته وهو يبارك ابني يوسف: "الله الذي رعاني منذ وجودي إلى هذا اليوم" وقالها بولس أمام أغريباس: "فإذ حصلت على معونة من الله بقيت إلى هذا اليوم شاهداً للصغير والكبير، ولن ينجح الإنسان في معركة واحدة في الحياة بدون الله.. على أنه في الوقت ذاته لا نجاح على الإطلاق بدون الجهد البشري لأن الكلمة "أعاننا" تشير إلى إنسان يجاهد في الوقت الذي ينتظر فيه معونة الرب،.. على أن الأمر أكثر من ذلك، إذ أن الكلمة "إلى ههنا" تعني أن المعركة ليست واحدة. بل هي معركة تتلوها معارك أخرى متعددة، طالما نحن أحياء على الأرض،.. أو في لغة أخرى: إنه ليس وقوفاً عند الماضي متحجرين، بل هو انطلاق إلى الحاضر والمستقبل على طريق النصر!!.. وهو آخر الكل وثبة الإيمان الشاكر لله في الحياة، فكلما وقع الإنسان في أزمة، كلما وقف بذكراه أمام الحجر، الذي ينطق، بأن الله هو هو أمساً واليوم وإلى الأبد،... وما حدث في الماضي عربون دائم لما يمكن أن يحدث في الحاضر والمستقبل أيضاً أمام أزمات الحياة.... وليكن هتافنا على الدوام: يعظم انتصارنا بالذي أحبنا!!..



صموئيل والحساب الختامي

كنت أتمنى أن يفتننا يشوع رينولدز بصورة أخرى عن صموئيل، إلى جانب صورته العظيمة عن الصبي المصلي، وكنت أتمنى أن يعطينا صورة الشيخ العظيم في الجلجال، كما أعطانا صورة الصبي النقي في خيمة الاجتماع في شيلوه،.. إنه من الحسن جداً أن نرى الصورة الأولى، ونحن في الخطوات المبتدئة من الحياة، حيث البراءة والنقاوة والبساطة التي تملأ حياتنا كأطفال، لكن ربما الأجمل والأعظم عندما نقف باليد النظيفة والحياة الباذلة كما وقف صموئيل عند تتويج الملك شاول في الجلجال!!.. هناك نراه في جمال الغسق عند الغروب،.. قد نجده فقير اليد، متهدم الجسم، خشن الثياب،.. لكنه كان كالآخر الذي يبدو أن غطاءه كان خفيفاً، وهو يقترب من النهاية الأرضية فكتب إلى ولده أن يبادر بالمجيء إليه قبل الشتاء، ولعله لا ينسى الرداء الذي تركه في ترواس،.. عندما ترك يوحنا ويسلي عالمنا، كانت تركته كما يقولون.. طبقاً وملعقتين والكنيسة الوسيلة، وفي الحساب الختامي نرى صموئيل لم يأخذ شيئاً من أحد بشهادة الأمة كلها!!.

هل سار هؤلاء جميعاً وغيرهم من أعظم الأبطال وراء ذلك الذي -وهو رب السماء والأرض،.. لم يجد في مولده سوى المذود، وفي سيره في الطريق قال: للثعالب أوجرة، ولطيور السماء أوكار، أما ابن الإسنان فليس له أين يسند رأسه، وفي موته لم يكن له حتى المقبرة التي يدفن فيها، ووجدوا له مقبرة الرامي لتضمه ثلاثة أيام!!..

يا للحياة القريبة، التي تعطينا اليقين أنه ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، إنما بالجهاد الأمين الناجح، حتى يمكن أن تنتهي إلى القول: "جاهدت الجهاد الحسن أكملت السعي حفظت الإيمان، وأخيراً قد وضع لي إكليل البر الذي يهبه لي في ذلك اليوم الرب الديان العادل، وليس لي فقط بل لجميع الذين يحبون ظهوره أيضاً"!!

elraiek G
09-16-2010, 05:59 PM
( 22 )

شاول الملك

"..فمات شاول وبنوه الثلاثة وحامل سلاحه وجميع رجاله في ذلك اليوم معاً"

(1صم 31: 6)


مقدمة

منذ سنوات عديدة، كتب شاب إيطالي كتاباً صغيراً عن الشهيد ورجل الله العظيم "چون هس"، وكان هذا الشاب في ذلك الوقت مثالياً يكره العنف والطغيان، ومن ثم جاءت في الكتاب هذه العبارة: أتمنى لكل قاريء لهذا الكتاب أن يكره العنف والطغيان الروحي، بل كل ألوان العنف والطغيان،.. ولكن هذا الشاب اجتذبته السياسة، وتحول شيئاً فشيئاً حتى أصبح طاغية من أكبر طغاة التاريخ، وقد قاده هذا الطغيان إلى مصير مفجع، كان هذا الطاغية هو "موسوليني"!!.. وفي الحقيقة ما أكثر ما تتلون النفس البشرية من النقيض إلى النقيض،.. ولعل هذا يظهر بوضوح في شخصيتين كانتا تحملان اسم "شاول" وكلا الشخصيتين من سبط واحد هو سبط بنيامين، كان الأول شاول بن قيس، الذي بدأ كأروع ما تكون البداءات، لينتهي إلى أسوأ ما يمكن أن تكون النهايات،.. هذا في الوقت الذي بدأ فيه شاول الطرسوسي على العكس بداءة مرهبة قاسية سيئة، لينتهي إلى أجمل ما يمكن أن تكون عليه حياة الإنسان في الأرض، وليس هناك كارثة يمكن أن تكون قدر كارثة الإنسان الذي يبدأ حسناً لينتهي سيئاً، وربما يبدو السؤال الهام وكيف يمكن أن يحدث هذا؟!! إذا أردت أن تعرف السبب الصحيح الوحيد، فإنه يتلخص في كلمتين: “الله” و “النفس”، وموضع كليهما من الإنسان، ومشكلة الإنسان التعس، هو أنه يضع “النفس” مكان الله، فإذا أراد السعادة، والبهجة والعظمة والخلود، فليس عليه إلا أن يعكس الوضع فيتحقق له كل هذا!!.. كانت تعاسة الملك شاول أنه بدأ بالله لينتهي مع النفس، فذهبت قصته مثلاً مخيفاً يقرؤها الناس للتعجب والتحذر معاً… ويجمل بنا أن نراها فيما يلي:


شاول والرغبة الشعبية

لو أنك أردت أن تعرف سر الرجل من البداءة لأدركت أنه قبل وبعد كل شيء نتاج الرغبة الشعبية أو هو في لغة أخرى "نداء المنظور" نداء شعب هتف للمرة الأولى في حياته: "ليحيي الملك"، نداء شعب يريد قائداً منظوراً يواجه أعداءهم، وقد كان الفلسطينيون في ذلك الوقت قوة رهيبة لهم ثلاثون ألف مركبة وستة آلاف فارس، وشعب كالرمل الذي على شاطيء البحر في الكثرة، وربما لم ير الإسرائيليون قوة مماثلة لهذه القوة، فيما سبق منذ وطأة أقدامهم أرض كنعان، ولم يكتف هؤلاء بالحرص على تزايد قوتهم، بل عملوا على الدوام على إضعاف اليهود، وذلك عن طريق خطة ماكرة، إذ قضوا على جميع الحدادين العبرانيين حتى لا يستطيع هؤلاء أن يحرزوا سلاحاً على الإطلاق، ومن ثم كان ينزل إسرائيل إلى الفلسطينيين كي يحدد كل و احد سكته ومنجله وفأسه، عندما كانت حدود السكك والمناجل والمثلثات الأسنان والفؤوس ولترويس المناسيس، ومع أننا لا نعلم كيف سمح الإسرائيليون لأنفسهم أن يصلوا إلى هذه الحالة كلها على أي حال كانت منتهى الذل والضعة والضعف التي وصلوا إليها، ومن ثم جاءت النتيجة الحاسمة لهذه الحالة، فما أن رأى الشعب أعداءهم بهذه القوة والكثرة حتى استولت عليهم الرعدة والفزع فاختبأوا في كل مخبأ يمكن أن يجدوه في المغاير والغياض، والصروح والآبار، وبعضهم عبر الأردن هارباً إلى أرض جاد وجلعاد!!..

على أن نداء المنظور كان إلى جانب ذلك رغبة التفاخر بمنظر الملك المهيب، الذي يواجه الملوك الآخرين، وقد كانت هذه الرغبة عميقة في قلوبهم إلى الدرجة أنهم على استعداد أن "يأخذ بنيكم ويجعلهم لنفسه لمراكبه وفسرانه أمام مراكبه.... ويأخذ بناتكم عطارات وطباخات وخبازات، ويأخذ حقولكم وكرومكم وزيتونكم أجودها ويعطيها لعبده، ويعشر زروعكم وكرومكم ويعطي لخصيانه وعبيده. ويأخذ عبيدكم وجواريكم وشبانكم الحسان وحميركم ويستعملكم لشغله"..

هذه الرغبة مهما تكلف، فهي حياة هذا الشعب في كل التاريخ، وهي صور متكررة للعجل الذهبي الذي صنعوه في سيناء، أو أقامه يربعام بن نباط في بيت إيل ودان، أو العجل الذي يعبدونه إلى اليوم من أيام المسيح إلى الآن، وهو المال الذي يجمعونه في كل أقطار الأرض إلى أن يهديهم الله، ويعيدهم إلى الفادي الذي صلبوه على هضبة الجلجثة في أورشليم!!... وهو "المنظور" عند أي إنسان يضعه ملكاً في حياته بديلاً عن الله، ويظن أنه بذلك يستطيع أن يسير في موكب الحياة،.. وهو لا يعلم أنه لن ينتفع بذلك الملك على النحو الذي يحلم به، بل سيتحول الملك إلى طاغية رهيب: "فتصرخون في ذلك اليوم من وجه ملككم الذي اخترتموه لأنفسكم، فلا يستجيب لكم الرب في ذلك اليوم"... ويح الإنسان إذ يستبدل الله كما استبدله الإسرائيليون، وهل لله من نظير أو بديل كما يقول موسى: "ليس مثل الله يايشورون يركب السماء في معونتك والغمام في عظمته الإله القديم ملجأ والأذرع الأبدية من تحت فطرد من قدامك العدو وقال أهلك فيسكن إسرائيل آمناً وحده تكون عين يعقوب إلى أرض حنطة وخمر وسماؤه تقطر ندى طوباك يا إسرائيل، من مثلك يا شعباً منصوراً بالرب ترس عونك وسيف عظمتك فيتذلل لك أعداؤك وأنت تطأ مرتفعاتهم!!..


شاول والإجابة الإلهية

أدرك صموئيل عندما طلب الإسرائيليون منه ذلك، أن الشعب يقف على مفرق الطريق في أخطر تحول منه عن الله،.. الانتقال من الحكم الإلهي، إلى الحكم الملكي، أو الانتقال من الحكم الإلهي المباشر إلى الحكم الإلهي غير المباشر عن طريق ملك منظور، وما من شك بأن هناك فرقاً بارزاً بين الاثنين، فالأول أقرب إلى النظام الجمهوري بينما يتجه الثاني صوب النظام الملكي الوراثي، الأول يحصر فكره في الله كملك الأمة، وما القضاء والأنبياء إلا خدمه وممثلوه في القيادة وتدبير الأمور دون أن يكون لهم أدنى حقوق على الشعب، بينما يخضع الثاني للمك المنظور وما تفرضه الملكية من التزامات وفرائض!!.. وإذ أصروا على الطلب أجاب الله طلبهم وانتظارهم في شخص شاول،.. وقد كان شاول قمة انتظارهم، وإن كان من الواضح أن الرجل الذي كان ينشده الرب، كان شخصاً يختلف كل الاختلاف عن الصورة المرسومة في أذهانهم.. ولكنها عادة الله دائماً أن يعطي الإنسان حسب شهوة قلبه، وويل لمن له هذه الشهوة، التي تحجب رغبة الله الصحيحة، والتي يرفض أن يعطيها إلا لمن يطلبها بعمق التسليم لإرادته وحكمته.. كان شاول كما يريد الشعب:


الملك المهيب الطلعة

كان شاول الملك المهيب الطلعة، فإذا أخذنا الأمر بالقياس المادي، فهو أطول من كل الشعب من كتفه فما فوق، والجمال الجسدي هو أول ما يلفت النظر في الإنسان، وإن كان مرات كثيرة ما يكون السر الأكبر في خطأ تقييم الشخصية، رأى أحدهم اللورد لويد الذي قاد بريطانيا في الحرب العالمية الأولى، وكان قصير القامة،.. فقال له: إني أتعجب أن رجلاً مثلك يمكن أن يكون رئيس الوزراء لبلاد تأتي في الطليعة بين الأمم،.. ورد عليه اللورد لويد قائلاً: في بلادكم تقيسون الرجل من هامة الرأس إلى أخمص القدم، وفي بلادنا يقيسون الرجل من هامة رأسه وأسفل ذقنه،... أي أن القياس بالعقل لا بالطول الفارع المديد،.. ومع ذلك فالشعوب تؤخذ في العادة بالبنيان الجسدي، وكان شاول متميزاً من هذا القبيل.


الملك الوطني

على أنه -كان أكثر من ذلك- الملك الوطني الشجاع الذي يدرك معنى رسالة الملك بالنسبة لأمته، فإذا تعرض ناحاش العموني ليابيش جلعاد يريد أن يستعبدها ويذلها على نحو لم يسمع به في كل التاريخ، بتقوير العين اليمني لكل رجل فيها، وإذا بشاول يسمع ويرى بكاء أهل المدينة، فتثور فيه الكرامة الوطنية، وإذ هو يرسل نداءه إلى الأمة كلها، ويأخذ فدان بقر يقطعه ويرسله إلى كل تخوم إسرائيل بيد الرسل قائلاً: من لا يخرج وراء شاول ووراء صموئيل يفعل هكذا ببقرة فوقع رعب الرب على الشعب فخرجوا كرجل واحد وراءه، وهو يدافع عن يابيش جلعاد وينتصر لها، وهو يعيش الملك الوطني حتى يسقط مع أولاده الثلاثة على جبال جلبوع دون أن يتنكر للأمة أو يتخاذل عن قيادتها، مهما أحاطت به الظروف، أو تغيرت به الأوضاع!!.


الملك الديمقراطي

وهو يبدأ حياته الملكية، لا متعالياً على أحد، أو منتقماً من أحد، بل بالحري يطلبونه يوم التتويج، فيجدونه مختبأ بين الأمتعة وهو لا ينسى عندما يتحدث إليه صموئيل في أمر المملكة أنه بنياميني من أصغر أسباط إسرائيل، وأن عشيرته أصغر كل عشائر أسباط بنيامين، وهو يبدأ من القاع، ذهب باحثاً عن أتن ضالة، ليجد مملكة، وإذ يحتقره بنو بليعال لضآلة منبته، ويقولون كيف يخلصنا هذا؟ ويرفضون أن يقدموا له هدية، يصبح كأصم!!.. ولعلنا نلاحظ أنه من فرط الوداعة التي كان عليها أولاً، عندما سأله عمه عما حدث في لقائه مع صموئيل، أجابه: “أخبرنا بأن الأتن قد وجدت، ولكنه لم يخبره بأمر المملكة الذي تكلم به صموئيل”…

الملك الغيور

وهو فيما نقرأ عنه كان الملك الغيور الملتهب العاطفة الذي يقضي على العرافات، ويحاول تطهير المملكة منهن، والجبعونيين الذين قطع يشوع لهم عهداً،.. وإذ يدخل في معركة مع الفلسطينيين يلعن من يتذوق خبزاً حتى المساء قبل أن ينتقم منهم، وهو على استعداد أن يضحي بابنه يوناثان الذي خالف الأمر، وإذا تذوق شيئاً من العسل حمله بطرف النشابة، وكاد أن يقتله لولا أن افتداه الشعب من يده!!..

وهل يمكن أن ينتظر شعب من مليكه أكثر من هذه الخلال العظيمة، الملك المهيب الرائع المنظر، والوطني المتقد، والديمقراطي الوادع،.. والغيور الذي ينقب على مصالح الشعب، ويتقدم لمواجهته في الحرب أو السلم على حد سواء!!..

شاول والفرصة الذهبية

كان شاول من كل وجه يملك الفرصة الذهبية التي أتيحت له،.. لقد أعطاه الله، عندما أدار كتفه من عند صموئيل قلباً آخر، والله يعطي القلب الآخر على الصورة التي يشتهيها المرء أو يطلبها وعندما طلب داود "قلباً نقياً" غسله الله من الخطية البشعة التي تردي فيها وعندما طلب ابنه سليمان "قلباً فهيماً" أعطاه الله هذا القلب وليته طلب مع القلب الفهيم طلب أبيه، إذ أنه حكم مملكة بأكملها، وعجز في الوقت نفسه عن حكمة قلبه الذي مال وراء النساء الغريبة مع بنت فرعون من الموآبيات والعمونيات والصيدونيات والحثيات من الأمم الذين قال عنهم الرب لبني إسرائيل: لا تدخلون إليهم وهم لا يدخلون إليكم لأنهم يميلون قلوبكم وراء آلهتهم، فالتصق سليمان بهؤلاء بالمحبة... وكان في زمن شيخوخته أن نساءهن أملن قلبه وراء آلهة أخرى... وقد وضع صموئيل ثلاث علامات أمام شاول، هدية الثلاثة الرجال الذين سيلتقي بهم، ويأخذ منهم رغيفي خبز بعد أن يسلموا عليه، ومقابلة الزمرة من الأنبياء عند المرتفعة وأمامهم الرباب والدف والناي والعود، وهم يتنبأون، وسيتنبأ هو مثلهم، وسيتعجب الناس من تنبؤه وسيجيب آخرون بما سيضحى مثلاً بين الجميع: "أشاول بين الأنبياء" وسيكون الجواب: "ومن هو أبوهم"... والأمر الثالث أن الله سيعطيه قلباً آخر، وأغلب الظن أن شاول وقد امتلأ فكره بهذا الشيء العظيم المباغت الجديد، تحول ذهنه من الأتن الضائعة إلى المملكة الضائعة، والتي كان عليه أن يعيدها من قبضة المستعبدين الغاصبين، وكان قلبه مفعماً بهذا الإحساس، وإذ أدار كتفه من عند صموئيل أعطاه الله هذا القلب الآخر، الذي يحمل خواص الملك والقائد،.. وليس في هذا قليل أو كثير من حياة الولادة الجديدة، التي لم يكن يعرفها أو تدور في قلبه ومطلبه،... ومع ذلك فقد أعطاه الله الفرصة للارتفاع إلى ما هو أعلى وأسمى، بالنضمام إلى زمرة الأنبياء، والتي يعتقد أن صموئيل أنشأ مدرستها ليرفع من حياة الأمة، ويسمو بنقاوتها ورسالتها، وارتقى شاول إلى هذا المستوى وتنبأ بينهم،.. وقد أعانه في المعارك المتعددة التي واجهته: "وأخذ شاول الملك على إسرائيل وحارب جميع أعدائه حواليه موآب وبني عمون وآدوم وملوك صوبة والفلسطينيين، وحيثما توجه غلب وفعل ببأس وضرب عماليق وأنقذ إسرائيل من يد ناهبيه،... غير أن هذا كله لم يعط شاول القلب الجديد المولود ثانية من الله، وعندما استولت الخطية على هذا القلب ذهب مرة أخرى ليتنبأ وهو يطارد داود راغباً في قتله، ومن السخرية أنه ذهب إلى نايوت في الرامة، وهناك حل عليه روح وتنبأ هذه المرة وهو عار من ثيابه، ولسنا نعلم ماذا قال في نبوته، ولعله كان أشبه ببلعام بن بعور، أو قيافا رئيس الكهنة أو غيرهما ممن فصل الله في شخصياتهم بين النبوة والحياة، على أي حال أنها الفرصة الذهبية العظيمة، التي أعطاها له الله، كما أعطاها لواحد آخر بعد أكثر من ألف عام ليكون واحداً من الاثنى عشر، ومن الغريب أن كليهما انتهى إلى الليل الرهيب: "فقال شاول لعبيده: فتشوا على امرأة صاحبة جان فأذهب إليها وأسألها... وجاءوا إلى المرأة ليلاً"!!.. "فذاك لما أخذ اللقمة خرج للوقت وكان ليلاً"... أجل وفرصة الله إذ لم تقتنص وضاعت، تنتهي بصاحبها إلى الليل، إلى الظلمة الخارجية، إلى حيث يكون البكاء وصرير الأسنان!!.



شاول والانحدار الرهيب

كان شاول أسوأ حظاً من جواد الاسكندر الأكبر، والذي قيل إن هذا الجواد كان من أعظم الجياد، ولكن ما ركبه أحد إلا وأسقطه على الأرض، وحاول الاسكندر أن يفهم السر، حتى أدرك أن الجواد كان يخاف من ظله، فأداره في اتجاه لا يستطيع معه أن يرى الظل، واستأنسه بهذه الصورة،.. وقد حاول صموئيل أن يفعل نفس الشيء مع شاول، حاول أن يستغل ملكاته، وينقذ نفسه، فأحبه حباً عميقاً، وبكى عليه عندما رفضه الرب الليل كله،.. وقد جاهد بالمشورة والمعونة والنصيحة أن يخرجه من ظل "النفس"، لكن هذا الظل بقى معه إلى النهاية حتى بلغ به جبال جلبوع ليموت هناك مع أولاده الثلاث أشنع ميتة... ولعلنا الآن نرى هذا الظل الرهيب الذي انحدر بالرجل إلى مثل هذا المنحدر القاسي:

شاول وعدم التعمق في الدين

لعله من أغرب الأشياء أن هذا الرجل الذي كان على رأس الأمة كان سطحياً إلى أبعد الحدود في الحياة الدينية، وليس أدل على ذلك من أنه لم يكن حتى ساعة الأتن الضائعة يعرف شخص صموئيل، وصموئيل -كما نعلم- كان في ذلك الوقت نبي الأمة وقاضيها ومحررها، وكان الإسرائيليون يذهبون إليه من كل مكان يتلمسون الحكمة والإرشاد والهداية والدين على يديه، ومن العجب أن شاول عندما ذهب إليه، لم يكن مدفوعاً برغبة دينية، بل لمعرفة الأتن الضالة!!.. كان في ذلك الوقت كما يعتقد البعض في الخامسة والأربعين عن عمره،.. ولكنه أشبه بمن يكون في هذه السن، وعقله في الخامسة أو العاشرة من العمر عند المتخلفين عقلياً، وما أكثر الذين لا تستطيع أن تجد توازناً أو تقابلاً بين أعمارهم، وحياتهم الدينية، أو مبادئهم الخلقية،.. ومن الغريب أن يكون شاول على رأس أمة دينية، وهو أبعد الناس عن العمق الروحي المطلوب،.. كانت هذه ضربته الأولى القاتلة،.. بل هي الأساس لكل الضربات الأخرى اللاحقة، لم يشرب هذا الرجل من النبع العميق الذي شرب منه موسى ويشوع وصموئيل وغيرهم، ولا نعرف له أغنية في حضرة الله، كما ترنم الملك الآتي بعده، أو كما رنم الكثيرون الذين عاشوا يلهجون في ناموس الرب ليلاً ونهاراً،... كان شجرة سامعة طويلة، لكن أصولها الداخلية توقفت بعيداً عن النهر، فعجزت عن أن تجد حياة الارتواء لملك عظيم على رأس أمة!!..

شاول وعدم الصبر

ويبدو هذا في تجاسره على تقديم الذبيحة قبل مجيء صموئيل، وقد كان أمر الله صريحاً له في الانتظار حتى يأتي صموئيل ويقدم المحرقة، وقد تصور البعض أنه قدم الذبيحة بنفسه، وكانت هذه خطيته، غير أن البعض الآخر لا يرى هذا الرأي، ويعتقد أنه أمر واحد من الكهنة أن يقدم الذبيحة، دون أن يقوم هو بالعمل مباشرة، وأياً كان الأمر، فمن الواضح أن صموئيل ركز على عدم انتظاره الميعاد الإلهي، وتعجله في تقديم الذبيحة، وربما اندفع شاول إلى ذلك خوفاً من ملل الشعب أو من هجوم الفلسطينيين، على أي حال فإنه الرجل الذي سمح لمشاعره أو أفكاره الشخصية أن تقوده دون انتظار الإرادة الإلهية،... وهي نقطة الفشل البالغ لمن يعمل مع الله!!.. وما أكثر الذين يفشلون في الحياة، لأنهم لا يريدون انتظار الوقت المعين من الله في حياتهم، لقد كان على موسى أن يصبر أربعين سنة في البرية حتى تأتي إليه رسالة الله، وكان على السيد أن ينتظر ثلاثين سنة في الناصرة ليقوم بعدها بخدمة نيف وثلاث سنوات، ولم يصبر شاول، فانزلق بعدم صبره في المنحدر القاسي!!

شاول والكبرياء

وأين شاول الوديع المتواضع المختفي وراء الأقنعة، من شاول الذي لا يهتم بالتعدي على قول الرب وكلامه بقدر اهتمامه بكرامته الشخصية أمام شيوخ إسرائيل وهو القائل لصموئيل: "قد أخطأت والآن فاكرمني أمام شيوخ شعبي وأمام إسرائيل وارجع معي فاسجد للرب إلهك"؟!. لقد أمره الله أن يقضي قضاء تاماً على عماليق ولكنه لم يطع الله، وأبقى على أجاج ملك عماليق ولعله كان يبغي من وراء ذلك أن يبدو في عظمة الملوك الذين كانوا يرجعون إلى بلادهم بعد الانتصار في الحروب، ومعهم الأسلاب والملوك المهزومون كمظهر من مظاهر عظمتهم ومجدهم، وليس هناك شيء يبغضه الله كما يبغض روح الكبرياء.. في أساطير العصور الوسطى أن تنينا هائلاً ظهر في أحد البلدان، وذهب إليه أبطال المدينة لمحاربته، ولكنه قضى عليهم جميعاً، وكانت الخيل إذ رأته فزعت من منظره، وولت هاربة، دون أن يقدر راكبوها على القضاء عليه، حتى أمر الملك بأن لا يجازف أحد ويغامر بحياته في الصراع معه، غير أن بطلاً واحداً أراد قتله، فعمد إلى صنع تنين من الحديد شبيهاً به، وأخذ يدرب خيله وكلابه على الاقتراب منه دون فزع، ثم ذهب آخر الأمر إلى التنين وقتله، وهتفت المدينة كلها له، ولما دخل على الملك، صاح الملك في وجهه: لقد كسرت قانون الطاعة فلم تعد أهلاً لأن تكون من رعاياي، فخرج الرجل في صمت وخجل، وعند ذاك ناداه الملك وقال له: لقد أضحيت الآن أهلاً لأن تكون من أتباعي، لأن الشخص الذي يستطيع الانتصار على كبريائه أعظم من الذي يقضي على التنين!!... ولم يكن شاول من هذا الصنف، بل تمادى كبريائه إلى السقوط الشنيع الذي وصل إليه!!..

شاول والطمع

وهناك مدمر آخر دخل في حياة الرجل، وهو الطمع، عندما كان فقيراً وصغيراً كان مكتفياً، لكن عندما أثرى واغتنى وبدأ يعيش حياة الملوك، لم تعد هناك نهاية لقناعته، وتولد فيه نوع عجيب من خداع النفس، والمال هكذا يدفع الإنسان إليه.

ولعل الحديث بينه وبين صموئيل يكشف عن هذا الخداع الغريب، إن خوار البقر عند النفس الطامعة أشبه بالموسيقى الحلوة الطروب، وقد أنصت صموئيل إلى هذا الخوار، قال لشاول: "وما هو صوت الغنم هذا في أدنى، وصوت البقر الذي أنا سامع"... وتحدث شاول عن هذه الموسيقى الآتية من خيار البقر والغنم، فقال مخادعاً نفسه، وكأنما يريد أن يخدع صموئيل أيضاً: "من العمالقة قد أتوا بها لأن الشعب قد عفا عن خيار الغنم والبقر لأجل الذبح للرب إلهك"... ومن الحق أن الطامع يتحول في لحظة الطمع إلى عابد وثن، وصوت الدنانير عنده أجمل موسيقى تشنف أذنيه.. والقبح في نظر الآخرين يضحى آية الجمال أمام عينيه، ولهذا قال الرسول بولس لأهل كولوسي: "والطمع الذي هو عبادة أوثان"...

شاول والحسد

وعلاقة شاول بداود أبرع صورة يمكن أن يراها الإنسان في الوضع المتغير لعاطفة الحسود، كان داود في مطلع الأمر محبوباً من شاول، إذ بدأت العلاقة بين الاثنين عندما دخل داود إلى القصر الملكي كعازف على العود لنفس شاول المضطربة أقسى الاضطراب، من الروح الرديء الذي باغته بعد ذهاب روح الله عنه، وجاء داود إلى شاول عازفاً بأروع الألحان، فكان يطيب ويذهب عنه الروح الردي، وأصبح داود حامل سلاح لشاول، ووقف أمامه فأحبه جداً،... وظل الحب قائماً حتى سمع الملك أغنية أخرى من النساء الخارجات بالدفوف والفرح والمثلثات يقلن: "ضرب شاول الوفه وداود ربواته"... وأضحت الأغنية العظيمة نشازاً رهيباً قاسياً في أذنيه،.. فحسد الغلام، وأضحى موته هو الهدف الأعظم أمام عينيه!!.. وعندما يستعبد الحسد إنساناً سيدمره تدميراً!!... في قصة قديمة أن راهباً متعبداً تقياً حاولت الشياطين إسقاطه بمختلف الوسائل فلم يفلحوا، وذهبوا إلى رئيسهم وتحدثوا إليه عن الرجل الذي لم تفلح معه تجارب الشهوة والشك والتعب وما أشبه، فذهب إليه الرئيس وهمس في أذنه بكلمة واحدة، إذ قال له: هل سمعت الأخبار؟.. إن زميلك نصبوه أسقفاً على الإسكندرية، وكانت هذه كافية لإسقاطه، إذ ألهبت قلبه بالغيرة والحسد!!

شاول والتمرد

والتمرد هو أن يسير الإنسان عامداً في الطريق الذي كان يقف ضده بكل حزم في الابتداء، ولعل قصته مع العرافة تتحدث عن ذلك بأجلى وضوح، لقد بدأ عمله بالغيرة لله، والقضاء على العرافة المرتبطة بالجان... وكان مخيفاً مفزعاً للعرافين والعرافات ووصل الرجل إلى الدرك السحيق، فإذا كان الله يفارقه، فليكن، ولا مانع من الالتجاء إلى الشيطان،.. وإذا كان الله لا يتكلم إليه، فلا بأس من أن يسمع، ولو من صوت الشيطان، ماذا سيكون مصيره المظلم أمام عينيه!!.. وهكذا تدور الأيام به وهو يذهب إلى عين دور،... وقد اختلف الشراح والمفسرون أوسع اختلاف حــول روح صموئيـل، وهل جــاءت إلى شاول لكي تتحدث إليه بما سيأتي به الغد،... فمن قائل (1) إنها جاءت فعلاً بجهد المرأة كما يذهب التلمود ويوسيفوس أو بتدخل القوة الإلهية بدون مساعدتها وعلى عكس ما كانت تتوقع (2) أو هو ظهور خيالي شيطاني أو ملائكي لم يأت فيه صموئيل على الإطلاق، وإن كان الله قد استدخم هذا الظهور كإعلان إلهي، وإلى هذا الرأي يذهب لوثر وكلفن وجروتيوس وهول وباترك ومتى هنري.. (3) أو هو ضغط ذهني وتمثيلي أحدثه الله في ذهن المرأة لتنطق ما نطقت به (4) أو هو خداع خرافي تعودت المرأة أن تتحدث به إلى الآخرين مع التحليل النفسي لشخصياتهم وما يقولون أو يطلبون (5) استقراء ذكي للحالة التي كان عليها الملك، وما تعتقد أن الغد سيأتي به له، مع رغبتها في دفعه إلى اليأس، إذ أرادت بذلك أن تنتقم منه للمعاملة القاسية التي عامل بها أصحاب الجان في القضاء عليهم وقتلهم،... وما أزال أميل للرأي القائل إن الله قد جاء بصموئيل على غير العادة وتوقع المرأة ليتكلم إليه بالقضاء الإلهي الذي سيقع عليه، وأن المرأة نفسها روعت على غير العادة بظهور المظهر الذي رأت فيه روح صموئيل، وأنها أشفقت على مصير شاول ولم تكن تقصد انتقاماً منه، بل حاولت أن تسري عنه وتذبح له العجل المسمن لتقدم له كملك أكرم ما عندها من طعام!!.. على أي حال، كان ذهاب شاول إلى العرافة هو آخر مدى في التمرد على الله، والسير بعناد في طريقة المخالفة للمشيئة الإلهية!!..

شاول والمصير المفجع

سار شاول في هذا المنحدر الرهيب حتى انتهى إلى ليلة القاسي الطويل، وعندما ذهب إلى العرافة كان الليل قد لفه من كل جانب، وقد يسأل البعض: متى ابتدأ هذا الليل!!.. لقد ابتدأ من اللحظة التي فارقه فيها روح الرب، وباغته روح رديء ولعل الحكيم القديم كان أدق متحدث عن هذه الحقيقة وهو يقول: "أما سبيل الصديقين فكنور مشرق يتزايد وينير إلى النهار الكامل، أما طريق الأشرار فكالظلام لا يعلمون ما يعثرون به".. كان ليل شاول

..

ليل الحيرة

وهل هناك حيرة أبلغ من كلمة الوحي التي جاءت في سفر أخبار الأيام الأول: "فمات شاول بخيانته التي بها خان الرب من أجل كلام الرب الذي لم يحفظه، وأيضاً لأجل طلبه إلى الجان للسؤال ولم يسأل من الرب فأماته وحول المملكة إلى داود بن يسى" وقد ذكر سر وليم بارت: إن جميع الأنبياء العبرانيين من موسى إلى إشعياء اتحدوا في تحذير الشعب من أية محاولات لاستطلاع المستقبل... فإن العقود على هذا الاتجاه يميل بهم إلى إبهام الفكر الإلهي، وإضعاف الإيمان، والعبادة اللائقة للكائن الواحد القادر على كل شيء، والذي كان على هذه الأمة أن تكشفه للناس"... وأنه لمصير مفجع أن ينتهى قائد الأمة للبحث عن البخت" عن طريق الجان، ومن المؤسف أنه ما يزال إلى اليوم من يتمشون وراء شاول في ليلهم الطويل بالبحث عن "المصير" و"البخت" عن طريق "السحر" و"الرمل" و"الودع" و"النجوم" و"الكوتشينة" و"الفنجان" وقراءة "الكف" و"التنويم المغناطيسي" وما أشبه "ومن الغريب أنه في قمة الحضارة العلمية، وما يزال الكثيرون إلى اليوم يقرأون في الصحف باب "حظك اليوم" أو ما تتحدث به "الأبراج" إلى المولودين في هذا الشهر أو ذاك، ولو عقل الإنسان لأدرك كذب الحديث وضلاله من مجرد حظ التوائم الذين يولدون في يوم واحد، ومع ذلك تختلف حظوظهم كاختلاف حظ عيسو ويعقوب، أو زارح وفارص!!... ولو عقل الإنسان لأدرك أيضاً ما قاله موسى: "السرائر للرب إلهنا والمعلنات لنا ولبنينا إلى الأبد لنعمل بجميع كلمات هذه الشريعة" وما أكده إشعياء: "إلى الشريعة وإلى الشهادة إن لم يقولوا مثل هذا القول فليس لهم فجر"... ولا فجر هناك إلا بالتماس مشورة الله، وكلمته الصالحة، وإرشاده الإلهي في الضمير المدرب، والرسالة الواضحة من المنبر، أو الاختبار، أو نصيحة المؤمنين القديسين وقد رفض شاول نصيحة صموئيل حياً، وبحث -للأسف- عن هذه النصيحة ميتاً،.. وكان هذا منتهى ما وصل إليه الرجل من حيرة وضلال!!..

ليل الدم

وقد طلب الدم من كل جانب، إذ تحول وحشاً، وليس أبلغ من سعيه وراء داود لإراقة دمه والقضاء عليه، وليس هناك أدق أو أعمق من اعترافه مرتين بحقيقة الضياع النفسي الذي وصل إليه: "فلما فرغ داود من التكلم بهذا الكلام إلى شاول قال شاول أهذا صوتك يا ابني داود ورفع شاول صوته وبكى ثم قال لداود أنت أبر مني لأنك جازيتني خيراً وأنا جزيتك شراً وقد أظهرت اليوم أنك عملت بي خيراً لأن الرب قد دفعني بيدك ولم تقتلني فإذا وجد رجل عدوه فهل يطلقه في طريق خير فالرب يجازيك خيراً عما فعلته لي اليوم هذا والآن فإني علمت أنك تكون ملكاً وتثبت بيدك مملكة إسرائيل فأحلف لي الآن بالرب أنك لا تقطع نسلي من بعدي ولا تبيد اسمي من بيت أبي فحلف داود لشاول ثم ذهب شاول إلى بيته وأما داود ورجاله فصعدوا إلى الحصن"... وفي المرة الثانية: "فقال شاول قد أخطأت ارجع يا ابني داود لأني لا أسيء إليك بعد من أجل أن نفسي كانت كريمة في عينيك اليوم. هوذا قد حمقت وضللت كثيراً جداً: فأجاب داود وقال هوذا رمح الملك فليعبر واحد من الغلمان ويأخذه والرب يرد على كل واحد برده وأمانته لأنه قد دفعك الرب اليوم ليدي ولم أشأ أن أمد يدي إلى مسيح الرب، وهوذا كما كانت نفسك عظيمة اليوم في عيني كذلك لتعظم نفسي في عيني الرب فينقذني من كل ضيق فقال شاول لداود مبارك أنت يا ابني داود فإنك تفعل وتقدر. ثم ذهب داود في طريقه ورجع شاول إلى مكانه"... فإذا أضفنا إلى هذا كله واقعة البطش بكهنة الرب، والتي رفض عبيده القيام بها، وقام بها دواغ الأدرمي والذي قتل في يوم واحد خمسة وثمانين رجل البسي أفود الكتاب وضرب مدينة نوب مدينة الكهنة بحد السيف الرجال والنساء والأطفال والرضعان والثيران والحمير والغنم، على أسلوب وحشي رهيب... وكان من المستحيل على شاول أن يغسل يديه من هذا الدم البريء، بل وسيبقى ملطخاً يديه، حتى ولو تعطرت اليدان بكل عطور الدنيا... ولكنه ليل الوحشية والدم الذي وصل إليه!!..

ليل الضياع

وقد انتظره هذا الليل فوق جبال جلبوع، ولم يذهب وحده، بل ذهب أبناؤه الثلاثة معه، وسقط يوناثان النبيل، والظبي الحلو، على الجبال الشامخة، وذهب مع إخوته ضحية هذا الأب، الذي ضيع ابنه، ومملكته، وتاريخه الأول،... وإذا كان لنا أن نغني مع داود نشيد القوس، نشيد الرجل الباكي على عوده، نشيد الإنسان الذي يعلم بأن الطريق قد فتح أمامه للملك، ولكنه مع ذلك لم يشمت أو يهلل بل مزق ثيابه في أروع سمو نفسي، وفي أقوى عاطفة باكية، لأنه لا يمكن أن ينسى أن مصرع شاول ستفرح به على أي حال بنات الغلف، وأعداؤه الذين قطعوا رأسه ونزعوا سلاحه وأرسلوا إلى أرض الفلسطينيين لأجل التبشير في بيت أصنامهم وفي الشعب..

قال صموئيل لشاول: "وغداً أنت وبنوك تكونون معي" وهو يقصد بذلك موته، ولست أتصور هنا أنه يتحدث عن مكانه الأبدي مع صموئيل في السماء، فإن الرجلين قد افترقا في الأرض، وسار كل منهما في طريق تختلف تماماً عن الآخر، وتنتهي إلى مصير لا يتلاقى، فإذا كان لنا أن نطوب صموئيل في مجده الأبدي، فمن حقنا أن نبكي شاول بنفس الدموع التي بكى بها الأعظم: "وفيما هو يقترب نظر إلى المدينة وبكى عليها"... والذي قال: "يا بنات أورشليم لا تبكين عليَّ بل ابكين على أنفسكن وعلى أولادكن، لأنه هوذا أيام تأتي يقولون فيها طوبى للعواقر البطون التي لم تلد والثدي التي لم ترضع حينئذ يبتدئون يقولون للجبال أسقطي علينا وللآكام غطينا لأنه إن كانوا بالعود الرطب يفعلون هذا فماذا يكون باليابس"...

elraiek G
09-16-2010, 06:00 PM
( 22 )

شاول الملك

"..فمات شاول وبنوه الثلاثة وحامل سلاحه وجميع رجاله في ذلك اليوم معاً"

(1صم 31: 6)


مقدمة

منذ سنوات عديدة، كتب شاب إيطالي كتاباً صغيراً عن الشهيد ورجل الله العظيم "چون هس"، وكان هذا الشاب في ذلك الوقت مثالياً يكره العنف والطغيان، ومن ثم جاءت في الكتاب هذه العبارة: أتمنى لكل قاريء لهذا الكتاب أن يكره العنف والطغيان الروحي، بل كل ألوان العنف والطغيان،.. ولكن هذا الشاب اجتذبته السياسة، وتحول شيئاً فشيئاً حتى أصبح طاغية من أكبر طغاة التاريخ، وقد قاده هذا الطغيان إلى مصير مفجع، كان هذا الطاغية هو "موسوليني"!!.. وفي الحقيقة ما أكثر ما تتلون النفس البشرية من النقيض إلى النقيض،.. ولعل هذا يظهر بوضوح في شخصيتين كانتا تحملان اسم "شاول" وكلا الشخصيتين من سبط واحد هو سبط بنيامين، كان الأول شاول بن قيس، الذي بدأ كأروع ما تكون البداءات، لينتهي إلى أسوأ ما يمكن أن تكون النهايات،.. هذا في الوقت الذي بدأ فيه شاول الطرسوسي على العكس بداءة مرهبة قاسية سيئة، لينتهي إلى أجمل ما يمكن أن تكون عليه حياة الإنسان في الأرض، وليس هناك كارثة يمكن أن تكون قدر كارثة الإنسان الذي يبدأ حسناً لينتهي سيئاً، وربما يبدو السؤال الهام وكيف يمكن أن يحدث هذا؟!! إذا أردت أن تعرف السبب الصحيح الوحيد، فإنه يتلخص في كلمتين: “الله” و “النفس”، وموضع كليهما من الإنسان، ومشكلة الإنسان التعس، هو أنه يضع “النفس” مكان الله، فإذا أراد السعادة، والبهجة والعظمة والخلود، فليس عليه إلا أن يعكس الوضع فيتحقق له كل هذا!!.. كانت تعاسة الملك شاول أنه بدأ بالله لينتهي مع النفس، فذهبت قصته مثلاً مخيفاً يقرؤها الناس للتعجب والتحذر معاً… ويجمل بنا أن نراها فيما يلي:


شاول والرغبة الشعبية

لو أنك أردت أن تعرف سر الرجل من البداءة لأدركت أنه قبل وبعد كل شيء نتاج الرغبة الشعبية أو هو في لغة أخرى "نداء المنظور" نداء شعب هتف للمرة الأولى في حياته: "ليحيي الملك"، نداء شعب يريد قائداً منظوراً يواجه أعداءهم، وقد كان الفلسطينيون في ذلك الوقت قوة رهيبة لهم ثلاثون ألف مركبة وستة آلاف فارس، وشعب كالرمل الذي على شاطيء البحر في الكثرة، وربما لم ير الإسرائيليون قوة مماثلة لهذه القوة، فيما سبق منذ وطأة أقدامهم أرض كنعان، ولم يكتف هؤلاء بالحرص على تزايد قوتهم، بل عملوا على الدوام على إضعاف اليهود، وذلك عن طريق خطة ماكرة، إذ قضوا على جميع الحدادين العبرانيين حتى لا يستطيع هؤلاء أن يحرزوا سلاحاً على الإطلاق، ومن ثم كان ينزل إسرائيل إلى الفلسطينيين كي يحدد كل و احد سكته ومنجله وفأسه، عندما كانت حدود السكك والمناجل والمثلثات الأسنان والفؤوس ولترويس المناسيس، ومع أننا لا نعلم كيف سمح الإسرائيليون لأنفسهم أن يصلوا إلى هذه الحالة كلها على أي حال كانت منتهى الذل والضعة والضعف التي وصلوا إليها، ومن ثم جاءت النتيجة الحاسمة لهذه الحالة، فما أن رأى الشعب أعداءهم بهذه القوة والكثرة حتى استولت عليهم الرعدة والفزع فاختبأوا في كل مخبأ يمكن أن يجدوه في المغاير والغياض، والصروح والآبار، وبعضهم عبر الأردن هارباً إلى أرض جاد وجلعاد!!..

على أن نداء المنظور كان إلى جانب ذلك رغبة التفاخر بمنظر الملك المهيب، الذي يواجه الملوك الآخرين، وقد كانت هذه الرغبة عميقة في قلوبهم إلى الدرجة أنهم على استعداد أن "يأخذ بنيكم ويجعلهم لنفسه لمراكبه وفسرانه أمام مراكبه.... ويأخذ بناتكم عطارات وطباخات وخبازات، ويأخذ حقولكم وكرومكم وزيتونكم أجودها ويعطيها لعبده، ويعشر زروعكم وكرومكم ويعطي لخصيانه وعبيده. ويأخذ عبيدكم وجواريكم وشبانكم الحسان وحميركم ويستعملكم لشغله"..

هذه الرغبة مهما تكلف، فهي حياة هذا الشعب في كل التاريخ، وهي صور متكررة للعجل الذهبي الذي صنعوه في سيناء، أو أقامه يربعام بن نباط في بيت إيل ودان، أو العجل الذي يعبدونه إلى اليوم من أيام المسيح إلى الآن، وهو المال الذي يجمعونه في كل أقطار الأرض إلى أن يهديهم الله، ويعيدهم إلى الفادي الذي صلبوه على هضبة الجلجثة في أورشليم!!... وهو "المنظور" عند أي إنسان يضعه ملكاً في حياته بديلاً عن الله، ويظن أنه بذلك يستطيع أن يسير في موكب الحياة،.. وهو لا يعلم أنه لن ينتفع بذلك الملك على النحو الذي يحلم به، بل سيتحول الملك إلى طاغية رهيب: "فتصرخون في ذلك اليوم من وجه ملككم الذي اخترتموه لأنفسكم، فلا يستجيب لكم الرب في ذلك اليوم"... ويح الإنسان إذ يستبدل الله كما استبدله الإسرائيليون، وهل لله من نظير أو بديل كما يقول موسى: "ليس مثل الله يايشورون يركب السماء في معونتك والغمام في عظمته الإله القديم ملجأ والأذرع الأبدية من تحت فطرد من قدامك العدو وقال أهلك فيسكن إسرائيل آمناً وحده تكون عين يعقوب إلى أرض حنطة وخمر وسماؤه تقطر ندى طوباك يا إسرائيل، من مثلك يا شعباً منصوراً بالرب ترس عونك وسيف عظمتك فيتذلل لك أعداؤك وأنت تطأ مرتفعاتهم!!..


شاول والإجابة الإلهية

أدرك صموئيل عندما طلب الإسرائيليون منه ذلك، أن الشعب يقف على مفرق الطريق في أخطر تحول منه عن الله،.. الانتقال من الحكم الإلهي، إلى الحكم الملكي، أو الانتقال من الحكم الإلهي المباشر إلى الحكم الإلهي غير المباشر عن طريق ملك منظور، وما من شك بأن هناك فرقاً بارزاً بين الاثنين، فالأول أقرب إلى النظام الجمهوري بينما يتجه الثاني صوب النظام الملكي الوراثي، الأول يحصر فكره في الله كملك الأمة، وما القضاء والأنبياء إلا خدمه وممثلوه في القيادة وتدبير الأمور دون أن يكون لهم أدنى حقوق على الشعب، بينما يخضع الثاني للمك المنظور وما تفرضه الملكية من التزامات وفرائض!!.. وإذ أصروا على الطلب أجاب الله طلبهم وانتظارهم في شخص شاول،.. وقد كان شاول قمة انتظارهم، وإن كان من الواضح أن الرجل الذي كان ينشده الرب، كان شخصاً يختلف كل الاختلاف عن الصورة المرسومة في أذهانهم.. ولكنها عادة الله دائماً أن يعطي الإنسان حسب شهوة قلبه، وويل لمن له هذه الشهوة، التي تحجب رغبة الله الصحيحة، والتي يرفض أن يعطيها إلا لمن يطلبها بعمق التسليم لإرادته وحكمته.. كان شاول كما يريد الشعب:


الملك المهيب الطلعة

كان شاول الملك المهيب الطلعة، فإذا أخذنا الأمر بالقياس المادي، فهو أطول من كل الشعب من كتفه فما فوق، والجمال الجسدي هو أول ما يلفت النظر في الإنسان، وإن كان مرات كثيرة ما يكون السر الأكبر في خطأ تقييم الشخصية، رأى أحدهم اللورد لويد الذي قاد بريطانيا في الحرب العالمية الأولى، وكان قصير القامة،.. فقال له: إني أتعجب أن رجلاً مثلك يمكن أن يكون رئيس الوزراء لبلاد تأتي في الطليعة بين الأمم،.. ورد عليه اللورد لويد قائلاً: في بلادكم تقيسون الرجل من هامة الرأس إلى أخمص القدم، وفي بلادنا يقيسون الرجل من هامة رأسه وأسفل ذقنه،... أي أن القياس بالعقل لا بالطول الفارع المديد،.. ومع ذلك فالشعوب تؤخذ في العادة بالبنيان الجسدي، وكان شاول متميزاً من هذا القبيل.


الملك الوطني

على أنه -كان أكثر من ذلك- الملك الوطني الشجاع الذي يدرك معنى رسالة الملك بالنسبة لأمته، فإذا تعرض ناحاش العموني ليابيش جلعاد يريد أن يستعبدها ويذلها على نحو لم يسمع به في كل التاريخ، بتقوير العين اليمني لكل رجل فيها، وإذا بشاول يسمع ويرى بكاء أهل المدينة، فتثور فيه الكرامة الوطنية، وإذ هو يرسل نداءه إلى الأمة كلها، ويأخذ فدان بقر يقطعه ويرسله إلى كل تخوم إسرائيل بيد الرسل قائلاً: من لا يخرج وراء شاول ووراء صموئيل يفعل هكذا ببقرة فوقع رعب الرب على الشعب فخرجوا كرجل واحد وراءه، وهو يدافع عن يابيش جلعاد وينتصر لها، وهو يعيش الملك الوطني حتى يسقط مع أولاده الثلاثة على جبال جلبوع دون أن يتنكر للأمة أو يتخاذل عن قيادتها، مهما أحاطت به الظروف، أو تغيرت به الأوضاع!!.


الملك الديمقراطي

وهو يبدأ حياته الملكية، لا متعالياً على أحد، أو منتقماً من أحد، بل بالحري يطلبونه يوم التتويج، فيجدونه مختبأ بين الأمتعة وهو لا ينسى عندما يتحدث إليه صموئيل في أمر المملكة أنه بنياميني من أصغر أسباط إسرائيل، وأن عشيرته أصغر كل عشائر أسباط بنيامين، وهو يبدأ من القاع، ذهب باحثاً عن أتن ضالة، ليجد مملكة، وإذ يحتقره بنو بليعال لضآلة منبته، ويقولون كيف يخلصنا هذا؟ ويرفضون أن يقدموا له هدية، يصبح كأصم!!.. ولعلنا نلاحظ أنه من فرط الوداعة التي كان عليها أولاً، عندما سأله عمه عما حدث في لقائه مع صموئيل، أجابه: “أخبرنا بأن الأتن قد وجدت، ولكنه لم يخبره بأمر المملكة الذي تكلم به صموئيل”…

الملك الغيور

وهو فيما نقرأ عنه كان الملك الغيور الملتهب العاطفة الذي يقضي على العرافات، ويحاول تطهير المملكة منهن، والجبعونيين الذين قطع يشوع لهم عهداً،.. وإذ يدخل في معركة مع الفلسطينيين يلعن من يتذوق خبزاً حتى المساء قبل أن ينتقم منهم، وهو على استعداد أن يضحي بابنه يوناثان الذي خالف الأمر، وإذا تذوق شيئاً من العسل حمله بطرف النشابة، وكاد أن يقتله لولا أن افتداه الشعب من يده!!..

وهل يمكن أن ينتظر شعب من مليكه أكثر من هذه الخلال العظيمة، الملك المهيب الرائع المنظر، والوطني المتقد، والديمقراطي الوادع،.. والغيور الذي ينقب على مصالح الشعب، ويتقدم لمواجهته في الحرب أو السلم على حد سواء!!..

شاول والفرصة الذهبية

كان شاول من كل وجه يملك الفرصة الذهبية التي أتيحت له،.. لقد أعطاه الله، عندما أدار كتفه من عند صموئيل قلباً آخر، والله يعطي القلب الآخر على الصورة التي يشتهيها المرء أو يطلبها وعندما طلب داود "قلباً نقياً" غسله الله من الخطية البشعة التي تردي فيها وعندما طلب ابنه سليمان "قلباً فهيماً" أعطاه الله هذا القلب وليته طلب مع القلب الفهيم طلب أبيه، إذ أنه حكم مملكة بأكملها، وعجز في الوقت نفسه عن حكمة قلبه الذي مال وراء النساء الغريبة مع بنت فرعون من الموآبيات والعمونيات والصيدونيات والحثيات من الأمم الذين قال عنهم الرب لبني إسرائيل: لا تدخلون إليهم وهم لا يدخلون إليكم لأنهم يميلون قلوبكم وراء آلهتهم، فالتصق سليمان بهؤلاء بالمحبة... وكان في زمن شيخوخته أن نساءهن أملن قلبه وراء آلهة أخرى... وقد وضع صموئيل ثلاث علامات أمام شاول، هدية الثلاثة الرجال الذين سيلتقي بهم، ويأخذ منهم رغيفي خبز بعد أن يسلموا عليه، ومقابلة الزمرة من الأنبياء عند المرتفعة وأمامهم الرباب والدف والناي والعود، وهم يتنبأون، وسيتنبأ هو مثلهم، وسيتعجب الناس من تنبؤه وسيجيب آخرون بما سيضحى مثلاً بين الجميع: "أشاول بين الأنبياء" وسيكون الجواب: "ومن هو أبوهم"... والأمر الثالث أن الله سيعطيه قلباً آخر، وأغلب الظن أن شاول وقد امتلأ فكره بهذا الشيء العظيم المباغت الجديد، تحول ذهنه من الأتن الضائعة إلى المملكة الضائعة، والتي كان عليه أن يعيدها من قبضة المستعبدين الغاصبين، وكان قلبه مفعماً بهذا الإحساس، وإذ أدار كتفه من عند صموئيل أعطاه الله هذا القلب الآخر، الذي يحمل خواص الملك والقائد،.. وليس في هذا قليل أو كثير من حياة الولادة الجديدة، التي لم يكن يعرفها أو تدور في قلبه ومطلبه،... ومع ذلك فقد أعطاه الله الفرصة للارتفاع إلى ما هو أعلى وأسمى، بالنضمام إلى زمرة الأنبياء، والتي يعتقد أن صموئيل أنشأ مدرستها ليرفع من حياة الأمة، ويسمو بنقاوتها ورسالتها، وارتقى شاول إلى هذا المستوى وتنبأ بينهم،.. وقد أعانه في المعارك المتعددة التي واجهته: "وأخذ شاول الملك على إسرائيل وحارب جميع أعدائه حواليه موآب وبني عمون وآدوم وملوك صوبة والفلسطينيين، وحيثما توجه غلب وفعل ببأس وضرب عماليق وأنقذ إسرائيل من يد ناهبيه،... غير أن هذا كله لم يعط شاول القلب الجديد المولود ثانية من الله، وعندما استولت الخطية على هذا القلب ذهب مرة أخرى ليتنبأ وهو يطارد داود راغباً في قتله، ومن السخرية أنه ذهب إلى نايوت في الرامة، وهناك حل عليه روح وتنبأ هذه المرة وهو عار من ثيابه، ولسنا نعلم ماذا قال في نبوته، ولعله كان أشبه ببلعام بن بعور، أو قيافا رئيس الكهنة أو غيرهما ممن فصل الله في شخصياتهم بين النبوة والحياة، على أي حال أنها الفرصة الذهبية العظيمة، التي أعطاها له الله، كما أعطاها لواحد آخر بعد أكثر من ألف عام ليكون واحداً من الاثنى عشر، ومن الغريب أن كليهما انتهى إلى الليل الرهيب: "فقال شاول لعبيده: فتشوا على امرأة صاحبة جان فأذهب إليها وأسألها... وجاءوا إلى المرأة ليلاً"!!.. "فذاك لما أخذ اللقمة خرج للوقت وكان ليلاً"... أجل وفرصة الله إذ لم تقتنص وضاعت، تنتهي بصاحبها إلى الليل، إلى الظلمة الخارجية، إلى حيث يكون البكاء وصرير الأسنان!!.



شاول والانحدار الرهيب

كان شاول أسوأ حظاً من جواد الاسكندر الأكبر، والذي قيل إن هذا الجواد كان من أعظم الجياد، ولكن ما ركبه أحد إلا وأسقطه على الأرض، وحاول الاسكندر أن يفهم السر، حتى أدرك أن الجواد كان يخاف من ظله، فأداره في اتجاه لا يستطيع معه أن يرى الظل، واستأنسه بهذه الصورة،.. وقد حاول صموئيل أن يفعل نفس الشيء مع شاول، حاول أن يستغل ملكاته، وينقذ نفسه، فأحبه حباً عميقاً، وبكى عليه عندما رفضه الرب الليل كله،.. وقد جاهد بالمشورة والمعونة والنصيحة أن يخرجه من ظل "النفس"، لكن هذا الظل بقى معه إلى النهاية حتى بلغ به جبال جلبوع ليموت هناك مع أولاده الثلاث أشنع ميتة... ولعلنا الآن نرى هذا الظل الرهيب الذي انحدر بالرجل إلى مثل هذا المنحدر القاسي:

شاول وعدم التعمق في الدين

لعله من أغرب الأشياء أن هذا الرجل الذي كان على رأس الأمة كان سطحياً إلى أبعد الحدود في الحياة الدينية، وليس أدل على ذلك من أنه لم يكن حتى ساعة الأتن الضائعة يعرف شخص صموئيل، وصموئيل -كما نعلم- كان في ذلك الوقت نبي الأمة وقاضيها ومحررها، وكان الإسرائيليون يذهبون إليه من كل مكان يتلمسون الحكمة والإرشاد والهداية والدين على يديه، ومن العجب أن شاول عندما ذهب إليه، لم يكن مدفوعاً برغبة دينية، بل لمعرفة الأتن الضالة!!.. كان في ذلك الوقت كما يعتقد البعض في الخامسة والأربعين عن عمره،.. ولكنه أشبه بمن يكون في هذه السن، وعقله في الخامسة أو العاشرة من العمر عند المتخلفين عقلياً، وما أكثر الذين لا تستطيع أن تجد توازناً أو تقابلاً بين أعمارهم، وحياتهم الدينية، أو مبادئهم الخلقية،.. ومن الغريب أن يكون شاول على رأس أمة دينية، وهو أبعد الناس عن العمق الروحي المطلوب،.. كانت هذه ضربته الأولى القاتلة،.. بل هي الأساس لكل الضربات الأخرى اللاحقة، لم يشرب هذا الرجل من النبع العميق الذي شرب منه موسى ويشوع وصموئيل وغيرهم، ولا نعرف له أغنية في حضرة الله، كما ترنم الملك الآتي بعده، أو كما رنم الكثيرون الذين عاشوا يلهجون في ناموس الرب ليلاً ونهاراً،... كان شجرة سامعة طويلة، لكن أصولها الداخلية توقفت بعيداً عن النهر، فعجزت عن أن تجد حياة الارتواء لملك عظيم على رأس أمة!!..

شاول وعدم الصبر

ويبدو هذا في تجاسره على تقديم الذبيحة قبل مجيء صموئيل، وقد كان أمر الله صريحاً له في الانتظار حتى يأتي صموئيل ويقدم المحرقة، وقد تصور البعض أنه قدم الذبيحة بنفسه، وكانت هذه خطيته، غير أن البعض الآخر لا يرى هذا الرأي، ويعتقد أنه أمر واحد من الكهنة أن يقدم الذبيحة، دون أن يقوم هو بالعمل مباشرة، وأياً كان الأمر، فمن الواضح أن صموئيل ركز على عدم انتظاره الميعاد الإلهي، وتعجله في تقديم الذبيحة، وربما اندفع شاول إلى ذلك خوفاً من ملل الشعب أو من هجوم الفلسطينيين، على أي حال فإنه الرجل الذي سمح لمشاعره أو أفكاره الشخصية أن تقوده دون انتظار الإرادة الإلهية،... وهي نقطة الفشل البالغ لمن يعمل مع الله!!.. وما أكثر الذين يفشلون في الحياة، لأنهم لا يريدون انتظار الوقت المعين من الله في حياتهم، لقد كان على موسى أن يصبر أربعين سنة في البرية حتى تأتي إليه رسالة الله، وكان على السيد أن ينتظر ثلاثين سنة في الناصرة ليقوم بعدها بخدمة نيف وثلاث سنوات، ولم يصبر شاول، فانزلق بعدم صبره في المنحدر القاسي!!

شاول والكبرياء

وأين شاول الوديع المتواضع المختفي وراء الأقنعة، من شاول الذي لا يهتم بالتعدي على قول الرب وكلامه بقدر اهتمامه بكرامته الشخصية أمام شيوخ إسرائيل وهو القائل لصموئيل: "قد أخطأت والآن فاكرمني أمام شيوخ شعبي وأمام إسرائيل وارجع معي فاسجد للرب إلهك"؟!. لقد أمره الله أن يقضي قضاء تاماً على عماليق ولكنه لم يطع الله، وأبقى على أجاج ملك عماليق ولعله كان يبغي من وراء ذلك أن يبدو في عظمة الملوك الذين كانوا يرجعون إلى بلادهم بعد الانتصار في الحروب، ومعهم الأسلاب والملوك المهزومون كمظهر من مظاهر عظمتهم ومجدهم، وليس هناك شيء يبغضه الله كما يبغض روح الكبرياء.. في أساطير العصور الوسطى أن تنينا هائلاً ظهر في أحد البلدان، وذهب إليه أبطال المدينة لمحاربته، ولكنه قضى عليهم جميعاً، وكانت الخيل إذ رأته فزعت من منظره، وولت هاربة، دون أن يقدر راكبوها على القضاء عليه، حتى أمر الملك بأن لا يجازف أحد ويغامر بحياته في الصراع معه، غير أن بطلاً واحداً أراد قتله، فعمد إلى صنع تنين من الحديد شبيهاً به، وأخذ يدرب خيله وكلابه على الاقتراب منه دون فزع، ثم ذهب آخر الأمر إلى التنين وقتله، وهتفت المدينة كلها له، ولما دخل على الملك، صاح الملك في وجهه: لقد كسرت قانون الطاعة فلم تعد أهلاً لأن تكون من رعاياي، فخرج الرجل في صمت وخجل، وعند ذاك ناداه الملك وقال له: لقد أضحيت الآن أهلاً لأن تكون من أتباعي، لأن الشخص الذي يستطيع الانتصار على كبريائه أعظم من الذي يقضي على التنين!!... ولم يكن شاول من هذا الصنف، بل تمادى كبريائه إلى السقوط الشنيع الذي وصل إليه!!..

شاول والطمع

وهناك مدمر آخر دخل في حياة الرجل، وهو الطمع، عندما كان فقيراً وصغيراً كان مكتفياً، لكن عندما أثرى واغتنى وبدأ يعيش حياة الملوك، لم تعد هناك نهاية لقناعته، وتولد فيه نوع عجيب من خداع النفس، والمال هكذا يدفع الإنسان إليه.

ولعل الحديث بينه وبين صموئيل يكشف عن هذا الخداع الغريب، إن خوار البقر عند النفس الطامعة أشبه بالموسيقى الحلوة الطروب، وقد أنصت صموئيل إلى هذا الخوار، قال لشاول: "وما هو صوت الغنم هذا في أدنى، وصوت البقر الذي أنا سامع"... وتحدث شاول عن هذه الموسيقى الآتية من خيار البقر والغنم، فقال مخادعاً نفسه، وكأنما يريد أن يخدع صموئيل أيضاً: "من العمالقة قد أتوا بها لأن الشعب قد عفا عن خيار الغنم والبقر لأجل الذبح للرب إلهك"... ومن الحق أن الطامع يتحول في لحظة الطمع إلى عابد وثن، وصوت الدنانير عنده أجمل موسيقى تشنف أذنيه.. والقبح في نظر الآخرين يضحى آية الجمال أمام عينيه، ولهذا قال الرسول بولس لأهل كولوسي: "والطمع الذي هو عبادة أوثان"...

شاول والحسد

وعلاقة شاول بداود أبرع صورة يمكن أن يراها الإنسان في الوضع المتغير لعاطفة الحسود، كان داود في مطلع الأمر محبوباً من شاول، إذ بدأت العلاقة بين الاثنين عندما دخل داود إلى القصر الملكي كعازف على العود لنفس شاول المضطربة أقسى الاضطراب، من الروح الرديء الذي باغته بعد ذهاب روح الله عنه، وجاء داود إلى شاول عازفاً بأروع الألحان، فكان يطيب ويذهب عنه الروح الردي، وأصبح داود حامل سلاح لشاول، ووقف أمامه فأحبه جداً،... وظل الحب قائماً حتى سمع الملك أغنية أخرى من النساء الخارجات بالدفوف والفرح والمثلثات يقلن: "ضرب شاول الوفه وداود ربواته"... وأضحت الأغنية العظيمة نشازاً رهيباً قاسياً في أذنيه،.. فحسد الغلام، وأضحى موته هو الهدف الأعظم أمام عينيه!!.. وعندما يستعبد الحسد إنساناً سيدمره تدميراً!!... في قصة قديمة أن راهباً متعبداً تقياً حاولت الشياطين إسقاطه بمختلف الوسائل فلم يفلحوا، وذهبوا إلى رئيسهم وتحدثوا إليه عن الرجل الذي لم تفلح معه تجارب الشهوة والشك والتعب وما أشبه، فذهب إليه الرئيس وهمس في أذنه بكلمة واحدة، إذ قال له: هل سمعت الأخبار؟.. إن زميلك نصبوه أسقفاً على الإسكندرية، وكانت هذه كافية لإسقاطه، إذ ألهبت قلبه بالغيرة والحسد!!

شاول والتمرد

والتمرد هو أن يسير الإنسان عامداً في الطريق الذي كان يقف ضده بكل حزم في الابتداء، ولعل قصته مع العرافة تتحدث عن ذلك بأجلى وضوح، لقد بدأ عمله بالغيرة لله، والقضاء على العرافة المرتبطة بالجان... وكان مخيفاً مفزعاً للعرافين والعرافات ووصل الرجل إلى الدرك السحيق، فإذا كان الله يفارقه، فليكن، ولا مانع من الالتجاء إلى الشيطان،.. وإذا كان الله لا يتكلم إليه، فلا بأس من أن يسمع، ولو من صوت الشيطان، ماذا سيكون مصيره المظلم أمام عينيه!!.. وهكذا تدور الأيام به وهو يذهب إلى عين دور،... وقد اختلف الشراح والمفسرون أوسع اختلاف حــول روح صموئيـل، وهل جــاءت إلى شاول لكي تتحدث إليه بما سيأتي به الغد،... فمن قائل (1) إنها جاءت فعلاً بجهد المرأة كما يذهب التلمود ويوسيفوس أو بتدخل القوة الإلهية بدون مساعدتها وعلى عكس ما كانت تتوقع (2) أو هو ظهور خيالي شيطاني أو ملائكي لم يأت فيه صموئيل على الإطلاق، وإن كان الله قد استدخم هذا الظهور كإعلان إلهي، وإلى هذا الرأي يذهب لوثر وكلفن وجروتيوس وهول وباترك ومتى هنري.. (3) أو هو ضغط ذهني وتمثيلي أحدثه الله في ذهن المرأة لتنطق ما نطقت به (4) أو هو خداع خرافي تعودت المرأة أن تتحدث به إلى الآخرين مع التحليل النفسي لشخصياتهم وما يقولون أو يطلبون (5) استقراء ذكي للحالة التي كان عليها الملك، وما تعتقد أن الغد سيأتي به له، مع رغبتها في دفعه إلى اليأس، إذ أرادت بذلك أن تنتقم منه للمعاملة القاسية التي عامل بها أصحاب الجان في القضاء عليهم وقتلهم،... وما أزال أميل للرأي القائل إن الله قد جاء بصموئيل على غير العادة وتوقع المرأة ليتكلم إليه بالقضاء الإلهي الذي سيقع عليه، وأن المرأة نفسها روعت على غير العادة بظهور المظهر الذي رأت فيه روح صموئيل، وأنها أشفقت على مصير شاول ولم تكن تقصد انتقاماً منه، بل حاولت أن تسري عنه وتذبح له العجل المسمن لتقدم له كملك أكرم ما عندها من طعام!!.. على أي حال، كان ذهاب شاول إلى العرافة هو آخر مدى في التمرد على الله، والسير بعناد في طريقة المخالفة للمشيئة الإلهية!!..

شاول والمصير المفجع

سار شاول في هذا المنحدر الرهيب حتى انتهى إلى ليلة القاسي الطويل، وعندما ذهب إلى العرافة كان الليل قد لفه من كل جانب، وقد يسأل البعض: متى ابتدأ هذا الليل!!.. لقد ابتدأ من اللحظة التي فارقه فيها روح الرب، وباغته روح رديء ولعل الحكيم القديم كان أدق متحدث عن هذه الحقيقة وهو يقول: "أما سبيل الصديقين فكنور مشرق يتزايد وينير إلى النهار الكامل، أما طريق الأشرار فكالظلام لا يعلمون ما يعثرون به".. كان ليل شاول

..

ليل الحيرة

وهل هناك حيرة أبلغ من كلمة الوحي التي جاءت في سفر أخبار الأيام الأول: "فمات شاول بخيانته التي بها خان الرب من أجل كلام الرب الذي لم يحفظه، وأيضاً لأجل طلبه إلى الجان للسؤال ولم يسأل من الرب فأماته وحول المملكة إلى داود بن يسى" وقد ذكر سر وليم بارت: إن جميع الأنبياء العبرانيين من موسى إلى إشعياء اتحدوا في تحذير الشعب من أية محاولات لاستطلاع المستقبل... فإن العقود على هذا الاتجاه يميل بهم إلى إبهام الفكر الإلهي، وإضعاف الإيمان، والعبادة اللائقة للكائن الواحد القادر على كل شيء، والذي كان على هذه الأمة أن تكشفه للناس"... وأنه لمصير مفجع أن ينتهى قائد الأمة للبحث عن البخت" عن طريق الجان، ومن المؤسف أنه ما يزال إلى اليوم من يتمشون وراء شاول في ليلهم الطويل بالبحث عن "المصير" و"البخت" عن طريق "السحر" و"الرمل" و"الودع" و"النجوم" و"الكوتشينة" و"الفنجان" وقراءة "الكف" و"التنويم المغناطيسي" وما أشبه "ومن الغريب أنه في قمة الحضارة العلمية، وما يزال الكثيرون إلى اليوم يقرأون في الصحف باب "حظك اليوم" أو ما تتحدث به "الأبراج" إلى المولودين في هذا الشهر أو ذاك، ولو عقل الإنسان لأدرك كذب الحديث وضلاله من مجرد حظ التوائم الذين يولدون في يوم واحد، ومع ذلك تختلف حظوظهم كاختلاف حظ عيسو ويعقوب، أو زارح وفارص!!... ولو عقل الإنسان لأدرك أيضاً ما قاله موسى: "السرائر للرب إلهنا والمعلنات لنا ولبنينا إلى الأبد لنعمل بجميع كلمات هذه الشريعة" وما أكده إشعياء: "إلى الشريعة وإلى الشهادة إن لم يقولوا مثل هذا القول فليس لهم فجر"... ولا فجر هناك إلا بالتماس مشورة الله، وكلمته الصالحة، وإرشاده الإلهي في الضمير المدرب، والرسالة الواضحة من المنبر، أو الاختبار، أو نصيحة المؤمنين القديسين وقد رفض شاول نصيحة صموئيل حياً، وبحث -للأسف- عن هذه النصيحة ميتاً،.. وكان هذا منتهى ما وصل إليه الرجل من حيرة وضلال!!..

ليل الدم

وقد طلب الدم من كل جانب، إذ تحول وحشاً، وليس أبلغ من سعيه وراء داود لإراقة دمه والقضاء عليه، وليس هناك أدق أو أعمق من اعترافه مرتين بحقيقة الضياع النفسي الذي وصل إليه: "فلما فرغ داود من التكلم بهذا الكلام إلى شاول قال شاول أهذا صوتك يا ابني داود ورفع شاول صوته وبكى ثم قال لداود أنت أبر مني لأنك جازيتني خيراً وأنا جزيتك شراً وقد أظهرت اليوم أنك عملت بي خيراً لأن الرب قد دفعني بيدك ولم تقتلني فإذا وجد رجل عدوه فهل يطلقه في طريق خير فالرب يجازيك خيراً عما فعلته لي اليوم هذا والآن فإني علمت أنك تكون ملكاً وتثبت بيدك مملكة إسرائيل فأحلف لي الآن بالرب أنك لا تقطع نسلي من بعدي ولا تبيد اسمي من بيت أبي فحلف داود لشاول ثم ذهب شاول إلى بيته وأما داود ورجاله فصعدوا إلى الحصن"... وفي المرة الثانية: "فقال شاول قد أخطأت ارجع يا ابني داود لأني لا أسيء إليك بعد من أجل أن نفسي كانت كريمة في عينيك اليوم. هوذا قد حمقت وضللت كثيراً جداً: فأجاب داود وقال هوذا رمح الملك فليعبر واحد من الغلمان ويأخذه والرب يرد على كل واحد برده وأمانته لأنه قد دفعك الرب اليوم ليدي ولم أشأ أن أمد يدي إلى مسيح الرب، وهوذا كما كانت نفسك عظيمة اليوم في عيني كذلك لتعظم نفسي في عيني الرب فينقذني من كل ضيق فقال شاول لداود مبارك أنت يا ابني داود فإنك تفعل وتقدر. ثم ذهب داود في طريقه ورجع شاول إلى مكانه"... فإذا أضفنا إلى هذا كله واقعة البطش بكهنة الرب، والتي رفض عبيده القيام بها، وقام بها دواغ الأدرمي والذي قتل في يوم واحد خمسة وثمانين رجل البسي أفود الكتاب وضرب مدينة نوب مدينة الكهنة بحد السيف الرجال والنساء والأطفال والرضعان والثيران والحمير والغنم، على أسلوب وحشي رهيب... وكان من المستحيل على شاول أن يغسل يديه من هذا الدم البريء، بل وسيبقى ملطخاً يديه، حتى ولو تعطرت اليدان بكل عطور الدنيا... ولكنه ليل الوحشية والدم الذي وصل إليه!!..

ليل الضياع

وقد انتظره هذا الليل فوق جبال جلبوع، ولم يذهب وحده، بل ذهب أبناؤه الثلاثة معه، وسقط يوناثان النبيل، والظبي الحلو، على الجبال الشامخة، وذهب مع إخوته ضحية هذا الأب، الذي ضيع ابنه، ومملكته، وتاريخه الأول،... وإذا كان لنا أن نغني مع داود نشيد القوس، نشيد الرجل الباكي على عوده، نشيد الإنسان الذي يعلم بأن الطريق قد فتح أمامه للملك، ولكنه مع ذلك لم يشمت أو يهلل بل مزق ثيابه في أروع سمو نفسي، وفي أقوى عاطفة باكية، لأنه لا يمكن أن ينسى أن مصرع شاول ستفرح به على أي حال بنات الغلف، وأعداؤه الذين قطعوا رأسه ونزعوا سلاحه وأرسلوا إلى أرض الفلسطينيين لأجل التبشير في بيت أصنامهم وفي الشعب..

قال صموئيل لشاول: "وغداً أنت وبنوك تكونون معي" وهو يقصد بذلك موته، ولست أتصور هنا أنه يتحدث عن مكانه الأبدي مع صموئيل في السماء، فإن الرجلين قد افترقا في الأرض، وسار كل منهما في طريق تختلف تماماً عن الآخر، وتنتهي إلى مصير لا يتلاقى، فإذا كان لنا أن نطوب صموئيل في مجده الأبدي، فمن حقنا أن نبكي شاول بنفس الدموع التي بكى بها الأعظم: "وفيما هو يقترب نظر إلى المدينة وبكى عليها"... والذي قال: "يا بنات أورشليم لا تبكين عليَّ بل ابكين على أنفسكن وعلى أولادكن، لأنه هوذا أيام تأتي يقولون فيها طوبى للعواقر البطون التي لم تلد والثدي التي لم ترضع حينئذ يبتدئون يقولون للجبال أسقطي علينا وللآكام غطينا لأنه إن كانوا بالعود الرطب يفعلون هذا فماذا يكون باليابس"...

elraiek G
09-16-2010, 06:02 PM
( 23 )

داود

"..وجدت داود بن يسى رجلاً حسب قلبي الذي سيصنع كل مشيئتي"

(أع 13: 22)

مقدمة

يقول بروفسور بليكي: الناس دائماً واحد في واحد، وأما داود فمجموعة واحدة، إذ قد جمع في شخصيته العظيمة أشتاتاً متعددة من الشخصيات، فهو كأخنوخ في السير مع الله، وكإبراهيم في إيمانه القوي، وكإسحق في تأمله العميق، وكيعقوب في كفاحه ونضاله، وكموسى في التهاب وطنيته، وكيشوع في خياله وهمته، وكجدعون في شجاعته وقوته، وكصموئيل في عدالته وغيرته، كان نبياً، وكان شاعراً، وكان مرنماً، وكان ملكاً، وكان إنساناً، كان كل هذه على حدة، وكان كل هذه مجتمعة معاً!!.. يقول هيجل الفليسوف: إن الشخصيات العظيمة تلقى علينا المزيد من المتاعب في تحليلها، للصفات المختلفة المتباينة فيها، وقد دعا مكارتني داود: "الرجل المتناقض" الذي جمع ما يشبه المتناقضات في حياته،.. وإذا كان فوسدك قد ذكر أن المسيح هو الإنسان الوحيد الكامل الذي وازن بين الكمالات الإلهية في نفسه، كاللطف والصرامة، والفرح والحزن، والغيرة والمحبة والقداسة، فلا توجد فضيلة فيه على حساب الأخرى، فإن داود ربما كان أقرب الناس إلى ابنه الأعظم، مع فارق التناقض الواسع الذي سببته الخطية في حياة الملك الإسرائيلي القديم، ومع ذلك فإن هذا الرجل هو الذي قال عنه الله: "وجدت داود بن يسى رجلاً حسب قلبي الذي سيصنع مشيئتي!! لم يكن داود معصوماً كالمسيح، ولكنه أدى دوره في الحياة، ويكفيه فخراً أن يكون من أقرب الكواكب اللامعة، إلى شمس البر، إلى ابن الإنسان، إلى ابن الله!!.. وأرجو أن تعلمنا قصته في الصواب والخطأ، كيف نتمسك بالصواب وننتصر على الخطأ، ولذا أرجو أن نراه من النواحي التالية:



داود وشخصيته العظيمة

اسمه داود أو "المحبوب" يعتقد أنه ولد على الأغلب في عام 1085ق.م أو نحو ذلك، وأبوه يسى البيتلحمي، وكان له سبعة من الأخوة وأختان، ومسح على الأغلب في السابعة عشرة من عمره، وصرع جليات وهو في العشرين، وملك على بيت يهوذا في الثلاثين، وعلى كل إسرائيل في السابعة والثلاثين والنصف من العمر، ومات في السبعين أو حوالي 1015ق.م على حساب بعض الشراح،... ومع أنه كان أصغر أولاد يسى، إلا أنه كان أقرب إسرائيلي إلى قلب الله،... ولعلنا ندرك هذه الحقيقة من خلال ما تميز به من صفات.

داود الحلو الجميل الروح

وهذه أول صفة تقابلنا مع هذه الشخصية القديمة: "وكان أشقر مع حلاوة العينين وحسن المنظر"... ومن المؤكد أنه إذا قورن باليآب أو أبيناداب أو شمة أو واحد من إخوته الآخرين، لربما تفوق عليه واحد في الجمال الجسدي، ولكن قياس الله يمتد إلى الداخل، ولا يقف عند منظر العينين أو طول القامة، بل يتغور إلى القلب،.. لم يكن في إسرائيل من هو أطول من شاول،.. لكن قلبه مع ذلك كان أبعد القلوب عن انتظار الله،... لكننا نأتي الآن أمام قلب بشري، كان حلواً وجميل الروح أمام الله،.. إن مأساة الإنسان في العادة أنه يقيس الأشخاص بمقاييس تختلف عن مقياس الله، فقد يقيسهم بالسن، والأكبر هو الأفضل، ولو صح هذا من الوجهة العسكرية أو السياسية، لما سمح اليونانيون للإسكندر الأكبر أن يقود جيوشهم وهو في العشرين من عمره ليغزو العالم وهو في الثلاثين، ولما قادت جان دارك الجيش الفرنسي وهي في الثامنة عشر من عمرها، ولما ظهر وليم بت في انجلترا، وهو من ألمع السياسيين في كل تاريخها الطويل!!... ولو أن القياس بالجمال الجسدي لأخرجنا الكثيرين من عباقرة الدنيا وفلاسفتها العظام، ولما أتيح لسقراط أن يرسخ فلسفة اليونانيين، ولتوماس كارليل أن يبدع بين الانجليز، ولما استطاع ملتون الأعمى أن يرسل إلينا روائع الفردوس المفقود والمردود!!.. ولو حكمنا على الناس بثرواتهم. لأخرجنا من الدائرة الصيادين تلاميذ المسيح، بل أكثر من ذلك لأخرجنا من العالم سيد الكل: "الذي لم يكن له أين يسند رأسه".. إن القياس الأعظم في الإنسان يتمشى على ضربات قلبه ووجيب مشاعره وعمق أسراره،.. مع القلب المجدد النقي الطاهر أمام الله!!...

متى ولد داود الولادة الجديدة؟ لا نعلم، غير أنه من المؤكد أنه عرف الله وتمتع بالميلاد الثاني قبل مسحه ملكاً،…. وأنه من الصباح الباكر في الحياة عزف بقيثارته أمام الله، أحلى الأغاني وأروع الأناشيد!!… ما أسعد أن يأتي أولادنا في صبح الحياة أمام الله كداود، وما أجمل أن يغنوا له كالعصافير المبكرة في أعشاشها، قبل أن يسمعهم العالم أغانيه ومباذله!… وإذا كانوا قد قالوا إن الرئيس إدوارد تجدد في السابعة من عمره، وأن بوليكاربوس واسحق ووتس عرفا المسيح في التاسعة من العمر، وأن متى هنري وروبرت هول جاءا إلى السيد في الحادية عشرة من العمر. فكم أتمنى أن يأتي أولادنا مع صموئيل وداود، ودانيال وتيموثاوس، ليقولوا لإلههم: “تكلم يا رب فإن عبدك سامع!!..

داود الرقيق القلب

وقد كان داود من أرق القلوب التي ظهرت على هذه الأرض، ويكفي أن أمامك مثلين أو ثلاثة على هذه الرقة الدقيقة العجيبة، فهو في أول شبابه وربما في السادسة عشرة من العمر، إذ ظهر فجأة أمامه دب وأسد، واختطفا شاة صغيرة من بين القطيع، وصرخت الشاة،.. ورأت الصرخة في قلب الفتى البطل، ولم يستطع تحمل صرخة الاستنجاد، ودخل الغلام في معركة الحياة والموت من أجل صرخة حيوان أعجم صغير...

في الواقع أني لا أعرف في الأرض من هو أرق من هذا الشخص في كل التاريخ إلا واحداً فقط قال: "أنا هو الراعي الصالح والراعي الصالح يبذل نفسه عن الخراف وأما الذي هو أجير وليس راعياً الذي ليست الخراف له فيرى الذئب مقبلاً ويترك الخراف ويهرب فيخطف الذئب الخراف ويبددها، والأجير يهرب لأنه أجير ولا يبالي بالخراف"...

والفرق بين داود وابن داود في هذا الشأن واضح، لقد عرض داود حياته من أجل شاة،... وعندما عد الشعب وجاء الغضب الإلهي بالوباء ومات من إسرائيل سبعون ألفاً: "فكلم داود الرب عندما رأى الملاك الضارب الشعب وقال ها أنا أخطأت وأنا أذنبت وأما هؤلاء الخراف فماذا فعلوا فلتكن يدك عليَّ وعلى بيتي"... وكشف له الله عن الذبيحة والفدية!!... وأما الآخر فقد بكى على أورشليم، ولم يقف عند هذا الحد. بل أخذني وأخذك من أنياب الأسد، ومات على الصليب من أجلي ومن أجلك!!... ورقة القلب أيضاً تراها في معاملته لشاول الذي كان يطارده، ويريد القضاء على حياته، ومع ذلك فعندما وقع شاول في يده، وقطع طرف جبته يقول الكتاب: "وكان بعد ذلك أن قلب داود ضربه على قطعه طرف جبة شاول".

وقد تتعجب وتستغرب لهذا، ولكنك لو عرفت المعركة الداخلية في قلب داود، لرأيت مدى الحساسية في قلب الرجل،.. لقد شجعه الذين معه على قتله، ويبدو أن الشيطان قال له: إنه بضربة واحدة ينتهي كل شيء،.. ورفض داود فكر الشيطان،... لكن قلبه ضربه مع ذلك، على مجرد التفكير الداخلي في قتل الرجل!!.. وأية رقة أبلغ من هذه الرقة، إلا في ذاك الذي رفض أن يترك أذن ملخس عبد رئيس الكهنة مقطوعة وهم يهاجمونه يوم الصليب، وأبرأها، ومن فوق الصليب صاح: اغفر لهم لأنهم لا يعلمون ماذا يفعلون!!..

وأما الثالثة فكانت يوم أن تأوه داود، وذكر البئر القديمة- بئر بيت لحم- التي كان يشرب منها وهو غلام صغير،... وكان في حرب مع الفلسطينيين، فقال: من يسقيني ماء من بئر بيت لحم التي عند الباب فشق ثلاثة من الأبطال محلة الفلسطينيين واستقوا ماء من بئر بيت لحم التي عند الباب، وحملوه وأتوا به إلى داود، فلم يشأ داود أن يشربه بل سكبه للرب وقال: حاشا لي من قبل إلهي أن أفعل ذلك!! أأشرب دم هؤلاء الرجال بأنفسهم لأنهم إنما أتوا به بأنفسهم، ولم يشأ أن يشربه"... لم يعد أمامه ماء بل دماً، قدمه الأبطال حباً فيه، مغامرين بحياتهم،.. ونظر إليهم وإلى الماء وقال: هذا شيء رهيب إنه أقدس من أن تلمسه شفتاي،.. وسكبه سكيباً للرب!!

كان أحدهم يسير مع تولستوي في الطريق، وإذا به يرى الرجل يسرع إلى جواد مريض ويحتضنه ويقبل رأسه، وقال الرجل: لقد تصورت تولستوي لا يقبل حصاناً، بل كأنما يقبل أخاه ابن أمه وأبيه،... ولكنها هي الرقة التي يرتفع إليها عظماء الناس، وقد تمكنت من داود من هامة الرأس إلى أخمص القدم!!..

داود الصلب الإرادة

إذا أردت أن تعرف تكوين داود النفسي من هذه الناحية يمكنك أن تراه خلال عبارته القائلة في المزمور الثامن عشر: "يعلم يدي القتال فتحنى بذراعي قوس من نحاس".. ومع أن هذه العبارة تكشف في الأصل عن الفتى المفتول العضلات، لكنها تقودك أكثر إلى الإرادة الحديدية المتمكنة من هذا الشاب، ويكفي أن تلقي نظرة على ذلك التمثال المبدع الذي صنعه ميشيل أنجلو لداود، والذي فيه يبدو مفتوح العينين، وقد تصلبت عضلات وجهه وعنقه، ويده المرفوعة إلى عنقه وهي تحمل حجراً يقبض عليه،... إنك يوم تنظر إلى هذا التمثال، ستكتشف أقوى تصميم أو عزم يمكن أن يظهر في حياة الإنسان على الأرض!!.. ولعلنا نذكر هنا كلمات الكسندر هوايت: إن داود لم يعرف حياته قط، أنصاف الحلول أو يرضى بها، وسواء أمسك بالسهم أو الوتر أؤ العود أو المقلاع، فهو الإنسان الذي يشد عزمه وتصميمه إلى النهاية،.. وليست هنا قوة على الأرض تستطيع أن تجعله يتراجع عما يمكن أن يكون قد استقر عليه،... عندما صمم على مواجهة جليات لم يفلح فيه تقريع أخيه وقسوته في التعبير،... لقد عزم على مقاتلة الجبار، ولن يتزحزح قط، حتى ولو اختبأ الإسرائيليون جميعاً في شقوقهم ومغاراتهم،.. وعندما صمم على أن يعود بالتابوت من بيت عوبيد آدوم: "كان داود يرقص بكل قوته أمام الرب" حتى ولو احتقرته ميكال زوجته وهي تنظر إليه راقصاً،.. إن داود راقصاً أو مغنياً أو مقاتلاً، أو خادماً،... كان يفعل هذا بإرادة من حديد، لا تعرف التخاذل أو التراخي دون تفرقة بين أسد يقتله، أو جبار يصرعه، أو بذل يقدمه لله بذات الإحساس والمشاعر والإرادة الصلبة الثابتة!!..

داود القوي الإيمان

تعجب السيد المسيح من إيمان قائد المئة الذي لم ير في إسرائيل إيماناً يماثل إيمانه،.. ولعل شاول وهو يرى داود يواجه الفلسطيني الجبار، تملكه ذات العجب، وهو يراه يعود برأسه أمامه،.. مع أن داود سبق وذهب إلى القصر الملكي لكي يعزف للملك، ويبدو أنه لم يبق هنالك فترة طويلة، فقد كان الجنون يصيب الملك بين الحين والآخر، ويبدو أنه عاد إلى رعاية الأغنام، وانقضت ثلاث سنوات، وأضحى دواد في العشرين من عمره، ونبت شاربه وذقنه، على صورة تغيرت معالمه فيها أمام الملك، وبالإضافة إلى أن العمل الذي عمله كان مذهلاً إلى الدرجة التي لا يمكن أن تربطه بالغلام الذي رآه من ثلاث سنوات وبقى عنده في القصر فترة من الزمن، وعلى أي حال، لقد ظهر الشاب أعجوبة أمام الملك،.. أعجوبة لا نظير لها أو مثيل، ولم يسأل الملك عنه، بل سأل عن أبيه أيضاً، لعل خصائص الوراثة يمكن أن تكون السبب، ولعله ابن أبيه، ومن شابه أباه فما ظلم كما يقولون!!.. غير أن الأمر لا يرتد إلى ميراث يحمل ابن عن أبيه، فقد يحذو الولد حذو أبيه، ويتمثل به، لكن الأمر هنا أبعد عمقاً وأشد أثراً!!... إن رصيد الولد لم يأته قط من أبيه، بل جاءه من مصدر آخر،.. عبر عنه هو أمام الملك،.. لقد كان رصيده محفوظاً في وجدانه عندما التقى بالدب والأسد،..: "قتل عبدك الدب والأسد جميعاً وهذا الفلسطيني الأغلف يكون كواحد منهما لأنه قد عير صفوف الله الحي وقال داود: الذي أنقذني من يد الأسد ومن يد الدب، ينقذني من يد هذا الفلسطيني، وقال شاول لداود: اذهب، وليكن الرب معك"... ولعله من الواجب أن نقف وقفة تأمل في مفهوم الإيمان بالنسبة لشاول، وبالنسبة لداود،.. فالإيمان عند شاول لا يزيد عن كلمة قالها: "اذهب وليكن الرب معك"...

وما أكثر الذين يؤمنون بالله إيمان شاول، فهم لا ينكرون وجوده، وهم يؤمنون أنه قوي وقادر على كل شيء، ومع ذلك فإن هذا الإيمان لا يزيد عن مجرد فكرة نظرية غير قابلة للاختبار مثلهم مثل رجل أقام فوق شلالات نياجرا سلكاً عالياً ومشى عليه وهو يحمل آخر، وصاح واحد من المعجبين: يا له من بطل عظيم... وقال البطل للصائح: هل تريد أن تجرب؟ فارتد فزعاً إلى الوراء وقال: كلا!!.. لكن الإيمان عند داود كان أكثر من ذلك، كان حياة!! وقد وصل داود إلى الحقيقة التي لا يعثر عليها سوى الأبطال!! إما أن إيمانه حقيقي وصادق يثق فيه بالله القادر على كل شيء!!.. أو أن الموت أفضل من الإيمان الذي لا يزيد عن فقاعة خيالية من الهواء في الحياة!!.. والفارق –ولا شك- مهول ورهيب،.. أيها الأخ: إنك ستجد على الدوام في قصة الحياة، أسداً أو دباً، أو جليات، أو مشكلة مستعصية بهذه الصورة أو تلك،.. وستبقى مصدر الرعب أو الفزع لك، إذا عشت تواجهها ولا يزيد لديك الله عن كلمة تؤمن بها، تقرؤها في كتاب أو تسمعها في عظة،.. حتى تدخل إلى المشكلة، وترى الله أكثر من كلمة، إذ تراه الله الحي القادر على كل شيء. وطوبى لجميع منتظريه!!..

داود الشجاع الجسور

إن هذه الرؤيا الإلهية أعطت داود أن يكون واحداً من أشجع الناس الذين ظهروا على هذه الأرض،.. والسؤال الذي يبدو مذهلاً: لماذا خاف الإسرائيليون جميعاً ابتداء من شاول إلى أبنير إلى جميع أفراد الجيش؟؟: "ولما سمع شاول وجميع إسرائيل كلام الفلسطين هذا ارتاعوا وخافوا جداً".. ولماذا لم يخف داود؟!!.. وباديء ذي بدء أن داود لم يكن من طينة أخرى تختلف عن إخوته الثلاثة في المعركة ومن الإسرائيليين جميعاً، كما أنه لم يستخف على الإطلاق بالرجل العملاق الذي يواجهه، فهو يعلم أيضاً أنه مخيف ومرعب،.. ومع ذلك فإنك لا ترى ذرة واحدة من الخوف تستولى عليه) بل بالحري إن داود تعجل اللقاء، راكضاً إليه: "وكان لما قام الفلسطيني وذهب وتقدم للقاء داود أن داود أسرع وركض نحو الصف للقاء الفلسطيني".. ولكن الفارق الحاسم أن الفلسطيني لم ير أمامه سوى غلام صغير حقير، ورأى داود الفلسطيني ولكن رأى الله أيضاً، وإذا بالعملاق يصبح قزماً لا يرتفع إلا أقل القليل عن الأرض،... وهذه الرؤيا بعينها هي التي فرقت بين داود وبقية الإسرائيليين،.. إن سره العميق حوله أغنية في المزمور السابع والعشرين، ليتعلم منه من يريد أن يتعلم أعظم دروس الشجاعة في الأرض: "الرب نوري وخلاصي ممن أخاف، الرب حصن حياتي ممن أرتعب عندما اقترب إليَّ الأشرار ليأكلوا لحمي مضايقي وأعدائي عثروا وسقطوا، إن نزل عليَّ جيش لا يخاف قلبي إن قامت عليَّ حرب ففي ذلك أنا مطمئن".. ترى هل عرفت السر؟!!.

داود الغيور الملتهب

كان داود أيضاً الرجل الغيور المتلهب في غيرته، وقد لاحقته هذه الغيرة من الصبا حتى آخر الشيخوخة، إذ كانت في حقيقتها تعبيراً إزاء إحساسه بشخص الله وكرامته ومجده،.. عندما ذهب إلى المعركة، كان كل ما ينتظر منه، أن يكون زائراً أو متفرجاً،.. لكن منظراً ظهر أمامه ألهب النار في قلبه، منظر جليات يجدف على الله الحي،.. وهو لا يستطيع أن يحتمل المنظر أو يسمع الكلمات!!... وقد غامر بحياته لأن الموت عنده أهون من إهانة اسم الله، والتجديف على شخصه الكريم... ولم يكن الأمر مجرد اندفاع الشباب يغلي الدم في عروقه إذا ما رأى مالا يطيق رؤياه، بل هي أكثر من ذلك، الغيرة التي جعلته حتى آخر العمر: "أذكر يا رب داود كل ذله كيف حلف للرب نذر لعزيز يعقوب لا أدخل خيمة بيتي لا أصعد على سرير فراشي لا أعطي وسناً لعيني ولا نوماً لأجفاني أو أجد مقاماً للرب مسكناً لعزيز يعقوب".. لقد كان ذله الكبير أنه: "لما سكن الملك في بيته وأراحه الرب من كل الجهات من جميع أعدائه أن الملك قال لناثان النبي أنظر. إني ساكن في بيت من أرز وتابوت الله ساكن داخل الشقق" وهل يجمل به أن يعيش في بيت يبدو أجمل منظراً، وأعظم بهاء من بيت الله؟؟ وفي الحقيقة أن علاقة الإنسان ببيت الله هي واحد من أهم العلامات أو المؤشرات على حقيقة غيرته، والتهاب روحه كانت صرخة حجي النبي: "هل الوقت لكم أنتم أن تسكنوا في بيوتكم المغشاة وهذا البيت خراب"... عندما دخل المسيح الهيكل. ووجد الذين كانوا يبيعون بقراً وغنماً وحماماً، والصيارف جلوساً، فصنع سوطاً من حبال وطرد الجميع من الهيكل. الغنم والبقر، وكب دراهم الصيارف وقلب موائدهم، وقال لباعة الحمام: ارفعوا هذه من ههنا، لا تجعلوا بيت أبي بيت تجارة فتذكر تلاميذه غيرة بيتك أكلتني!!..

داود الواسع الصبر

ومن الغريب أن داود -مع ذلك- كان واسع الصبر، ومن أعظم الناس إتقاناً للتوقيت الإلهي،... فإذا كان آساف هو الكاتب للمزمور الخامس والسبعين، والقائل عن الله: "لأني أعين ميعاداً أنا بالمستقيمات أقضي، ذابت الأرض وكل سكانها أنا وزنت أعمدتها" فإن داود عاش هذه الحقيقة بالتمام، لم يتعجل قط يوماً من أيام الله، مسحه صموئيل للعمل الإلهي،.. غير أنه عاد إلى أغنامه يرعاها حتى يدعوه الله إلى العمل،.. ثم طارده شاول، وعاش سنوات في البرية طريداً مشرداً يقود مئات من البؤساء المطرودين، وجاءه الوقت الذي كان يمكن أن يختزل الميعاد بضربة واحدة، ولكنه رفضها: "وقال داود حي هو الرب أن الرب سوف يضربه أو يأتي يومه فيموت أو ينزل إلى الحرب ويهلك حاشا لي من قبل الرب أن أمد يدي إلى مسيح الرب".. كان فناً من أصعب الفنون فن الانتظار، لرجل خلقه الله بطبع ناري ملتهب، إلا أنه هو القائل: "لأني لك يا رب صبرت أنت تستجيب يا رب إلهي"...

وقد دخل هذا الصبر يوماً من الأيام في أدق امتحان، عندما خرج عليه شمعي بن جيرا يلعنه وهو هارب من أورشليم أمام ابنه أبشالوم، ولم يطق أبيشاي بن صرويه صبراً على هذا السب، فقال: لماذا يسب هذا الكلب الميت سيدي الملك دعني أعبر فأقطع رأسه فقال الملك مالي ومالكم يا بني صرويه، دعوه يسب لأن الرب قال سب داود ومن يقول لماذا تفعل هكذا. وقال داود لأبيشاي ولجميع عبيده هوذا ابني الذي خرج من أحشائي يطلب نفسي فكم بالحري بنياميني، دعوه يسب لأن الرب قال له لعل الرب ينظر إلى مذلتي ويكافئني الرب خيراً عوض مسبته بهذا اليوم"... أجل، وليس هناك ما يكشف في القدرة على الصبر أكثر من التعرض للإيذاء والافتراء والاختلاق مما ليس له أساس من الصحة والحق!!.

داود الوديع المتواضع

وهنا نقف أمام فيضان من العظمة الحقيقية، عندما قتل جليات، وهتفت له الأمة بأكملها وكان في العشرين من عمره، وكان يمكن أن تأخذه نشوة الغرور، ويطالب بوعد الملك في الزواج من ابنته، خاصة وقد أمر شاول عبيده تكلموا مع داود سراً قائلين هوذا قد سر بك الملك وجميع عبيده قد أحبوك فالآن صاهر الملك فتكلم عبيد شاول في أذني داود بهذا الكلام فقال داود هل هو مستخف في أعينكم مصاهرة الملك وأنا رجل مسكين وحقير!!.. وعندما طارده شاول فيما بعد قال له: "وراء من خرج ملك إسرائيل وراء من أنت مطارد، وراء كلب ميت وراء برغوث واحد".. لقد وقفت أمام هذه الوداعة مذهولاً، ولم أعرف بين الناس من تفوق عليها سوى واحد جلس -وهو رب السموات والأرض- متعباً على التراب عند بئر سوخار يتحدث مع امرأة ساقطة، بأرق حديث يمكن أن تسمعه الأذن البشرية، وهو القائل: "تعلموا مني لأني وديع ومتواضع القلب فتجدوا راحة لنفوسكم.. كان يوحنا فم الذهب يقول: إن أساس الفلسفة الوداعة، وبهذا المعنى كان داود فيلسوفاً كبيراً، أدرك أنه مهما يعظم الإنسان فهو دودة حقيرة، هو تراب، هو لا شيء، أمام الله في الوجود!!... طوبى للودعاء لأنهم يرثون الأرض!!..

داود المحب الكبير

ومع أن هذه الصفة كان يمكن أن نضعها أول صفات داود، لكني آثرت أن أضعها الصفة الثامنة، التي نحزم بها صفاته، وهي كما يقول الرسول بولس "رباط الكمال"،.. وفي الحقيقة أن هذه الصفة تقف خلف صفاته جميعاً، وتعطيها الحياة والقوة والغذاء لقد أحب الله، وأحب الآخرين، وأحب الخدمة، وحول هذا الحب مزامير خالدة في مسمع الله والإنسان: "أحبك يا رب قوتي" "أحببت لأن الرب يسمع صوت تضرعاتي"..

لقد أعطى الله كل حبه، وعندما رقص أمام التابوت بكل قوته، كان يرقص رقصة الحب الكامل لله، وعندما جلس في حضرة الله وهو يصرخ غارقاً في فيضان هذا الحب: "من أنا يا سيدي الرب وما هو بيتي حتى أوصلتني إلى ههنا"... وإذ خاف أن يتراجع إحساسه في يوم ما هتف هتافه العميق: "باركي يا نفسي الرب وكل ما في بطني ليبارك اسمه القدوس باركي يا نفسي الرب ولا تنسي كل حسناته"... وعندما أحب الناس، أحب الجميع. كان حبه ظاهراً في نشيده الذي رثى به يوناثان: "قد تضايقت عليك يا أخي يوناثان كنت حلواً لي جداً محبتك لي أعجب من محبة النساء".. لم يكن داود "المحبوب، بل أكثر من ذلك "المحب"، وقد صدق من قال: إن تكن محبوباً ذاك لا شيء أما أن تحب فذاك كل شيء!!.



داود ومدارسه الكبرى

وقف واحد من شعراء الغرب -من ابن يسى الأصغر- يهتف للوجه الوديع، والدهن المهراق ينساب على رأسه وهو يواجه خدمته المليئة بالتعب والمجد، وتابعه في القصر الملكي، وفي ميدان المعركة، وهو يلمع بالرجاء، وهو محاط بالعزلة، والجروح التي أتته من الصديق، والعطايا التي أخذها من الأعداء،.. والحياة الممتلئة بالإيمان، والذنب، والدموع والدماء، والانتصار. ولعلنا مع هذا الشاعر وغيره نسأل: ما هي المدارس التي دخلها داود وصنعت منه الشخص العجيب الذي أشرنا إليه، وعرفه التاريخ؟!!.. لعلها:



مدرسة الآباء والأجداد

كان داود أكثر أولاد يسى التقاطاً لتاريخ آبائه وأجداده، ومع أننا لا نكاد نعرف الكثير عن يسى أبيه سوى أنه ابن عوبيد بن بوعز من راعوث، ومع أننا لا نعرف شيئاً عن أمه،.. إلا أنه يبدو بوضوح أن الصبي كان على أوفى علم بتاريخ آبائه وأجداده وأنه كان غنياً جداً بالذكريات التي جاءته عن هؤلاء الآباء، وعن معجزات الله معهم، وأنه إذا كان جدعون قد تساءل في حزن وألم عن العجائب التي حدثه آباؤه عنها، والتي صنعها معهم الرب،.. فإن داود كان أكثر تفهماً وشوقاً لهذا الإله، وكان ينتظر من بكور الحياة أن تأتي الكثير من صور العجائب والمعجزات على يديه!!.. كانت مدرسة الآباء والأجداد من أخصب مدارس الحياة في الابن الأصغر ليسي البيتلحمي، وعلى وجه الخصوص أنه كان من النوع الذي يحن إلى الذكريات القديمة، وقد حن ذات يوم إلى جرعة من البئر التي كان يشرب منها من أيام الصبا،.. ومن المؤكد أنه كان يشرب جرعات حلوة كثيرة، من بئر الذكريات العظيمة لآبائه وأجداده الأقدمين!!..



مدرسة الطبيعة

وجهت "هيلين كيلر" سؤالاً عجيباً -وهي عمياء وصماء وبكماء- إلى عدد كبير من الأزواج: ما لون عين زوجتك؟!! ومن الغريب أن أكثرهم –وقد فوجيء بالسؤال لم يستطع أن يصف لون عين زوجته!!.. وما أكثر الذين لهم العيون التي تبصر ولا تتأمل، لكن عين داود لم تكن من هذا النوع، وهي تتأمل الطبيعة العظيمة، التي صنعها الله!!.. لقد أمسك الرجل قيثارته وغنى أحلى الأغاني، وهو يرى هذه الطبيعة الفاتنة: “أيها الرب سيدنا ما أمجد اسمك في كل الأرض… حيث جعلت جلالك فوق السموات… إذا أرى سمواتك عمل أصابعك القمر والنجوم التي كونتها، فمن هو الإنسان حتى تذكره وابن آدم حتى تفتقده” “السموات تحدث بمجد الله والفلك يخبر بعمل يديه، يوم إلى يوم يذيع كلاماً وليل إلى ليل يبدي علماً لا قول ولا كلام لا يسمع صوتهم في كل الأرض خرج منطقهم وإلى أقصى المسكونة كلماتهم، جعل للشمس مسكناً فيها وهي مثل العروس الخارج من حجلته، يبتهج مثل الجبار للسباق في الطريق، من أقصى السموات خروجها ومدارها إلى أقاصيهاولا شيء يختفي من حرها”.. كان “صموئيل كوكس” يضع زهرة بيضاء تذكره بجمال الله ونقاوته وقداسته، وهو يعمل بين العمال الذين امتلأت حياتهم من طين الخطية والدنس، واستنشق داود أجمل الزهور، وعلمه شذاها أن يغني أحلى الأغاني لله!!..



مدرسة الألم

لم تكن الحياة عند داود سهلة هادئة رضية، بل هو الرجل الذي التقى بكافة ألوان الصعاب والمتاعب من مطلع حياته إلى نهايتها وكان أشبه بذلك الإنسان الذي صاح طالب أن يرفع الله عنه الحمل الثقيل، وأجاب الله على صلاته، ولكن بصورة أخرى إذا أعطاه الكتف القوية التي تستطيع حمل الحمل... ونحن نستطيع أن نصور لك الطريق التي سار فيها، والتي التقى فيها من الشباب الباكر بالدب والأسر، وجليات وشاول، وسار ليرى أبشالوم وأخيتوفل وشمعي بن جيرا، ويوآب بن صرويه، وغيرهم ممن حولوا حياته تعباً وألماً وعذاباً متصلاً، فإذا تركنا التي جاءته خطيته البشعة، في قصة بثشبع وأوريا، وإذ تجاوزنا تلك التي جاءته من غفلته وحماقته، يوم ترك صقلغ دون حماية، فأحرقت عن آخرها، فإن السؤال ما يزال باقياً: لماذا يسمح الله بالعذاب من مطاردة شاول له سنوات متعددة، لا يصبح فيها بائساً فحسب، بل -أكثر من ذلك- زعيم البؤساء إذ لحق به كل متعب ومدين ومتضايق وجرب فيها أن يسلك سلوك الأفاقين الجائعين السالبين، حتى شاء الله أن يضع في طريقه أبيجامل لتمنعه من سفك الدماء وانتقام يده لنفسه؟!! إن الجواب على ذلك واضح في أن مدرسة الألم كانت مدرسة التدريب التي يبدو أنها ضرورية في حياة جميع أولاد الله، وهم يسيرون في الطريق الضيق في الأرض، كما أني كشفت في الوقت عينه الإحسان والرحمة والخير والجود التي لا يترك الله أولاده دون أن يرتوا منها، فإذا ظهر في الطريق شاول، فإن هناك يوناثان، وإذ ظهر أخيتوفل، فإن هناك برزلاي الجلعادي، وإذا ظهر نابال، فهناك أبيجايل، وهكذا،… وهي –إلى جانب هذا كله- المدرسة التي تكشف عن انتصار الله الأعظم،… وهي التي علمته أن أشد الظلمة ما كانت خلف الباب، فإذا قيل عنه أنه عندما دخل صقلغ، وكانت المدينة كتلة من الفحم الأسود، وكانت –إذا جاز التعبير “الهباب” الذي وصل إليه، فإنه بعد أيام لا يسترد فقط كل ما أخذ منه بل ينادي به ملكاً على بلاده!!… لقد رأى خلال الألم أغلى الدروس وأعمقها مما سار مطبوعاً في وجدانه مدى الحياة!!..



مدرسة الواجب

وقد تكون هذه المدرسة أعلى مدارس داود وأعظمها، إذ أن الواجب علمه الأمانة إلى الموت وكم وقف هذا الرجل على أبواب الموت وهو يقدس الواجب ولو أنه عاد إلى أبيه يوم هاجمه الدب والأسد، واختطفا الشاة الصغيرة، دون أن ينقذها لما لامه أبوه أو لامه أحد، لكن واجبه المقدس هو الذي دعاه أن يغامر بحياته لإنقاذها،... ومع أنه كان أصغر جداً من أن يواجه جليات، لكن الواجب المقدس عاد مرة أخرى ليرتفع أمام عينيه، وهو يرى أن الحياة لا معنى لها، أمام عملاق يجدف على إلهه ويهين مجده!!..

عندما طلب إلى "ليفنجستون" أن يعود إلى انجلترا، وقد داهته الأمراض والمتاعب،.. أجاب الرجل الذي قدس الواجب: أن أعود إلى انجلترا لتكرمني الملكة، هذا شيء عظيم،.. لكني لا أستطيع لأجل رسالتي العظميى التي يطلبها مني يسوع المسيح!!... ولقد أخذ جسده بعد أن مات ليدفن في مقابر العظماء بانجلترا،... لكنه كان جسداً بلا قلب، لأن وصيته أن ينزع قلبه ليدفن في أفريقيا، في البلاد التي أحبها وخدم سيده فيها!!.. لقد عاش ومات وقلبه للمسيح في خدمة أفريقيا!!.. كان الإحساس بالواجب هو رسالة داود العظيمة من مطلع العمر إلى نهاية الحياة!!..



داود وضعفاته المحزنة

لست أدري لم حرص الكتاب المقدس على أن يبرز ضعفات داود، ومنها ما لا يسقط فيه أبسط المؤمنين وأضعفهم؟!! أغلب الظن أن الكتاب أراد أن يحذرنا جميعاً (أقوياء وضعفاء) بأن قتلى الخطية أقوياء، وأنه لم ينتصر عليها في الأرض سوى شخص واحد، قال: “من منكم يبكتني على خطية” وأننا ينبغي أن نجاهد حتى الدم ضد مكرها، وختلها، وكذبها، وغدرها، وسلطانها،.. على أنه في الوقت نفسه أعطانا أنشودة الرجاء، لأنه ليس المهم –كما قال أحدهم- أن يسقط المرء كما سقط داود سقطته الشنيعة، التي لم يعرف شاول بن قيس مثيلاً لها، لكن الأهم أن شاول بن قيس لم يعرف في حياته المزمور الحادي والخمسين مزمور التوبة أمام الله… وعندما نتحدث عن خطايا لنكن مشبعين بالحذر، وبالرجاء أيضاً!!.. ولنعلم أننا ضعفاء مثله، وأقوياء بالرب أيضاً عندما نلوذ برحمته وإحسانه وجوده!!..



ضعف الإيمان

وهل رأيت العملاق، وهو يواجه الدب والأسد، وجليات، والقائل إن نزل على جيش لا أخاف؟؟ هذا العملاق، عندما يطارد شاول ويصيبه الإعياء، يضعف ويصبح واحداً منا، ويقول ليوناثان بن داود "كخطوة بيني وبين الموت"، وعندما يذهب إلى أخيش ملك جت، ويسمع الملك من عبيده: "أليس هذا داود ملك الأرض، أليس لهذا كن يغنين في الرقص قائلاً ضرب شاول ألوفه وداود ربواته، فوضع داود هذا الكلام في قلبه وخاف جداً من أخيش ملك جت فغير عقله في أعنيهم وتظاهر بالجنون بين أيديهم وأخذ يخربش على مصاريع الباب ويسيل ريقه على لحيته فقال لعبيده هوذا ترون الرجل مجنوناً فلماذا تأتون به إلى العلي محتاج إلى مجانين حتى أتيتم بهذا ليتجنن علي، أهذا يدخل بيتي"..

وأكثر من هذا أن الرجل بعد فترة من الزمن عاد إلى أخيش، وأعطاه أخيش صقلغ، وكاد يحارب مع أخيش ضد شعبه وقومه،.. وهي فترات قاسية مظلمة ليس من السهل تصورها،.. ولكنها الصورة المحزنة عندما يضعف الإيمان في حياة الإنسان حتى ينقذه الله مرات أخرى ليعود إلى إيمانه الأول القديم!!..



ضعف التسامح

ومع أن هذا الرجل كان صارم العدالة مع العماليقي الذي ادعى أنه قتل شاول وحمل إليه سلاحه، ومع الاثنين اللذين قتلا ابن شاول غدرا وغيلة تقرباً منه، إلا أن عواطفه تذبذبت مع ابنه أبشالوم صعوداً ونزولاً، فالولد إذ يقتل أخاه ويهرب، يعاوده الحنين من ناحيته، وإذ يعود بوساطة يوآب يسامحه داود بشرط ألا يرى وجهه، وإذ يثور عليه، ويعلن الفتنة ضده، لا يستطيع تنفيذ العدالة كاملة، كما فعلها يوآب، بل يبكي على ابنه ويتمنى لو ذهب هو مكانه في الموت،.. ومع أنه حلف لشمعي بين جيرة الذي لعنه قاسية ألا يموت، إلا أنه لم ينس إلى الموت هذه اللعنة، وطلب من سليمان أن يتعامل معه بالحكم التي تحدر شيبته إلى الهاوية، ومع أن يوآب خدمه خدمات لا يمكن أن تنسى، إلا أنه لم يستطع نسيان ما عاناه منه، وضم هذا إلى دم أبنير بن نير وعماسا بن يثر، وطلب من ابنه أن يتعامل معه بالصورة التي تحدر شيبته إلى الهاوية أيضاً!!.. ومع أن الكثيرين من الشراح يلفتون أنظارنا إلى أنه من الخطأ أن نحكم على داود وتصرفاته، بما علمنا إياه ابنه العظيم سمعتم أنه قيل عين بعين وسن بسن وأما أنا فأقول..." .. وأن داود في الكثير من هذه الأوضاع كان يتكلم بصفته الحاكم العادل الذي ينبغي أن يقتص عدالة الله من المذنب والمجرم ، وأنه وإن كان قد سمح لشمعي بن جير أن يعود إلى بيته بقسم لا يستطيع تجاوزه، لكن شمعي كان ظالماً ينبغي أن ينال عقابه ولو بعد زمن لا لأنه أهان إنساناً، بل لأنه افترى على مسيح الرب بكل افتراء وتضليل، وأنه وإن كان قد أخذته الشفقة على ابنه فإنه كان يمثل صراع العدالة والحب في قلب ملك وأب في نفس الوقت!!.. أياً كان هذا كله، فإن الرجل كان أضعف من أن يصل إلى رحمة ذاك الذي قال عن صالبيه: يا أبتاه اغفر لهم لأنهم لا يعلمون ماذا يفعلون!!.. وأن المسيحية في شوطها الطويل نحو الغفران، كان لابد أن تصل إلى نور الظهيرة إذا قورنت بالشفق الجميل يظهر ساعة الشروق!!.. وأن داود مهما وصل في سمو نفسه، فهو واحد منا نحن الضعفاء الذين تتذبذب عواطفنا، بين السمو والانحدار،.. وأنه واجبنا الدائم أن ننتصر على الإنسان الضعيف فينا، لئلا نصل في ضعفنا إلى طلب القضاء على خصومنا ونحن على أبواب الموت والنهاية الأرضية..



السقطة الكبرى

على أن هذه كلها، مهما كانت محزنة ومؤلمة، لا شيء على الإطلاق إلى جانب سقطته، بل وصمته الكبرى التي هوى فيها من القمة إلى القاع، في لحظة واحدة، وقد حرص الكتاب على تدوين القصة بكل بشاعتها ولوثتها وخستها، لكي تبقى مدى الأجيال عظة للأقوياء قبل الضعفاء، وللجبابرة قبل العاديين وللذين يأخذون المراكز في الصفوف قبل الذين هم في آخر الصفوف، أنه لا توجد في الإنسان مناعة ضد ميكروب الخطية، .. وأن جراثيمها يمكن أن تتكاثر وتسقط أعظم الأبطال، لولا رحمة الله ونعمته،.. ولقد عرف الشيطان كيف يأتي إلى الرجل، لقد جاءه في وقت الفراغ، وربما إهمال الواجب،.. كانت هناك معركة، ولو قاد داود الجيش، وقاتل في المعركة، لنجا،.. لكنه ترك غيره يؤدي الواجب، وصعد هو إلى أعلى السطح، ليرى امرأة تستحم، ومهما يكن جمال هذه المرأة، فإنها نعجة، لا يمكن أن تكون أجمل وأندر من النعاج الأخرى التي تملأ بيته،.. ولكنها الغريزة القبيحة في الإنسان التي تجعله يرى الممنوع -مرغوباً فيه، منذ ذلك اليوم الذي فيه أكل آدم من الشجرة الوحيدة المحرمة، دون أشجار الجنة العديدة الحلوة الشهية الثمر،... إلى أي حد كان بيت أوريا قريباً من بيت داود، لست أعلم!!؟.. لكنه يبدو أن التجربة كانت أقرب إليه بالكيفية التي خدرته، ولم يستطع معها محاولة الهروب،.. لكن لكن الأمر كان أفظع وأشد أو كما يقول توماس جودين في دراسته العميقة عن "تعدي الخطية": أنه أمر أوريا أكثر من "بثشبع" الذي أوقد غضب الله ضد داود،.. فإذا كانت الخطية قد فاجأته مع بثشبع، وأنه غلب منها بعنصر المباغتة والمفاجأة، فإن الأمر لم يكن هكذا بالنسبة لأوريا، ورفض الذهاب إلى بيته، فإذا لم يفلح التمويه، فلتكن القسوة الشديدة التي تترك البطل في مواجهة الحرب، مع التوصية بالتخلي عنه وتركه ليواجه الموت!!.. إن الخطية، تجر في ذيلها دائماً خطايا كثيرة متعددة، أشنع وأرهب وطريقها دائماً منزلق يسقط القديس الجالس على القمة إلى المنحدر الرهيب،.. والتستر على الخطية، يضيف إليها، خطايا أخرى متعددة، الكذب والغدر والنفاق والقسوة والكبرياء، والرياء،.. وأشر ما في الأمر أن داود استمر على هذا الحال ما يقرب من سنة حتى ولد الولد، وجاءه ناثان النبي،.. هل ذهب إلى بيت الله، هل رنم مع المرنمين؟؟ هل صلى مع المصلين؟؟ إننا نحمد الله كثيراً لأنه لم يترك مزموراً من مزاميره الخالدة في فترة الإثم،.. لقد تحطم تماماً، وعندما غنى مزمور التوبة العظيم كانت طلبته إلى الله "رد لي بهجة خلاصك" لأن الرجل لم تعد تحلو له القيثارة المغنية، ولم يعد له الصوت الطروب، ولم تعد له نقاوة القداسة، لقد أضحى صورة مخدوعة مخادعة للكثيرين والكثيرات!!..

كانت خطيته شنيعة هيهات أن تقتصر عليه، بل تجاوزت الظلام، لأنه ليس خفي لا يعرف ولا مكتوم لا يعلن أو يكشف، وكانت عثرة رهيبة للكثيرين من ذوي الإيمان النقي، وكانت شماتة وسخرية من أعداء الله والحق، وعلى قدر ما يأخذ الإنسان من امتياز ويتحمل من مسئولية على قدر ما تكون خطيته، لقد كانت خطية بيلاطس البنطي عظيمة جداً، لكن المسيح مع ذلك قال له: "لذلك أسلم إليه له خطية أعظم" لأن الذي يودعونه كثيراً يطالبونه بأكثر!!..

لماذا لم ينهض من تلقاء نفسه، ولما انتظر سنة بأكملها حتى جاءه ناثان النبي، أغلب الظن أنه كان أشبه بالوعل في الشبكة، أو العصفور في القفص، أو السمكة في السنارة،.. عندما ثار عليه الضمير، تصوره البعض يحاول مستميتاً أن يثبت أنه لم يفعل شيئاً،.. إنه ملك، وحقه على الرعايا لا ينازع فيه أحد، سواء كانت بثشبع أو أوريا، وله أن يتصرف فيهما كما يشاء أو يريد،.. ثم إنه لم يقتل أوريا، ولم تمتد عليه يد إسرائيل، بل قتل في الحرب، وحتى لو ذهب إلى أقسى مكان، فإن الله لو أراد له أن يحيا لأبقاه، والأرواح كلها بيد الله،.. وعندما مات لم يتنكر لزوجته فقد ضمها إليه، ورفعها إلى مركز الملكات، والوليد الذي جاء منها اعترف به، وأحبه، وتمنى أن يعيش!!... كل هذه وغيرها كانت بعض خياله حتى جاءه الحق أبلج كالنور ليقول: أنت هو الرجل!!..

إن السؤال الآخر الذي يمكن أن تلقيه علينا هذه القصة. كيف تاب داود، وما عناصر توبته الصحيحة؟!!.. من الغريب جداً أن داود يعتبر الشخص الثالث في هذه التوبة، وليس الأول أو الثاني،.. إن الأول هو الله الذي مد يده إلى الأسير في الخطية والله دائماً هو المحرك الأول لكل توبة في حياة الإنسان، ألم يقل إفرايم في لغة إرميا: "توبني فأتوب لأنك أنت الرب إلهي" وألم يقل الرسول بولس: "لأن هذا حسن ومقبول لدى مخلصنا الله الذي يريد أن جميع الناس يخلصون وإلى معرفة الحق يقبلون".. والله دائماً هو الأعظم ألما، والأكثر رغبة، في أن ننهض من آثامنا، ونقوم من خطايانا،.. وكان الشخص الثاني ناثان النبي، ولم يتحرك ناثان من تلقاء نفسه بل حركة الله: "فأرسل الرب ناثان إلى داود".. وكان ناثان من أبرع الناس وأحكمهم وأشجعهم، والمثل الذي ينبغي أن يحتذى عندما يحمل المرء رسالة الله للناس، أن الشجاعة لابد أن تكون مقرونة بالحكمة والحكمة لابد أن تكون متسمة بالشجاعة، ونحن نعظهم أو نوبخهم، والله لا يطالبنا أن نكون مندفعين بدعوى الشجاعة أو الصراحة، ونحن نكلم الناس عن خطاياهم لأن رابح النفوس،.. وقد قال سقراط في بعض حكمه إذا وجدت ثوراً هائجاً، فليس من الشجاعة أن تقف في طريقه معرضاً صدرك لقرونه، بل إن الشجاعة أن تعرف كيف تقيده بالحرص والحكمة!!.. وكم يخطي بعض الوعاظ أو الخدام، أنه ما دامت هناك خطية ليقذفها الإنسان بكل حجر ممكن،.. لقد قتل داود جليات بحجر أملس، وقد جاءه هنا الحجر الأملس القاتل للخطية، من فم ناثان،.. لقد جهزه بالقصة المثيرة عن العدالة، وإذ رفع فيه روح العدالة، لم يفزع بعد ذلك، حتى ولو وضع رأسه على كفه أن يقول له: أنت هو الرجل!!.. كان دادو محظوظاً بإلهه، وكان داود محظوظاً بالواعظ الشجاع الحكيم الذي أيقظ إحساسه بالتوبة، ليكتب مزموره العظيم المزمور الحادي والخمسين، ولعلنا نلاحظ أن هذا المزمور قد سلم لإمام المغنيين، ليكون اعترافاً علنياً أمام الله والناس بالتوبة الصادقة!!..

ولعله من الغريب أن تلاحظ أن داود قال في المزمور: "إليك وحدك أخطأت" مع أنه أخطأ إلى بثشبع، وإلى أوريا، وإلى الأمة، ولكنه لم ير واحداً منها جميعاً، لأنها ابتلعت جميعها في الخطية أمام الله، وهو لم يعد يرى في الوجود كله، إلا الخطية، والخاطيء، والله، وخطيته أمام الله تجب كما يقولون رجال القانون كل خطية، وتحتويها، وتتضمنها،.. ومن الغريب أن هذا هو إحساس بولس عندما ركز النظر في خطيته بكيفية لم يعد يرى خاطئاً آخر أثقل منه وأرهب، وصاح: "صادقة هي الكلمة ومستحقة كل قبول أن المسيح يسوع جاء إلى العالم ليخلص الخطاة الذين أولهم أنا..".

لم يكن داود في مزموره يبالي بما يصنعه الله به، أو أي عقوبة يوقعها عليه، إنما كان يعينه شيء واحد لا غير أن لا يطرح من أمام الله، أو يبعد عن وجهه: "لا تطرحني من قدام وجهك وروحك القدوس لا تنزعه مني"...

لم تكن الخطية منفردة، بل مست الأمة كلها، وحتى لا يتصور الناس أن الله لا يبالي بالخطية، حفظ الله روحه، وكشف في الوقت نفسه عن عدالته الصحيحة، فإذا كان قد قتل أوريا بسيف بني عمون، فسيلحق السيف بيته إلى الأبد، وإذا كان قد ارتكب الخطية في جنح الظلام، فسيأتي أقرب الناس إليه ليضطجع مع نسائه في وضح النهار، وتحت عين الشمس!!..

كان الله صادقاً، وكان عادلاً، وكان محباً،.. ومات الولد، لكن من العجيب، أن أخاه سليمان سيكون هو المختار للملكة من بين أبناء داود، والذي من نسله يأتي المسيح مخلص العالم!!..



داود وخدماته

ولعل آخر ما تنتهي به في قصة داود خدماته: "بعدما خدم جيله بمشورة الله رقد".. ومع أنه ليس من السهل ذكر هذه الخدمات جميعاً، لكن يمكن أن نشير إلى أشهرها..

خدم مؤسساً

وقد أسس هذا الرجل امبراطورية واسعة، ووحد الأمة بأكملها، حتى أنه يعتبر المؤسس الحقيقي للدولة الإسرائيلية، ويعتبر داود بحق من أقدم الملوك الذين يمكن أن يوصفوا بالقول: "بناة الملك" استولى على أورشليم التي كان يقطنها اليبوسيون المنحدرون من نسل كنعان، والتي كان يحكمها ملكي صادق أيام إبراهيم، وهي مدينة حصينة تقع على بعد ثلاثة وثلاثين ميلاً من البحر الأبيض، وأربعة عشر ميلاً من البحر الميت، وعندما أراد داود الاستيلاء عليها سخر منه أهلها، فقالوا هازئين ما معناه، إنهم سيجعلون من العميان والعرج حراساً لها، وعلى داود أن ينجح في مقاتلة هؤلاء إذا أراد أن يدخلها، ومن الجائز أنهم جاءوا بجماعة منهم على أسوار المدينة، وكانت هذه منتهى السخرية بداود وقوته، ومنتهى الاعتداد بقوتهم هم،.. وأخطأ اليبوسيون قوة خصمهم وبسالته وجرأته، وأكثر من ذلك نسوا قوة الله التي معه، وسقطت أورشليم في قبضة داود، وأكثر من ذلك نجح داود في تأسيس الدولة وتقويتها، لكي يقدمها لسليمان عزيزة من كافة الجوانب العسكرية والاجتماعية والاقتصادية والروحية!!.



خدم معطياً

ولا شبهة في أنه قدم هبات كثيرة مادية للفقراء والمعوزين والمحتاجين، لكن أعظم عطاياه المادية كانت ما جهزه لبناء بيت الله، لقد أراد داود أن يبني بيتاً لله، إذ لم يرق في نظره أن يكون بيته أفضل من بيت الله، ومع أن الله رفض طلبه لأن يده تلوثت وتخضبت بالدماء، والله لا يريد لبيته -الذي يرمز إلى عظمته ومجده ونقاوته وسلطانه- أن تبنيه يد ملوثة بالدماء، ومع أن الله بيَّن أن البيت سيبنيه ابنه، إلا أن ذلك لم يمنع داود من أن يقدم هباته بسخاء إعداداً لهذا البيت، ولعل ما كتبه الكسندر هوايت بهذا الصدد أجمل ما كتب على الإطلاق إذ قال: "إن الله وحده هو السيد الذي يقدر نية عبيده كما يقدر خدمتهم، والله وحده هو الذي يعطي الأمر الكامل على هذه النية، كما يعطي على أفضل خدمة يقوم بها الإنسان، فواحدة من أعظم وأحسن خدمات داود لم تخرج عن حيز النية الطيبة، لكن الله كافأ داود على هذه النية وأجزل له العطاء كما لو أنه عاش ليرى قباب الهيكل تقع تحت ضوء الشمس".. ومع أن حرمان داود من القيام بهذا العمل العظيم كان له ولا شك وقع قاس على نفسه، إلا أنه جلس في حضرة الرب ليشكر إحسانات الله الغامرة التي أحس أنه صغير وقليل إزاءها، الإحسانات التي لم تكتف أن ترفعه هو، وتتمشى معه، وتحسن إلى الشعب الذي يملك عليه، بل أكثر من ذلك منحته عهداً أبدياً مباركاً في نسله الذي يثبت كرسيه إلى الأبد... في المسيح ابن الله المبارك إلى أبد الآبدين...



خدم مرنماً

لقد انتهت خدمات داود المادية، سواء في الامبراطورية التي أسسها أو الهيكل الذي أُعد له، ونقض، وامتدت إليه يد الخراب، ولكن داود مرنم إسرائيل سيبقى ما بقيت الأرض، وما بقيت هناك موسيقى تعزف بين الناس، هل قرأت أو غنيت معه مزاميره الخالدة العظيمة، نحن لا نستطيع أن نتحدث عن القيمة الروحية لهذه المزامير العظيمة، وسنأخذ على سبيل القياس لا الحصر واحداً منها، وهو المزمور الثالث والعشرين مزمور الراعي، هذا المزمور الذي يطلق عليه بلبل المزامير والذي وصفه هنري وردبيتشر بالقول: "إنه هدأ أحزاناً كثيرة أكثر من كل ما صنعته فلسفة هذا العالم، وأعاد إلى السجن أفكاراً رديئة، وشكوكاً سوداء، وأحزاناً مسرنة أكثر من الرمال التي على الشاطيء.. لقد عزى ذلك المجموع النبيل من الفقراء، وأعطى الشجاعة لجيش الفاشلين، وأرسل بلسان وسكينة إلى قلوب المرضى، وأسرى السجون، والأرامل في حزنهن القاسي، والأيتام في عزلتهم الشديدة، كما أن الجنود المتحضرين ماتوا بسكون وهم يستمعون إلى هذا المزمور، بعد، بل سيغني لأولادي وأولادهم كل الأجيال، ولن يضم جناحيه حتى يصبح السائح الأجير آمناً، عندما ينتهي الزمان، وعندما يطهر راجعاً إلى أحضان السماء، وتختلط موسيقاه بألحان وأنغام الفرح السماوي الأبدي"!!

elraiek G
09-16-2010, 06:05 PM
( 24 )

يوناثان

"وقطع يوناثان وداود عهداً لأنه أحبه كنفسه"

(1صم 18: 3)

مقدمة

كان يوناثان بن شاول -وما يزال- واحداً من أعظم المظلومين الذين ظهروا على هذه الأرض،.. بل كان واحداً من المظلومين الذين حملوا صليبهم في صمت، ليسير وراء المظلوم الأعظم بين الناس، والذي قيل عنه: "ظلم أما هو فتذلل ولم يفتح فاه كشاة تساق إلى الذبح وكنعجة صامتة أمام جازيها فلم يفتح فاه".. وإذا وجد في الكتاب المقدس تسعة عشر رجلاً يحملون اسم "يوناثان"، ولا يكاد الناس يهتمون بقصصهم، إذ لم يكن فيهم سوى واحد يمكن أن يثير اهتماماً أعظم وأروع، لقصته التي يندر أن يكون لها ضريب في الحب والشجاعة، والأمانة والوفاء والإيمان،... لكن مأساة الرجل هي أنه كان كالبرق الخاطف، وقع بين أشد نور وأقسى ظلمة. وإذ حاول الناس أن يتنبهوا إليه، بعد أن انتقلت عيونهم بين النور والظلام، كان هو قد مرق كالسهم بين الاثنين، ولم ينتبه الناس إلى يوناثان، وهم ينقلون البصر بين داود بن يسى وشاول بن قيس، لقد بكى داود الظبي في نشيد القوس، وطلب أن يتعلم بنو إسرائيل هذا النشيد، ليقفوا بين الحين والآخر، ليبكوا الشاب العظيم الذي سقط صريعاً بين الوفاء لصديقه، والولاء لأبيه،.. وأعتقد أنه من واجبنا -نحن الذين انتهت إلينا أواخر الدهور- أن نصعد مرات متعددة فوق جبال جلبوع، لنرى المنظر العظيم بعيون تحمل الكثير من الدموع، ونستمع إلى مرثاة هذا النشيد، لعلنا نتأمل ونتعظ، ونتعلم كيف يعيش الإنسان نبيلاً، ويموت نبيلاً كما عاش ومات الشاب القديم "يوناثان بن شاول"، ولعلنا بعد هذا نستطيع أن نراه فيما يلي:



يوناثان والمحبة القوية

هناك لحظات في الحياة قد لا تزيد عن دقائق أو ساعات يمكن أن تقلب تاريخ الإنسان بأكمله، وهي لحظات تبلغ من جلالها وقدسيتها أن يخلع المرء نعليه وقتها، لأن الأرض التي هو واقف عليها أرض مقدسة،.. كم انقضى من الوقت، وموسى يقف أمام العليقة، ليسمع صوت الرب، ويناديه برسالته العظيمة؟؟، وكم مضى من الوقت، ويشوع أمام رئيس جند الرب؟ وجدعون أمام الملاك؟ وبولس في طريق دمشق؟.. ومع أن يوناثان بن شاول لم يكن له مثل هذا الحظ في الحياة،.. لكن يوناثان انقلب تاريخه بأكمله، وهو يرى جليات الجبار، وسيفه في يدي الغلام العظيم البطل أمام أبيه شاول في المعركة الكبرى!!..

ومع أني لا أعلم بالضبط ماذا قال أفلاطون، وهو يتخيل أن الله عندما خلق نفوس الناس خلق كل نفسين معاً، وجاءت الحياة لتبعثر النفوس، وتظل كل نفس تائهة وحائرة وباحثة عن النفس الأخرى حتى تلتقي بها في زواج موفق أو صداقة عظيمة، أو حب عجيب،.. ومع أني لا أعلم من هذا هذا الصديق الذي أحبه أوغسطينس في مطلع الشباب، وعندما مات تعجب أوغسطينس كيف لم يمت هو معه، وقد كان نفسه الثانية،.. لكني أعلم أن يوناثان عندما أحب داود كان حبه أعجب من حب النساء، وكان داود نفسه الثانية، إذ أحبه كنفسه!!... ومع هذا التعبير عجيب، ولكنه يذكرنا بقول يهوذا: "فالآن متى جئت إلى عبدك أبي والغلام ليس معنا ونفسه مرتبطة بنفسه يكون متى رأى أن الغلام مفقود أنه يموت فينزل عبيدك شبية عبدك أبينا بحزن إلى الهاوية"...

ومن الناس -مع ذلك- من يحب حب "التكامل"، كأن يحب الغني الفقير، والقوي الضعيف، والصحيح المريض، والمترف المنكوب،.. لكن القاعدة الأساسية في الحب الصحيح العميق، وعلى وجه الخصوص، الحب الذي أطلق عليه هوميرس "حب الأبطال" هو حب "التجاوب"، أو يكون المرء حقاً هو النفس الثانية لصاحبه،.. وهذا هو نوع الحب الذي قام بين يوناثان وداود،... لقد ظلت نفس يوناثان، كتصور أفلاطون، تبحث عن النفس الأخرى حتى عثرت عليها في نفس داود،.. لقد كان داود هو النسخة المكررة لنفسه يوناثان، وهذا هو التفسير الوحيد الصحيح للقول: "أحبه كنفسه"... ولعلنا بعد هذا يمكن أن نتعرف على خلال يوناثان من خلال حبه لداود...



يوناثان المؤمن

لم يكن يوناثان مؤمناً فحسب، بل بطلاً من أبطال الإيمان كداود سواء بسواء، ولعلنا نذكر أنه قبل أن يلتقي داود بجليات، التقى يوناثان بالفلسطينيين في معركة من أعجب المعارك التي يمكن أن تدور بخيال الناس، إذ يحارب يوناثان بمفرده ومعه غلامه دون أن يكون معهما آخر، قائلاً: "فقال يوناثان للغلام حامل سلاحه تعال نعبر إلى صف هؤلاء الغلف لعل الله يعمل معنا لأنه ليس للرب مانع من أن يخلص بالكثير أو بالقليل فقال له حامل سلاحه: اعمل كل ما بقلبك تقدم ها أنذا معك حسب قلبك".. ومثل هذا الإنسان عندما يسمع عن داود يلاقي الدب أو الأسد، أو جليات بنفس هذه الروح، إنما يجد إنساناً آخر يسير في نفس الاتجاه، وبذات البطولة،.. ويرى نفسه التي تطرب بالبطولة، محباً لكل إنسان يؤمن بالله، ويرتفع إلى مثل هذا المستوى من الإيمان،... وما الإيمان عنده في الواقع إلا النفس البشرية ملتصقة بمصدر قوتها الهائل، ولا يهم في هذه الحالة، النظر إلى المجرى بقدر الاتجاه إلى المنبع، ومهما تكن الأداة صغيرة أو كبيرة، قليلة أو أكثر، فالعبرة كل عبرة بالله القادر على كل شيء، والذي يستخدم مثل هذه الأداة،... ويبدو أن يوناثان كان قارئاً متعمقاً، في أسفار موسى الخمسة، وما امتلأت بالمعجزات والعجائب، ويبدو أنه كان على علم عظيم بعصر القضاة، وما حفل من أعمال الله، خلال الأداة البشرية الضعيفة!!



يوناثان الشجاع

وشجاعة يوناثان كشجاعة داود لم تكن مجرد اعتداد بالذات، بل هي الشجاعة التي تتولد في الناس عن الشركة مع الله والثقة بعمله العظيم في الأرض!!... ومن الواضح أن هذا الشاب على أي حال. كان يهتز إعجاباً بكافة صور الشجاعة، التي تأخذ بمجامع قلبه،.. والشجاعة في العادة تثير مشاعر الناس، أو تهز عواطفهم، وهي ضرب من أعلى ضروب البطولة عند الأبطال،.. قيل عن قائد من القواد في القرن التاسع الميلادي، أنه أراد أن يهاجم مملكة، فذهب إليها على رأس خمسمائة من الجنود، وما أن سمع الملك بأمر هذا القائد حتى أرسل إليه يقول إنه على استعداد أن يترفق به وبجماعته، إذا ما سلم نفسه بهدوء،.. وما كان من القائد إلا أن دعا واحداً من الجنود أمام رسول الملك، وقال له: اغمد خنجرك في قلبك، فما كان من الجندي إلا أنه أطاع في الحال، وسقط صريعاً أمام قائده، ثم دعا آخر وقال له: ارم بنفسك من أعلى الجبل،.. ففي الحال ألقى بنفسه وأصبح أشلاء!!... ثم التفت إلى الرسول وقال له: اذهب وقل لملكك إن عندي خمسمائة من هذا الطراز وبعد ثمان وأربعين ساعة ستقع أسيراً في يدي.. وما أن سمع الملك وجيشه حتى استولى عليهم الفزع وسلموا في الحال!!.. لم ير يوناثان هذا العدد في جيش أبيه، ولكنه رأى واحداً فقط امتلأ بروح الشجاعة، وأرسل الهزيمة في آلاف الجنود،.. كان هذا الشجاع صنو نفسه، الممتلئة بالقوة والشجاعة!!..



يوناثان المنكر ذاته

كان يوناثان واحداً من أعجب الناس في نكران الذات، وقد لا يجد المرء من يتفوق عليه في هذا السبيل سوى ذاك الذي علق على خشبة العار على هضبة الجلجثة،.. كان عند الاسكندر الأكبر جواد عظيم، لم يستطع واحد من الناس أن يروضه، وكل الذين امتطوا صهوته أسقطهم إلى الأرض بجموحه، وراقب الاسكندر الجواد، وأدرك شيئاً عجيباً، إذ رآه يفزع من ظله، كلما رآه، فما كان من الاسكندر إلا أن أدار وجه الجواد بحيث لا يمكنه رؤية الظل، وانطلق به، وقد ركبه، كأروع ما يكون العدو، وأعظم ما يكون الانطلاق، كانت مشكلة الحيوان الفزع من ظله الذي يراه،...

كان يوناثان الظبي السريع الحركة المنطلق الوثوب، ويبدو أنه من هذا الجانب كان في جمال شكله وسرعة حركته أشبه الأشياء بالظبي الجميل، غير أن هذا الظبي في حركته لم يكن يسير في اتجاه الظل إذا كان الظل وراءه وإلى الخلف، بكيفية لا يمكنه رؤياه، لقد أنكر ذاته وحمل صليبه، دون أن يلتفت إلى الوراء على الإطلاق،.. وكان في ذلك على العكس تماماً من أبيه الذي امتلأ حسد من داود، وأراد القضاء عليه بأي ثمن، لأن الذات تحكمت فيه من كل جانب!!...

في قصة كاجاوا الياباني، وهو ينحدر من عائلة أرستقراطية "نبيلة" أنه هجر بيته من أجل المسيح، وحدث عندما كان في كلية لاهوت، يدرس، أنه انتقد وأربعة من زملائه هيئة إدارة الكلية لفصلهم أحد الطلبة ظلماً،.. فما كان من الكلية إلا أنها قررت فصل هؤلاء المنتقدين أيضاً، وإذ ذهب كاجاوا إلى مدير الكلية ليصافحه المصافحة الأخيرة قبل الخروج قال كاجاوا للمدير، إن المسيحية ديانة المحبة، وكلية اللاهوت لذلك ينبغي أن تكون أيضاً مدرسة المحبة من واجبها أن توجه الطالب المخطيء، والله نفسه لا يرفض أو يهجر أحداً، قبل أن يقومه، وهكذا ينبغي أن تتعامل الكلية، فلا تلفظ أي شخص أخطأ، بل بالحري أن تتعامل معه بالرفق، وإذا كان ولابد من أن تلفظ الكلية أحداً، فأرجو أن أكون أنا هذا الشخص على أن تسامح الكلية، وتعيد زملائي الأربعة، لتقع علىَّ العقوبة وحدي،.. وكانت النتيجة أن الكلية أعادت الجميع!!...





يوناثان الوفي

إذا قرأت قصص يوناثان تستطيع أن ترفض في الحال ما يقال: إن المستحيلات ثلاثة: الغول، والعنقاء، والخل الوفي، توجه يوناثان في الأرض هو وجه الوفاء، وقلب يوناثان في الحياة هو قلب الوفاء، وقد استطاع هذا الوفاء أن يوازن إلى حد غريب أعجب صور الوفاء في حياة الناس، كان وفياً لله، وكان وفياً لصديقه، وكان وفياً لأبيه،.. لقد صنع هذا الشاب القديم من نسيج عظيم اسمه نسيج الوفاء،.. وفي الواقع أن أساس كل وفاء عنده، هو الوفاء لله، فهو أمين لله في الظاهر وفي الباطن، وهو أمين لله، في الخفاء وفي العلن، وهو أمين لله بدون تردد أو إحجام، لأنه يرى الحياة لا تزيد أن تنقص عن حقيقة الأمانة والوفاء لله حتى الموت، كن أميناً إلى الموت فسأعطيك إكليل الحياة!!... ونحن لا نستطيع أن نفسر وفاء يوناثان لداود أو شاول إلا إذا فسرناهما في ضوء وفائه لله،.. وكان وفياً لداود، وقد بلغ هذا الوفاء الذروة عندما كاد إيمان داود أن ينهار، وقال إن بينه وبين الموت خطوة واحدة،.. وهنا نرى الرجل العظيم في لحظة من أدق اللحظات في حياته،.. ولو انهار إيمانه، لضاع، ولحل محله في الحال يوناثان،.. ولكن هنا الإعجوبة العظيمة، فإن يوناثان ذهب إلى داود ليشجعه ويعيد إليه إيمانه القوي العظيم،.. كان شاول في مطلع الأمر يريد أن يقضي على داود بالخطة الماكرة، إذ يضعه أمام الفلسطينيين، فعلق تزويجه بابنته بمائة من الغلف، أوصلها داود إلى مائتين،.. كان يقصد أن لا يتورط هو في جريمة قتله، فإذا قتله الفلسطينيون، فقد خلا الجو وصفاً أمامه، وكانت الغيوم النفسية تحيط بداود في السبي والمنفى، وكان يمكن أن يتركه يوناثان للسقوط الروحي، ليخلو أمامه الطريق إلى العرش،.. ولكن يوناثان أبى هذه الذلة النفسية أمام خياله وروحه، وشجع داود ليقوي إيمانه، ويثبت إلى العرش مكانه،.. وأي وفاء يمكن أن يكون كهذا الوفاء العظيم!... على أنه كان إلى جانب هذا كله، وفياً لأبيه، إذ وهو يختلف معه تماماً في موقفه من داود، وتختلف روحه عن روح أبيه في كل شيء،.. لكنه لم ينس قط أن الأب هو الأب، وأن الابن البار يمكن أن يكون وفياً لأبيه الشرير، فيكرمه ويحترمه ويسير خلفه، دون أن يتلوث بأعماله وتصرفاته الشريرة، وسار الشاب العظيم يوازن هذه الموازنة الدقيقة، ولو انتهى به الأمر إلى السقوط خلف الأب على جبال جلبوع!!.. حقاً أن يوناثان درس عظيم في الوفاء إلى أن نلتقي بذاك الذي ضرب أعلى الوفاء على جبال الجلجثة في صليب العار!!..



يوناثان والمحبة المضحية

تصور أحدهم داود مرات كثيرة يسأل نفسه عندما وصل إلى العرش: يا ترى هل كان من الممكن أن أصل إلى هذا المكان لو لم يوجد يوناثان؟!!.. ومن المؤكد أن الله كان له الوسائل المتعددة التي بها يستطيع أن يتمم قصده في داود بيوناثان أو غير يوناثان، ولكن من المؤكد أيضاً أن الله أعطى هذه المحبة العميقة المضحية في قلب يوناثان حتى يصل داود إلى عرشه؟!!... على أي حال.. لقد كان يوناثان يعلم تماماً أن حبه لداود لا يمكن أن ينتج أثره أو يتألق كنور الشمس، ما لم يقبل بصورة ما ما قاله آخر في موضع أكثر أهمية وجلالاً: ينبغي أن ذاك يزيد وأني أنا أنقص وقد لا نعرف في قصة يوناثان ما هو أروع مما كتبه الكسندر هوايت عند هذا التصور إذ قال: "وخلع يوناثان الجبة التي عليه وأعطاها لداود مع ثيابه وسيفه وقوسه ومنطقته... فإذا كان خاتم الزواج في يد المرأة هو ختم عهدها مع زوجها، وعهد زوجها معها، وإذا كان قوس قزح هو ختم الله مع نوح ومع الأرض، وإذا كان الماء هو ختم عهد الله في المعمودية، والخبز والخمر في العشاء،.. فإنه بهذا المعنى كانت ثياب يوناثان وسيفه وقوسه ومنطقته، علامات العهود وختومها التي قطعها في ذلك اليوم مع داود ونحن نأخذ في الخبز والخمر فوائد العهد الجديد كمؤمنين من يد المسيح، وختمه ورمزه... وقد كان ثوب يوناثان وسيفه وقوسه ومنطقته رمزاً لانتقال مملكة إسرائيل في كل مجدها وقوتها وجلالها إلى يد داود بهذا العمل الجليل الخارق للعادة الذي قام به يوناثان بن شاول،.. لقد عرى يوناثان نفسه من أجل هذا العهد المؤيد بالقسم لصديقه المحبوب،.. لقد جرد نفسه ليكسي ويزين ويختم بهذا العهد لداود على العرش،... وقد كان في ذلك رمزاً لمن سيأتي بعده في ملء الزمان في حدوده الخاصة،.. كان يوناثان الابن الخاطيء، لأب خاطيء،... وكان يسوع المسيح ابن الله الحي،.. ومع ذلك فإن يوناثان كان رمزاً، لذاك عرى نفسه من أجل أعدائه لكي يلبسهم ثياب البر والبهاء،.. أجل وهذا حق، لقد كان يوناثان تلميذاً للمسيح جاء قبل أوانه، إذ تبع المسيح، وكان واحداً من تلاميذه في العهد القديم،.. وإذ نراه يتعرى نتعجب ونحن نسأل النفس: كيف فعل هذا!، ولعل هذا العجب يرجع إلى أننا لم نختبر بعد كيف تعرينا من أجل صديق أو عدو. لكنك لو حاولت، ولو بدأت تخلع نفسك، فإنك لا يمكن أن تتعجب لماذا فعل يوناثان هذا؟!!.. وإذا سألت بعد ذلك، فإن سؤالك هو: كيف لا يمكنه أن يفعل ذلك؟!!.. وهو لا يقدر وأنت لا تقدر عندما تبدأ أن تسير في ذات الطريق!! وذلك لأنك ستتذوق للمرة الأولى معنى الحياة الحقيقية، وأنت تخلع ثوبك المفضل لتعطيه لمنافسك، الذي سيخلفك في منصبك،.. إنك ستشرب، وستشرب عميقاً من ينبوع الحياة عندما تجرد نفسك من سيفك وقوسك ومنطقتك لتضعها عليه، لأن لمثل هذا ملكوت السموات ولمثل هذا فقط يقال: "يا صاحب تعال مرتفعاً إلى الأمام"،.. ولمثل هذا ولمثل هذا فقط يمكن أن تأتي الرفعة في النهاية، ولمثل هذا ولمثل هذا فقط الذي لا يطلب المجد لنفسه،.. إذا فعلت هذا كما يفعل مثل هذا، فإنك ستجلس بجوار المسيح وبجوار يوناثان،.. ولا يمكن أن يثمر الأمر بغير هذا"...

قال الرجل لزوجته وقد لبس قبعته، وأمسك بيده قبعة أخرى: أي قبعة أفضل التي ألبسها على رأسي أم التي أمسكها بيدي؟!! قالت الزوجة: التي بيدك، ولكن لم هذا السؤال؟!!.. أجاب: إن جارنا العاطل عن العمل، سيذهب -كما علمت- ليقابل الشخص الذي يريد موظفاً يعمل عنده،.. وهو لا يملك قبعة تليق بأن يظهر أمام صاحب العمل، ولابد له من قبعة، وقد رأيت أن أترك له في مدخل بيته القبعة الأفضل عندي!!.. وأسرع وتركها دون أن يظهر للرجل أن يقدمها له!!... إن روح الإيثار والتضحية التي ملأت يوناثان لابد أن تملأ حياتنا نحن الذين انتهت إلينا أواخر الدهور، وعرفنا تضحية المسيح عنا على خشبة العار، خشبة الصليب!!..



يوناثان والمحبة المؤثرة

مات يوناثان على جبال جلبوع، ومات شاهداً وشهيداً، لم يصل إلى عرش إسرائيل، ولكنه تربع على عرش التاريخ والأجيال وسمع العالم بكاء داود عليه "الظبي يا إسرائيل مقتول على شوامخك كيف سقط الجبابرة... كيف سقط الجبابرة... يوناثان على شوامخك مقتول.. لقد تضايقت عليك يا أخي يوناثان كنت حلواً لي جداً محبتك لي أعجب من محبة النساء كيف سقط الجبابرة وبادت آلات الحرب"...

ولقد أثرت -ولا شك- هذه المحبة عميقاً في حياة داود، سواء في حياة يوناثان أو بعد موته، وإذا كانوا قد قالوا إنهم سألوا رجلاً كان في طريقه إلى الإعدام، لماذا وصل إلى ما وصل إليه، وماذا كان ينقصه بين الناس؟!! فأجاب: كنت في حاجة إلى صديق؟!!.. ولا شبهة بالآثار العميقة التي تركها يوناثان بحبه وتضحيته في حياة داود!!... لقد كانت هذه المحبة أشبه بالواحة الظليلة لداود يفيء إليها كلما ضاق في المنفى بآلام الحياة ومتابعها، وكانت بمثابة المشجع الكبير له في مواجهة الظروف المتعبة الكثيرة القاسية،.. وأما ليوناثان فقد كانت عرشاً أعظم وأجمل من عرش إسرائيل نفسه،... إذ كانت عرشه العظيم في ضمير الأجيال والزمن والأبدية، كلما ذكرت قصته بين الناس على ظهر هذه الأرض!!...

في التاريخ اليوناني القديم قصة عن صديقين: هما دامون وبسياس، وقد صاحب كلاهما الآخر في محبة قوية عجيبة، وحدث ذات يوم أن حكم طاغية اسمه "ديونسيوس الصغير" على بسياس بالموت ظلماً وعدواناً، ولم يرهب بسياس الموت، ولكنه طلب من الحاكم مهلة يرى فيها بيته وأهله ويرتب أحوالهم، ويعود ليتسلم بعد ذلك مصيره المعين، وإذ سمع دامون هذا، طلب من الحاكم أن يحل محل صديقه، وأنه مستعد أن يأخذ مكانه فيما لو لم يحضر، ووافق الملك على ذلك وأطلق سراح بسياس وسجن دامون مكانه، وقيل أن هذا الأخير كان يصلي في سجنه أن تؤخر الآلهة مجيء صديقه ليأخذ مكانه، وقيل أن الساعة المعينة جاءت وتأخر بسياس، لأن السفينة التي كان يركبها قد تحطمت، وكان دامون مسروراً إذ اعتقد أن الآلهة أجابت صلاته، وحضر الملك وطلب دامون لينفذ، جاء بسياس راكضاً بكامل قوته، وقبل صديقه وصعد مكانه، وعند ذاك اغرورقت عينا ديونسيوس وصاح: أيها الصديقان الوفيان: ها أنا أمنح بسياس الحياة، وأطلب أن تقبلاني صديقاً معكما ثالثاً!!..

بهذا المعنى -وأفضل- دخلت قصة يوناثان وداود في ضمير الحياة الإنسانية، لتعطي أثراً باقياً على مر القرون والأجيال!!.. وفي الحقيقة أن السعير البشري يحتاج في كل زمان ومكان إلى مثل هذه الصور الملطفة لجو الإنسانية، والتي هي أشبه بالنسمة الرقيقة في الحر اللافح،... في أواخر الحرب العالمية الأولى أرسل ملك وملكة البلچيك إلى هربرت هوفر، وقد قدم لبلادهما الطعام، وبعث الرجاء في القلوب في تلك اللحظات القاسية التي مرت ببلچيكا قائلين: "لا نعلم بماذا نكافئك ونكرمك"... ثم طلبا منه أن يختار أي إكرام.. أما هو فرفض وأجاب: "لقد وقفتما أنتما في باب الحضارة، ورددتما الطغيان.. أما نحن فلم نفعل أكثر من تقديم المعونة لكما..".. وكأنما يقول لهما إن نصيبهما أعظم وأجل!!.. وإذ لم يجدا ما يقدمانه مكافأة له.. أطلقا عليه اللقب الجميل "صديق الشعب البلچيكي"..

ألا يمكن بعد ذلك أن نتذكر صداقتنا مع الرب يسوع المسيح كأعظم حقيقة، وكأعظم صديق؟؟... وألا يجمل بنا أن نرد رد ذلك المسيحي القديم الذي وقف أمام الحاكم الروماني على بيثينية، والذي حاول ما وسعته المحاولة القضاء على المسيحية، وقد هدد بليني الرجل المسيحي بالقول: "سأنفيك" وأجاب المسيحي: "لا تستطيع، لأن العالم كله بيت أبي"... قال له: "سأقتلك" فقال له: "لا تقدر!!.. لأن حياتي مستترة مع المسيح في الله".. فقال له: "سآخذ كنوزك"، فأجاب: "لا تستطيع، لأن كنزي هناك في السماء"... فقال له أيضاً: "سأبعدك عن جميع الناس ولن يتبقى لك صديق"، فقال المسيحي: "إنك لا تقدر، فإن لي صديقاً لا يمكن أن تفصلني عنه".. قال بليني: "إن العالم لا يمكن أن يكون ذا قيمة أمام رجال ونساء من هذا الطراز"!!.

elraiek G
09-16-2010, 06:06 PM
( 25 )

سليمان

"فلنسمع ختام الأمر كله اتق الله واحفظ وصاياه لأن هذا هو الإنسان كله"

(جا 12: 13)


مقدمة

لا شبهة في أن سليمان الحكيم يعد واحداً من أعقد الألغاز التي اختلف الناس في فهمها، وذهبوا فيها شتى الأفكار والمذاهب،.. وقد تساءل الكثيرون منذ القديم، وما يزالون إلى اليوم يتساءلون، وأغلب الظن أن سؤالهم سيبقى قائماً لي أن تنتهي الأرض، وما عليها ومن عليها ما مصير سليمان الأبدي؟!!.. وإذا كان دانتي الشاعر العظيم لم يتردد في ضمه في كتاب الكوميديا الإلهية إلى الزمرة المنتخبة من المعلمين العظماء في السماء،.. فإن الكسندر هوايت على العكس من ذلك، لم يترك لنا بارقة أمل في ذهابه إلى المجد، إذ عده من المطروحين خارج المدينة المقدسة السماوية، ولم يقطع الرسام العظيم أوركاخبا بهذا الرأي أو ذاك، إذ استبدت به الحيرة الكاملة، في الصورة العظيمة التي رسمها في بيزا، وفي فلورنسا، وفيها نرى سليمان ينهض في يوم القيامة عند سماع البوق الأخير، مرتدياً ثوبه الملكي، وتاجه، متعباً متألماً، لا يدري أين يتجه.. أإلى اليمين مع المخلصين، أم إلى اليسار مع الهالكين؟!!.. وإن كان لنا أن ندلي برأي في الأمر، وأية كفة نعتقد أنها الراجحة،.. فإن الرجاء في سليمان لا يرجع في شيء البتة، إلى الرجل أو عظمته، أو حكمته بل إلى كل شيء، في إحسان الله، ورحمته، وجوده، وحبه، وهباته، وعطاياه التي هي بلا ندامة،.. ومن ثم سندرس قصة سليمان من جوابنها المختلفة التالية:



سليمان من هو؟!!

هو سليمان بن داود، أطلق عليه أبوه الاسم "سليمان".. والكلمة مرتبطة بالسلام، وهي تشير في أكثر من معنى إلى أن مولده مرتبط بالسلام.. وقد أطلق عليه ناثان "يديديا" أو "محبوب الرب" لكي يؤكد هذا المعنى، وما هو أكثر منه!!.. أجل وإنها النعمة العظيمة التي اختارت هذا الابن بالذات، ليكون هو مختار الرب، ووارث العرش، وإذا كان الله قد عبر بوفاة الابن الأول -ثمرة الخطية- عن كراهيته العميقة العتيدة للخطية، وإذا كان قد أعلن عن أكثر من عقوبة، للعثرة التي جلبتها هذه الخطية في حياة الأمة والناس،.. فإنه في الوقت نفسه قد عبر عن رضاه العميق بتوبة داود وبثشبع في الابن الثاني محبوب الله ومختاره،.. ولم يتردد داود لذلك أن يدعوه "سليمان" تعبيراً عن السلام العميق الذي ناله بالغفران الإلهي، والثقة بأن الله قد طرح وراء ظهره خطيته الكبرى،.. كما أنه -إلى جانب ذلك- آمن بالوعد الإلهي، بأن عصر ابنه سيكون عصر السلام والهدوء والراحة، الذي يتمكن معه هذا الابن من إتمام رسالته العظيمة، وبناء بيت الله، البيت الذي سيصبح نقطة تجمع الشعب حول الحياة الدينية، والاقتراب الصحيح لله!!..

ومع أن نشيد الأنشاد يمتد بكل تأكيد إلى ما هو أبعد وأعظم من سليمان، إلى ذلك الذي هو أبرع جمالاً من بني البشر، إلا أن المفسرين أكدوا أن سليمان لم يكن جميلاً فحسب، بل كان بارع الجمال. وأن جماله الذي ورث فيه الكثير من أبويه، قد جاء وصفه في قول العروس: "حبيبي أبيض وأحمر معلم بين ربوة رأسه ذهب إبريز قصصه مسترسلة حالكة كالغراب عيناه كالحمام على مجاري المياه مغسولتان باللبن جالستان في وقبيهما، خداه كخميلة الطيب واتلام رياحين ذكية، شفتاه سوسن تقطران مراً مائعاً، يداه حدقتاه من ذهب مرصعتان بالزبرجد، بطنه عاج أبيض مغلف بالياقوت الأزرق ساقاه عمودا رخام مؤسستان على قاعدتين من إبريز، طلعته كلبنان فتى كالأرز، حلقه حلاوة وكله مشتهيات. هذا حبيبي وهذا خليلي يا بنات أورشليم". فإذا كانت هذه الأوصاف الرمزية تشير إلى المسيح في أكثر من معنى، إلا أنها على الأقل تعطينا صورة واضحة إلى من جاء في حد ذاته رمزاً ليسوع في كثير من المواضع والصور"..

وقد اشتهر سليمان قبل وبعد كل شيء بالحكمة، إذ دعى في الأجيال كلها "سليمان الحكيم"، ونحن نعلم أن فرصته العظمى للتفوق في الحكمة جاءت إثر حلمه في جبعون، لكنه الواضح أن سليمان كان حكيماً، بطلبه هذه الحكمة، وقد وفر له الله منابع الحكمة، إذ ولد من أبوين مقتدرين في الإداك والفهم، فداود أبوه كانت له المقدرة العظمى في التأمل العميق، وأمه وإن كانت قد اشتهرت بجمالها الفائق- إلا أنه يعتقد أنها ورثت عن جدها أخيتوفل الألمعية والذكاء وقوة التمييز،.. وأعطاه الشفافية، والقدرة الهائلة في فهم الطبيعة البشرية، والحكم على العلاقات بين الناس، كما أنه كان من أقدر الناس في عصره، وفي كافة العصور، على استيعاب الفلسفة، والشعر، والتاريخ الطبيعي، وغيرها من المعارف والعلوم!!... "وفاقت حكمة سليمان حكمة جميع بني المشرق وكل حكمة مصر، وكان أحكم من جميع الناس من إثيان الأزراحي وهيمان وكلكول ودردع بني ما حول، وكان صيته في جميع الأمم حواليه وتكلم بثلاثة آلاف مثل وكانت نشائده ألفاً وخمساً، وتكلم عن الأشجار من الأرز الذي في لبنان إلى الزوفا الثابت في الحائط، وتكلم عن البهائم وعن الطير وعن الدبيب وعن السمك، وكانوا يأتون من جميع الشعوب ليسمعون حكمة سليمان من جميع ملوك الأرض الذين سمعوا بحكمته"..

وكان سليمان -بكل تأكيد- أقرب أولاد داود إلى الله، ولعل أثر ناثان في مطلع حياته كان عميقاً، إذ كان ناثان مربياً له، ويبدو أن داود وهو شيخ يراقب أولاده، رأى ابنه سليمان أصلح أولاده جميعاً ليرث العرش، وشتان بينه وبين أمنون أو إبشالوم أو أدوينا، ومن ثم وعد داود بثشبع بقسم أن يكون سليمان وريثه في العرش،.. ولم يشأ أدونيا الذي كان ابناً مدللاً متكبراً، ويكفي أن الكتاب يصفه: "ولم يغضبه أبوه قط قائلاً لماذا فعلت هكذا".. لم يشأ أن ينتظر وفاة أبيه أو حتى أخذ رأيه وموافقته، فنصب نفسه على العرش بدون علمه، وقد انحاز إليه جميع إخوته الذين كانوا أقرب على شاكلته، من سليمان الذي لم يدع إلى الحفل أو يشارك فيه،.. فإذا أضفنا إلى ذلك أنه الرجل الذي يعتقد أنه كاتب المزمور الثاني، والخامس والأربعين، والثاني والسبعين، والمائة والسابع والعشرين، وكلها واسعة الرؤى ممتدة الأحلام، إلى جانب أسفار الأمثال، والجامعة، ونشيد الأنشاد، والذي لم يسترح أو يهدأ حتى أكمل بناء بيت الرب وصلى في تدشين صلاته العظيمة، وكلها تشهد بعظمة الحياة الدينية التي وصل إليها ذلك الملك القديم!!...



سليمان واختياره

بعد أن توج سليمان واستوى على عرشه، أحس أنه في حاجة عميقة إلى الله، وإلى إرشاده وهدايته ومعونته، فسعى إلى جبعون الواقعة على بعد ستة أميال إلى الشمال من أورشليم حيث كانت هناك خيمة الاجتماع التي عملها موسى، وحيث كانت تقدم الذبائح لله، وأقام حفلاً دينياً عاماً يبدأ به حياته الملكية بتكريس عظيم أمام الله، وأصعد هناك ألف محرقة، وليس العبرة في حد ذاتها بهذا العدد الكبير من المحرقات كما يقول صموئيل: "هل مسرة الرب المحرقات والذبائح كما باستماع صوت الرب هوذا الاستماع أفضل من الذبيحة والإصغاء أفضل من شحم الكباش" أو كما يقول ميخا "بم أتقدم إلى الرب وأنحني للإله العلي هل أتقدم بمحرقات بعجول أبناء سنة هل يسر الرب بألوف الكباش بربوات أنهار زيت هلى أعطي بكري عن معصيتي ثمرة جسدي عن خطية نفسي. قد أخبرك أيها الإنسان ما هو صالح وماذا يطلبه منك الرب إلا أن تصنع الحق وتحب الرحمة وتسلك متواضعاً مع إلهك"...

وقد جاء سليمان في الواقع بإحساس الضعف والاتضاع والحاجة إلى الله،.. وإذ رآه الله على هذا الوضع ظهر له في حلم، ووضع أمامه الاختيار المطلق دون قيد أو شرط،.. ولعله من اللازم قبل أن نتعرض لاختيار سليمان أن نشير إلى أنه ليس وحيداً أو منفرداً في هذا الاختيار، إذ أن كل واحد منا مثله له مملكته الخاصة، ومن حقه أن يختار اختياره المطلق، وما يريد بالنسبة لهذه المملكة صغرت أو كبرت على حد سواء،.. وإذا كان اليونانيون قد صوروا في أساطيرهم القديمة، هرقل بطلهم العظيم، وقد جلس ذات يوم في شبابه محزوناً متضايقاً، وإذا بفتاتين حسناوين تمران به، واحدة اسمها "اللذة" والأخرى اسمها "الفضيلة".. أما الأولى فقد وعدته أن تقدم له حياة رضية ممتلئة بالبهجة والمسرات، بينما وعدته الأخرى أن تقدم له حياة ممتلئة بالنفع والشهرة، ورفض هرقل نداء اللذة، واستجاب لنداء الفضيلة، وعاش حياته كلها لمعونة الضعيف والمحتاج والبائس... وإذا كان لورد ملبورن عندما أعلن الأميرة الشابة فيكتوريا أنها أصبحت ملكة انجلترا لم يجد أفضل من أن يقرأ لها حلم سليمان في جبعون، فمن الواضح أن الاختيار يواجه كل إنسان في الحياة،.. وحتى رفض الاختيار، هو نوع من الاختيار الذي لا يمكن تفاديه!!..

جاء الاختيار إلى سليمان وهو نائم، والاختيار الصحيح يأتينا مصحوباً بنوم ما، إذ لابد أن ينام فينا الإنسان الأناني الضعيف، الناقص، الشرير المقاد بالجسد، ليستيقظ فينا الإنسان الأسمى والأعلى والأعظم،.. وقد نام هذا الإنسان في سليمان، إذ أن الله عندما سأله: "اسأل ماذا أعطيك، ربما همست في أذنه التجربة.. "أطل طول أيام، أطلب ثروة وغنى، أطلب أنفس أعدائك"!!.. ويبدو هذا من قول الله: ولم تسأل لنفسك أياماً كييرة ولا سألت لنفسك غني، ولا سألت أنفس أعدائك، مما يشجع على الاعتقاد أن المجرب قد جرب بهذه كلها، ولكنه انتصر عليها جميعاً. وطلب القلب الفهيم. والقلب الفهيم يتطلب أمرين واضحين، إذ يبدأ أولاً بالذهن الجبار المقتدر الحكيم، الذي يستطيع الكشف عن الحقيقة المخبأة وراء ستار من الأضاليل والأكاذيب، وخير مثال علي ذلك قصة الزانيتين اللتين احتكمتا إليه في قصة الابن الميت والآخر الحي،.. على أن الأمر أكثر من ذلك لا يقف عند حدود الذهن بل يتعداه إلى "القلب" والذي قال عنه في الأمثال: "فوق كل تحفظ احفظ قلبك لأن منه مخارج الحياة"... والحكمة الصحيحة عند سليمان تتضح من قوله في سفر الأمثال: "بدء الحكمة مخافة الرب ومعرفة القدوس فهم"... وفي الحقيقة أن سليمان كان يدرك بالتأكيد أن الإنسان لا يمكن أن يكون حكيماً إلا إذا كانت له الرابطة القوية العميق بالله، والتي جعلته يقول في المزمور الثاني والسبعين: "اللهم أعط أحكامك للملك وبرك لابن الملك يدين شعبك بالعدل ومساكينك بالحق تحمل الجبال سلاماً للشعب والآكام بالبر يقضي لمساكين الشعب يخلص بني البائسين ويسحق الظالم"... أو إذا جاز التعبير: إن الحكمة هي "الشفافية" التي يعطيها الله للإنسان لكي يبصر الحقيقة، أو الإلهام، أو الإيحاء، بالمعنى الذي قاله يعقوب: "وإنما إن كان أحدكم تعوزه حكمة فليطلب من الله الذي يعطي الجميع بسخاء ولا يعير فسيعطي له"!!..

كان اختيار سليمان بجانبيه "السلبي والإيجابي" مقبولاً وحسناً أمام الله، وقد أعطاه الله لذلك فوق ما يطلب أو ينتظر، إذ أعطاه الغنى والكرامة إلى جانب الحكمة الفائقة التي اشتهر بها، على أنه من اللازم أن نشير أيضاً إلى أن عطية الله كانت مشروطة بشرط واضح متكرر: "فإن سلكت في طريقي وحفظت فرائضي ووصاياي كما سلك داود أبوك فإني أطيل أيامك"... "والآن أيها الرب إله إسرائيل: احفظ لعبدك داود أبي ما كلمته به قائلاً لا يعدم لك أمامي رجل يجلس على كرسي إسرائيل إن كان بنوك إنما يحفظوا طرقهم حتى يسيروا أمامي كما سرت أنت أمامي".. "وأنت إن سلكت أمامي كما سلك داود أبوك بسلامة قلب واستقامة، وعملت حسب كل ما أوصيتك، وحفظت فرائضي وأحكامي فإني أقيم كرسي ملكك على إسرائيل إلى الأبد كما كلمت داود أباك قائلاً لا يعدم لك رجل عن كرسي إسرائيل"... وقد أخفق سليمان في تحقيق هذا الشرط، أو كما قال أحدهم: إن الاختيار الموضوع أمام الإنسان ليس مجرد اختيار بين الرديء والحسن، بل أكثر من ذلك، بين الرديء والحسن والأحسن، وقد اختار سليمان الحسن، وعجز عن أن يصل إلى الأحسن، ومرات كثيرة يكون الحسن عدو الأحسن، أو أن التوقف عند الحسن قد يعود بصاحبه إلى الوراء إلى الرديء.. إنه من الحسن أن نطلب "القلب الفهيم" الذي ميز بين الحق والباطل، والخير والشر، والنور والظلام،.. ولكن الأحسن أن نطلب "القلب النقي"... ولو طلب سليمان طلبة أبيه العظيمة: "قلباً نقياً أخلق في يا الله وروحاً مستقيماً جدد في داخلي" لما تردى في المنحدر الذي آل إليه فيما بعد،.. كانت طلبة سليمان الحسنة، كمن يبني قلعة عظيمة من غير أسوار، ما أسرع ما تسقط أو تنهار عند أي اقتحام أو هجوم،.. ألم يقل كونفوشيوس الحكيم الشرقي الذي جاء بعد سليمان بخمسة قرون: "هذه هي الأشياء التي ترعبني، إني لا أصل إلى مستوى الفضيلة الذي أرغبه، وأنني لا أعيش تماماً حسبما علمت، ولست قادراً على السير في حياة البر وعمله في الوقت الذي أعرف فيه أن هذا هو البر إني لا أستطيع عمل الخير، ولست قادراً على تغيير الشر في نفسي أنا لست الإنسان الذي ولد حكيماً"؟؟





سليمان وأمجاده

لم يكن سليمان الملك من أعظم ملوك يهوذا وإسرائيل فقط "بل من أعظم ملوك التاريخ قاطبة، وقد أحاطت به هالة من المجد لم تتح لكثيرين قبله أو بعده، حتى اقترن اسمه في بعض المواطن بالتقاليد والأساطير التي لا تجد سندها في كتاب الله، ويكفي أن نعلم أنه كان من أعظم ملوك الأرض وأغناهم وأحكمهم، حتى أن شهرته ذاعت في الخافقين، فاجتذبت من أقصى الأرض ملكة سبأ لتسمع حكمته كما أن سيدنا له المجد أدناه من نفسه كثيراً عندما قال هوذا أعظم من سليمان ههنا، ولعل أمجاده الثلاثة الشهيرة:



مجد الامبراطورية

وما أكثر ما يشبهون امبراطورية سليمان بالامبراطورية الأغسطسية إذ كان عصر سليمان أقرب العصور إلى عصر أوغسطس قيصر أول امبراطور للامبراطورية القديمة، على أن مجدها الحقيقي جاء في أنها كانت رمزاً وصورة ضئيلة لمجد مملكة ابن الله في الأرض، إذ كانت تجمع إليها ثروة الأمم: وجعل الملك الفضة في أورشليم مثل الحجارة، وجعل الأرز مثل الجميز الذي في السهل في الكثرة".. وأليست هذه رمزاً لصورة أورشليم العليا أمنا جميعاً والتي وصفها الرائي بالقول: "وكان بناء سورها من يشب والمدينة من ذهب نقي شبه زجاج نقي وأساسات سور المدينة مزينة بكل حجر كريم الأساس الأول يشب. الثاني ياقوت أزرق. الثالث عقيق أبيض الرابع زمرد ذبابي. الخامس جزع عقيقي. السادس عقيق أحمر. السابع زبرجد. الثامن زمرد سلقي. التاسع ياقوت أصفر. العاشر عقيق أخضر. الحادي عشر اسمانجوني. الثاني عشر جمشت. والاثنا عشر باباً اثنتا عشرة لؤلؤة كل واحد من الأبواب كان من لؤلؤة واحدة وسوق المدينة ذهب نقي كزجاج شفاف"... كما أن الامبراطورية كانت متسعة امتدت من حدود مصر إلى العراق، وكان الملوك المجاورون يتزلفون إلى سليمان بالهدايا والتقدمات والخدمة وكان الرعايا من اليهود أو الأمم على حد سواء، أما اليهود فكانوا أشبه بالرمل الذي على البحر في الكثرة أما الأمم فكانوا من ممالك متعددة تخضع لهذا الملك العظيم، وقد خلا حكم سليمان من الحروب الخارجية والمنازعات الداخلية، وسكن يهوذا وإسرائيل آمنين كل واحد تحت كرمته وتحت تينته من دان إلى بئر سبع كل أيام سليمان، كما امتلأت البلاد بالرفاهية والترف، ويبدو هذا من طعام سليمان اليومي وخيله ومربكاته، وألوان العظمة التي كان يرفل فيها... ولم يكن هذا كله إلا رمزاً لذاك الذي وصفه سليمان في المزمور الثاني والسبعين: "يشرق في أيامه الصديق وكثرة السلام، إلى أن يضمحل القمر ويملك من البحر إلى البحر ومن النهر إلى أقاصي الأرض. أمامه تجثو أهل البرية وأعداؤه يلحسون التراب، ملوك ترشيش والجزائر يرسلون تقدمة ملوك شبا وسبأ يقدمون هدية ويسجد له كل الملوك. كل الأمم تتعبد له. لأنه ينجي الفقير المستغيث، والمسكين إذ لا معين له، يشفق على المسكين والبائس، ويخلص أنفس الفقراء من الظلم والخطف يفدي أنفسهم، ويكرم دمهم في عينيه، ويعيش ويعطيه من ذهب شبا... يكون اسمه إلى الدهر قدام الشمس يمتد اسمه ويتباركون به. كل أمم الأرض يطوبونه، مبارك الرب إله إسرائيل الصانع العجائب وحده ومبارك اسم مجده إلى الدهر، ولتمتليء الأرض كلها من مجده آمين ثم آمين"... أو الصورة الأخرى التي أشار إليها دانيال في القول: "وأما الحجر الذي ضرب التمثال فصار جبلاً كبيراً وملأ الأرض كلها"...



مجد الهيكل

عندما بنى جستناين الامبراطور كنيسة أجا صوفيا. وكانت أعظم عمل قام به إلى جانب تجميع القانون الروماني البيزنطي، ودشنها عام 548م. رفع يديه نحو السماء وصرخ: مجداً لله الذي حسبني مستحقاً أن أقوم بعمل عظيم كهذا، ثم تلتفت حوله وصاح: لقد تفوقت عليك يا سليمان!!!.. وهو يقصد أن يقارن بين الكنيسة العظيمة التي بناها، وهيكل سليمان العظيم على أرض المريا،.. وحقاً كان الهيكل آية من آيات الفن والجمال.

ومن صلاة سليمان نعلم أن الهيكل كان عنده أكثر جداً من الأبهاء والعظمة التي كانت لمبانيه، إذ كان المكان الذي يحمل اسم الله، ويرمز إلى حضوره،.. كما أنه كان مركز العبادة، والشركة، والأخوة التي تربط الشعب بإلههم، وببعضهم البعض،.. وهو المكان الذي يستطيع أن يتجه إليه خيال المنفي والمسبي، ومن ثم رأينا دانيال في السبي، وإن كان لا يراه بعينه المادية، أو يراه حطاماً في أورشليم، إلا أنه الرمز الذي تفتح في اتجاه الكوى، كمكان الغفران والتضرع والأمل،.. وقد أوضح الله لسليمان أن هذه المعاني جميعاً ستبقى ما بقيت الرابطة الروحية مع الله، فإذا تمسك الشعب الصورة المادية، فإن الله سيجعل إسرائيل مثلاً وهزأة في جميع الشعوب: "وهذا البيت يكون عبرة"..



مجد الحكمة

ومن العجيب أن امبراطورية سليمان ذهبت، وذهب معها الهيكل، تماماً كما ذهبت الامبراطورية الرومانية القديمة، وكنيسة أجا صوفيا، وبقيت حكمة سليمان في سفر الأمثال، والجامعة ونشيد الأنشاد، تماماً كما بقى القانون الروماني البيزنطي، والذي هو أبو القوانين الحديثة، وكان مفخرة جستينان عندما أمكنه تجميعه، ليحمي الحضارة الحديثة ويمدها بأعظم الصور القانونية في الأرض!!.. ومن الملاحظ دائماً أن الكلمة المكتوبة، أقوى من كل الأوضاع المادية، وأبقى وأخلد!!.. وإذا كان أبناء عصر سليمان، قد تعلموا الكثير من الحكمة في سعيهم إليه من هنا ومن هناك، من أبناء أمته أو الأمم الغريبة، كما سعت إليه ملكة سبأ، تستلهم منه الحكمة والمعرفة،.. فإن العصور بأكملها ما تزال إلى اليوم تنهل، وستنهل مما ترك سليمان في أسفاره الكتابية الثلاثة!!..



سليمان وتجاربه



كان شكسبير يقول: إن الجهل في الحياة سبب كل تعاسة ومأساة، ولكن سليمان لم يكن جاهلاً، وقد سقط سقوطه الشنيع رغم حكمته العظيمة، لثلاث تجارب قاسية:



دبلوماسية الحكم

كانت الدبلوماسية في نظر چورچ ماثيسور، وهو يحلل شخصية سليمان هي السر في كل ما وصل إليه وأصابه،... وماثيسون يعتقد أن سليمان لم يجمع في قصره ألف امرأة لمجرد الشهوة الجنسية، مهما كانت رغبته فيها، بل أن سليمان نفسه والأمم الذي حوله بروابط سياسية، بهذا الجمع الحاشد من النساء، إذ جاء مع بنت فرعون بالموآبيات والعمونيات والأدوميات والصيدونيات والحثيات، وهو يخطط لذلك في الوصول إلى السلام مع جميع جيرانه، دون الحاجة إلى النزاع معهم ورفع السلاح في وجوههم!!.. كما أنه أراد أن يوحد الأمة من الداخل، وهو لا ينسى أن الأمة كانت أساساً تلتف حول عائلة شاول في سبط بنيامين. وأن الاتحاد الظاهري، يحمل في أطوائه جرثومة الانقسام التي لم تلبث أن ظهرت فيما بعد في أيام ابنه، وهو يريد أن يذيب كل انقسام وفرقة، ولا سبيل إلى ذلك إلا بأن يشغل الناس بالحصول على الثروة التي تغنيهم عن كل تفكير في نزاع داخلي ومن ثم عمد إلى التجارة فأنشأ أسطولاً ناجحاً وتبادل مع الأمم الذين حوله التجارة التي دفعت الأمة دفعاً قوياً إلى الأمام.. ومن ثم جعل -كما ذكرنا- الفضة في أورشليم مثل الحجارة، والأرز مثل الجميز الذي في السهل في الكثرة!!... وعندما ينشغل الناس بالثروة، ستنسيهم الثروة أي شيء آخر يمكن أن يكون موضوع اهتمامهم وانشغالهم على الإطلاق!!... بل لعله من الناحية الدينية قصد بأن يجمع الشعب حول الهيكل، إذ يصبون هناك حنينهم وأشواقهم وشركتهم، الأمر الذي أفزع خيال يربعام فيما بعد، فأراد أن يفصل إسرائيل عن يهوذا بتمثالي الذهب في بيت إيل ودان، ليمنع الشعب من العودة إلى أورشليم إلى الهيكل،.. وسقط سليمان في الفصل -بهذه الدبلوماسية- بين الحكمة النازلة من السماء، والحكمة النفسية الأرضية البشرية، ونسى سليمان أول درس في الحكمة أنها عطية الله، وليست ذكاء البشر!!.. ومن الغريب أن الرجل الذي قال: "توكل على الرب بكل قلبك وعلى فهمك لا تعتمد في كل طرقك أعرفه وهو يقوم سبلك".. لم يستطع أن يدرك هذه الحقيقة، وارتبط أول ما ارتبط بمصر وغيرا من الأمم، على العكس من القصد الإلهي والغاية من شعب الله نفسه،.. وحفر بذلك -وهو لا يدري- الهوة الواسعة التي تردي فيها أخريات حياته!!.. إن الحكمة الإلهية لمن يريد أن يأخذها هي أشبه الكل بالتيار الكهربائي سيظل قوياً جباراً متغلباً طالما كان مرتبطاً بأصل الكهرباء، فإذا انفصل عن هذا الأصل لأي سبب من الأسباب، فإنه يموت في نفس الدقيقة التي يتم فيها هذا الانفصال!!.. وقد حدث هذا -للأسف- في قصة سليمان، وأين سليمان الذي قيل عنه في مطلع حياته: "والرب أحبه" من سليمان الذي وصف في أخريات حياته: "فغضب الرب على سليمان"..!

الترف واللذة

كانت التجربة الثانية أمام سليمان تجربة الترف واللذة، وقد أفصح عن ذلك في الأصحاح الثاني من سفر الجامعة، على النحو العجيب الذي وصل إليه، وهل كان من المنتظر من الإنسان الذي قال في سفر أمثال لله: "أبعد عني الباطل والكذب لا تعطني فقراً ولا غنى أعطني خبز فريضتي لئلا أشبع وأكفر وأقول من هو الرب أو لئلا أفتقر وأسرق وأتذخ اسم إلهي باطلاً" هل كان من المنتظر وقد أغرق نفسه في الثورة بغير حدود، والتصق بالمحبة وبالعدو الهائل من الفساد، وبحث عن الشهرة هنا وهناك ألا تفعل حياة الترف واللذة فيه ما فعلت، فتحرقه كالشمعة، إذ يضعف أمام نسائه، فيملن قلبه ويبني لهن -إلى جانب هيكل الله- مرتفعات وثنية ليقدمن عليها ذبائحهن، ويموت في الستين من عمره، دون أن يتحقق له طول العمر، الوعد المشروط بالسير مع الله وفي صحبته، ولكنها حياة اللذة والترف التي كتب عنها في الأصحاح الأخير من سفر الأمثال: "كلام لموئيل ملك مسا علمته إياه أمه ماذا يا ابني ثم ماذا يا ابن رحمي ثم ماذا يا ابن نذوري لا تعطي حيلك للنساء ولا طرقك لمهلكات الملوك ليس بالموئيل ليس للملوك أن يشربوا خمراً ولا للعظماء المسكر لئلا يشربوا وينسوا المفروض ويغيروا حجة كل بني المذلة".. ومن المؤسف أن سليمان شرب من الكأس حتى الثمالة، ونسى كل المفروض عليه!!..



القسوة والعنف

لقد بدأ حكمه وختمه بكل قسوة وعنف، لقد اعتقد أنه من الحزم أن يتخلص في مطلع حكمه ممن يظن أنهم سيقفون في طريق هذا الحكم، لم يوصه أبوه بقتل أدونيا أخيه، فعفا عنه حتى طلب أبيشج الشونمية الفائقة الجمال، وكان أدونيا -كما يعتقد الشراح- يقصد بخبث أن يعيد مركزه مع الشعب بأخذ امرأة أبيه وضمها إلى بيته، كما كانت عادة الملوك بضم النساء والسراري للملوك السابقين، ولهذا قال سليمان لأمه: "ولماذا أنت تسألين أبيشج الشونمية لأدونيا، فاسألي الملك لأنه أخي ولأبياثار الكاهن ويوآب ابن ضرويه".. وبطش سليمان بأخيه، وتحول أيضاً إلى يوآب، ثم بعد ذلك إلى شمعي بن جيرا، لكي يتخلص من كل من يمكن أن يكونوا مقاومين له في الخفاء أوالظاهر،.. ودفع سليمان الشعب إلى السخرة القاسية، وأقام له الرب في أخريات حياته الخصوم أمثال هد الأدوحي ورزون بن البيداع ويربعام بن نباط، وزرع سليمان بهذه القسوة والعنف ما حصده ابنه رحبعام بعد ذلك سريعاً!!.. كان سليمان حكيماً، ومع ذلك لم يستطع أن يدرك أن السيطرة الحقيقية للإنسان على آخر، لا يمكن أن تتم بالعنف والطغيان، بل بالرفق والمحبة!!.. وعجز الملك العظيم أن يصل إلى القلوب بمثل ما فعل من هو أعظم منه إذ استولى على قلوب تلاميذه وأتباعه بالمحبة العجيبة الفائقة الحدو!!..



سليمان ومصيره

لا نستطيع أن نذهب ما ذهب إليه الكسندر هوايت في فقدان الرجاء في سليمان،.. من الحق أنه انحرف في أخريات حياته، وليس عن جهل، لقد تنكب الطريق، وانحرف وهو يعلم معنى الانحراف: "وكان في زمن شيخوخة سيلمان أن نساءه أملن قلبه وراء آلهة أخرى، ولم يكن قلبه كاملاً مع الرب كقلب داود أبيه".. لكن رجاءنا لا يرجع إلى شيء في سليمان نفسه بل إلى كل شيء في شخص الله، الذي وعد داود: "متى كملت أيامك واضطجعت مع آبائك أقيم بعدك نسلك الذي يخرج من أحشائك أثبت مملكته، هو يبني بيتا لاسمي وأنا أثبت كرسي مملكته إلى الأبد أنا أكون له أباً وهو يكون لي ابناً إن تعوج أؤدبه بقضيب الناس، وبضربات بني آدم ولكن رحمتي لا تنزع منه كما نزعتها من شاول الذي أزلته من أمامك ويأمن بيتك ومملكتك إلى الأبد أمامك كرسيك يكون ثابتاً إلى الأبد!!" ومع هذا الوعد ينصرف أساساً إلى بيت داود الذي سيبقى ثابتاً حتى يأتي منه المسيح مخلص العالم، حتى ولو تعوج بعض أبنائه، ممن سيعالج الله تعوجهم بالضربات والمتاعب والآلام،.. وإذ كان سليمان قد بنى المرتفعات لنسائه الغريبات، فمن المتصور أنه لم يسجد هو أمام هذه المرتفعات، وإنما فعل ليترك لهن حرية السجود كما يردن: وهكذا فعل لجميع نسائه الغريبات اللواتي كن يوقدن ويذبحن لآلهتهن".. ومن المتصور أن سليمان كتب سفر الجامعة في أخريات حياته، وإذا كان الكسندر هوايت لم يستطع أن يكتشف توبة سليمان خلال أسفاره التي كتبها، فنحن على العكس من ذلك نرى رجلاً عاش وقتاً طويلاً يشرب من كأس العالم، محاولاً أن يرتوي من ملذاته الكثيرة المتعددة، ولكنه خرج باختباره المؤلم الحزين: "باطل الأباطيل الكل باطل وقبض الريح".. ولعله -وهو يشرب من كافة المسرات والمباهج- قد تبين ما قاله السيد فيما بعد: "الذي يشرب من هذا الماء يعطش أيضاً. ولكن الذي يشرب من الماء الذي أعطيه أنا فلن يعطش إلى الأبد بل الماء الذي أعطيه يصير فيه ينبوع ماء ينبع إلى حياة أبدية"... وهو شديد اليقين بالدينونة الأبدية: "افرح أيها الشاب في حداثتك وليسرك قلبك في أيام شبابك واسلك في طرق قلبك وبمرأى عينيك واعلم أنه على هذه الأمور كلها يأتي بك الله إلى الدينونة".. وقد ختم الجامعة بقوله: "فلنسمع ختام الأمر كله "اتق الله واحفظ وصاياه لأن هذا هو الإنسان كله. لأن الله يحضر كل عمل إلى الدينونة على كل خفي إن كان خيراً أو شراً"...

كان لورد بيكون من أعلى الناس فهماً ودراية وعلماً وحكمة، وكان أشبه بالحكيم القديم سليمان في حكمته وفي سقوطه أيضاً، لكنه وجدوا في مخلفاته في النهاية صلاة مرفوعة إلى الله يقول فيها: "أيها الرب الإله الكريم، أبي منذ صباي، وخالقي وفادي ومعزي، وأنت الإله الذي تتغور إلى أعماق القلوب، وتفحص أسرارها، وأنت تعرف المستقيم القلب، وتحكم على المنافق، وتأتي بأفكار الناس وأفعالها إلى الميزان، وتقيس نواياها بالمقياس الدقيق، ولا يمكن للطرق المتلوية أن تختفي عن عينيك، لقد أحببت يا رب محافلك، ونحت على الانقسامات في كنيستك، وسررت ببهاء مقدسك، وقد جعلت مخلوقاتك كتبي، ولكن الكتب المقدسة كانت قراءاتي، وقد بحثت عنك في دور القضاء، والحقول، والحدائق ووجدتك في هيكلك.. إن خطاياي تعد بالألوف، وتعدياتي بعشرات الألوف أيضاً، ولكن تطهيرك بقى لي، والتهب قلبي كالجمرة التي لم تطفيء بنعمتك على مذبحك،.. وكما تزايدت أفضالك عليَّ تزايدت أيضاً تصحيحاتك، وكلما كثرت امتيازاتي العالمية، كثرت سهامك السرية المصوبة إليَّ، وكلما ارتفعت أمام الناس تهاويت في وضاعتي أمامك، وأعترف أنني إلى جانب خطاياي التي لا تحصى مدين لك بالوزنات والنعم التي أغدقتها على، والتي لم أضعها في منديل، أو أستثمرها، بل استخدمتها أسوأ من ذلك فيما لا يفيد، حتى أضحت نفسي غريبة في بيت سياحتي،.. يا رب ارحمني، واهدني في طرقك، ثم خذني بعد ذلك إلى مجدك!!..

كان الكسندر هوايت يتمنى فيما يقدر أن يجد شيئاً من مخلفات سليمان يمكن أن يكون مثل هذه الصلاة، ونحن نعجب كيف لم يتنبه الواعظ الكبير، إلى الروح الغالبة في الجامعة، روح الإحساس العميق بالأسى والألم والبطلان في كل ما يمكن يخلف المجد العالمي، في أعماق النفس البشري، والصرخة الباكية في كل العصور: "باطل الأباطيل الكل باطل وقبض الريح" روح الإفلاس الذي لم يعد يقدره الإنسان يجمعه سوى في تقوى الله وحفظ وصاياه: "لأن هذا هو الإنسان كله".. أجل ومرة أخرى إن رجاءنا في مصير سليمان لا يرجع إلى مجرد التمني ألا يضيع كاتب الأمثال والجامعة ونشيد الأنشاد، وبعض المزامير التي غنت للأجيال بمجد من هو أعظم من سليمان، وملكوته الأبدي الذي لا ينتهي،.. لكن الرجاء ينصب أولاً وأخيراً في وعد الله بالتأديب بقضيب الناس، وضربات بني آدم، دون انتزاع الرحمة من ذاك الذي قال أكثر من مرة، وهو أرحم الراحمين: "هوذا أعظم من سليمان ههنا"... له المجد الدائم الأبدي آمين.

elraiek G
09-16-2010, 06:09 PM
( 26 )

شمعي

"لأن الرب قال له سب داود"

(2صم 16: 10)

مقدمة

كثيراً ما يسأل المؤمن هذا السؤال: ما هي الحكمة في أن يرسل الله من ينغص حياتك، ويقلق راحتك، ويقلب أمنك، ويهدد سلامك؟!!.. وأنت تصرخ مرات بلا عدد أن يرفع الله عنك هذا الضيق أو الشوكة التي تقض مضجعك، وإذا بالمنغص يزداد إمعاناً في شره وظلمه واستبداده وطغيانه، وإذا هو رسول حكمة علوية لا يدرك كنهها إلا من تدرب على معاملات الرب، التي قد تبدو غريبة أو عجيبة لمن هو أقل فهماً وإدراكاً وتأملاً،… ظهر هذا المنغص في طريق داود، ظهر ظالماً قاسياً متشفياً، ولم يره أبيشاي سوى كلب ميت يسب الملك،… ولكن داود كان له رأي آخر، إذ أن شمعي لم يكن عنده مجرد كلب يقطع رأسه أو لسانه، بل هو رسول من الله جاء إليه في اللحظة الدقيقة ليتمم أمراً إلهياً، على الملك أن يقبله بكل خضوع وتسليم واتضاع،… إن شخصية شمعي تعطينا صورة واضحة لا نقف فيها عند الأسباب الثانوية الظاهرة، بل نتغور معها إلى أسباب أعمق خفية إلهية، ولذا يمكن أن نراه من جوانب متعددة على الصورة التالية.



شمعي المتعصب الأعمى

والتعصب الأعمى هو مفتاح قصة شمعي بن جيرا، لقد كان شمعي من عشيرة بيت شاول بنياميني، لا يمكن أن ينسى أنه ينتسب إلى الأسرة المالكة التي ضاع كرسي الملك منها، وأن داود حل محل شاول، وأن سبط يهوذا أخذ مكان الرئاسة من سبط بنيامين،.. والتعصب الأعمى مهما كان لونه وصورته، هو شر وباء يمكن أن يصيب فرداً أو جماعة، وأنواعه متعددة لا حصر لها،... ولكنها دائماً تخلف الهلاك والدمار وراءها،... فهناك التعصب القومي الذي يكاد يكون خلف أغلب الحروب بين الناس، والذي جعل أبا هنيبال القرطجني يطلب أن يقسم ابنه على المذبح أن يكره روما إلى الأبد،... والذي صنع العداء التقليدي بين اليهود والسامريين، والذي أنشأ أسطورة "ألمانيا فوق الجميع" وقاد العالم في القرن العشرين إلى الحربين العالميتين الأخيريتين بما تركتا من آثار رهيبة مدمرة،... وجعلت استيفن ديكاتور الضابط في البحرية الأمريكية أن يضع شعاراً أمريكياً بشعاً قائلاً: "أنا مع بلدي في الحق أو الباطل على حد سواء"... ولم يستطع أمريكي مسيحي أن يقبل هذا الشعار، فصححه: "أنا مع بلدي في الحق، غير أني أصححه عندما ينساق وراء الباطل"... سخر وينفرد هيلتباي من حماقة التعصب الأحمق، في قصة كتبها تحت عنوان: "صوت الله"... وفيها يتخيل ما يحلم به الناس، من أن جميع الأصوات محفوظة، وقد اخترع أحدهم آلة تستطيع بأن تأتي بهذه الأصوات من الماضي، وقد راق له أن يحضر أمام جمع يتكلم الإنجليزية، صوت المسيح،.. وعندما تكلم السيد حصلت همهمة وتذمر وغضب، لأن الصوت لم يتكلم بالإنجليزية، بل تكلم بالأرامية، كما كان المسيح يتحدث إلى معاصريه في تجسده على الأرض!!... وهناك التعصب العقائدي الذي عذب جاليليو الذي نادى بنظرية دوران الأرض حول الشمس، وأنها كروية، وذات مرة أرغموه أن يركع ويقول أن الأرض مسطحة، وركع وقام ليقول: ولكنها كروية،.. وسجن روجر بيكون لمدة عشر سنوات، وهو يقوم بأبحاثه في الطبيعة والكيمياء، وإذ عرض ما اكتشفه حكم عليه بالسجن بالزعم أنه يتعامل مع الشيطان،... وفي المجال الديني البحت كم ذهب العديد من الشهداء، ضحايا الحماقة والخرافة والجهل، وكم عانى لوثر في القرن السادس عشر، والميثودست في القرن الثامن عشر، ورجال جيش الخلاص في القرن التاسع عشر،.. وهل قرأت قصة ذلك الشاب الزنجي الذي طلب أن ينضم إلى كنيسة من كنائس البيض، أحرج الراعي، إذ أن حياة الزنجي لا تمنعه قط من الانضمام،... ولكن الراعي يعلم أنه سيثير ثائرة البيض إذا سمح له بهذا الانضمام،... وإذا أراد مخرجاً من حريته... قال له: لنصل ونتقابل بعد ذلك،.. وبعد شهور التقى به في الشارع وسأله: لماذا لم يأت إليه مرة أخرى؟.. وأجاب الشاب: لقد صليت وأعطاني المسيح الجواب... وقال الراعي: وماذا قال لك؟!! أجاب! قال لي لا تفزع لأني أنا واقف على باب هذه الكنيسة منذ عشر سنوات وأقرع ولم يفتح لي أحد الباب!!..

وهل نعود لنذكر الحروب الرهيبة التي قامت بين الأديان المختلفة، والاضطهادات الدينية البشعة في كل جيل وعصر، وليس فقط بين الأديان المختلفة، بل بين المذاهب المتعددة في الدين الواحد، وكلها لم تخرج إلا من التعصب الأحمق البغيض.. وربما إلى اليوم لم يعرف العالم كثيرين لهم الخيال الخصب الذي كان ليوحنا بنيان في سياحة المسيحي، والحرب المقدسة... وفي الحرب المقدسة يصور بنيان نفس الإنسان أشبه بالقلعة الحصينة ذات الأبواب الخمسة التي أطلق عليها، باب الأذن، وباب العين، وباب الفم، وباب الأنف، وباب اللمس، ويقصد الحواس الخمس في الإنسان، وعندما يأتي عمانوئيل ليفتح القلعة، يجد عدو الخير قد حصن باب الأذن مثلاً بالمتعصب الأعمى ومعه ستون من الجبابرة الذين لا يبالون بأحد على الإطلاق".. كان شمعي بن جيرا واحداً من هؤلاء المتعصبين التاريخيين بكل ما في كلمة التعصب من معنى...



شمعي الوضيع الخسيس

ربما ليست هناك فرصة يمكن أن تتعرف فيها على معدن الإنسان وطبيعته وصفاته، كما تراه في وقت المحن والآلام سواء بالنسبة له، أو بالنسبة لغيره من الناس،.. وقد كشف شمعي بن جيرا عن معدنه الخسيس الوضيع، عندما خرج داود في محنته القاسية هارباً من أورشليم أثر ثورة إبشالوم ابنه عليه،.. ولقد كان شمعي "قاسياً" في منتهى القسوة، إذ لاقى داود في أضعف لحظة من لحظات حياته، وإذا كان من المباديء الأساسية في المبارزة أو المصارعة أو الملاكمة التوقف عن المناضلة مع خسم ساقط إلى الأرض، أو سقط سلامه من يده،.. كما لا يعد شهماً أو رجلاً ذاك الذي يفرح أو يشمت ببلية آخر،.. فإن شمعي بني جيرا كان من ذلك النوع القاسي الذي فقد كل مرؤة أو شهامة، تجاه رجل منكوب في محنة من أقسى المحن التي مرت به في حياته!!... وكان شمعي إلى جانب هذا "جباناً" انتهز فرصة مرور داود أمام بحوريم وهي مدينة من مدن سبط بنيامين، وكان حريصاً أن تكون المسافة بعيدة بينه وبين أية محاولة لمطاردته، ليهرب إذا حاول من أحد من رجال داود القضاء عليه، ومن هناك ابتدأ يسب داود ويرمي عليه التراب والأحجار، وذلك منتهى الجبن والضعة،..

عندما هرب نابليون من جزيرة ألبا كتبت الصحف الفرنسية عنه "الوحش يهرب من ألبا"، وإذ اقترب من فرنسا كتبت "نابليون يهرب إلى فرنسا".. وإذ دخل فرنسا كتبت "الامبراطور يدخل البلاد".. على أنه كان كاذباً، إذ كان "كاذباً مفترياً" نسب إلى داود ما هو براء منه، بعلم الجميع، لم يكن داود بالنسبة لبيت شاول رجل الدماء "قد رد الرب عليك كل دماء بيت شاول".. بل بالأحرى الرجل الذي وقع شاول في يده مرتين، ولكنه رفض أن يمسه، ولم يكن داود أكثر من ذلك "رجل بليعال" الرجل الذي تحول عن الرب، وابتعد عنه، وعبد آلهة أخرى،.. كان وصفه بهذه الأوصاف غاية الظلم، وعكس الحقيقة على وجه كامل،... ولكن الإنسان المتعصب ليس هناك حدود لافترائه وكذبه،.. ولا حاجة إلى القول أنه إلى جانب هذا كله كان "غادراً" يطعن الملك الشرعي للبلاد في ظهره، يرحب بالثورة ويتمنى نجاحها، بل يؤكد هذا النجاح بدافع الرغبة الدفينة في قلبه للغدر والخيانة،... وهو في عرف أية قوانين شرعية خائن لمليكه، تحكمه قواعد الخيانة العظمى!!..



شمعي العصا الإلهية المستخدمة

على أن شمعي -مع هذا كله- يبدو في نظر داود شيئاً مختلفاً تماماً عن مجرد نظرة أبيشاي أو غيره من السائرين معه من الناس أو الجنود، لم يزد شمعي في نظر أبيشاي عن أكثر من مجرد كلب حقير ينبح، ويلزم إسكاته، أما في نظر داود فكان عصا الله المستخدمة لتأديبه، وهو لهذا يتصرف مع شمعي تصرفاً آخر، فهو "الصامت" الذي لا يشكو بل يقول بالحري: "دعوه يسب" ومع أنه كان يملك أن يتكلم، ومع أن الذين حوله كانوا يملكون ما هو أكثر من الكلام، لكنه مضى في طريقه كأصم، ووضع رأسه ووجهه في التراب، ولعل هذا أفضل ما يمكن أن يفعله الإنسان، عندما يلتقي بالأحمق الذي لا يحمل أن نرد عليه حتى لا نتساوى معه في الحماقة،... ولعلنا في الصمت نمتد إلى آفاق أبعد، وراء ذاك الذي كان أفضل وأعظم من داود: "ظلم أما هو فتذلل ولم يفتح فاه كشاة تساق إلى الذبح، وكنعجة صامتة أمام جازيها فلم يفتح فاه".. "وسأله بكلام كثير فلم يجبه بشيء"... وهنا يحق القول إذا كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب!!... وهو "المعترف بالخطأ" وليس بما يزعمه شمعي، فهو بريء من هذا كله، ولكن الضمير في تلك اللحظة كان له حسابه العميق معه،.. إن الذي يظهر أمامه في الطريق، ليس شمعي بن جيرا، بل آخر اسمه، أوريا الحثي ودم أوريا يصرخ في وجهه، ومع أنه يعلم علم اليقين بأن الله غفر خطيته، إلا أن لطمة الضمير كانت تصفعه في تلك اللحظة على وجهه، وهنا لابد من السؤال: ألم يتب إلى الله؟؟ وألم يصرخ مزموره العظيم بهذه التوبة التي قبلها الله، ورفع عنه إثمه وخطيئته؟؟ فهل كان غفران الله كاملاً وشاملاً، أم أن الغفران الإلهي مجزأ ومحدود؟؟.. لا شبهة في أن غفران الله كامل وشامل، ولكن هذا الغفران الكامل لم يمنع الرسول بولس أن يقول بعد سنوات طويلة من غفران الله: "أنا الذي كنت مجدفاً ومضطهداً ومفترياً ولكنني رحمت إذ فعلت بجهل في عدم إيمان" وقد تعقبته ذكريات الخطية لا لتقلق مضطجعه، بل لكي تعلمه الاتضاع، وإدراك شر الخطية وبشاعتها، فهي حاجز واق يكشف له الضعف البشري يوم تتخلى النعمة الإلهية عن أي إنسان على ظهر هذه الأرض"!!..

وها نحن نرى هنا داود في كل خضوع وتسليم واحترام لمشيئة الله وقضائه وإرادته، وهو يضع "التفسير الصحيح" لتصرفات شمعي،.. وهنا يختلف داود مع أبيشاي -وقد سبق له الاختلاف- في مفهوم العناية عندما عبرا إلى شاول النائم والذي سقط تحت يد داود، وأراد أبيشاي أن يأذن له داود بالقضاء عليه بضربة واحدة، معتقداً بأن الرب قد أوقعه في يده، ولكن داود رفض هذا التفسير، ورأى في الأمر -بالعكس- امتحاناً من الله، لأنه لا يستطيع أن يقتل مسيح الرب ويتبرأ،..

وهنا لا يرى أبيشاي أيضاً إلا الصورة البشرية، كلب ينبح، ومع أن الكلب الذي ينبح يعتبر كلباً حياً، إلا أن أبيشاي يراه أقل من ذلك، إذ هو كلب ميت،.. أما داود فإنه يرى صورة أخرى تختلف كل الاختلاف، إذ يراه عصا الله المؤدبة، ولتكن هذه العصا ما تكون، لكن داود يرى يد الله خلفها، وهنا نحن نقف أمام حقيقة من أضخم الحقائق الكتابية، ألا وهي الأسباب الثانوية والأسباب الأصيلة، أو الأسباب الظاهرة، والأسباب الخفية،... وإذا كانوا يقولون إن في المحيطات والبحار يوجد تياران: التيار الظاهري الذي يدفع الأمواج ويرفعها إلى أعلى أو أسفل، والتيار الخفي العميق الذي يدفع المياه، وهو التيار الصحيح الحقيقي الذي يحرك المياه ويسيرها...

كان إبشالوم وأخيتوفل وشمعي بن جيرا الأسباب الثانوية، الظاهرة، لكن السبب الحقيقي هو ما قاله الرب على لسان ناثان: "لأنك أنت فعلت بالسر وأنا أفعل هذا الأمر قدام جميع إسرائيل وقدام الشمس"... لقد عفا الله عن داود كشخص، ولكنه يعاقبه ويؤدبه كقائد جلب عثرة كبيرة أمام الشعب، وجعل أعداء الرب يسخرون،.. وإذا لم يعاقب الله العثرة، فسيستهين الجميع بالخطية ويشربون الإثم كالماء،.. إذا أصيب الإنسان بمرض الجدري، وشفى منه، ستنتهي آلامه وأخطاره، لكن آثاره ستبقى في الجلد، وسيغفر الله لكل إنسان جاء إليه تائباً، لكن الجسم الذي حطمته الخطية، لا يمكن أن يعود -بعد أن أوغل الإنسان فيها- سليماً كالذي عاش حياته عفا نقياً من بدء الحياة!!.. ومن اللازم أن نعلم أن الله يستخدم جميع الوسائل والناس، ويسيطر على الخير والشر، وعلى الأخيار والأشرار لإتمام مقاصده، ومن القديم قال يوسف لإخوته: "أنتم قصدتم لي شراً وأما الله فقصد به خيراً"... وقال شمشمون في أحجيته المعروفة: "من الآكل خرج أكل ومن الجافي خرجت حلاوة".. وقال بولس: "ونحن نعلم أن كل الأشياء تعمل معاً للخير للذين يحبون الله الذين هم مدعوون حسب قصده".. كان يهوذا الاسخريوطي -وهو يتمم أبشع جريمة في التاريخ- كان يتمم هذا وهو لا يقصد مشورة الله المحتومة التي لابد أن تكون!!..

قال أحدهم ربما لم يكن في ركب داود في ذلك اليوم من استطاع أن يفهم عمق التفسير لكلمات داود سوى ناثان النبي،.. ومن أعظم الأمور عند المؤمنين قدرتهم في التعمق والوصول إلى الأسباب الحقيقية لمعاملات الله معهم في الحياة، بل أن التغور إلى الأسباب الحقيقية سيرفع عن المرء الكثير من الثقل والمرارة، وسيفتح أمامه طريق الرجاء والأمل والانتصار على المحنة والمعاناة،.. أن تتحول من شمعي إلى الله، وأن يختفي الإنسان مهما كان نصيبه أو مسئوليته، وأن نرى الله، ولا شخص غير الله، سنجد السبيل إلى ما هو أفضل وأسمى وأعظم أو كما قال داود في مرة أخرى: "قد ضاق بي الأمر جداً فلنسقط في يد الرب لأن مراحمه كثيرة ولا أسقط في يد إنسان"... لقد اعتنق داود فلسفة طيبة تجاه تصرف شمعي، لقد هون الأمر على نفسه بصورتين: الصورة الأولى إذ قارن بين عمل شمعي وعمل إبشالوم، فإذا كان إبشالوم قد أجاز لنفسه وهو ابن داود أن يثور على أبيه، فكم بالحري هذا البنياميني البعيد، وكانت الصورة الثانية أبعد وأعمق إذ هي صورة الله، الذي سمح لشمعي أن يفعل هذا، ولا توجد بلية في الأرض إلا والرب صانعها، بهذا المعنى البعيد والعميق، إن النظر إلى الإنسان مرات كثيرة انتهى بالناظر إلى طريق مسدود، لكن النظر إلى الله دائماً يتفجر بالرجاء والأمل، كان داود دائماً يعلم أن الله لا يحتقر البتة القلب المنكسر والروح المنسحقة، ولأجل ذلك غطى رأسه ومشى حافياً ذليلاً في ذلك اليوم واستسلم باليقين لمراحم الله الصادقة والكثيرة، وهو يدرك تماماً أن الله لا يسمع سب الرجل الكاذب المفتري المسيء وهو شديد الأمل أن الله لا يرضى بالافتراء والتجني والكذب،.. هل نعي هذا الدرس من داود، أو بالأفضل والأعظم من ابن داود الذي قال فيه الرسول بطرس: "لأن هذا فضل إن كان أحد من أجل ضمير نحو الله يحتمل أحزاناً متألماً بالظلم لأنه أي مجد هو إن كنت تلطمون مخطئين فتبصرون بل إن كنتم تتألمون عاملين الخير فتصبرون فهذا فضل عند الله لأنكم لهذا دعيتم فإن المسيح أيضاً تألم لأجلنا تاركاً مثالاً لكي تتبعوا خطواته الذي لم يفعل خطية، ولا وُجد في فمه مكر الذي إذ شُتِمَ لم يكن يَشتِم عوضاً وإذ تألم لم يكن يهدد بل كان يسلم لمن يقضي بعدل"؟!..



شمعي المنافق

قضى على الثورة في مهدها، وأدرك شمعي أنه قامر وراهن على الفرس الخاسر، وأسرع لمواجة الموقف فجمع ألفاً من البنياميين ونزل مع رجال يهوذا للقاء الملك، وسقط على وجهه أمام داود واعترف بإثمه وافتراءه، وطلب العفو والصفح والغفران، وهنا يظهر مرة أخرى أبيشاي طالباً القضاء عليه،.. ولكن الملك كان في تلك اللحظة مأخوذاً، مشدود النفس، لا يرغب في توسيع الجراح أو مدها، أو إراقة دماء أخرى بعد مصرع ابنه، فرفض أن يرى نقطة أخرى من دم تراق في يوم النصر، وحلف للرجل ألا يقتله، خاصة وهو لا يأتي بمفرده، بل يأتي بأسلوب ماكر بألف رجل بنياميني معه،.. ومع أن انبطاحه أمام الملك، واعترافه الكامل بإثمه، وطلبه العفو يمكن أن تكون هذه أركان توبة صحيحة لو أنه كان في الداخل، كالخارج قد تاب حقاً، ولم تأت التوبة نتيجة خوفه من الملك وليس حباً فيه، أو رغبة في الولاء له،.. إن توبة شمعي في تصورنا أشبه بتوبة عيسو التي لم تأت إلا لإحساس الندم على الخسارة التي ألمت به لفقدان البركة: "فإنكم تعلمون أنه أيضاً بعد ذلك لما أراد أن يرث البركة رفض إذ لم يجد للتوبة مكاناً مع أنه طلبها بدموع ".. ومع أن داود وعده، وحافظ على وعده معه طيلة حياته، وعفا عنه بقسم أمام الرب...

إلا أن السؤال مع ذلك يبقى: ولماذا لم ينس داود مع عفوه هذا عمل الرجل، وذكره لابنه سليمان وهو في ضجعة الموت، طالباً منه أن يتصرف معه بالحكمة، وبالكيفية التي تجعله يحدر شيبته بالدم إلى الهاوية؟؟.. أهو الضعف البشري الذي فرق بين داود في العهد القديم وابن داود في العهد الجديد؟؟ وأن المسيح ارتفع بنا إلى صفح غير المحدود والشامل والكامل، إذا قورن بصفح العهد القديم المحدود والجزئي والناقص؟!!.. أم هي التفرقة التي يدعو إليها بين الإساءة الشخصية إلى داود، والإساءة إليه كمسيح الرب،.. وأنه إذا كان يملك العفو عن الإساءة الشخصية التي توجه إليه كشخص، فإنه لا يملك العفو عن الإساءة التي وجهت إليه كمسيح الرب،.. وهو يطلب أن يتعامل معه بالحكمة التي لا تجعله ينسى أنه كيوآب ثار على الملك الشرعي الممسوح من الله، وعقابه حسب الناموس الموت؟!!.. أم أن الوصية كانت منصرفة أساساً إلى خطورة الرجلين على سليمان كملك، وأنهما أشبه بالحية التي لا يؤمن جانبها، مهما كان مظهرها أملس ناعماً، وما أسرع ما تلدغ متى واتتها الفرصة، وعلى سليمان أن يتعامل معها بكل حكمة وفطنة كما يتعامل من الأفعوان الخطر؟!!..

قد يكون الجواب في واحد من هذه، أو فيها جميعاً معاً،.. لكننا نعلم -على أي حال- أن الرجل كان مرائياً منافقاً يبطن غير ما يظهر، وهو على استعداد الطاعة فقط في الظاهر دون الخفاء، وقد أطاع كارهاً ما أمره به الملك سليمان في البقاء في أورشليم دون الخروج منها، حتى اضطر إلى الخروج بحثاً عن عبدين هاربين، ولم يدر أنه هو كان عبداً هارباً من وعده، والرياء أو النفاق لابد له من عقاب طال الزمن أو قصر!!.. وانتهت قصة شمعي بقتله، وحصد الرجل ما زرع، وكان لابد أن يكون الحصاد من نفس الزرع لأنهم لا يمكن أن يجتنوا التين أو العنب من الشوك أو الحسك!!... ولعل القصة بعد هذا كله ترينا أن الخطأ -مهما كان يسيراً أو جسيماً- لا يمكن علاجه بالنفاق والرياء، بل على العكس سيتحقق الخلاص بالاتضاع والتسليم والصدق والصراحة،.. لقد كانت خطية داود أشنع بما لا يقاس من خطية شمعي، وقد قبل داود من الله ما فعل به شمعي بكل صبر وتسليم وكأنما يقول: "صمت لا أفتح فمي لأنك أنت فعلت" ورفع الرب عن كاهله المحنة القاسية: "لأنه إن لامتنا قلوبنا فالله أعظم من قلوبنا ويعلم كل شيء". وعلى العكس فليس أقبح أمام الله من الرياء، وحق للسيد المسيح أن يصف نهاية العبد الرديء الشرير الذي يضرب رفقاءه بالقول: "يأتي سيد ذلك العبد في يوم لا ينتظره، وفي ساعة لا يعرفها فيقطعه ويجعل نصيبه مع المرائين" وهكذا كان نصيب شمعي بن جيرا كواحد من أظهر المرائين وأخسهم وأوضعهم في كل التاريخ!!..

elraiek G
09-16-2010, 06:10 PM
( 27 )

يوآب

"لأن يوآب مال وراء أدونيا ولم يمل وراء أبشالوم فهرب يوآب إلى خيمة"

(1مل 2: 28)


مقدمة

لست أظن أن هناك مأساة تعدل مأساة القائد الذي يهزم، وهو قاب قوسين أو أدنى من النصر، أو السباح الماهر الذي يغرق وهو على بعد أمتار من شاطيء الوصول!!.. أو الراكض الذي يسبق الآخرين، طوال الشوط، ويتجاوزه آخر ليفوز بالسباق في الدقائق الأخيرة، أو المريض الذي يختنق قبل أن تصله أنبوبة الأكسچين بلحظة قصيرة،.. ومن ثم فإن الناس في العادة تضع اهتماماً كبيراً على ما يطلق عليه "حسن الختام" كان داود ويوآب من عمر واحد تقريباً، ولو أن داود كان أخاً لصروية أم يوآب، أو بالحري خال يوآب، وعاش كلاهما معاً في خدمة شعب الله أربعين عاماً، كان فيها داود الملك، وكان يوآب قائد الجيش، لكن الختام فرق بين الاثنين قبيل الغروب تفريقاً كان أساسه الداخلي اختلاف طبيعة الرجلين، وأسلوبهما في الحياة، واتجاه نظريتهما إلى الله،.. وتباعد الاثنان في النهاية، ومال يوآب وانحرف عن الطريق،... ومع أنه لم يمل مع "أبشالوم" وظل أميناً لسيده إلا أنه مال مع "أدونيا" وتمرد، و أعلن تمرده على قائده بتنصيبه ملكاً دون علم سيده أو مشورته أو الاتفاق على ذلك،.. وإذ سقطت مؤامرته وجاء يوم الحساب، تمسك بالمذبح أو بالحري تمسح بالمذبح دون جدوى وهناك قتل، ولم يشفع فيه الماضي الطويل، وحق لمن قال: "هناك طريق إلى الجحيم من باب السماء"، وسقط يوآب آخر الأمر، ودونت قصته لتكون عبرة مع أولئك الذين يمكن أن يقال فيهم: "كنتم تسعون حسناً فمن صدكم حتى لا تطاوعوا للحق".. ولعلنا بعد هذا نرى يوآب من جوانب حياته التالية

:

يوآب القائد العظيم

لست أعلم لماذا درج داود -عندما كان يتحدث عن يوآب أو أبيشاي- أن يصفهما بالقول "بني صروية" وصروية هي أخته وقد ولدت ثلاثة أولاد كانوا أبطالاً أكبرهم يوآب، ثم أبيشاي، ثم الصغير عسائيل الذي طارد أنبير، وقتله أنبير، ولم يسترح يوآب أو أبيشاي قبل الانتقام من القاتل بقتله،.. على أي حال يبدو أن الثلاثة كانوا يحملون خصائص متقاربة تميزهم عن غيرهم من الناس،... هل جاءتهم هذه الخصائص من تربية صروية أو قوة سلطانها عليهم،.. أم أن الطابع العائلي كثيراً ما يلقي ظله أو تقاليده أو عاداته على الأولاد، حتى تكاد تراهم يتميزون بخصائص جسدية وذهنية وعاطفية وعملية متقاربة،..

على أي حال لقد كان الثلاثة يتميزون بالطابع العكسري العنيف الخشن،.. ولك بعد هذا أن ترى أكبرهم يوآب قائد الجيش لمدة أربعين عاماً، رجلاً صارم القسمات، لا تعرف الرقة إلى قلبه سبيلاً، على استعداد أن يكون وحشاً إذا احتاج الأمر إلى التوحش، أو هو في الحقيقة وحش زادته المعارك حدة وعنفاً ووحشية، وهو يسخر من ذلك الرجل الذي رأى أبشالوم معلقاً في البطمة ولم يقتله إطاعة لأمر داود الذي طلب من يوآب والجيش الترفق بابنه الفتى أبشالوم، ولا يبالي حتى لو غرق داود في دموعه،.. وهو رجل شجاع إلى آخر حدود الشجاعة، ويبدو أن أبناء صرورية كانت الشجاعة شيئاً في دمهم، وربما لم يكن يتفوق عليهم في الشجاعة سوى داود نفسه، فأبيشاي هو الذي نزل مع داود عندما كان شاول وجيشه يطاردون داود، وأخذ الرمح وكوز الماء من عند رأسه، وهو الذي قتل ثلاثمائة دفعة واحدة، وهو الذي أنقذ داود أكثر من مرة، وعسائيل الذي طارد بمفرده أبنير بن نير دون وجل أو خوف، ودفع حياته ثمناً للمطاردة،... ومن المعتقد أن يوآب قائد الجيش كان أكثر إخوته قوة وشجاعة وبروزاً،.. ولا يمكن أن ينسى أنه عاش شديد الولاء لملكه وقائده داود في مواجهة الملك شاول، ومواجهة أبشالوم، وأنه عاش الشطر الأكبر من حياته -وفي كافة الظروف- يضع داود سيداً، حتى أنه حارب ربه بني عمون وأسقطها وأخذ مدينة المياه، لم يشأ أن يفتحها بالتمام، بل تركها لداود، لكي لا يدعى اسمه على المدينة، وجمع داود كل الشعب وذهب إلى ربه وحاربها وأخذها، وأخذ تاج ملكها ووضعه على رأسه، كان وزنه وزنة من الذهب مع حجر كريم!!... وكان قبل وبعد كل هذا -الرجل الغيور على وطنه وشعبه واسم إلهه، وهو القائل لأخيه أبيشاي في معركته مع العمونيين: "تجلد ولنتشدد من أجل شعبنا ومن أجل مدن إلهنا، والرب يفعل ما يحسن في عينيه"...



يوآب والتجارب الزاحفة

من المؤسف أن هذا القائد العظيم تزحف عليه التجارب، التي تدفعه -وهو لا يدري- إلى المصير الذي وصل إليه، وهي ناشئة من ذات طبيعته والظروف المحيطة به، وكانت تجربته الأولى، ولا شك!! قوسته البالغة".. وقديماً حكمت أثينا على غلام أمسك بطائر صغير، وأدخل مسمار في عيني الطائر، فحكم عليه -على ما يقولون- بالإعدام، وإذ تعجب الكثيرون كيف تكون العقوبة بالغة القسوة إلى هذا الحد،.. وكان الجواب: إن هذا الشاب لو شاب على ما هو عليه، فإنه بعد ذلك سيفقأ عيون الناس، وسواء صحت القصة أو لم تصح، فإن الكسندر هوايت وهو يتحدث عن يوآب يصفه أنه حجري القلب،.. وعندما يتحجر قلب الإنسان، فلن يبقى هناك أمل أو رجاء في شيء... وكارثة العسكريين أنهم أكثر الناس تعرضاً لقسوة القلب،.. إن الفرق الحاسم بين داود الذي عاش نفس الزمن كيوآب في حروب وفي صراع، أن داود عرف معنى "ضربة القلب" وهو يقترب بسلاحه من شاول إذ جرب في تلك اللحظة أن يقضي على خصمه، ورفض الانصياع للتجربة، على العكس من يوآب الذي أنشب سهامه الثلاثة في قلب أبشالوم، وربما لم يهتز له رمش، وبالتأكيد لم يذرف دمعة واحدة من العين!!.. إن الله وهو الكلي القوة والقدرة، هو أيضاً رحيم، بل أرحم الراحمين، وقد طوب المسيح الرحماء في قوله في العظة على الجبل: "طوبى للرحماء لأنهم يرحمون".. وإنها تجربة زاحفة مخيفة مروعة، أن يحس إنسان ما، ضعف الرحمة في قلبه، وقساوة المشاعر في نفسه، وعلى وجه الخصوص تجاه تعاسات الآخرين ومتاعبهم وآلامهم... والتجربة الثانية عند يوآب كانت الكبرياء، ولعله النجاح الذي صادفه في معاركه، والسيطرة الكاملة الشاملة على الجيش. قاداه إلى شموخ وارتفاع العينين، اسمعه عقب القضاء على فتنة أبشالوم وهو يقول لداود: "لأنك أظهرت اليوم أنه ليس لك رؤساء ولا عبيد لأني علمت اليوم أنه لو كان أبشالوم حياً وكلنا اليوم موتى لحسن حينئذ الأمر في عينيك، فالآن قم واخرج وطيب قلوب عبيدك لأني قد أقسمت بالرب أنه إن لم تخرج لا يبيت أحد معك هذه الليلة ويكون ذلك أشر عليك من كل شر أصابك منذ صباك إلى هذا اليوم"... أو في لغة أخرى أن هذا التهديد يبين لداود أن يوآب صاحب الفضل في كل شيء عليه، وأنه بدونه أو في حالة وقوفه موقفاً آخر، لن يضعف داود فحسب، بل أكثر من ذلك سيصيبه السوء الأكبر الذي لم ير نظيره في حياته،.. ومن الغريب أن النجاح ينتهي في العادة بالإنسان إلى واحد من موقفين، إما أن يزيده كبرياء أو يزيده اتضاعاً، وإذا كان يوآب يزداد شموخاً كلما صادف نجاحاً، كان داود على العكس يزداد انكماشاً واتضاعاً أمام الله، إذ لا يحس النجاح من فضله أو قدرته، بل بالحري من معونة الله ومساعدته وإحسانه ورعايته،... والتاريخ يشهد في كل العصور والأجيال أنه قبل الكسر الكبرياء، وقبل السقوط تشامخ الروح... وإلى جانب هذا ظهرت روح الاحتقار وعدم المبالاة لداود عنده، وعند إخوته، وأخذت هذه الروح تتزايد لتنتقص من روح الولاء والتبعية، وقد لام بعضهم داود عندما صرخ عقب مقتل أبنير قائلاً: "وأنا اليوم ضعيف وممسوح ملكاً وهؤلاء الرجال بنو صروية أقوى مني يجازي الرب فاعل الشر كشره"...

وكان من المؤكد أن مثل هذا التصريح يشجع بني صروية، وينبههم إلى إحساس داود بضعفه إزاءهم، مما يدفعهم أكثر إلى الإغفاء أو الإغضاء عن مركزه الملكي العظيم، بل يشجعهم على الإدراك بأن داود إنما يقبلهم بدافع الخوف والرهبة، أكثر من الترحيب والمحبة، ويفسح لهم المجال للمزيد من أي تصرف أحمق أو شرير دون أدنى مبالاة،.. وكانت النتيجة الحتمية لكل هذه، سيطرة روح الأنانية على بني صروية إلى الدرجة التي جعلت بعض المفسرين يصورون أن الحكم في المملكة كان ظاهراً لداود، وكان في حقيقته لبني صروية، والأنانية ميكروب رهيب إذا لم يكافح في النفس البشرية سيستشر ي ويقضي على كل ما عرفت من أمجاد وفضائل، وسينتهي بصاحبه إلى عبارة لويس الخامس عشر المشهورة: أنا وبعدي الطوفان، ويكشف الإنسان صورته البشعة التي وصل إليها، والتي كان يظن أنه من المستحيل أن يتخيلها،.. وهل كان من المتصور أن تصل العلاقة بين داود ويوآب إلى أسلوب المساومات الخفية، كأن يغض أحدهما الطرف عن شيء مقابل إغضاء الآخر عن شيء مقابل؟؟ وقد ظهر أسلوب هذه المساومة في أبشع صورة، في مقتل أوريا الحثي، إذ كان على يوآب أن ينفذ تعليمات داود الخفية بالقضاء على الرجل، ليحفظها له، ملوحاً بها، إذا رام الملك أن يحتج على أي عمل أو تصرف قد يقوم به مهما كان شكله ولونه وعيبه،.. هذا اللون من المساومة على ستر الفضائح مقابل الثمن البشع المعيب، كثيراً ما قوض الممالك وأسقط الجبابرة، عندما يستعلن الخفي ويظهر المستور، وقد استخدمه يوآب في كثير من الأوضاع دون أن يجرؤ داود على مكافحته أو عقابه!!... وإذا أضفنا إلى ما سبق روح الغدر التي امتلأ بها الرجل، وقد ظهرت في واقعتي قتله لأبنير بن نير وعماسا بن يثر القائدين العظيمين، وإذا جاز أن يتلمس لنفسه عذراً في أنه قتل أبنير انتقاماً لأخيه عسائيل، فإن غدره البشع لعماسا، إذ طعنه، وهو يقبله ممسكاً بذقنه، يذكرنا بالقبلة الأخرى. أشهر قبلة غدر في التاريخ: "أبقبلة تسلم ابن الإنسان"؟!..



يوآب ومآسيه

وربما تدور مآسي يوآب كلها في عبارة قالها الكتاب: "لأن يوآب مال وراء أدونيا ولم يمل وراء أبشالوم"... ولنا بعد ذلك أن نتصور إنساناً بدأ بالخط المستقيم وانتهى بالانحراف،.. وما هي الخطية في المعنى اللغوي للأصل العبراني؟ إنها كما يقولون، أما القصور في الوصول إلى الهدف أو الانحراف عنه، كرامي السهي الذي لا يصيب الهدف، إما لأنه قصر في الوصول إليه، أو انحرف عن المرمى، وهذا ما فعله يوآب، بانحرافه عن الخط المستقيم،... ولعله من المثير أن نلاحظ أن الذي يريد أن يعبر النهر، عندما يبدأ في السباحة، وعيناه متجهتان نحو نقطة الوصول على الشاطيء الآخر، يكتشف -وهو لا يدري- أنه تباعد بعيداً عن النقطة بدافع التيار، إلى نقطة أخرى لم يكن يتصور أنه سيصل إليها، وبهذا المعنى مال عن الخط المستقيم بين نقطة الانطلاق ونقطة الوصول. إن حياة الإنسان على الأرض ليست نزهة في حديقة، أو روضة أؤ جنة يسير فيها كما يشاء، ويتمشى كما يحلو له،... بل هي رحلة في برية مجهدة مضنية متعبة، يحتاج فيها بين الحين والآخر، إلى ما يقوله إشعياء: "وأذناك تسمعان كلمة خلفك قائلة هذه هي الطريق اسلكوا فيها حينما تميلون إلى اليمين وحينما تميلون إلى اليسار"... والرحالة لا يستطيع الاستغناء عن "البوصلة" التي تعينه على تبين معالم الطريق، في أمكنة يسهل أن يتوه فيها مهما بلغ من حكمة أو فطنة،... ولهذا فإننا في رحلتنا إلى الله ينبغي أن نتوقف بين الحين والآخر لفحص النفس، بل أكثر من ذلك إلى الرجاء أن يفحصنا الله: "اختبرني يا الله واعرف قلبي امتحني واعرف أفكاري وانظر إن كان في طريق باطل واهدني طريقاً أبدياً".

فإذا أضيف إلى ذلك أن الحياة في المفهوم المسيحي، لا تعرف التوقف، ومهما بلغت من كمال على الأرض، فإن هذا الكمال نسبي ينتظر كمالاً أعظم، وهي أشبه بالطالب في المدرسة، لو أخذ درجة الكمال في الدراسة الابتدائية... فإن هذا الكمال يطالبه بكمال آخر في الإعدادية أو الثانوية أو الجامعة أو الأبحاث المتزايدة في العمل،... وهو في هذا كله يمكن أن يقول ما قاله الرسول بولس: "أنا لست أحسب نفسي أني قد أدركت... فليفتكر هذه جميع الكاملين منا"...

ولعلنا نذكر في هذا الشأن القصة المعروفة للمثال ثور والدش، وكيف أن هذا الرجل العظيم، كلما صنع تمثالاً يدعو أصدقائه الفنانين ليأخذ رأيهم فيه، وكانوا يتحدثون إليه، عن نقط الجمال، والقوة، والضعف، وكان يسر دائماً أن يرى عيباً يتلافاه في تمثال آخر، حتى حدث أنهم ذهلوا ذات مرة وعجزوا أن يتبينوا عيباً في قطعة فنية أبدعها، وصفقوا لها جميعاً، وتعجبوا أن رأوه في تلك اللحظة يبكي، وإذ سألوه عن السر في البكاء، أجاب: لقد انتهيت، ووصلت إلى النقطة التي لا أستطيع أن أرتفع بعدها إلى نقطة أعلى، وهذا معناه أني بدأت النزول،.. في كل المرات السابقة، كان هناك شيء ينبغي أن أصلحه وأتلافاه، ولم يعد الآن ما أصلحه. إن الطريق دائماً أمام كل عظيم مليء بما يحتاج معه إلى المراجعة والتبصر، ولهذا نرى يوآب وقد عجز عن إدراك هذه الحقيقة، لم يمل مع أبشالوم، ومال مع أدونيا!!..

ولعله من اللازم أن نلاحظ أيضاً أن يوآب قاوم التجربة الأكبر، وعجز عن مواجهة الصغرى،.. لم يمل مع أبشالوم، ومال مع أدونيا، مع أن تجربة أبشالوم كانت أقسى بما لا يقاس من تجربة أدونيا،.. لقد استمال أبشالوم الأمة بأكملها، ووضع داود والقلة التي معه في أدق المواطن، على العكس من تجربة أدونيا التي لم ينظم الانقلاب فيها بالصورة الأولى،.. ومع ذلك فإن يوآب كافح التجربة الأقسى، وعجز عن مواجهة التجربة الأصغر والأضأل نسبياً،..

وقد يكون هذا غريباً وعجيباً، ولكنها الحقيقة التي ينبغي أن تنظر إليها بكل إمعان ودقة، ... في قصة الكوميديا الإلهية كشف دانتي في خياله العظيم، وصور تخوفه من الذئبة المطاردة أكثر من الأسد المهاجم، وذلك لأن أسلوب الذئبة في المطاردة يختلف عن أسلوب الأسد،.. فالأسد يستجمع كل قواه ويسرع بالهجوم، على العكس من الذئبة التي لا تهاجم في الحال، بل تطارد الفريسة حتى يصيبها الإعياء وعندئذ تنقض عليها، وتفتك بها،..

في مطلع الحياة الروحية يكون الإنسان مثالياً نبيلاً قوياً مترفعاً، تحكمه القواعد العظمى للمثل العليا،.. فإذا به يدوس الذهب وقد يكون فقيراً، ويرتفع إلى أعلى المستويات مهما واجه من إغراء، أو وقف في طريقه من تهديد!!.. على أنه بعد سنوات متعددة من الكفاح والتعب، قد يأتيه الملل، أو يأخذه الإعياء، أو يصيبه الضيق، ويهمس الشيطان في أذنيه: ألم تكن مغالياً فيما ذهبت إليه؟.. وماذا أخذت فيما وصلت إليه، وقد سبقك من هم أصغر أو أقل أو أضعف؟!!.. وما عجز عنه الأسد، تصرعه الذئبة الشريرة القاسية!!.. لم يمل مع أبشالوم ومال مع أدونيا!!..

إن حاجة المؤمن الكبرى في زحامة الحياة إلى الصبر، وبصبركم اقتنوا أنفسكم. في سنة 1871 ذهب ستانلي إلى أفريقيا يبحث عن لينفجستون، وهناك وجده بين الأدغال، وقد قضى معه بضعة شهور،.. وقد اهتز استانلي، بل اختبر المسيحية الحقيقية، وهو يرى الرجل العجيب في صبره غير المتناهي، أمام ما لا ينتهي من المتاعب والعقبات والصعاب والمشكلات!!..

على أن صورة هذا الميل لا يمكن أن تكون واضحة إلا إذا اكتشفنا الأمر الأهم والأخطر. إن ميل يوآب أفقده الرؤية الصحيحة. إذ لم يعد يرى الله، وإذا كان شمشون بلغ غاية المنحدر بمفارقة الله وهو لا يعلم، وإذا كان شاول قد تهاوى من مركزه العظيم، لأن الرب قد فارقه ولم يعد يكلمه أو يجيبه لا بالأحلام ولا بالأنبياء، فإن يوآب قد ضل الطريق لأنه لم يعد يرى الله،... لقد نشأت الملكية في إسرائيل بالمفهوم أن الملك هو مسيح الرب الذي اختاره الله، وليس بمجرد الاستحسان البشري، وكان ملك إسرائيل الأول شاول مختار الرب،... ومع أن هذا الملك قد انحرف، وتخلى عنه الرب، إلا أن داود كان حريصاً على ألا يمسه بأذى للفكر المقدس، إن مسحة الرب عليه ولا يمكن لأحد أن ينتزعها إلا الله نفسه،.. وقد كان هذا الفكر عميقاً عند أبيشاي إلى الدرجة التي شجعته على طلب قتل شمعي بن جيرا لأنه سب مسيح الرب،.. ومن المؤكد أن هذا هو السبب الذي جعل يوآب يقاوم ثورة أبشالوم ويقضي عليها، لأنه لم يكن معيناً من الرب، ولأنه يريد اغتصاب صاحب الحق الإلهي الشرعي في الحياة،.. كان كل هذا صحيحاً وواضحاً، ويوآب مفتوح العينين نحو الرؤيا الصحيحة التي تعرف ماذا يريد الرب!!.. على أن هذه الرؤيا لم تعد واضحة أو مبهمة أو مطلوبة، بعد أن تدخل الميل البشري أو العوامل الشخصية، والبادي أن العلاقة تزايدت فتوراً بين داود ويوآب، وأحس يوآب أن الملك وقد أضحى شيخاً، ولم يعد يعطيه الاهتمام الواجب أو الذي يطمع فيه وأن شخصيته لم تعد الشخصية التي تتجه إليها الأنظار والأضواء.. كل هذا ترك أثره في نفسيته.. وهو لهذا ليس في حاجة إلى أن ينتظر وفاة الملك للبحث عن آخر، وإذا كان الملك يرى في سليمان الأصلح لوراثة العرش، وأن هذا هو الشخص المعين من الله،.. فإن يوآب فقد تماماً هذه الرؤية، والذي لم يمل مع أبشالوم مال مع أدونيا...

... هذا هو الدرس الآخر التعس الذي يعطيه هذا القائد القديم مع أدونيا، وسائر الذين ساروا في ركابهما في تحدي سلطة داود وإرادة الله، وفقا لميولهما وأهوائهما ونزواتهما، وهو واحد من أهم الدروس التي تقوم عليها الحياة، وهو "بدون رؤيا يجمح الشعب"... ولو عقل الإنسان لأدرك الحقيقة العظيمة البالغة الأثر، إننا لسنا مخترعين في الحياة، بل مستكشفين، وأن الإنسان كفرد أو كبيت أو كأمة، يقترب من الراحة أو التعب، على قدر إدراكه لهذه الحقيقة والتمشي معها أو رفضها،... لقد سبق الله فرتب لكل واحد منا قصته بتفصيلها ودقائقها: "لأننا نحن عمله مخلوقين في المسيح يسوع لأعمال صالحة سبق الله فأعدها لكي نسلك فيها"...

والحياة لهذا تدور على محور واحد: "يا رب ماذا تريد أن أفعل"... إن الله لا يمكن أن يترك لكل واحد منا أن يخطط لنفسه حياته أو مصيره لسبب بديهي بسيط، إن قصة الحياة البشرية لا يمكن أن تسير صحيحة أو كاملة دون أن يحدد الله دور كل واحد في مسرحيته في الحياة، مرتبطاً ومتفاعلاً مع الآخرين، وهذا يقتضي تحديد علاقته بالآخرين، الأمر الذي لا يمكن أن يتم لو ترك كل إنسان يعمل مستقلاً عن الآخرين أو بعيداً عنهم، وبالتالي لا تسير الحياة وفق تخطيط الله، الذي خلق كل شيء ليتمم إرادته، ويعلن مجده!!.. إذاً ليس هو أدونيا أو أبشالوم، أو سليمان أو الصراع على السلطة أو الثورة هنا أو هناك في حياة الناس على الأرض وما يمكن أن تتمخض به عن مآسي ومتاعب وآلام وأوجاع،... بل هي الرؤيا الصحيحة لإرادة الله التي تجنب كل هذا، وتسعد وتبتهج حياة البشر كلما اقتربوا منها،... لم ينظر يوآب ليبحث عن هذه الإرادة، أو بالحري لم يتفق معها، ورفضها، إذا كانت تتجه نحو سليمان، وهذه هي تعاسة الإنسان على الأرض الذي كان يمكنه تجنبها، والوصول إلى الراحة الكاملة والسعادة الموفورة، لو عنى فقط باكتشاف ماذا يريد الله له أو منه في الحياة!!

هنا الميل عن الله، وفقدان الرؤيا، سينتهي بصاحبه إلى الخوف والفزع والتطير، فما أسرع ما عرف أدونيا بخبر تنصيب سليمان على العرش حتى خاف وفزع إلى الدرجة التي لم يجد معها مكاناً سوى التعلق بقرون المذبح، وقد تسامح معه سليمان، حتى عاد يطلب أبيشيج الشونمية حاضنة أبيه زوجة له،.. وأعتقد سليمان أن هذا الطلب يمثل لا مجرد الزواج بفتاة جميلة، بل أنه رأس الأفعى عادت تطل من جديد، وأن خلفه شبح مؤامرة جديدة، بعد وفاة أبيه، ويبدو هذا من قول سليمان لأمه: "ولماذا أنت تسألين أبيشج الشونمية لأدونيا؟ فاسألي له الملك لأنه أخي الأكبر مني ولأبيثار الكاهن وليوآب ابن صروية".. ومن المؤكد أن سليمان كان يرى في أدونيا أو يوآب أو شمعي بن جيرا خطورة على مركزه الملكي، ولعله هذا ما كان في ذهن داود وهو يوصي ابنه بالنسبة لهذين الأخيرين،.. وعلى أي حال فإنه من الملاحظ أن طريق الميل، لا نهاية لها، حتى تقف بصاحبها إلى حافة الهاوية، وإن كان من الممكن للإنسان في أية مرحلة، التوقف عن هذا الميل ومراجعة النفس، حتى ولو وقف على باب الجحيم،.. لقد رفض واحد من اللصين اللذين صلبا مع المسيح هذه المراجعة، فانتهى إلى مصيره التعس، وأمكن للآخر أن يراجع النفس في اللحظة الأخيرة، فأمسك بالحياة الأدية، وذهب إلى الفردوس،.. وكان يمكن ليوآب أن يراجع موقفه لكنه للأسف، كان شوكة في جنب داود، وكان يمكن أن يكون كذلك مع سليمان أيضاً!!... وسار يوآب في طريق الانحراف والميل، حتى انتهى به آخر الأمر إلى التعلق الخرافي بقرون المذبح، وهو يظن أنه كما عفى سليمان في الابتداء عن أدونيا عندما فعل هكذا، فإنه سيعفي عنه، وكان هذا للأسف البقية الباقية من دين الرجل أو علاقته بالله، وما أكثر الذين على الدوام فعل يوآب بن صروية الذين وصفهم إرميا: "ها أنكم متكلون على كلامهم الكذب الذي لا ينفع، أتسرقون وتقتلون وتزنون وتحلفون كذباً وتبخرون للبعل وتسيرون وراء آلهة لم تعرفوها ثم تأتون وتقفون أمامي في هذا البيت الذي دعي باسمي عليه وتقولون قد أنقذنا"...

إن هذا التعلق لم ينقذ يوآب من مصيره التعس، وكان أحرى به أن يجد تعلقاً آخر: "لأنه تعلق بي أنجيه، أرفعه لأنه عرف اسمي"... لم يسقط يوآب في المعركة جندياً شجاعاً شريفاً، لقد سقط الرجل منذ سنوات متعددة في منزلقات الخطية القاسية، ولم يمل مع أبشالوم، ومال مع أدونيا، وذهب هو وشمعي وأدونيا إلى المكان أو المصير المحزن التعس: "لأنه هوذا البعداء عنك يبيدون تهلك كل من يزني عنك أما أنا فالاقتراب إلى الله حسن لي جعلت السيد الرب ملجأي لأخبرك بكل صنائعك"...

elraiek G
09-16-2010, 06:12 PM
( 28 )

أبشالوم

"يا ليتني مت عوضاً عنك يا أبشالوم ابني يا ابني"

(2صم 18: 33)


مقدمة

لست أعلم ما هو هذا النصب الذي أقامه أبشالوم في وادي الملك تذكاراً لحياته وقصته بين الناس؟!! أهو مسلة من المسلات كما يتصور البعض... أو هو هرم صغير من الأهرام كما يفكر آخرون؟!! أ هو بناء بني على صورة ما يحمل اسمه؟!! لقد أنجب أبشالوم ثلاثة أولاد وبنتاً حلوة جميلة كأخته ثامار، ومن ثم أطلق عليها اسم أخته!! ومات الأولاد الثلاثة صغاراً على الأرجح، ولم يكن له ولد يحمل اسمه، فصنع النصب المذكور وهو حي وأطلق عليه "يد أبشالوم" لكن أبشالوم في عقيدتي لم يكن في حاجة إلى هذا النصب على الإطلاق،... لأنه استطاع أن يصنع نصباً أعظم وأرهب وأكبر، في كل أجيال التاريخ، نصبه لا في وادي الملك القريبة من أورشليم، بل في وادي التاريخ كله،.. ولا يستطيع أبرع المصورين أو المثالين أن يصنع مثله على الإطلاق،... ولقد كتب الروائيون الكثير من القصص الرهيبة، لكنني لا أعتقد أن واحدا منهم، وهو يتحدث عن الجريمة والثورة والعقاب، أبدع قصة أعظم من قصة أبشالوم.

في واحدة من الصور العظيمة لإشعياء، جاءت عبارة قائلة: "فقسوا بيض أفعى"... ومن المؤسف أن بيت الرجل العظيم داود امتلأ بفقس الأفعى!!.. مسكين أيها الملك القديم! لأن الحية القديمة أفرخت في بيتك بهذا الفقس القاتل، وكان الموت والعار والخطية والشر ما عنيت وعانى بيتك التعس، "ويد أبشالوم" ستبقى مرفوعة دائماً في كل التاريخ لكي تؤكد أن أجرة الخطية هي موت،.. والخطية حقاً خاطئة جداً!!.. وها نحن نواجه هذه المأساة ونحن نقرأ قصة أبشالوم المحزنة!!..



أبشالوم والجريمة

عندما نقرأ قصة أبشالوم، يبدو على التو أمامنا أمران هامان: أولهما صدق الرواية الكتابية، والتي تشهد بالوحي الإلهي، فنحن لو ترك إلينا أن نكتب عن داود، الرجل الذي يأخذ لبناً بمزاميره الخالدة، وبطولته العظيمة، وغيرته على مجد الله، وخدمته الأمينة للسيد، لترددنا كثيراً أن نكتب عن مخازي بيته الفاضحة، حتى لا نصدم أفكار الناس أو مشاعرهم أو خيالهم، وهم يقرأون سيرته العظيمة الخالدة،... أو على الأقل كان من الممكن أن نترفق فيما نكتب أو ندثر أو نغطي، ما لا ينبغي حسب تصورنا، أن يعري على الصورة القاسية، التي نقرؤها علىها في الوحي الإلهي!!... لكن كلمة الله على العكس تعطي الصورة الواضحة المجلوة دون أدنى تردد أو إبهام أو غموض، مهما يصدم الناس في عواطفهم، لأن الأمر الآخر أن الكلمة تهتم بإبراز الخطية في بشاعتها وشناعتها وقسوتها وخبثها وامتدادها، وشرها المستطير،.. بل إنها تتغور إلى الأعماق لنرى سر الجريمة العميق البعيد الخفي المختفي... ولعلنا لو حللنا الجريمة التي كان أبشالوم واحداً من أبطالها وممثليها العظام لرأيناها ترجع إلى:



البيت المزواج

قد لا يستطيع الإنسان أن يصف مدى المرارة التي امتلأت بها حياة داود من أنه حول بيته إلى "وكر" للأشرار بتلك الحياة الغريبة التي ساعدت عصره، والعصور الأخرى، بتعدد الزواج، وهي اللعنة التي اكتسحت العصور القديمة، حتى جاء المسيح ورد البشرية إلى الأصل في الزواج امرأة واحدة لرجل واحد مدى الحياة،.. ولم يجز موسى الطلاق ألا وهو يربطه بقساوة القلب البشري،... إن امرأة شريرة واحدة في بيت رجل صالح كفيلة أن تحوله إلى الجحيم، فكيف بك الأمر لو أن هناك مجموعة متنافرة من مختلف الأنماط والألوان، ويكفي أن ترى بيت داود على هذه الحال، ونساؤه إلى جانب ميكال التي لم تنجب له أولاداً، كان هناك كما جاء في سفر أخبار الأيام: "وهؤلاء بنو داود الذين ولدوا له في حبرون أمنون من أخينوعم اليزرعيلية الثاني دانيئيل من أبيجايل الكرملية الثالث أبشالوم ابن معكة بنت تلماي ملك جشور الرابع أدونيا ابن حجيث الخامس شنطيا من أبيطال. السادس يثرعام من عجلة امرأته.. وهؤلاء ولدوا له في أورشليم شمعي وشوباب وناثان وسليمان من أربعة من بثشوع بنت عميئيل ويبحاز وأليشامع وأليفاظ ونوجة، ونافج ويافيع وأليشمع والياداع واليغلط، تسعة الكل بنو داود، ما عدا بني السراري وثامار هي أختهم".. وإذا كانت الأختان -ليئة وراحيل- لم تستطيعا العيش معاً في بيت واحد بسلام: "ورأى الرب أن ليئة مكروهة ففتح رحمها".. "كلما رأت راحيل أنها لم تلد ليعقوب غارت راحيل من أختها".. "فقالت راحيل مصارعات الله قد صارعت أختي".. وإذا كانت حنة قد رأت الويل من ضرتها فننة: "وكانت ضرتها تغيظها أيضاً غيظاً لأجل المراغمة"... فهل يمكن أن نتصور بيت داود وقد جمع ميكال العاقر المتعجرفة بنت شاول، ومعكة الوثنية أم أبشالوم بنت تلماي ملك جشور، وبثشبع أم سليمان، وأبيجايل المؤمنة الطيبة، وسائر النساء المختلفات، وغيرهن من السراري- هل يمكن لمثل هذا البيت إلا أن يكون بيتاً ممتلئاً بالانقسام والغيرة والتحزب، والحسد والعداوة، والمعارك الظاهرة والخفية؟؟.. وهل يمكن أن نرى الأولاد إلا في الصورة المنعكسة التعسة المحزنة لكل هذه؟!!.. لقد فقست الأُفعى بيضها في بيت مزواج!!...



التربية الدينية

ولا حاجة إلى القول أن التربية الدينية، في مثل هذا البيت كانت ضعيفة أو معدومة الأثر، وأغلب الظن أن داود لم يكن عنده من الوقت ما يعطيه لأولاده، ولعل بعض هؤلاء، وهم ينظرون أباهم، وهو شديد الاهتمام ببيت الله، وبالعبادة كانوا يحتقرونه كما احتقرته ميكال وهو يرقص أمام التابوت، ولعل سليمان كان أكثر الأبناء حظاً، لأنه كان في يد ناثان النبي الذي علمه منذ نعومة أظفاره،... كانت مزامير داود ترن في قلوب الكثيرين، ولكن موسيقاها البعيدة العميقة لم تصل إلى قلوب أولاده،.. فإذا أضيف إلى ذلك أن أغلب زوجات داود، كن بدورهن مفتقرات إلى الحياة الدينية المتعمقة، ولم يكن بينهم من تحرص على تربية أولادها كما فعلت يواكبد أم موسى وهرون ومريم، وكما فعلت حنة أم صموئيل،.. ومن ثم افتقر البيت العظيم إلى العمق الديني المنشور، ... وإذا كان في التقاليد اليهودية، أن يبدأ الولد في قراءة التوراة وهو في الخامسة من عمره، وأن يتقيد بالناموس في الثانية عشرة، وأن يدرس التلمود في الخامسة عشرة، وكان على الآباء اليهود -كما يذكر فيدخلون اليهودي السكندري- أن يعلموا أولادهم ويربوهم ليروا الله الآب وخالق العالم، قبل أن يتعلموا الناموس والشرائع المقدس، والتقاليد أو التعاليم غير المكتوبة، منذ الخطوات الأولى في حياتهم على هذه الأرض!!..

عندما كان داود فقيراً وبسيطاً وراعياً للأغنام، وعندما كان يغني فوق بطاح بيت لحم بأحلى الترانيم، شرب من كأس الشركة العميقة المروية مع الله،.. لكن أولاده وقد تربوا في القصور، وعاشوا حياة التنعم والترفه والغنى، لم تكن لهم هذه الفرصة الجليلة العميقة المباركة، ولسنا نظن أن واحداً منهم صاحب أباه ليغني له في أعماق الليل أو في وضح النهار، المزمور الثامن، أو التاسع عشر، أو الثالث والعشرين من روائع مزامير داود الخالدة!!..

من أجمل ما كتب لايل توماس الذي صاحب اللورد اللنبي ولورانس في الحرب العالمية الأولى، وهو يصف حياته وتربيته المنزلية: "كان أبي يصحبني مرات كثيرة في منتصف الليل ليريني الجبال الحمراء الغارقة في ضوء القمر، وكان يعود بهذا المنظر الجميل الفاتن إلى يد الله التي صنعت كل هذا ولقد زرع في أعماق نفسي الشعور الروحي الذي صاحبني وأنا أتجول في الأرض في كل ما يتصل بالكون، وكم كان يقضي أوقاتاً طويلة في فترات متعددة، ليقرأ لي ما كان يؤمن به أنه أعظم كتاب في العالم، الكتاب المقدس، وكان يقرأ الكتاب لا كما يقرأ أثناء الصلاة العائلية، بل كما يقرأه العالم المتفقه، ولقد جعل القصص الكتابية تسري في دمي وشراييني، وتضحى خلف جميع الاختبارات التي عرفتها في حياتي.. أما الكنيسة فكانت جزءاً حيوياً في حياتي، مثلها تماماً مثل المدرسة في حياتي، ومثل الطعام اليومي، ومثل أسلوب المعيشة، وكما أنك لا تفكر أو تناقش هذه كلها أو تحللها تماماً، كما لا تفكر في تحليل زوجتك إذ هي جزء من كل شيء فكذلك الكنيسة عندي جزء من كل شيء وأنا لم أفكر أبداً في الكنيسة من ناحية تحليلها أو المناقشة في ضرورتها، إذ هي جزء طبيعي عادي من اختباري اليومي، وأنا شديد الحماس في تشجيع الناس للذهاب إلى الكنيسة"..



التأديب

لعل من أعجب الأمور في داود ضعفه البالغ تجاه أولاده، إذ يبدو أن التأديب كان غريباً عن حياتهم، فإذا وصل بأمنون الشر إلى الدرجة الرهيبة التي فيها أذل أخته: "ولما سمع الملك داود بجميع هذه الأمور اغتاظ جداً" ولم يفعل أكثر من هذا الغيظ الذي أكل فيه نفسه، دون أن يلتهب أو يأكل ابنه وبقى أمنون حراً طليقاً إلى الدرجة التي شجعت أبشالوم على أن يقتص لنفسه ولأخته على النحو المرهف الذي حدث فيما بعد بعد أن بيت له: "ولم يكلم أبشالوم أمنون بشر ولا بخير لأن أبشالوم أبغض أمنون من أجل أنه أذل ثامار أخته"... والأمر عينه واضح في معاملته لابنه أدونيا الذي قيل فيه: "ولم يغضبه أبوه قط قائلاً لماذا فعلت هكذا".. ترى هل كان هذا كله واضحاً في ذهن سليمان وهو يتحدث عن التأديب قائلاً: "من يمنع عصاه يمقت ابنه ومن أحبه يطلب له التأديب" "رب الولد في طريقه فمتى شاخ لا يحيد عنها" "الجهالة مرتبطة بقلب الولد عصا التأديب تبعدها عنه" "لا تمنع التأديب عن الولد لأنك إن ضربته بعصا لا يموت تضربه أنت بعصا فتنقذ نفسه من الهاوية" "العصا والتوبيخ يعطيان حكمة والصبي المطلق إلى هواه يخجل أمه"... ومن المؤسف أن داود أطلق أولاده جميعاً إلى هواهم، ولو أنه بكر بتأديبهم لما احتاج إلى البكاء والدموع التي جاءت متأخرة دون أن تتمكن من إصلاحهم أو إنقاذهم،... أو دون ترك العار يلطخ حياتهم وسيرتهم بين الناس، وأي سيرة هذه التي بلغوا فيها المستنقع حتى يتآمر أكبر أولاده مع صديقه على تلويث شرف أخته، دون أن يعف عن الوصول إلى ما تفعله أحط الحيوانات، وعندما يجتمعون إلى حفل أخيهم أبشالوم تدور الخمر بينهم إلى درجة السكر البين، وإذ جميعهم يجرعون الكؤوس ويسكرون، وإذ العلاقة بينهم جميعاً أبعد عن أن تكون علاقة المحبة والرقة والحنان والجود!!.. لو أن داود ربي أولاده أو أدبهم لما فقست الأفعى بيضها بينهم!!..



المثال

على أن أسوأ ما في الأمر كله، كان المثال، وكيف يتكلم داود إليهم، وقد أعطاهم أسوأ مثال في فعلته الشنيعة التي جلبت الغضب الإلهي عليه، وسخرية الساخرين من الرجل الذي يقف على رأس أمته ليسبح ويغني لله، فإذا كان أمنون يفعل بأخته ما فعل هو ببثشبع. وإذا كان أبشالوم يفعل ذات الشيء بسراري أبيه، فهل يملك الرجل أن يرفع صوته مشتكياً أو محتجاً أو مؤدباً؟!..

دخل الرجل بيته، وإذا بالبيت كله يضج بالضحك لأن الولد الصغير لبس بدلة أبيه، يجرجر فيها، وكان منظره مثيراً مضحكاً، إلا الأب الذي فزع لأنه رأى المعنى البعيد الحقيقي، إن الولد يقلده، وويل له إذا أعطى الولد مثالاً تعساً من أي تصرف أو عمل، .. لقد فقست الأفعى بيضها في بيت داود لأنه البيت المزواج الذي ضاعت فيه التربية الدينية والتأديب والمثال الحسن.



أبشالوم والثورة



ولعله من اللازم، ونحن نتناول هذه الثورة بالتحليل، والتمحيص، والتعقب أن نلاحظ ما يأتي:



ثورة الابن ضد أبيه

وهل لك أن تغوص معي إلى الجرح العميق البعيد، الذي ينزف من الدم نزيفاً لا ينقطع في قلب داود، وهو يرى الثورة آتية ضده من ابنه، وابنه الحلو الجميل الممدوح في جماله من هامة الرأس إلى أخمص القدم،.. الابن الذي مع فعلته الشنعاء حن إليه قلب أبيه وهو في المنفى، ولم يعد يذكر يديه المخضبتين بدم أخيه الأكبر أمنون،.. ربما السهل أن يدخل داود في معركة مع عدو سافر كجليات، رغم فزع الجميع من المغامرة في مثل هذه المعركة، وربما من السهل أن يتحمل طعنة رجل مثل شمعي بني جيرا رغم ما فيه من افتراء وغدر وكذب، إذ هو بنياميني من سبط آخر، سب مركزه الملكي ليأخذه سبط يهوذا، ويستقر في بيت داود،... وربما من السهل أن يفقد صديقاً مثل أخيتوفل الذي كانت تحلو العشرة معه، لأن أخيتوفل جد بثشبع، وقد تركت فعلة داود جرحاً عميقاً في قلبه ليس من السهل أن يندمل،.. لكن أصعب من الجميع بما لا يقاس أن تأتي الثورة من الابن الحلو الجميل المحبوب من، أبشالوم أو كما قال هو لأبيشاي ولجميع عبيده: "هوذا ابني الذي خرج من أحشائي يطلب نفسي فكم بالحري بنياميني، دعوه يسب لأن الرب قال له..." وقد ازداد الجرح عمقاً وبعداً، لأن السيف الذي خرج علي داود لم يكن سيف جليات، أو شمعي أو أخيتوفل أو أبشالوم، لقد كان سيف الله نفسه: "والآن لا يفارق السيف بيتك إلى الأبد لأنك احتقرتني وأخذت امرأة أوريا الحثي لتكون لك امرأة هكذا قال الرب ها أنذا أقيم عليك الشر من بيتك وآخذ نساءك أمام عينيك وأعطيهم لقريبك فيضطجع مع نساءك في عين هذه الشمس لأنك أنت فعلت بالسر وأنا أفعل هذا الأمر قدام جميع إسرائيل وقدام الشمس".. ومهما تكن الأسباب الظاهرة أو البشرية، فما هي إلا أسباب ثانوية أدرك داود اليد الحقيقية خلفها جميعاً يد الله!!..



عجز الموازنة بين العدل والرحمة

كان داود أباً وملكاً في الوقت نفسه، وجاءت ثورة أبشالوم بسبب إفلاسه التام في الموازنة بين مركزه كأب ومركزه كملك فإذا نظر إلى الأمر من وجهة نظر كونه أباً، فقد ضاع منه مركز الملك الذي ينبغي أن يحكم بناموس العدالة، الذي لا يتوقف عند مجرد الناموس الموسوي، بل يرجع إلى ما هو أسبق، إلى أمر الله مع نوح عندما قال: "وأطلب أنا دمكم لأنفسكم فقط من يد كل حيوان أطلبه ومن يد الإنسان أطلب نفس الإنسان من يد الإنسان أخيه سافك دم الإنسان بالإنسان يسفك دمه لأن الله على صورته عمل الإنسان"... وإذا عالج الأمر كملك، فإن صرخات قلبه الأبوي لا تطاوعه،.. ومن الملاحظ أن الإنسان قد أدرك هذه الحقيقة، واستقرت في أعماقه ووجدانه، وهو بصدد قضية أعظم وأكبر وأرهب، قضية الجنس البشري كله، وموقف الإنسان المدان أمام الله الذي هو الملك الحاكم العادل والديان، وفي الوقت نفسه هو الأب المحب المشفق العطوف،.. ومحاولات الإنسان المتعددة في شتى الديانات للتوفيق بين الأمرين أضحت عاجزة بالغة العجز، مهما بذل الإنسان من جهد أو معاناة أو تضحية، حتى ولو تقدم بمحرقات بعجول أبناء سنة أو بألوف الكباش أو ربوات أنهار زيت حتى ولو أعطى بكره عن معصيته ثمرة جسده عن خطية نفسه، وإذا كان قلب الأب في الله يصرخ لإنقاذ الجنس البشري، فإن الله القاضي العادل، لا يمكن أن يتمم هذا الإنقاذ بمجرد التغاضي أو إغفاء البصر، أو الغفران الناقص، كما فعل داود الذي يترك ابنه في المنفى أو يسمح بالمجيء بشرط ألا يرى وجهه أو يمثل في حضرته،... إن الأمر أبعد من ذلك وأعمق إذ أن المصالحة الكاملة لا يمكن أن تتم من غير صليب تلتقي فيه الخطية بالعدالة والمحبة معاً، أو كما يقول الرسول بولس: "ولكن الكل من الله الذي صالحنا لنفسه بيسوع المسيح وأعطانا خدمة المصلاحة أي أن الله كان في المسيح مصالحاً العالم لنفسه بيسوع المسيح غير حاسب لهم خطاياهم وواضعاً فينا كلمة المصالحة"...

كان داود يعلم هذه الحقيقة بدون أدنى شك، وهو يعجز كملك، ويحار أبلغ الحيرة، ويخشى إذا تغاضى كلية عن خطية ابنه، أن يغضب الله، قبل أن يتهم بالتحيز من ناحية الناس، وإن كنا لا نعلم متى كتب المزمور المائة والواحد، إلا أنه يبدو أنه كتبه تحت إحساس المعركة بين العدالة والرحمة في حياته، أو ربما كتبه وهو يواجه الصراع النفسي القاسي تجاه ابنه أبشالوم "رحمة وحكماً أغنى. لك يا رب أرنم. أتعقل في طريق كامل. متى تأتي إليَّ. أسلك في كمال قلبي في وسط بيتي. لا أضع قدام عيني أمراً رديئاً عمل الزيغان أبغضت لا يلصق بي. قلب معوج يبعد عني الشرير لا أعرفه الذي يغتاب صاحبه سراً هذا أقطعه مستكبر العين ومنتفخ القلب لا أحتمله عيناي على أمناء الأرض لكي أجلسهم معي السالك طريقاً كاملاً هو يخدمني لا يسكن وسط بيتي عامل غش المتكلم بالكذب لا يثبت أمام عيني باكراً أبيد جميع أشرار الأرض لأقطع من مدينة الرب كل فاعلي الإثم"... وقد قتل داود العماليقي الذي ادعى أنه قتل شاول بناء على طلبه لمجرد أن يده امتدت إلى مسيح الرب، وقتل ركاب وبعثة الأخوين إيشبوشث وهو نائم نومة الظهيرة،.. وكان السؤال القائم أمام ضميره: أليس من واجبه أن يطبق هذا على أبشالوم دون أدنى استثناء وهذا ظاهر من محاولة المرأة التقوعية التي جاءت بقصة، كقصة ناثان، مع الفارق أن ناثان كان يريد إيقاظ ضميره، أما هي فقد أرادت على العكس أن تعطيه راحة للضمير مبينة أن الموت كالماء المهراق، الذي إذا سكب لا يمكن أن يجمع مرة أخرى من الأرض، والله لا يرضى أن منفيه يطرد عن الحياة بعيداً عنه، وأنه يستحيل تصور موت أخوين معاً> قتل أحدهما الآخر، وذهب الآخر عقاباً على موت القتيل أخيه،.. ومهما يكن من هذا الدفاع الحكيم، فهو أن أثار الرحمة العميقة، فإنه أعجز عن مواجهة العدالة التي ذكرها داود في المزمور المائة والواحد!!... وقد بذر داود بذور الثورة اللاحقة لإفلاسه في التوفيق بين العدل والرحمة!!...



الغفران الناقص والسلبية ليسا علاجاً

ظن داود أنه يستطيع أن يعالج ابنه بالغفران الناقص، الذي يسمح له بالعودة من المنفى بشرط أن ينصرف إلى بيته ولا يرى وجهه، وعالج داود المشكلة السلبية المطلقة، أو في لغة أخرى، لقد أعاده من منفى المكان في جشور حيث كان هناك مع أقارب أمه، ليبقيه في منفى أسوأ أو أشد، منفى النفس، مع أن المشكلة الحقيقية أنه الآن أحوج ما يكون إلى حب أبيه أو نصحه، أو إرشاده، أو تهذيبه، أو تعليمه، أو توجيه نظره إلى الله،.. وإذا لم يستطع داود أن يملأه بكل هذه، فلابد أن يملأ الفراغ بصورة أخرى، إذ تصور الفتى قسوة أبيه وعنفه وشدته، وفقست الأفعى في أعماقه فقس الحقد والتمرد والغدر والخيانة،... لقد ارتكب أبشالوم جريمته، والمجرم متعد، لكنه أكثر من ذلك إنسان مريض وقد نظر المسيح إلى الخاطيء بهذا المعنى وهو يقول: "لا يحتاج الأصحاء إلى طبيب بل المرضى".. والعالم اليوم ينظر إلى المجرم هذه النظرة، ويحاول لا مجرد استئصال المجرمين، بل التغور وراء نزعتهم الإجرامة، لمعرفة الدوافع الكامنة الخفية وراء ما ارتكبوا من آثام وجرائم،.. ولو أن الآباء نظروا إلى أولادهم بهذا المنظار، وهو يرتكبون الشرور والمفاسد والآثام، ولو أدركوا أن هذا الوقت بالذات، هو وقت المعالجة الجادة الصبورة الحكيمة، لتركوا كل شيء، ليهتموا بتقويم الإعوجاج وإصلاح المفاسد، والعودة بأبنائهم، لا من مجرد الكورة البعيدة التي ذهبوا إليها، بل إلى الحنان والحب والإحسان والجود في بيت الآب،. أو -لغة أخرى-ليس من مجرد منفى المكان بل قبل وبعد كل شيء من منفى النفس الموحشة المعذبة القلقة التعسة، وبغير هذا سيتحول من إجرام إلى إجرام أقسى، كما تحول أبشالوم من القضاء على أمنون، للمحاولة الأكبر للقضاء على أبيه وتقويض ملكه ومجده وعرشه وخدمته!!...



الثورة والخداع البالغ

لسنا نظن أن هناك قبلة تتفوق على قبلة أبشالوم، غير قبلة يهوذا الاسخريوطي، كان أبشالوم من حيث الشكل قطعة من الجمال، ومنظره يصلح منظر ملك عظيم، وقد خدع الشعب فيه، كما خدعوا في قامة شاول الذي كان فارع الطول جميل المنظر، مهيب الطلعة، والمظهر دائماً خداع لمن يقف عند حدوده، أو لا يتعدى شواطئه، وكم من فتى أو فتاة خدع بجمال المنظر وفتن به، وتعلق بصاحبه، ليذهب في طريق الموت،... على أن الأمر عند أبشالوم تجاوز ذلك، إذ صاحبه خداع الذهن، إذ أن أبشالوم، على ما صور للناس، ليس لهم من يقضي لظلمهم وينصفهم إذ ليس للملك أو في بيته متسع من الوقت أو الذهن أو الصبر لشكواهم وآلامهم وتعاستهم وقضاياهم،.. وأضاف أبشالوم إلى هذا كله: الديمقراطية المصطنعة، والقبلة المخادعة: "فاسترق أبشالوم قلوب رجال إسرائيل".. وأشعل الثورة بقبلته التاريخية المخادعة الغاشة،.. وحقاً لقد تحول أبشالوم إلى سارق وقاطع طريق، وليس السارق من ينهب أموالك، أو يعتدي على ممتلكاتك فحسب، بل هو ذاك الذي يسرق معنوياتك، ليتركك أمام أكبر شرك أو خداع تكتشفه نفسك، وربما يحدث هذا بعد فوات الأوان، حين تعجز أمام الثورة عن رأب الصدع، أو إصلاح الحال، أو العودة إلى النقطة السابقة للمأساة التي تمت وكملت!!..



أبشالوم والعقاب

إن الجريمة لا يمكن أن تفيد بأي حال من الأحوال، وأجرة الخطية هي موت بدون أدنى ريب أو شك، والتاريخ في كل زمان ومكان يشهد على هذه الحقيقة، فإذا ذهبنا إلى محنايم، فلن نرى أبشالوم هناك كجده الكبير يعقوب، محاط بجيش الله في مواجهة عيسو أخيه، بل سنرى الشاب في خاتمة المطاف، وقد تهاوت ثورته، وانتهى تمرده، بعد أن استقرت في قلبه السهام الثلاثة التي أنشبها يوآب، وهو معلق بين السماء والأرض، ومن الغريب أن الشاب لم يمت في صحبة واحد من جنوده أو مريديه أو معاونيه. وانتهى حلم السيادة والمملكة والعظمة والسلطان، على هذا النحو البشع المريع، حيث سقط جثمانه الجميل تحت رجمة كبيرة من الأحجار التي انهالت عليه من كل جانب، وهكذا يأتي العقاب مؤكداً أن الأشرار كالعصافة التي تذرها الريح لأن الرب يعلم طريق الأبرار أما طريق الأشرار فتهلك.

كان من الممكن أن لا يصل أبشالوم إلى هذا العقاب الرهيب القاسي البشع، لو أن أباه بكر بالتأديب، وبالعقاب الأبسط والأخف، وهو بعد صبي أو غض صغير،.. ولكن العقاب في العادة يتصاعد كلما أجله الآباء أو الأمهات، حتى تأتي اللحظة التي يقال معها أن العقاب قد خرج من أيديهم لتتولاه الأيام والليالي، أو بتعبير أدق أو أصح ليتولاه الله في عدالته الأكيدة في العالم الحاضر أو العتيد أيضاً!!..

والسؤال الذي يفرض نفسه ههنا: لماذا صرخ داود عندما سمع بمصرع ابنه إلى الحد الذي قال فيه: "يا ابني أبشالوم يا ابني يا ابني أبشالوم يا ليتني مت عوضاً عنك يا أبشالوم ابني يا ابني"..؟!! هل يرجع هذا إلى الفارق بين إحساس الجريمة عند الأب وعند الابن وأنه مهما كانت الجريمة التي يرتكبها الابن ضد أبيه فإن حنان الأب أعلى وأسمى؟!! لست أعلم، وإن كنت أعلم عن يقين بأن الأمر أمام خطيتنا الكبرى في هذه الأرض، قد تجاوز الحنان والرغبة والتمني، ليصبح أعلى حقيقة عرفها البشر عند هضبة الجلجثة: "لأن الله بين محبته لنا لأنه ونحن بعد خطاة مات المسيح لأجلنا!!".. أم يرجع الأمر عند داود إلى شعور بالندم، لأنه قصر أبلغ التقصير في تربية أولاده، وها هو يرى أمنون يموت، وأبشالوم يلحق به، وثامار تعيش بعارها ووحشتها بين الناس؟!! قد يكون.. ولعله دموعه هذه كانت إحساساً عميقاً بالتقصير، الأمر الذي يحسه كثيرون من الآباء، ولكن للأسف بعد فوات الوقت، إذ أهملوا أبناءهم أحياء ليتسلموهم أمواتاً، وليس لهم ما يتبقى سوى النحيب أو البكاء على جثمانهم المسجي أمامهم، أو المغيب تحت رجمة قاسية أشبه برجمة أبشالوم في أرض محنايم!!.. أم هل الأمر أعمق من هذا كله إذ هو شعور الذنب القاسي، ولذعة الضمير، إذ لم تكن القصة من أولها إلى آخرها إلا امتداد للأصبع القائلة: "أنت هو الرجل"... وها هو يرى النبوة وقد اكتملت وتأكد صدق الله، فإذا كان هناك من سبب بعيد عميق لكل ما جرى فإنه هو وليس غيره هذا السبب؟!! ولعله لهذا كره نفسه في تلك اللحظة ومقتها، إلى الدرجة التي تمنى أن يكون هو، وليس ابنه أو أحد غيره من الناس، هو الضحية المعاقبة!!.. ألم يستول عليه ذات الإحساس عندما أمر بعد الشعب فجعل الرب وباء في إسرائيل، ومات في يوم واحد سبعون ألف رجل وبسط الملاك يده ليهلك أورشليم حتى قال له الرب عند بيدر أرونه اليبوسي رد يدك؟... "فكلم داود الرب عندما رأى الملاك الضارب الشعب وقال ها أنا أخطأت وأنا أذنبت وأما هؤلاء الخراف فماذا فعلوا فلتكن يدك علي وعلى بيت أبي"... قد تكون دموع داود بسبب واحد من هذه الأسباب أو بسببها جميعاً، أو بغيرها، لكنها تعطينا على أي حال أن نقف لنرى ماذا تفعل الخطية عندما تسيطر على حياة الناس؟!!.. عندما أطلق داود على ابنه الحلو الجميل الاسم أبشالوم "أب السلام"، كان يتمنى أن يكون أبو السلام هذا متمتعاً بكل سلام، ومعطياً السلام لكل من يتصل به أو يرتبط بحياته، ولم يدر قط أنه سيتحول مجرماً ثائراً، يدفن جثمانه تحت رجمة كبيرة تحولت نصباً خالداً في التاريخ لرجل فقد السلام، وذهب في الحرب، وامتدت يده "يد أبشالوم" لتقول للجميع في كل عصور التاريخ: ويل للخاطيء: "لأن أجرة الخطية هي موت وأما هبة الله فهي حياة أبدية في المسيح يسوع ربنا!!

elraiek G
09-16-2010, 06:13 PM
( 29 )

اتاي


"إنه حيثما كان سيدي الملك إن كان للموت أو للحياة فهناك يكون عبدك أيضاً"

(2صم 15: 21)

مقدمة

قصة اتاي من أروع القصص الكتابية التي تحدثنا عن الغريب الذي يتبادل الموقع، لم يكن أتاي إسرائيلياً، بل فلسطينياً من جت بلد جليات الفلسطيني،.. وعندما التقى بداود لم يكن اللقاء بينهما لقاء جليات بداود، أو لقاء عدوين متقاتلين، أو خصمين يطلب أحدهما حياة الآخر، أو رجلين يتعبد كل منهما لإله يختلف عن الآخر،.. لقد التقيا على العكس من ذلك، لقاء صديقين محبين مسالمين، إذ جاء أتاي غريباً منفياً من وطنه، ومن المؤكد أنه آمن بإله إسرائيل، ولفظ عبادة داجون، واستظل بجناحي الإله الوحيد الحي الذي يتعبد له داود، وقد جاء إلى داود مع ستمائة من الفلسطينيين، لعلهم أهله وعشيرته وبيته، وكان قائداً عليهم!!.. ومن العجيب أن هذا الرجل الغريب تبادل الموقع، ففي الوقت الذي خرج فيه أبشالوم وأخيتوفل وشمعي على الملك،.. جاء هذا الرجل ليأخذ المكان الخالي، وليدافع عن الملك دفاع الحياة أو الموت،.. من حق هذا الرجل أن ننظر إليه وهو يقود ثلث الجيش المدافع عن داود مع يوآب وأبيشاي اللذين قادا الثلثين الآخرين، نفس النظرة التي نظر بها المسيح إلى قائد المئة: "فلما سمع يسوع تعجب وقال للذين يتبعون الحق أقول لكم لم أجد ولا في إسرائيل إيماناً بمقدار هذا وأقول لكم إن كثيرين سيأتون من المشارق والمغارب ويتكئون مع إبراهيم واسحق ويعقوب في ملكوت السموات وأما بنو الملكوت فيطرحون إلى الظلمة الخارجية هناك يكون البكاء وصرير الأسنان"... ومن حقنا نحن الذين كنا أصلاً بدون مسيح، أجنبيين عن رعوية إسرائيل، وغرباء عن عهود الموعد، لا رجاء لنا، وبلا إله في اعالم، أن نفخر بالرجل القديم الغريب الذي أخذ المكان المتقدم الذي ضاع من ابن البيت وصاحبه!!.. دعونا إذا نرى الرجل في الصورة التالية:



أتاي المنفي

ليس من السهل أن تعرف لماذا نفى أتاي من بلده ووطنه،.. وهل يرجع الأمر كما يتصور البعض إلى الطغيان في الحكم هناك، مما دعاه إلى الهروب والالتجاء إلى إسرائيل، كما فعل داود في صدر شبابه، وهو هارب من مطاردة شاول الملك؟.. أو أن الأمر يرجع إلى تصرف ما، لم يرق في عيني القادة الحاكمين، مما اضطره أن يلجأ لداود بحثاً عن أمنه وسلامته؟.. أياً كان السبب فإنه من الواضح أن الرجل دخل إسرائيل منفياً متعباً، هو والذين تبعوه، وأنه لجأ إلى داود وإسرائيل بحثاً عن الهدوء والأمن والسلامة ومن الواضح أن النفي كان جزءاً من عناية الله وهو يدري أو لا يدري -للإيمان بإله إسرائيل، والتعرف عليه والاستظلال بجناحيه، وأنه على اختلاف الزمان والمكان أشبه براعوث الموآبية التي حياها بوعز بقوله: "قد أخبرت بكل ما فعلت بحماتك بعد موت رجلك حتى تركت أباك وأمك وأرض مولدك وسرت إلى شعب لم تعرفيه من قبل من قبل ليكافيء الرب عملك وليكن أجرك كاملاً من عند الرب إله إسرائيل الذي جئت لكي تحتمي تحت جناحيه".. ومن الواضح على أي حال أن قصته تطالعنا بملامح رجل ألف حياة الجندية، وارتسمت على قسمات وجهه غضون الآلام والمتاعب والكفاح، ومثل هذه الحياة، يمكن أن تكون التربة الخصبة الصالحة لعمل نعمة الله، وكسبه إلى الحياة الأبدية!!.. ومن المعتقد لذلك أن النفي كان وسيلة الله للبعد عن داجون والاقتراب إلى تابوت العهد في إسرائيل!!... إن المنفى بالنسبة لأي إنسان هو الكارثة بعينها، التي لا يرحب بها، ولكنها مرات كثيرة تكون طريق الله العظمى لكل ما يتمتع به من خير أو بركة،.. وقد لا يكون المنفى بالضرورة البعد عن الوطن أو الحرمان منه، ولكنه على أي حال هو ذلك الإحساس بالأسر المادي أو المعنوي، الذي يجرح الجسد أو النفس، ويترك بصماته العميقة على الروح في الإنسان الباطن،.. في قصة لشاب أمريكي أنه في ثورة من ثورات غضبه لعن بلده أمريكا، وإذ قيل له أنه ليس من الكريم واللائق أن يلعن الإنسان وطنه، وإذ به يجيب ممعناً في التمرد، أنه لا يعتبر أمريكا وطناً له،... وكان جزاؤه القاسي الذي حكم عليه به حرمانه من أن تطأ قدمه أرض أمريكا طوال حياته،.. وضعوه في سفينة تجوب به البحار، دون أن يسمح له أن تطأ قدماه الأرض الأمريكية عندما ترسو في أي ميناء، وحن الشاب إلى أن تطأ قدماه الأرض الأمريكية عندما ترسو في أي ميناء، وحن الشاب إلى بلده، وكان الحنين يمزق قلبه، وهو يرى من على بعد الأرض والمدن والبلاد التي لا يجوز له أن يدخلها، وضاق الطريد بالمنفى، ولما لم يجد رجاء في الأرض، اتجه إلى الله في السماء، وكان الإنجيل صديقه وملاذه في الكربة والضيق، وعندما مات كان هو الشيء الوحيد القريب منه، وتحت وسادته، وكأنما يريد أن يذكر قومه، أنه وإن حرم من وطنه الأرضي، فإنه لا يمكن أن يحرمه أحد من الوطن السماوي، الذي يتجه إليه كل مؤمن غريب نفته الأرض بالموت ليستوطن عند الله،.. قد يكون المنفى بعداً عن وطنه، أو قد يكون أسراً صحياً لجسد فقد البصر، أو أقعدته العلة عن الحركة والنشاط، أو ربما يبدو خسارة في مال، أو هزيمة لمركز، وضياعاً لحب أو ألفة أو صداقة،.. وقد عرفه الشاب الاسكتلندي العظيم چورچ ماتيسون عندما كان في آخر مرحلة في دراسته الجامعية، وكان قد خطب لنفسه فتاة، وأصيب بمرض في عينيه، قرر الأطباء معه أنه لابد أن يفقد البصر، وإذ تركته خطيبته لعلمها بذلك، جرح في الأعماق، وفي منفى النفس، والقلب المكسور، عرف المسيح، وأصبح خادماً من أشهر الخدام الاسكتلنديين، وهو مكفوف، وخلد ما حدث معه بترنيمته العظيمة التي مطلعها: أيتها المحبة التي لا تدعني أذهب!!، لقد أوشك في منفى النفس أن يهيم على وجهه، ويضرب على غير هدى، ولكنه وقد فقد البصر، ضاءت بصيرته، وعرف الحياة الجديدة مع المسيح،.. لم يأت أتاي الجتي إلى المنفى في إسرائيل، بل جاء قبل وبعد كل شيء إلى الله، إله إسرائيل هنا!!...



أتاي الغريب

كان أتاي الجتي واحداً من أشهر الغرباء الذين سجل الوحي قصة حياتهم العظيمة ين الناس، وهو واحد من ذلك الموكب الجليل النبيل الحافل بأعاظم الرجال أو النساء على حد سواء، موكب ملكي صادق، وأيوب، وراحاب، وراعوث، وأوريا الحثي، وملكة سبأ، ونعمان السرياني، وقائد المئة الذي لم يجد المسيح في كل إسرائيل كإيمانه، وغيرهم من الغرباء الذين بزوا الجميع وتقدموا الصفوف، وصاروا نجوماً لامعة عجيبة في كل التاريخ، وأتاي الجتي بهذا المعنى ليس إلا الصورة أو الرمز لكل أعمى غريب أفقدته النعمة، وجاءت به من المنفى، أو الكورة البعيدة، التي وصل إليها،.. وفي الحقيقة إنها ظاهرة عجيبة تستدعي الدرس والتفكير والتأمل، كيف يمكن أن يأخذ "الأعمى" مكان "الإسرائيلي" و "الغريب" مكان ابن "البيت" على هذا النحو العظيم العجيب،.. وهي ظاهرة يمكن أن نأخذها بصورة أخرى، عندما نرى عمل النعمة الإلهية، في الكثيرين من الأشرار الذين أوغلوا في الخطية والفساد، وهم "غريبون" عن كل كنيسة، أو أكثر من ذلك من مضطهدي الكنائس، والذين لا شيء أبهج على قلوبهم ونفوسهم، من مقاومة العمل الإلهي في كل مجال ومكان،.. في مدينة روزرهام بانجلترا هناك كنيسة أسسها رجل اسمه "يوحنا ثورب"،.. وقصة هذا الرجل عجيبة،.. إذ أن يوحنا ويسلي ذهب إلى المدينة ليعظ فيها، وينادي برسالة الخلاص التي جاء بها المسيح إلى العالم،.. وتصدى يوحنا ثورب ليوحنا ويسلي، وهو يقود جماعة آلت على نفسها أن تفسد كل أثر لرسالة الواعظ الإنجليزي العظيم،.. وابتكر ثورب كل وسيلة شيطانية لإفساد الرسالة الإلهية، فلم يضطهد رجل الله فحسب، بل أراد أن يجعله سخرية للمدينة كلها،.. وذات مرة وهو يقلد ساخراً الواعظ الكبير أمام جمع من المعربدين والسكيرين في أحد البارات، وبينما هو يفعل ذلك، إذ بروح الله يسيطر عليه، وهو في ذات الفعل يسخر ويجدف،.. وإذا بالساخر، لا يتحول قديساً فحسب، بل يصبح أكثر من ذلك واحداً من أعظم مساعدي يوحنا ويسلي في خدمة الله،... وما تزال الكنيسة التي أسسها يوحنا ثورب قائمة إلى اليوم في مدينة روزرهام لتشهد بعمل نعمة الله في المجدف والسكير والشرير والأحمق، والذي تحول ليبشر بالإنجيل الذي كان يتلفه من قبل!!..



أتاي المحب

ولا يمكن أن نقرأ قصة هذا الرجل العظيم والجندي الشجاع، دون أن نتبين عاطفة المحبة القوية التي ربطت بينه وبين داود، ومن المعتقد أن كليهما كان صاحب الفضل في أن تصبح واحدة من أندر صور المحبة بين الناس، ولعل السر في ذلك يرجع إلى طبيعة الرجلين واستعدادهما الكامل للتقابل والتجاوب، فداود أصلاً من الشخصيات التي تثير التقدير والإعجاب والحب،.. ولعله وهو الملك النبيل الشجاع، ورجل الله العظيم المقدام، وقد لاذ به أتاي، قد أفسح له المكان، ومن معه، وأعطاه ما لم يكن يحلم به من مساعدة ومعاونة، بل قربه إليه ليجعله من خاصته الملكية، وقائداً لمجموعة الفلسطينيين الذين جعلهم كحرس ملكي له،... وما من شك بأن أتاي وقد خرج من الجو الوثني إلى الجو الفياض بمعرفة الله والإشراق الإلهي، رأى النور مكان الظلمة، ورأى الحق مكان الباطل، ورأى الله مكان داجون،.. وكان لابد أن يؤخذ بهذا كله، ليحوله عصارة حب لله، وللرجل الذي جعله الله على رأس الأمة ملكاً وقائداً لها،.. وما من شك بأن داود رأي في أتاي الرجل الصريح الشجاع الأمين، الجدير بكل تقدير وإكرام ومحبة،... ووقع كلاهما من الآخر الموقع النفسي الحسن،.. على أن الأمر -فيما أعتقد- كان أكثر من ذلك، إذ أن داود التقى بأتاي وهو منكوب عاثر، والنفس العاثرة شديدة الانفعال والإحساس، وهي تذوب حباً فيمن يقف منها موقف الحنان والرفق والعطف والمساعدة والإحسان، والأمر عينه، عندما تعثر داود، ووقف موقف الشريد الطريد، وفاض قلب أتاي، بأعمق المشاعر، ولعله تذكر في ذلك الوقت ما فعل معه داود عندما جاءه هارباً منفياً مطروداً مشرداً،... على أي حال لقد كانت محبة الرجلين بعضهما للبعض مزيجاً من الإعجاب والآلام، والآمال والتعاسات،.. وكانت أصدق صورة للمحبة في صحو النهار أو حلوكة الليل، في رقة النسيم أو أمام الزوبعة القاسية والعاصفة الهوجاء!!...



أتاي الوفى

كان أتاي الجتي صورة من أروع صور الوفاء التي كتبت في حياة الناس على هذه الأرض،.. وقد كان وفاؤه أولاً وقبل كل شيء لله، أو في لغة أخرى، إن وفاءه لداود كان نابعاً في الأصل من الوفاء لله،.. كان هذا الرجل كما عرفنا رجلاً جندياً بطبعه وحياته، وكان لهذا السبب صادق النظر، مستقيم المبدأ، لا يعرف الازدواج أو الرياء أو التصنع أو الانحراف، وهو يعرف عندما يدخل المعركة، لماذا دخلها، وما واجبه في أوراها واشتداداها،.. ولا شك أنه سأل نفسه هذا السؤال الواحد: ها هي الثورة تقوم، وها هو الابن ينقلب على أبيه، فأيهما على حق وأيهما على ضلال؟!! وكان الجواب على السؤال هو الذي يحدد موقفه القاطع الحاسم النهائي، وقد أدركه بدون أدنى ريب أو تردد، إذ لم يكن هناك شك في أن الموقف الحق الصحيح إلى جانب داود، وضد ابنه المتمرد الثائر الآثم الشرير!!... ومهما تكن النتيجة فإن واجبه يقتضيه أن يقف في موقع الله، حيث الحق والصدق، والشرف والأمانة،... ومن الملاحظ أن أتاي لم يسأل الأسئلة التي قد تراود الذهن البشري قبل أن يقرر مكانه وموقعه، كمثل من يا ترى سيفوز في الثورة، ومن سينهزم؟!! من سيحيا ومن سيموت؟!! من سينجح ومن يصاب بالهزيمة؟!!.. كل هذه أسئلة لا مكان لها عنده، إذ أن مكانه الوحيد: "حي هو الرب وحي سيدي الملك إنه حينما كان سيدي الملك إن كان للموت أو للحياة فهناك يكون عبدك أيضاً"... أليس هذا عين ما قالته راعوث لنعمى من قبل: "فقالت راعوث لا تلحي علي أن أتركك وأرجع عنك لأنه حيثما ذهبت أذهب وحيثما بت أبيت شعبك شعبي وإلهك إلهي، حيثما مت أموت وهناك أندفن. هكذا يفعل الرب بي وهكذا يزيد إنما الموت يفصل بيني وبينك"... (را 1:16 و 17).

فإذا أضفنا إلى ذلك أن جمال التصميم عند راعوث من قبل، أو عند أتاي فيما بعد، نشأ بعد العرض السخي الكريم من نعمى أو داود أن يعود المصاحب إلى موقعه ومكانه، دون أن يجهد نفسه أو يكلفها بما لا قبل لها من تعب ومشقة وجهد ومعاناة،... وكما رفضت راعوث من قبل، رفض أتاي من بعد في تصميم من وضع يده على المحراث دون أن يفكر لثانية واحدة في النظر إلى الوراء،.. لقد جاء هذا التصميم من نبع الاختيار الحر المطلق الكريم!!.. على أن الجمال الأعظم في هذا الولاء أو الوفاء، أنه جاء في وقت المحنة، والمستقبل الغامض المجهول،... وإذا كانت المحنة قد كشفت الأعماق عند شمعي وأخيتوفل وأبشالوم، وسائر الشعب الذي سار وراءهم، فإنها هي التي أعطت المثل الأعلى في ذلك الذي سار وراء داود وهو مغطى الرأس حافي القدم أعزل من القوة والرجاء بحسب المفهوم البشري ونظرة الناس،.. ومن الغريب أو العجيب أن كلا منا يلزم أن يكون بمعنى ما "أتاي" في التبعية، لابن داود، ابن الله في الأرض،... إذ لا يمكن أن نرى مجده، قبل أن نخرج إليه خارج المحلة حاملين عاره،... وكما وقف أتاي الجتي مع داود ضد من يحاول أن يغتصب عرشه، فإن واجبنا أن نقف مع ابن داود ابن الله، ضد كل المحاولات التي تحاول أن تغتصب مجده وعرشه وجلاله، وتجرده من سلطانه العظيم كملك الملوك ورب الأرباب، ومهما يكن نصيبنا من الاضطهاد والمحن والتشريد والآلام، إلا أن موقعنا الصحيح من المعركة معروف دون أدنى تردد أو تراجع أو إبهام... مع المسيح في الحياة أو الموت على حد سواء!!..

عندما وقف مارتن لوثر في مجمع ورمس، أما تشارلس الخامس الامبراطور، ووجه إليه السؤال: "هل تتراجع أو لا تتراجع عن معتقداتك"؟.. جاء الجواب: "إذا كان "جلالتك" يطلب مني جواباً واضحاً، وبسيطاً، ومضبوطاً، فسأعطي هذا الجواب، وهو أني لا أستطيع أن أخضع إيماني للبابا أو للمجامع، لأنه و اضح وضوح النهار أنها تتعرض للخطأ والتناقض بعضها مع بعض، وما لم أقنع بشهادة الكتاب المقدس، وبالمنطق الواضح، ما لم أقتنع بما ذكرت من أجزاء كتابية، وما لم يربط ضميري بكلمة الله، فإني لا أقدر أن أتراجع، ولا يمكن أن أتراجع، إذ أنه ضار بأي مسيحي أن يتكلم ضد ضميره".. وحتم دفاعه بالعبارة التي دوت في كل الأجيال: "هنا أقف ولا أفعل غير ذلك، وليعني الله"...

ليس من حق المسيحي أن يسأل أين توجد الأغلبية، أو من يتصور أن يعيش أو يفوز في المعركة إذ أن مكانه دائماً إلى جانب "الملك" في الحياة أو الموت على حد سواء، لأنه إن عشنا فللرب نعيش وإن متنا فللرب نموت، لأنه إن عشنا وإن متنا فللرب نحن،... وإذا كان الاسبرطيون القدامى في معركة ترمبولي قد كتب على نصبهم: "أيها المسافرون اذهبوا وقولوا لاسبرطة إننا متنا هنا طوعاً لقوانينها المقدسة"... وإذا كانت آخر كلمات الشاب الفرنسي بايارد، وهو يصعد إلى المقصلة قائلاً لجلاديه: "أيها السادة لست أنا ممن يرثى له، فأنا أموت إتماماً لواجبي، إنما أنتم أولى بالرثاء، يا من رفعتم سلاحكم ضد مليككم وبلادكم وعهودكم"...

لقد تصرف أتاي الجتي بالروح التي يلزم أن يتصرف بها المسيحي إزاء سيده وملكه وفاديه ومخلصه،.. وإذا كان داود قد أحس في هذا الولاء روح الحب العميق، الذي على استعداد أن يبذل الحياة نفسها دون تحفظ، فإن ابن داود، أو بالحري ابن الله يستحق أضعافاً مضاعفة كل ولاء ووفاء، مهما تعرض هذا الولاء أو الوفاء للامتحان القاسي أو المحنة الجارفة!!...



أتاي المنتصر

لقد أعطى هذا الغريب شرف القيادة في المعركة، إذ قسم الجيش إلى فرق ثلاث واحدة بيد يوآب، والأخرى بيد أبيشاي، والثالثة بيد أتاي الجتي، ولعل هذا كان فخر الرجل ومجده، وهو فخر كل من يدعي للقتال في معركة المسيح، وهو الفخر الذي طالب بولس ابنه تيموثاوس بأن لا ينساه أويتخلى عنه عندما قال له: "فاشترك أنت في احتمال المشقات كجندي صالح ليسوع المسيح"... وإذا كان أيوب يذكرنا بالحقيقة التي تتابع كل إنسان على الأرض: "أليس جهاد للإنسان على الأرض وكأيام الأجير أيامه؟!!" فإن السؤال لم يعد بعد: هل نجاهد أم لا؟!!. إذ لابد أن هناك جهاداً محتوماً يواجهنا لكن السؤال: ما هو نوع هذا الجهاد؟!!.. هناك معركة طرفاها داود وأبشالوم، المسيح والشيطان، الخير والشر!! فأي جانب تأخذ في المعركة؟ وأي مصير نرتبط به في قصة جهادنا الأرضي؟!! هل نأخذ المكان إلى جانب أبشالوم، نجاهد الجهاد الآثم الشرير المحرم، الذي لابد أن يلحقه الضياع والموت والهلاك الأبدي؟.. أم نأخذ جانب داود؟ أو بتعبير أصح، جانب ابن داود لنغني في النهاية مع من قال: "جاهدت الجهاد الحسن أكملت السعي حفظت الإيمان، وأخيراً قد وضع لي إكليل البر الذي يهبه لي في ذلك اليوم الرب الديان العادل وليس لي فقط بل لجميع الذين يحبون ظهوره أيضاً!!"..

كان البادي حسب الظاهر أن الغلبة ستكون إلى جانب أبشالوم، إذ أن الذين مع داود لا يزيدون عن حفنة لا يمكن أن تقارن بالسيل المخيف من المتمردين الثائرين، ومع هذا، فإن أتاي واجه المستقبل المجهول بالنفس المطمئنة الراضية في الموت أو الحياة، وهذا في حد ذاته هو النصر الذي ما بعده نصر فالمؤمن -شاهداً أو شهيداً- منتصر في كل الحالات مع المسيح، لأن لي الحياة هي المسيح والموت هو ربح!!.. إن الهزيمة في حياة المؤمن، لا ترتبط إلا بشيء واحد، هو وقوعه في السقوط والخطية،.. أما ما عدا ذلك، فهو النصر، بل هو أكثر من النصر إذ: "يعظم انتصارنا بالذي أحبنا"...

طلب داود أن يدخل في المعركة، فرفض أتباعه، وطلبوا أن يبقى في المدينة ليكون نجدة لهم إذا ما حزب الأمر واشتد القتال،.. على أننا وإن كنا نقاتل في معركة المسيح، وإن هذا هو حظنا وقدرنا، فإن المسيح لا يبقى كداود بعيداً عنا، بل سيرقبنا لينجدنا، حتى يستطيع الواحد منا أن يقول بكل فخر ويقين: "أستطيع كل شيء في المسيح الذي يقويني" وسنجد أنه مهما كانت المقتلة العظيمة بين القلة مع داود، والكثرة مع أبشالوم، فإن المعركة ستنتهي على نحو مثير مفاجيء، بسقوط العدو وسحقه، مما سيفعله السيد في المعركة الأقسى والأعظم: "وإله السلام سيسحق الشيطان تحت أرجلكم سريعاً!!"..

عاد أتاي الجتي مع داود إلى أورشليم في موكب المنتصرين، ولا أعلم ماذا كان إحساسه في ذلك، أو ماذا كان مذاق النصر عنده، وقد سقط التمرد والبغي، والشر والفساد أمام الصدق والحق، والأمانة والرحمة،.. لكني أعتقد أن أتاي عاش طوال عمره يذكر تلك اللحظة الحاسمة من حياته! حيث واجه الاختيار الأقسى والأصعب والأشد،.. ولعله علم أولاده وأحفاده -في الصراع بين الحق والباطل- أن يقولوا كما قال هو ذلك اليوم القديم: "حي هو الرب وحي سيدي الملك إنه حيثما كان سيدي الملك إن كان للموت أو للحياة فهناك يكون عبدك أيضاً"...

elraiek G
09-16-2010, 06:15 PM
( 30 )

أخيتوفل

"وخنق نفسه ومات"

(2صم 17: 23)

مقدمة

كان أخيتوفل واحداً من أقرب الناس إلى الملك داود، وهو الرجل الذي يطلقون عليه "يهوذا الاسخريوطي العهد القديم"،... إذ كانت له نفس الشركة والمكانة التي كانت ليهوذا الاسخريوطي، من ابن داود، ابن الله،.. وكلاهما باع صديقه، ووصل إلى نفس المصير!!... كان الرجل من أبرع الحكماء وأعظمهم، ولم يوجد له نظير بين رجال داود في الفهم والحكمة،... ولكنه على قدر ما امتلأ من المعرفة والحكمة، فرغ من الحب والفضيلة، -في لغة أخرى- كان عقلاً دون قلب، ومن ثم حق أن يوصف أنه الميكافيلي الإسرائيلي، الذي لا مبدأ له، والذي ظهر قبل أن يعرف العالم الميكافيلي الحديث في العصور الأخيرة، الميكافيلي الذي وضع أبشع قاعدة خلقية: إن الغاية تبرر الواسطة!!..

كان أخيتوفل كتلة من الحكمة والذكاء، ولكنه وقد تخلى عن الحق والرحمة لم تعد له الحكمة النازلة من فوق، بل الحكمة الأرضية النفسانية الشيطانية، الممتلئة بالتحزب والغيرة والتشويش، وكل أمر رديء،... وأضحت مأساته مأساة العالم كله، المتقدم في المعرفة، والمتخلف في الأخلاق، والغارق في الدم والتعاسات والأحزان والآلام،.. لم يقتل داود أخيتوفل، ولم يشتر أحد الحبل ليهوذا سمعان الاسخريوطي،... ولكن كليهما مضى وخنق نفسه ومات،... وإذا كانوا في العادة يقولون إن ذكاء المرء محسوب عليه، وإذا كان الكتاب يقول إن أخيتوفل انطلق إلى بيته إلى مدينته وأوصى لبيته وخنق نفسه، ونحن لا نعلم ماذا أوصى لبيته، لكننا سنجتهد أن نفتح وصيته الرهيبة التي خلفها وراءه للأجيال وللتاريخ، ومن ثم يحق لنا أن نراه من النواحي التالية:



أخيتوفل الصديق القديم

أغلب الظن أننا لانستطيع أن نفهم أخيتوفل قبل أن نقرأ المزمور الخامس والخمسين، ومع أن داود تنبأ في هذا المزمور عن يهوذا سمعان الاستخريوطي، إلا أن عينه في الوقت نفسه كانت على أخيتوفل الجيلوني صديقه الخائن الذي تمرد عليه، وشارك أبشالوم في ثورته ضده، ولم يكن أخيتوفل إلا رمزاً لذلك الذي قبل يسوع المسيح، وهو يسمعه يقول: "يا صاحب لماذا جئت؟".. وسنعرف أخيتوفل من داود إذا عرفنا يهوذا سمعان الاسخريوطي من ابن داود، من يسوع المسيح، ومع أن الفارق بعيد ولا شك بين داود والمسيح، وما فعل داود مع أخيتوفل، وفعل يسوع المسيح مع يهوذا الاسخريوطي إلا أن كليهما كان الشخص الذي قيل فيه: "لأنه ليس عدو يعيرني فاحتمل ليس مبغضي تعظم علي فأختبيء منه، بل أنت إنسان عديلي ألفي وصديقي الذي معه كانت تحلو لنا العشرة إلى بيت الله كنا نذهب في الجمهور" فإذا أحسست معه حرارة الحب والود، في ذاك الذي رفعه داود إلى مستوى العديل الأليف الصديق، فإنك تقترب من ذاك الذي رفعه يسوع المسيح إلى المركز بين تلاميذه الاثنى عشر، وإذ تقرأ من خلال القول: "الذي معه كانت تحلو لنا العشرة" وهي تحمل رنين الماضي الجميل الحافل بأرق المشاعر وأجمل الذكريات، فإنك يمكن أن ترتفع إلى العتبات المقدسة، وأنت تذكر السنوات اثلاث التي قضاها الاسخريوطي مع يسوع المسيح،.. وإذا أردت أن تتغور في حنايا الماضي، فإنك لا يمكن أن تجد أفضل من اللحظات التي كان يذهب فيها داود وصاحبه، ويسوع المسيح وتلميذه، إلى بيت الله في وسط الجمهور المرنم المتعبد!!... فإذا أردت أن تتعرف أكثر على هذه الصداقة، فإنك ستجدها واضحة الملامح، من حيث كونها الصداقة النافعة، والصداقة الحلوة والصداقة الدينية،.. أما أنها كانت الصداقة النافعة، فهذا مما لا شك فيه، فداود لا يختار صديقاً أو المسيح لا يأخذ تلميذاً، إلا إذا كان هذا المختار يتميز بميزات ووزنات وهبات تؤهله لهذا الاختيار، ومع أننا سنترك الآن يهوذا الاسخريوطي كالتلميذ المؤتمن على أمانة الصندوق، والوحيد بين التلاميذ الذي أختير من اليهودية ولم يؤخذ من الجيل، فإنه مما لا شك فيه أن الذكاء الخارق لأخيتوفل كان يقف على رأس الأسباب التي جعلت داود يقربه إلى ذاته ودائرته، وأن هذا الذكاء كان لازماً جداً في حل الكثير من العوائص والمشكلات التي كانت تجابه داود والأمة بأكملها، ومن ثم كانت مشورة أخيتوفل على ما وصفت به كمن يسأل بكلام الله!!.. وكانت من أهم أسباب تعلق داود به،... على أنه واضح أيضاً أن الرجل لم يكن ذكياً مجرداً من الإحساس والعاطفة، بل كان متقد المشاعر، حلو الحديث، دافق العاطفة: "تحلو العشرة معه" أو في -لغة أخرى- أنه لم يكن قريباً إلى عقل داود فحسب، بل إلى قلبه أيضاً، ولعل داود عاش طوال حياته يذكره بالأسى والألم، كلما ذكر الأوقات الجميلة الحلوة التي امتدت في حياتهما سنوات متعددة طويلة،.. ولم تكن صداقة الرجل لداود بعيدة عن محراب الله،.. أو هي نوع من الصداقة الأدبية أو الاجتماعية التي تربط الناس بعضهم ببعض، بل هي أكثر من ذلك كثيراً، إذ كانت الصداقة التي عاشت كثيراً تحت محراب الله في بيته المقدس، وكان من الممكن لهذه الصداقة أن تستمر وتبقى، لو عاشت في ظلال الله،.. ولكن أخيتوفل، قبل أن يفقد صداقته لداود فقد الصلة والصداقة بالله، وتهاوت مشاعره الدينية الأولى، وأضحت مجرد ذكريات لماضي لم يعد، وتاريخ ولى وتباعد!!..



أخيتوفل الخائن المتمرد

ولعلنا هنا نلاحظ أكثر من أمر، فنحن أول كل شيء نصدم بالصداقة المتغيرة المتقلبة، وما أكثر ما نراها في اختبارات الناس، وحياة البشر، على اختلاف التاريخ والعصور والأجيال،.. فإذا كان السياسيون يؤكدون بأنه لا توجد بين الدول ما يمكن أن نطلق عليه الصداقة الدائمة أو العداوة الدائمة، فأعداء الأمس قد يكونون أصدقاء اليوم، والعكس صحيح إذ يتحول أوفى الأصدقاء، إلى أقسى الخصوم وأشر الأعداء،... فإن هذه القاعدة تكاد تكون مرادفة للطبيعة البشرية المتقلبة، وليست وقفاً على السياسة أو السياسيين،.. ومع أني لا أعلم مدى الصدق أو العمق، في القول الذي ألف الناس أن يقولوه، إنه ليست هناك صداقة قوية حارة عميقة إلا بعد عداوة، إلا أني أؤمن بتبادل المواقع بين الأصدقاء أو الأعداء على حد سواء، فما أكثر ما يقف الصديق موقف العدو، وما أكثر ما يتحول العدو إلى الصديق المخلص المحب الوفي... وأغلب الظن أن أخيتوفل في مطلع صداقته مع داود، لم يكن يتصور بتاتاً أنه سيأتي اليوم الذي سيتحول فيه عدواً، لا يخاصم داود فحسب، بل يطلب حياته أيضاً!!... وهل لنا هنا أن نتعلم الحكمة، فنعرف أنه يوجد صديق واحد لا يمكن أن يتغير أو يتبدل في حبه على الإطلاق،.. وهو أقرب إلينا من أقرب الأقربين، ومهما تكن العوامل التي تقربنا أو تفصلنا عن أقرب الناس إلينا، لكننا نستطيع -على أي حال- أن نقول مع داود: "إن أبي وأمي قد تركاني والرب يضمني"، أو مع بولس: "في احتياجي الأول لم يحضر أحد معي بل الجميع تركوني لا يحسب عليهم ولكن الرب وقف معي وقواني لكي تتم بي الكرازة ويسمع جميع الأمم فأنقذت من فم الأسر"... وفي الوقت عينه علينا ألا نضع رجاءنا كثيراً في الصداقة البشرية، فهي -مهما امتدت أو قويت أو استعت- لا تأمن الثبات أو التغير أو الانقلاب!!...

وإذا كان السؤال الملح بعد ذلك: لماذا انقلب أخيتوفل على داود، ويهوذا الاسخريوطي على يسوع المسيح،... ومع أنه من الواجب أن نضع هنا مرة أخرى التحفظ ونحن نقارن بين الصداقتين، إذ أن يهوذا الاسخريوطي لم يكن له أدنى عذر في الانقلاب على المسيح أو الغدر به على النحو البشع، الذي جعله يبيعه بثلاثين من الفضة، أو يسلمه بالقبلة الغاشة المخادعة المشهورة، وإن كان من الواضح أنه سلمه بعد أن تبين أنه لم يعد هناك ثمة لقاء بين أطماعه وأحلامه في مركز أو جاه أو مال، وبين حياة المسيح وخدمته ورسالته في الأرض!!.. أما أخيتوفل فقد كان وضعه يختلف، إذ كان له من الأسباب ما يمكن أن يثير ضيقه وحفيظته من داود، وقد جاءت هذه الأسباب أثر سقوط داود في خطيته الكبرى مع بثشبع، وبثشبع بنت أليعام، وأليعام هو ابن أخيتوفل الجيلوني، وقد كانت هذه الخطية بمثابة الذبابة الميتة التي سقطت في طيب العطار، لتنته وتفسده، ومن تلك اللحظة تباعد الرجلان، وامتلأ قلب أخيتوفل بالكبرياء والحقد والضغينة، ولم يكن يرضيه البتة، إلا دم داود، سواء بسواء مثل دم أوريا الحثي الذي ذهب ضحية هذه الفعلة الرهيبة الشنعاء!!... ومن المعتقد أنه عاد إلى مدينته جيلوه، وبقى هناك في ثورة أبشالوم الذي استدعاه لمساندته ضد أبيه،... ومن الملاحظ أن ذكاء أخيتوفل الخارق، قد أعطاه نوعاً من الكبرياء لم يستطع معه أن يتسامح مع داود أو يغفر له، بل لعله وقد سمع عن غفران الله للرجل الذي كان يمكن أن تهلكه هذه الخطية، وتضيع حياته الأبدية، وفي الوقت عينه سمع عن عقاب الله الذي لابد أن يتم، بسبب العثرة التي أوجدتها هذه الخطية، كان يتصور أنه من الجائز أن يستخدمه الله لإتمام هذا العقاب، أو المشاركة فيه، عندما سمع عن الثورة التي قادها ابنه ضده!!..

لم يستطع أخيتوفل أن يغفر، ومع أنه كان من الممكن أن يتسع فكره وقلبه للملك التائب، الذي وإن كان قد سقط، إلا أنه حاول أن يصلح ما يمكنه إصلاحه من آثار هذا السقوط بضم بثشبع، والصلاة من أجل ثمرة السقوط، لعل الله يبقي على الولد، كما أنه عزى زوجته الضحية، وأنجب منها ابنه الآخر سليمان الذي أحبه الرب، وأحبه ناثان أيضاً، وتولى تربيته، وكان يمكن لأخيتوفل أن ينظر إلى بثشبع وابنها نظرة ناثان النبي، النظرة المليئة بالحب والحنان والعطف والترفق، وأن يكون لسليمان ولداود المشير والناصح والمعين والمساعد، لكن أخيتوفل، لم يكن هكذا، بل وعجز عن أن يكون هكذا، لأنه قد ضرب بأمرين ملآه إلى الحد الذي لا يمكن معه الصلح أو الغفران أو اللقاء!!... وهما: الكبرياء والحقد، وويل للإنسان الذي تسيطر عليه هاتان العاطفتان، وويل للناس منه إذ واتته الفرصة للتصرف في ملء غله وحقده وطغيانه وكبريائه!!..



ومن الثابت أن الجريمة الكبرى للرجل ليست مجرد التمرد على داود، أو أخذه بكل أسباب الحقد والضغينة والقسوة والشر بل إنه غيب الله تماماً عن المشهد، ولم تعد دوافعه إتمام المشيئة الإلهية حسبما تصورها أو تخيلها، بل كانت دوافعه أرخص وأخس وأحط من كل ذلك بما لا يقاس،.. وإذا كان يهوذا الاسخريوطي قد أتم إرادة الله في تسليم يسوع المسيح، لكن العبرة لم تكن في هذا التسليم الذي كان لابد أن يتم بمشورة الله المحتومة وعلمه السابق، إنما العبرة كل العبرة، كانت في الدوافع المنحطة الرخيصة التي سيطرت على الرجل عند التسليم!!.. وهكذا كان أخيتوفل الذي قتله الحقد الأعمى، فهو لا يهدأ أو يستريح حتى يسفك دم داود، وهو يقترح لذلك أن ينتخب اثنى عشر ألف رجل، ليسعى وراءه وهو متعب مرتخي اليدين، فيهرب كل الشعب الذي معه، ويضربه هو وحده!!... أو قصاري الأمر أن دم داود هو الذي يشفي غليله، ويهديء ثائرته!!...

على أن الوجه القبيح للرجل، هو أنه من أقدم الناس الذين آمنوا بأن الغاية تبرر الواسطة، لقد أراد أن يفصل بين داود وابنه أبشالوم فصلاً أبدياً بالمنكر البشع، إذ قال لأبشالوم: "أدخل إلى سراري أبيك اللواتي تركهن لحفظ البيت فيسمع كل إسرائيل أنك قد صرت مكروهاً من أبيك فتشدد أيدي جميع الذين معك"... وفي الحقيقة أن هذا السبب المذكور يخفي وراءه السبب الأعمق، وهو الانتقام البشع من جنس ما فعل داود بحفيدته بثشبع،.. وإذا كان المبدأ الذي أطلقه ميكافيلي في قاموس السياسة الأوربية، طرح كل المباديء الأخلاقية، وذبحها في سبيل حصول الأمة على ما تريد، دون أدنى وازع من نوازع الضمير والإنسانية، فإن أخيتوفل الجيلوني كان من أقدم الذين آمنوا بهذا المبدأ -إن صح أنه مبدأ- وشجع على تطبيقه على النحو الفاضح الذي فعله أبشالوم فوق السطح في القصر الملكي،... رداً لفعل داود الذي أبصر من فوق السطح حفيدته بثشبع وهي عارية!!...

لم تكن رغبة أخيتوفل في الواقع إتمام المشيئة الإلهية، والتي لا يمكن أن يتممها الإنسان بهذا الأسلوب البشع الشرير الخاطيء، إذ أن الله لا يمكن أن يعالج الخطية بخطية مثلها، وقد حق لمتى هنري أن يقول: "إن هذه السياسة الملعونة، التي اتبعها أخيتوفل، لم تكن سياسة من يريد أن يتمم مشيئة الله، بل مشيئة الشيطان"... ومع ذلك فإن الله، وإن كان لا يرضى على القصد الشرير، إلا أنه يستطيع السيطرة عليه لإتمام مشيئته العظيمة العليا، أو كما قال يوسف لإخوته: "أنتم قصدتم لي شراً أما الله فقصد به خيراً لكي يفعل كما اليوم ليحمي شعباً كثيراً".. وقد شارك أخيتوفل في تمام المشيئة الإلهية بمشورته الرهيبة، وإن كانت دوافعه الشريرة تتباعد عن الدافع الإلهي بعد السماء عن الأرض!!.. إن الحكمة في الواقع حيث قصدها الله، كعطية منه للإنسان، هي ذلك الإلهام الذي يمنحه للعقل البشري، فيما يستغلق عليه من أمور، أو يواجه من مشاكل، أو يقابل من صعوبات، ومثل هذه الحكم تختلف تماماً عن الحكمة البشرية، أو بالحري الشيطانية التي تنزع إلى الشر، وتبتكر كل الوسائل الشريرة الآثمة، التي تفتق عنها العقل البشري طوال أجيال التاريخ،.. فإذا قيل: وكيف يستطيع الإنسان إذاً التفرقة بين الحكمتين؟ كان الجواب فيما أورده الرسول يعقوب، إذ أن الحكمة الأرضية النفسانية الشيطانية هي حكمة أخيتوفل المقترنة بالغيرة والتحزب والتشويش والأمر الرديء،.. على العكس من الحكمة الإلهية: "وأما الحكمة التي من فوق فهي أولاً ظاهرة، ثم مسالمة مترفقة مذعنة، مملوءة رحمة وأثماراً صالحة عديمة الريب والرياء".. ومن الواضح أن خيانة أخيتوفل وغدره وتمرده وثورته ضد داود، لم تكن تعرف شيئاً من هذه الأخيرة على وجه الإطلاق!!..

وهل هناك من شك في أن أخيتوفل رمى بثقله الكامل إلى جانب الشر والفساد، وهو أول من يعلم أنه لا يمكن أن يضع بتاتاً داود وأبشالوم في كفتي ميزان، وأين الثري من الثريا، وأين البطل والحماقة والفساد والرذيلة والشر، من الخير والجود والإحسان والرحمة!!.. ولكنها الخطية التي أعمت أخيتوفل الجيلوني، أحكم المشيرين في عصره!!..



أخيتوفل والمصير التعس

وأي مصير تعس وصل إليه الرجل! لقد مضى وخنق نفسه، وفعل ذات الشيء الذي فعله يهوذا الاسخريوطي فيما بعد،... ولكني أرجو أن تتمهل لكي تتساءل متى خنق نفسه؟!!.. ولعلك تتصور أنه فعل ذلك بعد أن أوصى بيته، لكن الحقيقة أبعد وأعمق من ذلك كثيراً، لقد قتل الرجل نفسه قبل ذلك بفترة طويلة،.. لقد مات يوم لم يعد يعرف شيئاً في الأرض سوى المرارة والحقد والكراهية والانتقام، يوم انقطع عن بيت الله ليصل بينه وبين الشيطان بأقوى الأسباب، يوم افترسه الغيظ، إذ خرج من أورشليم إلى جيلوه ليجد هناك الروح النجس: "متى خرج الروح النجس من الإنسان يجتاز في أماكن ليس فيها ماء يطلب راحة وإذ لا يجد يقول أرجع إلى بيتي الذي خرجت منه فيأتي ويجده مكنوساً مزيناً ثم يذهب ويأخذ سبعة أرواح أخر أشر منه فتدخل وتسكن هناك فتصير أواخر ذلك الإنسان أشر من أوائله".. وإذا كان الكتاب قد قال بعد ذلك عن يهوذا الاسخريوطي، أنه بعد اللقمة دخله الشيطان، وخرج من حضرة المسيح ليواجه ليله المحتوم، فإن أخيتوفل فعل الشيء نفسه عندما ودع داود إلى غير رجعة في طريقه إلى الليل الطويل العميق البعيد الذي وصل إليه!!.. وآه لك يا أخيتوفل! وآه لك أيها الرجل الذي استبدلت داود بأبشالوم كما استبدل الاسخريوطي المسيح برؤساء الكهنة والكتبة والفريسيين! وآه لك أيها الرجل الذي انتهيت من تلك اللحظة قبل أن يدرك الناس أو تدرك أنت أن نهايتك قد جاءت وأنت لا تعلم!!... أجل متى يموت الرجل وأين ينتهي؟!!.. إنه لا يموت بمجرد أن يلفظ أنفاسه الأخيرة، أو يسكن قلبه عن النبض والحركة، فهذا وهم وخداع علمنا المسيح أن ننبذه ونرفضه، يوم دعا واحداً من الشباب أن يتبعه، واستأذن الشاب أن يمضي أولاً ويدفن أباه،.. وأكد له المسيح أنه ليس في حاجة إلى أن يفعل هذا، إذ أن الكثيرين هناك، وهم مستعدون ومؤهلون لمثل هذا العمل: "دع الموتى يدفنون موتاهم وأما أنت فاذهب وناد بملكوت الله"... إن الفرق في عرف المسيح بين الكثيرين ممن يحملون النعش إلى مثواه، وبين البيت المحمول، هو فرق موهوم متى كان الموتى الذين يدفنون الميت بعيدين عن الحياة التي يعطيها الله بلمسته الأبدية،.. وقد أكد هذه الحقيقة بصورة أخرى عكسية عندما قال أمام قبر لعازر: "أنا هو القيامة والحياة من آمن بي ولو مات فسيحيا وكل من كان حياً وآمن بي فلن يموت إلى الأبد"... مات أخيتوفل الجليوني كيهوذا الاسخريوطي قبل أن يخنق كل منهما نفسه ليخرج من العالم إلى الظلمة الأبدية!!...

مات أخيتوفل الجيلوني يوم أن تسمم نبعه، فلم يعد الرجل الذي ينطق بالحكمة، كمن يعطي الجواب للحائر والتعس والمنكوب بكلام الله، يوم كان النبع غزيراً مترعا فياضاً بالماء النقي الحلو الرقراق،.. آه لك أيها النبع، ما الذي غيرك لتتحول إلى حمأة تقذف بالقذر والكدر والطين؟!! أين الحكمة الجميلة والماء السلسبيل؟!! لقد ضاع كل هذا لأنك لم تعد الرجل الذي يذهب مع داود إلى بيت الله، بل أضحيت شريراً قاسياً عاتياً في الشر، فحق فيك ما قيل: "أما الأشرار فكالبحر المضطرب لأنه لا يستطيع أن يهدأ وتقذف مياهه حمأة وطيناً".. وداعاً أيها النبع الرقراق يوم لم يعد للناس فيك إلا الماء المسموم العكر!!..

والسؤال بعد هذا كله: لماذا مضى أخيتوفل إلى جيلوه ليخنق نفسه؟!!.. هل خنق الرجل نفسه لأنه امتلأ بجنون الكبرياء عندما رفض أبشالوم أن ينصاع إلى حكمته مؤثراً عليها حكمة حوشاي الأركي؟ وهل يطيق أخيتوفل أن يسمع أبشالوم وكل رجال إسرائيل وهم قائلون: "إن مشورة حوشاي الأركي أحسن من مشورة أخيتوفل".. وهل بلغ الهوان به إلى أن يوجد في إسرائيل كلها من يمكن أن يستشار وهو موجود، ومن هو حوشاي الأركي هذا الذي يمكن أن يقف نداً له حكمته أو مشورته؟ فإذا كانت الأمة كلها تقدم عليه حوشاي، فإن الموت عنده أفضل بما لا يقاس من الحياة نفسها؟!!... على أن البعض يعتقد أن هناك سبباً آخر أضيف إلى هذا السبب، إذ أن الرجل لم يذهب إلى جيلوه، وهو مرجل متقد من الغيظ والغضب والكبرياء المهدورة الذليلة، بل أن الأمر أبعد وأعمق، لقد ذهب إلى هناك مأخوذاً بجنون الفشل واليأس والقنوط،.. لقد لفظت حكمته، وأدرك الرجل من اللحظة الأولى أن الثورة ستمني بكل تأكيد بالفشل والضياع والهزيمة، وأن حكمة حوشاي الأركي هي المنحدر أو الهوة التي تسقط فيها بدون قرار، وسينتهي كل شيء، على أسوأ ما يمكن أن تكون النهاية والمصير، فلماذا يبقى ليرى هذا كله؟!! ولماذا يبقى ليقتله داود أو واحد من رجاله على أبشع صورة ومثال؟!!.. وإذا لم يكن من الموت بد، فإن من حقه -كما تصور- أن يجعله بيده، لا بيد واحد من الأعداء أو الخصوم، الذين لا يمكن أن يأخذوه بالرفق والحنان والرحمة، لقد أصيب أخيتوفل الجيلوني، كما أصيب يهوذا الاسخريوطي، بأقسى نوع من الجنون، إذ أصيب باليأس المطبق الذي لا يترك للإنسان فرجة أو مخرجاً من أمل أو رجاء!!.. كانت خيانة أخيتوفل من أبشع الخيانات، وكانت مشورته المخيفة من أخبث وأشر وأحط المشورات، لكن البعض يعتقد أن داود كان على استعداد أن يقدر الجرح العميق الغائر في صدر الرجل، والذي شارك هو في صنعه، وكان على استعداد أن يتسامح مع الرجل أو يغفر له، لو أنه عاد تائباً نادماً مستخزياً عما فعل، ولكن أخيتوفل لم يفعل، لأنه جن بالكبرياء الذي يمنعه من الانحناء، وجن باليأس الذي أغلق في وجهه أي بصيص من رجاء أو أمل!!... وذهب الرجل كما ذهب يهوذا الاسخريوطي على بعد ألف عام آتية من الزمن!!...

لم يقتل أحد أخيتوفل الجيلوني، كما لم يقتل أحد يهوذا الاسخريوطي،.. لقد قتل كل منهما نفسه بالحبل الذي فتله بيديه، والذي وضعه في عنقه، لقد مات الرجلان لأن يد العدالة الإلهية امتدت إليهما، اليد القوية التي أطبقت على عنقيهما لتطرحهما في الظلمة الخارجية الأبدية، كما تطرح كل من لا يتعظ أو يتحكم لشتى الإنذارات التي لابد أن يرسلها الله، قبل أن يقضي قضاءه الإله المحتوم،...

مات أخيتوفل الجيلوني وذهب إلى مصيره التعس ليحق عليه ما قاله السيد المسيح عن الآخر: "كان خيراً لهذا الرجل لو لم يولد".. أجل وهذا حق، لأن الذي يودعونه كثيراً يطالبونه بأكثر، وإذا كانت العدالة الأرضية تضع أشد العقاب، على المجرم الذي يرتكب الجريمة مع سبق المعرفة والإصرار والترصد، وهي لا تستطيع أن تأخذه بما تأخذ به الغر الغرم الجهول، فبالأولى تكون عدالة السماء،.. مات أخيتوفل الجيلوني، وذهبت عنه حكمته ليموت موت الجاهل الأحمق، وليضحى الصورة الغربية المتكررة في كل الأجيال والعصور، للإنسان الذي يقتل نفسه بمدثرات "الحكمة" البشرية التي تتفنن كل يوم بالمخترعات العلمية والنفسية في تعذيبه وقتله!!...

مات أخيتوفل الجيلوني، دون أن يفلح في القضاء علي داود، لأن الملك القديم وفي نفسه من الحكمة الجهنمية الشريرة بالاتجاه إلى الله في الصلاة يوم قال: "حمق يا رب مشورة أخيتوفل"... وهل لنا شيء آخر في هذا العالم الحاضر الشرير أكثر من الصلاة، لنقي أنفسنا من مشورته الرهيبة الآثمة الشريرة،.. كان داود في اللحظة التي رفع فيها هذه الصلاة مسكيناً عاجزاً مشرداً طريداً،.. واستمع إلى صلاة الرجل البائس المسكين، وضرب على مشورة أخيتوفل بالضلال، فلم تفلح، ومات أخيتوفل، ولم يمت داود،... وعاش القائد وذهب المتمرد،... وضاعت الحكمة الآثمة القاسية الشريرة، ليبقى المسكين الذي أودع أمره بين يدي الله في ذلة وخضوع!!..

أي أخيتوفل! أي يهوذا الاسخريوطي القديم لا نملك أن نتركك دون أن نقف لنسكب دمعة حزينة على قبرك البائس، كم نسكب دموعنا الغزيرة علي الرجل الذي أطل على وجه المسيح، ومع ذلك قدر أن يبيعه ويخونه!!..

elraiek G
09-16-2010, 06:15 PM
يتبع.....

elraiek G
09-16-2010, 06:17 PM
( 31 )

مفيبوشث

"ألا يوجد بعد أحد لبيت شاول فأصنع معه إحسان الله"

(2صم 9: 3)





مقدمة

كان مفيبوشث بن يوناثان واحداً من أعظم المظلومين في الأرض، كأبيه سواء بسواء،.. وإذا كانت الحياة قد ظلمت يوناثان، وهي تجبره على البقاء إلى جوار أبيه حتى سقط صريعاً على جبال جلبوع،.. فقد ظلمت الحياة ابنه مفيبوشث، عندما فقد أباه العظيم النبيل، وهو في الخامسة من عمره، فلم يعش ليتربى في كنفه، ويستمتع بحنانه، ويتشبع بمبادئه، بل على العكس سقط يوم موت أبيه، وأضحى مضروب الرجلين، إذ حملته مربيته وهربت، ولما كانت مسرعة لتهرب وقع وصار كسيحا يعرج، وانتهى سليل الملوك إلى أن يعيش فيما يشبه الملجأ، يعاني الفاقة والحاجة والحرمان، قبل أن يفتقده داود، وعرف مفيبوشث الجوع، قبل أن يأكل على مائدة الملك،.. ومن المؤسف أيضاً أنه لم يظلم من الظروف القاسية التي أحاطت به فحسب، بل ظلم من أقرب الناس إليه، وألصقهم! إذ ظلمه صيباً عبده، بما افترى به عليه أمام الملك ومن المؤسف أن الملك -في عجلة من الأمر- صدق صيبا، وتشكك في مفيبوشث ونجحت وشاية الظلم، ليقف الرجل مشوة السيرة، كما شوهت خلقته سواء بسواء،.. على أن الظلم الأفدح والأقسى، كان ظلم التاريخ، إذ صدق بعض المفسرين حجة صيباً، وانهالوا على البائس المسكين يصورونه تماماً عكس ما هو عليه، ويدفعونه بأقسى النعوت وأشر الأوصاف، ولكننا نعلم أن الله العادل في السماء، هو وحده الذي سيرد الاعتبار الكامل، لهذا المظلوم الذي تلاحق عليه الظلم من كل جانب، وقد جرد كثيرون من المفسرين أقلامهم دفاعاً عن الرجل، وكانوا على حق، إذ أن عصير محنته وآلامه، فاض بما يندر أن تجود الحياة بين الناس على ظهر هذه الأرض، والآن دعنا نراه فيما يلي:



مفيبوشث المنكوب

لسنا نحسب أنفسنا من مدرسة أوريجانوس، المدرسة التي اشتهرت بالرمزية، والتي تتابع القصص والأمثال محاولة استخلاص المعاني الروحية، التي تتصور أن القصة أو المثل يعنيها ويتجه إليها، وإن كان في الوقت نفسه لا نستبعد الصور الروحية التي يمكن أن يعطيها كلاهما، ومن هنا يمكن أن نقول ونحن في أمن الزلل، إن قصة مفيبوشث تصلح أن تكون صورة لحياة المؤمن أمام الله. ولعلنا من هذا المنطلق يمكن أن نرى مفيبوشث المنكوب من نواحي متعددة!!... فهو أولاً منكوب المركز، إذ أنه كان حفيد الملك شاول، وابن يوناثان العظيم ولي العهد،.. ولكنه يظهر أمامنا علي المسرح وقد ذهب مجده القديم، وعزه الدارس،.. ولعل هذه هي الصورة الواضحة للإنسان في الأرض، لقد خلقه الله على شبهه وصورته، إذ خلقه علي صورة الملك العظيم، وابناً له، ولكنه وقد هوى من مجده وجلاله، وسافر في رحلته البائسة إلى الكورة البعيدة، لم يعد له حتى مركز الخادم أو الأجير، وشتان بين ما كان عليه، وما صار إليه، عندما يرفض الإنسان الله يسقط من مركزه العظيم وعندما يعود إليه، يسترد بهذه العودة مركزه التليد: "إلى خاصته جاء وخاصته لم تقبله، وأما كل الذين قبلوه فأعطاهم سلطاناً أن يصيروا أولاد الله أي المؤمنون باسمه" وأين الكوخ من القصر! وأين الهوان من المجد! وأين التشريد من السلطان، وأين الصعلوك من حفيد القصور وسليل الأمجاد؟!!.. وهكذا كان مفيبوشث منكوباً في عزه ومركزه!!.. ثم كان ثانياً: منكوب الصحة، إذ أخذته العلة والعاهة المستديمة،.. العاهة التي لم تعطه عجزاً فحسب، بل أعطته أيضاً أكثر من ذلك، البشاعة والتشويه،.. ولعله هذا ما تفعله الخطية على الدوام، إذ تضع حداً لنشاط الإنسان وحيويته، وتقعده عن الحياة والقوة و الحركة، وتجعله مرات متعددة يعيش كمفيبوشث سجين جسده، تحضره الإرادة الحسنة، ولكنه يقول: "هوذا الإرادة حاضرة عندي أما أن أفعل الحسنى فلست أجد".. وتتكاتف عليه الأمراض وتتحالف الأوبئة، وهو لا يملك لها دفعاً أو تصاحبه الحياة كلها ليرى نفسه عاجزاً عن السير في ركاب الملك، كما تخلف الرجل القديم عن مصاحبة سيده، في أدق الأوقات وأشدها حاجة إلى مثل هذه المصاحبة!!.. لقد فقد الإنسان بالسقوط، الطاقة الجسدية الهائلة التي امتصتها الأمراض، وهدتها الأدواء، وضيعتها العلل المتلاحقة، على أن الأمر يتجاوز هذا كله، إلى البشاعة والتشويه، وأين الشاب القوي، الرائع المظهر، الموفور الصحة، من ذاك الذي هو قعيد كسيح محمول على غيره من الناس؟ حقاً إن الخطية أعدى أعداء الجمال، وهي السبب الأساسي في ذلك التشويه الرهيب الذي لاحق الجنس البشري وأفسد صورته وجماله الإلهيين، وأخرة هذا النتاج العفن الفاسد، من كل دمامة وبشاعة وقبح،.. وكان مفيبوشث ثالثاً: منكوب بالثروة، دارت به دورة الزمان، كما تدور بملايين الناس، فإذا صاحب القصور يأويه رجل بنياميني اسمه ماكير بن عميئيل من مدينة لودبار -أو في لغة أخرى- لقد انتقل الغلام من القصر إلى الملجأ،.. لم يعد مفيبوشث يملك شيئاً من أملاك أبيه وجده،.. لقد ذهبت الأسرة، لتحل محلها أسرة أخرى، وذهبت الثروة لتخلف وراءها الحاجة والجوع، وهكذا تدور الأيام كالساقية، ترفع المنخفض، وتخفض المرتفع، وتسوي القصور بالتراب، وترفع الجالس على المزبلة إلى شرفاء الشعوب وسادة الممالك، ولست أعلم ماذا يقال عن الثروة في اللغات الأخرى من لغات العالم،.. ولكن هناك رابطة تصلح أن تكون استعارة في اللغة العربية لمن يحسن التأمل فيها، فإذا كان بعضهم قد اشتكى من حاكم عربي قائلاً: ما رأي مالا إلا ومال عليه، وما رأى ذهباً إلى وذهب به، وما رأى فضة إلا وفضها. فإننا نكتفي بالإشارة إلى الاسم والفعل بين "مال" و "مال" وبين "ذهب" و"ذهب" وبين "فضة" و "فض" لنرى الثروة قد تنتهي من الإنسان إلى غير رجعة، أو تتحول لآخر من غير كد أو تعب،... وقد جردت الخطية الإنسان من ثروته الحقيقية، لتتركه في الإملاق والحاجة النفسية والروحية، لا يكاد يملك حتى الخرنوب" في الحياة، الذي تجده أو تأكله الخنازير... وفي الواقع إن الإنسان الوحيد الفقير في الأرض، هو الذي لم تعد تربطه رابطة بالله، على العكس من ذاك الذي يستطيع بكل يقين أن يقول: "كفقراء ونحن نغني كثيرين كأن لا شيء لنا ونحن نملك كل شيء"... وقد أضيف إلى هذا كله، أن مفيبوشث كان منكوب الصداقة البشرية، وسندع الآن ما فعله صيبا معه أو الحكم المتعجل لداود تجاهه، لنراه يعيش مجهولاً من الناس، لا يكاد يحس به أحد، إلى الدرجة التي يقول معها داود: "هل يوجد بعد أحد قد بقى من بيت شاول فأصنع معه معروفاً من أجل يوناثان"؟... وهذه حال الدنيا على الدوام، فهي تقبل على من يقبل عليه الناس، لما قد يجدون عنده من مصلحة أو منفعة أو ميسرة، وهي تدبر عنه إذا افتقر أو أحتاج أو أنعزل. وما من شك أن أصدقاء الابن الضال كانوا كثيرين في مطلع أمره عندما كان المال يخشخش في جيبه، وعندما كان ينفقه بتبذير عليهم في حفلات المجون والفساد والسكر العربدة، فإذا ضاع المال وافتقر الحال، فما أسرع ما يتباعدون أو يهربون أن يتنكرون، وسيجدون شتى الأعذار للابتعاد والهروب والتنكر،.. ولكن العذر الحقيقي أن الخطية لا تعرف الود أو الصداقة أو الحب، إذ هي تعرف على الدوام المصلحة ولا شيء غير المصلحة، ولعل أول مثل على ذلك عرفه البشر كان في أبوينا الأولين، لقد جمعهما الله لا ليصبحا اثنين، بل واحداً، وقبل أن تدخل الخطية كانا واحداً في كل شيء، وكان آدم مستعداً في حبه العميق لحواء أن يبذل ذات الحياة من أجلها،.. لكن أسرع ما تنكر لهذه الحقيقة عن نفسه أمام الله، ليفقد الرجولة الكاملة والشهامة، ويحملها المسئولية وحدها، أو بالاشتراك مع الله في القول: "المرأة التي جعلتها معي هي أعطتني من الشجرة فأكلت"..! إن الخطية في الواقع هي السبب الأساسي الصحيح لفقدان الوفاء بين الناس!!...

على أنه من الجانب الآخر، كان للمنكوب من يسأل عنه، ولم يفكر هذا المنكوب قط أن يتجه إلى داود، وقد علم بالعلاقة التي كانت تربطه بأبيه وكان يمكن أن يعيش في الظل والظلام، لولا أن داود سأل عنه، (وهذه هي الحقيقة بالنسبة للخاطيء على الأرض، فهو لم يسأل عن الله بل سأل الله عنه، وهو لم يفكر في الاتجاه إلى الله، بل أن الله فكر فيه وسعى إليه).. كان من الممكن لمفيبوشث أن يعيش في الظل أو الظلام، ولا يخرج أبداً إلى دائرة النور لولا بحث داود عنه والتفتيش عليه،.. وأنه يعكس الصورة التي رسمها يسوع المسيح، في مثل الحمل الضائع على الجبال، وكان من المؤكد أن يضيع أو يفترس، لولا الراعي الذي بحث عنه تاركاً التسعة والتسعين، أو مثل الدينار المفقود الذي بحثت عنه المرأة وفتشت إلى الدرجة التي كنست معها البيت بكل اجتهاد!!... إنها صورة بقاء مفيبوشث في بيت ماكير حتى طلبه داود من هناك،.. والسر في ذلك ليس في المنكوب ذاته، بل في العهد مع الشفيع، من أجل يوناثان،.. وداود لا ينسى أن يوناثان قد قدم كل شيء من أجله، والله في حبه للخاطيء، أنه يحبه في المسيح الذي قدم نفسه من أجله وهو في السماء حي ليشفع فيه، آه لو علم الناس، أن داود لا ينظر إلى مفيبوشث الكسيح المعقد المشوه الضعيف، بل كلما رآه ازداد عطفاً عليه، لأنه يرى شخصاً آخر يتمثل طول حياته أمام عينيه، شخص يوناثان الحبيب العزيز الذي ارتبط معه بعهد أبدي!!... وستبقى هذه الشفاعة في قوتها وجلالها ومجدها، مهما وشى بالرجل، أو تعرض للخداع أو الظلم، أو حتى لو أخطأ. وسيرى داود يوناثان قبل أن يعد أية رؤية أو تصرف من ابنه المقعد الكسيح،.. وهذا ما يفعله الله في السماء أمام كل أخطائنا وخطايانا، خطايا السهو، والتعمد على حد سواء!!.. إنه سيرانا على الدوام في شخص المسيح مخلصنا وفادينا وشفيعنا الحي الكريم!!.. والمنكوب سيجد رد الاعتبار الكامل، إذ سترد إليه قصور شاول وأملاكه وخيراته الضائعة، وسينتقل الغلام من الملجأ الذي عاش في كنفه إلى القصر الواسع الرحب الذي ينتظره، وسيسترد الميراث المفقود، كما يأخذ الخاطيء شركة ميراث القديسين في النور،.. والمنكوب سيجد الترحيب الحار القوي في ضمه إلى الخاصة الملكية ليأكل كل يوم على مائدة الملك، دون أن يناله الخجل من قبح منظره، وضربة رجليه!!... ولست أعلم ما فعل داود بالنسبة له، لكني أعلم بكل وضوح ما فعل الآب عندما عاد إليه ابنه الضال ليجد الحلة الأولى مكان ثياب الجوع والفقر والقذارة، والخاتم في اليد التي حرمت من لقمة الحياة، والحذاء في القدمين اللتين عرفتا التعب والحفاء!!.. والدفء والرقص والعود ترحيباً بمن كان ميتاً فعاش، وكان ضالاً فوجد!!... هل تعلم أننا جميعاً -أنا وأنت- كنا مفيبوشث حتى رتب لنا الملك مائدة تجاه مضايقتنا!!..



مفيبوشث المخدوع

من الغريب أن الذين قبلوا ادعاء صيبا ضد مفيبوشث، بنوا فكرهم على أساس تلون الطبيعة البشرية وتغيرها وتحولها من النقيض إلى النقيض، وفقاً للأحداث والحوادث والظروف المختلفة المتعددة، وهذا حق، غير أنهم أخطأوا إذ حولوا أصبع الاتهام لمفيبشث، وكانت بالأولى يلزم أن تتحول إلى صيبا عبده وخادمه،.. فالدراسة الصحيحة للقصة تؤكد أنه هو المذنب الصحيح وليس سيده،.. والسؤال الذي لابد منه: لماذا فعل صيبا هكذا، وخدع سيده، وغدر به عند داود؟!!.. أغلب الظن أن هناك ثلاثة أسباب دفعته لذلك، هي الحسد، والطمع، والملل،.. أما الحسد فواضح من أنه يرى سيده المقعد الكسيح أثيراً عند داود، ومقدماً على مائدته،.. وهو هو لا يزيد عن كونه عبداً وخادماً، وقد يسهل عليه أن يحتمل ذلك، لو أن مفيبوشث كان ملكاً على عرش، أو أميراً من أسرة مالكة،.. أما وقد ذهب العرش، وولى الملك، ولم يبق من الرجل سوى الإنسان الكسيح، فلماذا يبقى مفيبوشث أولاً، وهو في أفضل الأحوال عبداً وثانياً؟!!.. ولماذا وقد تهاوى عرش شاول لا يتغير الوضع بالنسبة له، فيصبح الصحيح أولاً، والمقعد ثانياً؟!!. إنه الحسد الذي يقلب العاطفة البشرية رأساً على عقب وينشيء الكراهية مكان الحب، والقسوة محل الإحسان، والمؤامرة والعنف والحرب والتدمير، في موضع الإخلاص والرقة والسلام والبناء، وهو الذي دفع قايين إلى قتل هابيل، ودفع أخوه يوسف إلى بيع أخيهم،.. وصنع أكبر جريمة في كل التاريخ، جريمة صلب المسيح، إذ علم بيلاطس أنهم -أي اليهود- أسلموه حسداً،.. ومن المتصور أن الطمع قد أضيف إلى ذلك،.. لقد رد داود كل أملاك شاول إلى حفيده مفيبوشث، وأمر صيبا أن يقوم مع أولاده وعبيده بخدمة هذه الأملاك لصالح سيده،.. ولعل صيبا سأل نفسه هذا السؤال مرات متعددة، هأنذا أخدم سيداً كسيحاً، كل هذه الخدمة، وهو لا يعمل شيئاً إلا أن يستولى على ما أبذل من جهد وعرق وكفاح: إن لسيدي الغنم، ولي ولأولادي وخدمي التعب والشقاء والكد والغرم،.. وأعتقد صيبا بأنه أحق بالكل من السيد البائس الضعيف المسكين،.. والطمع في حد ذاته صنم مخيف، قال عنه الرسول بولس: "الطمع الذي هو عبادة الأوثان".. وركع صيبا أمام هذا الصنم المروع المخيف وهو في سبيله التعس إلى الغدر بسيده،.. وربما كان السبب الثالث عند صيبا الملل،.. وأليست خدمة الكسيح المقعد، تحتاج إلى الصبر، الذي إذا طال أمده يتحول إلى التبرم والتضجر والملل، ولعل صيبا وهو يدخل ويخرج من أمام سيده الكسيح، وهو يتعب ويجاهد في حمله كلما رغب في الحركة أو الذهاب هنا وهناك، لعله بعد سنوات من الخدمة الطويلة المتواصلة الشاقة، قد ضاق بهذه الخدمة، ومل الاستمرار فيها، وتمنى لو تحلل منها بصورة من الصور، وجاءته هذه الصورة عندما وشى كذباً بسيده أمام الملك داود!!..

والغدر في حد ذاته إثم من أقسى الآثام وأبشعها في حياة الناس، إلا أنه يزداد بشاعة وخسة وضعة وانحطاطاً، إذا استغل آلام الآخرين أو حاجتهم، أو ضعفهم أو عجزهم، كما فعل صيبا بالسيد المضروب الرجلين، والعاجز عن اللحاق بداود والسير وراءه غداة خروجه من أورشليم من وجه أبشالوم ابنه، وليت الأمر توقف عند هذا الحد، إذ قدم صيبا للملك الهارب، ما قدم من خير وغذاء ومعونة وطعام، ولكنه للأسف لم يكن يقدم مما يملك هو، بل مما يملك سيده المغدور به على هذا النحو البشع الممتد من الخيانة والغدر!!..

أجل.. إذا كان لنا أن ندرس النفس البشرية، ومدى ما يمكن أن تصل إليه من التغير أو التلون، أو الخسة أو الضعف، أو اللؤم أو التآمر، فإن هذه الدراسة ينبغي أن تنصب على صيبا، ولا تتحول ظلماً إلى الرجل النبيل الذي بقى في أورشليم: "ولم يعتن برجليه، ولا اعتنى بلحيته، ولا غسل ثيابه من اليوم الذي ذهب فيه الملك إلى اليوم الذي أتى فيه بسلام". أجل، ولعل هذا هو السر الذي جعل لوثر يفزع من نفسه وهو يقول: "أنا خائف من نفسي أكثر من البابا وكل كرادلته معاً،.. إن نفسي هي البابا الأكبر!!.. وجعل الرسول يعقوب يقول: "ولكن كل واحد يجرب إذا انجذب وانخدع من شهوته، ثم الشهوة إذا حبلت تلد خطية والخطية إذا كملت تنتج موتاً"...



مفيبوشث المدان

على أن أسوأ ما في الأمر أن يدان مفيبوشث من داود على هذا النحو الظالم المتعجل، كان الرجل قد استكان إلى الحياة التي رد فيها داود اعتباره ومقامه ومكانه، فلم يعد إنساناً يحيا حياة البؤس والتشرد والذل، ولعله رفع عينيه إلى الله شاكراً كلما دخل قصر الملك، وكلما أكل على مائدته، وكلما وجد الأوضاع هادئة هانئة ميسورة، ولكن ها هي الشمس المشرقة تعود إلى المغيب مرة أخرى، وها هو يعود إلى النقطة التي ابتدأ منها، أو بالحري إلى الأسوأ بما لا يقاس، إذ لطخ عبده سمعته بهذه اللطخة الشديدة القاسية، وأوشى به إلى الملك بأقسى تهمة يمكن أن يتعرض لها إنسان تهمة الخيانة العظمى،.. ولست أعلم ما فعل الرجل، وهويترنح من الطعنة القاسية الغادرة التي طعنه بها عبده الآثم،.. هل بكى مفيبوشث المغلوب على أمره، وهل رفع عينيه إلى الله يبحث من سر اللطمات المتلاحقة المتعددة، التي واكبت حياته منذ الخامسة من عمره، وهو يخرج من ظلم إلى ظلم، ومن مأساة إلى مأساة، وهل قال: "غمر ينادي غمراً عند صوت ميازيبك كل تياراتك ولججك طمت على"؟!!.. لا أعلم، وإن كنت أعلم أن هذه صرخة الملايين في الأرض، الذين لا يكادون يخرجون من محنة، إلا ليواجهوا محنة أخرى، قد تكون أقسى وأنكى وأشد"!!.. أغلب الظن أن مفيبوشث بكى، وأغلب الظن أنه مع ذلك، فعل أفضل ما يمكن أن يفعله الباكون في مثل وضعه، إذ ليس عندهم أكثر مما يفعله البائس التعس المسكين، الذي يسلم أمره إلى الله الذي يقضي بعدل، وهو الوالي الواحد القادر على حماية المقعد العاجز الكسيح المظلوم،.. إن الظلم في العادة يقود الإنسان إلى واحد من اتجاهين مختلفين متضادين، أما أن يرفعه إلى فوق أو يتجه به إلى أسفل، إذ هو أشبه الكل بذلك السجن الذي أطل من النفاذة فيه سجينان، رفع أحدهم عينيه إلى السماء فرأى النجوم اللامعة، ونظر الآخر إلى الأرض فرأى الوحل والطين هناك،... إن الظلم قد يحول الإنسان بالتمام إلى الله، عندما يطرح المظلوم قضيته وبؤسه بين يديه، أو يتجه به إلى التذمر أو اللعن، أو الحقد أو الانتقام ما استطاع إلى ذلك سبيلاً وقد علمنا المظلوم الأعظم أي الطريقين أصلح أو أكمل إذ قيل عنه: "ظلم أما هو فتذلل ولم يفتح فاه.. على أنه لم يعمل ظلماً ولم يكن في فمه غش".. "لأن هذا فضل إن كان أحد من أجل ضمير نحو الله يحتمل أحزاناً متألماً بالظلم.. فإن المسيح أيضاً تألم لأجلنا تاركاً لنا مثالاً لكي تتبعوا خطواته، الذي لم يفعل خطية ولا وجد في فمه مكر، الذي إذ شتم لم يكن يشتم عوضاً، وإذ تألم لم يكن يهدد، بل كان يسلم لمن يقضي بعدل"...

كان ظلم مفيبوشث في الواقع بينا وصارخاً، ويبدو أن قلب صيبا عبده قلب من حجر، فهو يرمي سيده بتهمة الخيانة العظمى، ليقتل وتصادر أمواله وممتلكاته، ونحن نتعجب أشد التعجب، إذ أن داود لم يتمهل حتى تنتهي الثورة، ويعود إلى أورشليم، ويجمع بين صيبا ومفيبوشث، ويسمع حجة الطرفين، ويقضي بالتأمل والهدوء والعمق والأناة، بل على الفور يقضي ويحكم، فيكافيء الظلم، ويحرم المظلوم، ويجرد مفيبوشث من أملاكه ليعطيها لصيبا، ومن المعلوم أن داود كان في ذلك الوقت في حال لا يصلح معها أن يكون قاضياً أو حاكماً،.. لقد كانت نفسه ممتلئة بأقسى الانفعالات وأشدها وأمرها على وجه الإطلاق، وانعكست هذه الانفعالات جميعاً على حكمه الظالم الطائش، لقد خرج من مدينة أورشليم باكياً مغطى الرأس، حافي القدمين، ممتلئاً بالمرارة الكاملة من ابنه والخارجين عليه،.. وهل يصلح الإنسان في مثل هذه الحالة أن يقضي ويحكم؟.. وهل له من العقل أو القلب ما يزن به الأمور ويفحصها ويدقق في وقائعها؟.. كلا وألف كلا،.. والدليل واضح بين، فالتهمة لأقل فكر وفحص قاسية وكاذبة، لا يستطيع معها أي حكيم أن يستسيغها ويهضمها، لقد صور صيبا لداود أن مفيبوشث سيبقى في أورشليم لأن الثورة ستتمخض عن رجوع الملك إليه، بعد أن استولى عليه داود، وأي عقل يمكن أن يقبل مثل هذا التصور، فمفيبوشث المقعد لم يكن طرفا في هذه الثورة، ولم يكن واحد يقف إلى جواره، وحتى صيبا عبده قد خذله وتركه،.. وستنتهي الثورة إما بنجاح داود أو أبشالوم ابنه، وإذا قدر لأبشالوم أن ينجح، فهو لن يعود إلى أورشليم، ليقدم له الملك على طبق من ذهب، ويأتمر بأمره، ويخضع لطرف إشارته وبنانه، بل هو أعلم الناس بأن الرجل الذي غدر بأبيه، وتآمر على عرشه، ليحل محله، لن يعطيه قط الامتيازات السخية التي كان يتمتع بها على مائدة الملك،.. فإذا أضفنا إلى ذلك أن أخلاق الرجل لم تكن تسمح له قط أن يتمرد على من أحسن إليه ورفعه إلى مثل ما وصل إليه من مركز ومجد، وأنه لهذا السبب: "لم يعتن برجليه، ولا اعتنى بلحيته ولا غسل ثيابه من اليوم الذي ذهب فيه الملك إلى اليوم الذي أتى فيه بسلام" وكان في الواقع ابن أبيه في الإخلاص والمحبة والتجرد والوفاء، وهو يقول لداود: "يا سيدي الملك إن عبدي قد خدعني لأن عبدك قال أشد لنفسي الحمار فأركب عليه وأذهب مع الملك لأن عبدك أعرج ووشى بعبدك إلى سيدي الملك وسيدي الملك كملاك الله فافعل ما يحسن في عينيك لأن كل بيت أبي لم يكن إلا أناس موتى لسيدي الملك وقد جعلت عبدك بين الآكلين على مائدتك فأي حق لي بعد حتى أصرخ أيضاً إلى الملك".. لم يكن مفيبوشث خائناً، بل بلغ غاية النبل عندما عدل داود حكمه، فلم يجرده من جميع أملاكه، بل قسمها بالنصف بينه وبين صيبا وإذا به يقول: "فليأخذ الكل- أي صيبا- بعد أن جاء سيدي الملك بسلام إلى بيته".. أجل وهنا يطل من وراء مفيبوشث وجه آخر، وجه أبيه النبيل العظيم، إذ أثبت مفيبوشث أنه ابن أبيه المتجرد من كل أنانية، والمخلص في حياته في أقسى الظروف إلى النفس الأخير!!...

لم يخطيء داود في حكمه الأول المتعجل فحسب "بل أخطأ في حكمه الثاني أيضاً، لقد ذكرنا أن التهمة في أساسها كانت قاسية وكاذبة وساذجة لا يكاد يقبلها عقل أو يهضمها تفكير،.. وقد أضيفت إليها شهادة المنظر البائس للرجل المظلوم، والذي كان يمكن أن يرى فيه داود صدق مفيبوشث وكذب صيبا، فلماذا قضى داود بحكمه المعدل؟!! يظن البعض أن داود بقى على شكه في رواية مفيبوشث، وأنه من باب الإحسان قسم الأملاك بينه وبين عبده؟!! وقد جانب داود في ذلك جادة الصواب، لأنه إذا كان قد أخذ بالظاهر في رواية صيبا، بما حمل معه من عطايا وهدايا وهو هارب من أورشليم،.. فإنه كان من الممكن أن يأخذ أيضاً بالظاهر بمنظر مفيبوشث، في عودته مرة أخرى بعد انتهاء الثورة إلى أورشليم،.. وإذا كان عليه أن يطرح هذا الظاهرة من الأمر، فمن الواجب أن يطرحه في كلا الحالين، دون أن يرجح ظاهراً على ظاهر آخر،.. والظواهر في العادة لا تصلح أن تكون حجة نهائية، وقد علمنا الله نفسه ألا نخدع بالظاهر، إلى الدرجة أنه رفض -وهو العالم بكل شيء- أن يقضي نهائياً على سدوم: "وقال الرب إن صراخ سدوم وعمورة قد كثر، وخطيتهم قد عظمت جداً، أنزل وأرى هل فعلوا بالتمام حسب صراخهما الآتي إليَّ وإلا فأعلم".. وقال المسيح لليهود: "لا تحكموا حسب الظاهر بل احكموا حكماً عادلاً".. على أن هناك آخرين اعتقدوا أن داود صدق مفيبوشث، وأنه أعطى صيبا النصف من باب الإحسان أيضاً، إذ لم ينس أنه قدم له في محنته المساعدة والمعونة والعطية، وأنه أب لعدد كبير من الأولاد، وأنه يقوم على خدمة سيده منذ زمن طويل، -وإنه لهذا كله- يمكن أن يشارك سيده بالنصف في حصيلة ثروته وممتلكاته،.. وهذا في حد ذاته خطأ فاحش، لأنه إذا كانت رواية العبد كاذبة غادرة قاسية تعرض الرجل النبيل إلى خطر الموت القاسي البشع، فلا يجمل به أن يكافيء هذا الخطأ، إلى حد المناصفة بينه وبين الصدق والحق والعدل والأمانة، فإذا أضيف إلى هذا ما تصوره البعض أن داود وهو خارج من الثورة، كانت خطته تهدئة الجميع، وحقن الدماء، إلى درجة التساهل والتسامح من شمعي بن جيرا، الذي كان يستوجب القصاص العادل، رغم أن داود لم ينس له ما فعل إلى يوم الوفاة وهو بهذا المعنى يريد اكتساب صيبا وأسرته وعبيده بترضيته بالمساواة مع سيده في كل شيء.. ولو صح هذا التصور، فإن داود يكون قد فعل ما يفعله السياسيون في كل الأجيال والعصور، الذين -مرات كثيرة- يذبحون العدالة والحق، على حساب المسايرة والمهادنة وأنصاف الحلول؟!!..

وأياً كانت الأسباب، فإن وجه مفيبوشث يختفي، لتظهر معه حقيقة من أرهب وأقسى الحقائق على هذه الأرض!!.. إن العدالة بجملتها ضائعة أو ناقصة في حياة الناس، وإن الكثير من أحاكمها شوب بالقصور أو النقص أو الاعوجاج أو الخطأ،.. وأن مفيبوشث في كل جيل وعصر سيبقى مظلوماً، حتى يقف أمام عرش أعظم وأطهر وأنقى وأعدل من عرش داود، ألا وهو العرش العظيم الأبيض،.. وأن ما عجز العرش الأرضي عن الوصول إليه، لن يعجز عنه عرش السماء، وأن ملايين الملايين الذين ظلموا في الأرض، وأقعدهم العجز والشلل والكساح وضربة الرجلين عن الوصول إلى حقهم، ورد اعتبارهم، لن تعجز السماء عن أن تعطيهم من رد الاعتبار أضعافاً مضاعفة مما فقدوه بخيانة البشر أو ظلم الناس. قال واحد من الشهداء الذين حكم عليهم ظلماً وعدواناً من أجل المسيح في سويسرا، لجلاده، وهو يصعد إلى المقصلة: إذن مني، وضع يدك على قلبي، فإن رأيت نبضه أسرع من النبض العادي، فإن ديانتي يمكن أن تكون باطلة... قال الرجل هذا لأنه واثق بأن حكم الأرض، ليس الحكم الأبدي الأخير،.. ومن ثم حق لكاتب الرسالة إلى العبرانيين: "ولكن تذكروا الأيام السالفة التي فيها بعد ما أنرتم صبرتم على مجاهدة آلام كثيرة من جهة مشهورين بتعييرات وضيقات ومن جهة صائرين شركاء الذين تصرف فيهم هكذا لأنكم رثيتم لقيودي وقبلتم سلب أموالكم بفرح عالمين في أنفسكم أن لكم مالاً أفضل في السموات وباقياً فلا تطرحوا ثقتكم التي لها مجازاة عظيمة".. "وآخرون عذبوا ولم يقبلوا النجاة لكي ينالوا قيامة أفضل وآخرون تجربوا في هزء وجلد ثم في قيود أيضاً وحبس رجموا نشروا جربوا ماتوا قتلا بالسيف طافوا في جلود غنم وجلود معزي معتازين مكروبين مذلين وهم لم يكن العالم مستحقاً لهم، تائهين في براري وجبال ومغاير وشقوق الأرض"...

لقد ذهب مفيبوشث بن يوناثان مظلوماً من الحياة والصحة والظروف والناس، ولاحقته عدالة داود القاسية والناقصة، إلى أن يجد في ذلك اليوم العتيد عدالة ابن داود، أو بالحري عدالة ابن الله الملك العظيم، ليعطي ما فاته من حق أو ما ضاع منه من مكافأة، فليرقد إلى أن يستيقظ مع الأبرار والشهداء والقديسين: "لأنه لابد أننا جميعاً نظهر أمام كرسي المسيح لينال كل منا ما صنع خيراً كان أم شراً"..!!

elraiek G
09-16-2010, 06:19 PM
( 32 )

برزلاي الجلعادي

"..وهو عال الملك عند إقامته في محنايم لأنه كان رجلاً عظيماً جداً"

(2صم 19: 32)


مقدمة

في قصيدة رائعة لواحد من شعراء الغرب، قال: إنه كان يسير ذات يوم في الصحراء، في يوم اشتدت فيه الحرارة كاللظي الملتهب، وإذا به يبصر على بعد خميلة ظليلة سعي إليها، ليجد تحتها مقعداً وكلمة مكتوبة فوق المقعد.. اجلس أيها المسافر واسترح قليلاً!!.. فجلس ولفت نظره سلة ممتلئة بالتفاح، فاقترب منها ليجد عبارة فوقها تقول: خذ تفاحة من السلة وكل!!.. فأخذ تفاحة، .. ورأى ورقة أخرى على بعد تقول: هناك غدير ماء، فاذهب إليه واشرب، فأسرع ليجد ماء حلواً سلسبيلاً، فانحنى على الغدير، وشرب الماء،.. وفي كل هذا كان يأخذه العجب، وتاق أن يعرف سر المكان،.. وإذا به يبصر على مقربة من المكان كوخاً يقف على بابه رجل عجوز،.. ذهب إليه مستفسراً وعلم منه القصة كلها، أن الرجل هو صاحب الخميلة، وصاحب التفاح، والمرشد إلى الماء، وقد أدرك الرجل أن المسافر في الصحراء يحتاج إلى خميلة يستظل بها، وربما هو جائع ويحتاج إلى تفاحة يأكلها، والسلة من التفاح فائضة عن حاجة الرجل، فلماذا لا يعطي الغريب الجائع؟!! ولماذا لا يرشده –وهو ظاميء- إلى النبع من الغدير الذي قد لا يتنبه إليه، وهو في أمس الحاجة إليه،.. رأى الشاعر كل هذا، فكتب قصيدته، متمنياً أن يفعل هو ما يفعل هذا العجوز، إذ يقف على الطريق البشري ليمد يده إلى المتعب السائر في برية الحياة، لعله يظلله في خميلة الحب والحنان، ويمد له الطعام، ويرويه بالماء، وقد استبد به الجوع والعطش، وهذا من أعظم ما يفعله الإنسان للإنسان في هذه الحياة،.. كان بزرلاي الجلعادي هو العجوز القديم الذي آوى داود في المحنة والتعب والجوع والعطش، وأضحى على مر العصور مثلاً يحتذى وقدوة صالحة، حتى جاء المعلم الأعظم يحدثنا عن السامري الصالح الذي لم يتخلف عن إسعاف المنكوب الحظ، الذي تركه اللصوص بين حي وميت في الطريق من أورشليم إلى أريحا!!.. هل لنا أن نتأمل برزلاي وقد أمسك بالفرصة، التي لم تضع منه، وقدم شيئاً مهما كانت عظمته فإنه لا يساوي ما أخذ من مجد وخلود، وقصة تتلقفها الأجيال من جيل إلى جيل على مر التاريخ!!…



برزلاي الوفي

كان برزلاي الجلعادي -كما يصفه الكتاب- "رجلاً عظيماً جداً" ولعل الوصف هنا يعطينا صورة عن الشيخ الجليل المهيب المحترم، الواسع الثروة، الذائع الصيت، المكرم المقام،.. ومهما تكن أوصافه، فإن أعلى ما يظهر به الرجل هو ذلك الوفاء العظيم النادر الذي اتسم به في موقفه من داود غداة الثورة التي قام بها أبشالوم ضد أبيه،.. فهو أولاً وقبل كل شيء الوفاء الصادق الخالص، الذي لا يبحث عن غرض أو يرجو مصلحة، بل يقف إلى جانب الحق والأمانة والصدق والشرف، لقد كان طرفا الثروة داود وابنه أبشالوم، الملك الشرعي والابن المتمرد، الرجل الذي يقود الأمة بإرادة الله، والابن الذي استمال الشعب بالخداع والكذب والنفاق والتملق،.. ولم يستطع الرجل أن يغمض عينيه، أو يتجاهل الموقف، أو يقف على الحياد،.. وهو الصورة المشرقة الواضحة للمؤمن الأمين الوفي، الذي يعرف أن الخط المستقيم لا يمكن أن يكون معوجاً، ولا يحتمل الالتواء أو التردد أو التراجع أو الانقلاب،.. ولقد سار برزلاي على الطريق دون أن يلوي على شيء، وهو سيبقى مع داود حياً أو ميتاً على حد سواء!!.. ولم يستخدم ما يستخدمه الناس عادة من حيطة أو حرص أو ذكاء في مثل هذه المواقف، وهو لم يقف ليراقب الريح، ويعلم أين تتجه المعركة ليأخذ المكان الذي يتصور أن إلى جانبه الفوز،.. ومع أو الوضع الظاهري كان أدنى إلى أبشالوم منه إلى داود، إذ أن الشعب كله كان من المتمرد، ولم يكن مع الهارب الذي كان يقود مجموعاً قليلاً يسيراً محدوداً من الناس،.. وكانت أملاك الرجل وأسرته وحياته جميعآً في أدق المواقف لو نجح أبشالوم في ثورته، لكن هذا كله لم يمنع الرجل من أن يؤكد أنه لا يصح إلا الصحيح، وأن على الإنسان أن يقف إلى جانب الحق، حتى ولو وقف فريداً وحيداً منعزلاً دون الجميع،.. ووقف العالم كله على الجانب الآخر!!...

ولعله من الواجب أن نلاحظ أن وفاء برزلاي امتحن أقسى امتحان، بمحنة داود، ولكن الوفاء الصحيح لا يغيره الملك فوق عرشه، أو ساقطاً تحت حمله وعاره وصليبه،.. وداود هنا رمز لذاك الذي ترك عرشه، وخرج خارج المحلة، فلنخرج إليه خارج المحلة حاملين عاره!!... هل رأيت الفتاة القديمة "مريم" تقف في وسط البستان، وهي تبكي، وتتحدث إلى من تظنه البستاني، وتقول في لغة الوفاء: أخذوا سيدي ولست أعلم أين وضعوه": "يا سيد إن كنت قد حملته فقل لي أين وضعته وأنا آخذه"؟.. وهي لا تتبع السيد في مجده وجلاله وعظمته، بل وهي تظن أنه لا يزيد عن جثة في قبر!!.. وهل رأيت ذلك الصف الطويل الذي لا أول له ولا آخر، وهو يقبل عار المسيح غني أعظم من خزائن!!؟ وهو يسير معه في وادي الاتضاع قبل أن يراه في مجده الأبدي العظيم؟! إنها صورة برزلاي تعود مرة أخرى لتكرم اسم المسيح وترفعه فوق كل اسم، مهما تعرض للهوان والتمرد والثورة، من أمثال أبشالوم في كل الأجيال والعصور.



برزلاي المعطي

وإذا كان الوفاء الصادق العميق هو الحقيقة الداخلية التي تملأ الرجل،.. فإن العطاء على وجه الخصوص كان المظهر العظيم للحقيقة الخفية، وها نحن نقف الآن لنتأمل سمات هذا العطاء السخي الكريم الذي جاء في أدق الأوقات في حياة داود، ولعله كان أولاً: العطاء التلقائي، فلم يأت هذا العطاء لأن داود سأل، أو لأن هناك ضغطاً وقع على برزلاي، أو إكراهاً بأية صورة من الصور،.. لقد جاء العطاء نابعاً من النفس الكريمة المضيافة،.. لقد وقف برزلاي الجلعادي مع شوبي بن ناحاش وماكير بن عميئيل أمام شعب: "جوعان ومتعب وعطشان في البرية".. وكانت حالة الشعب أبلغ من كل كلام!!.. إنه أشبه بذلك الرجل اليائس الذي وقف على قارعة الطريق ينتظر إحسان الناس دون أن يتكلم!!.. وإذ سأله أحدهم لماذا لا يرفع صوته، ويتحدث عن حاجته،.. وقال الرجل إنه ليس في حاجة إلى رفع صوته، إذ أن بؤسه المرسوم على وجهه يتكلم بمالا يستطيع أن يتكلم به أفصح لسان!!... إن بعض الناس قد يعطون عطاء الأسفنجة والتي لابد من عصرها حتى يخرج ما فيها من ماء،.. فإذا لم يعصر هؤلاء، فهم لا يعطون أو يقدمون على الإطلاق،.. وآخرون مثل البقر الحلوب التي سئل صاحبها عما إذا كانت تدر اللبن الكثير، وقال الرجل إنها تعطي اللبن الوفير على شرط أن أحصرها في ركن المكان، وأكون حريصاً من نطحها ورفصها،.. ومن الناس من قد يعطي، ولكن بعد أن ينطح أو يرفص.. لكن برزلاي الجلعادي لم يكن من هذا الضعف،.. إنه يدر اللبن، ويكثر العطاء، لأن شيئاً في أعماقه يدفعه إلى ذلك، لأن روحه الكريمة السخية تجزل العطاء، لأن عطاؤه نابع من قلبه،.. وهو ثانياً: العطاء العملي، إذ قدم برزلاي وأصدقاؤه لداود ومن معه: "فرشا وطسوسا وآنية خزف وحنطة وشعيراً ودقيقاً وفيركاً وفولاً وعدساً وحمصاً مشوياً وعسلاً وزبدة وضاناً وجبن بقر"... وألغب الظن أن من يسخو في العطاء، لا يتكلم كثيراً،... سقطت الآنية من الغلام الصغير وقد تحطمت وما بها من لبن، وهو يبكي لأنه يخشى عقاب سيده إذا ذهب إليه فارغاً من غير إناء، ومر الناس بالغلام الصغير، بعواطف متعددة مختلفة، فمنهم من لامه لأنه لم يحرص على الإناء، ومنهم من هز رأسه ومضى، ومنهم من رثى له بكلمات عابرة، لكن واحداً وقف وجمع له أكثر مما ضاع منه، وكان ولا شك أفضل الجميع،.. أليس هذا ما ردده الرسول يعقوب في قوله: "إن كان أخ وأخت عريانين ومعتازين للقوت اليومي فقال لهما أحدكم امضيا بسلام استدفئا واشبعا ولكن لم تعطوهما حاجات الجسد في المنفعة".. وثالثاً: كان عطاء برزلاي العطاء السخي، لقد وصف بالقول: "وهو عال الملك عند إقامته في محنايم"... أي أن العطاء لم يكن ليوم أو لأيام قليلة بل امتد إلى زمن غير قصير، ولم يتبرم الرجل أو يتراجع عن المساعدة والمعونة، بل بالحري أدرك رسالته، لقد أعطاه الله الكثير، وهو لا يمكن أن يعطي بالشح أو البخل،.. إنه ذلك النوع من الرجال الذي يؤمن بأنه ليس بئراً يخزن الماء حتى يصبح آسناً، بل أنه النهر المتدفق الذي لا يكف عن العطاء أو الإرواء،.. جاء في أساطير القدماء أن شيخاً من شيوخ القبائل حفر بئراً، وأصدر أمراً بأنه لا يجوز لأحد أن يشرب من البئر غيره وغير أسرته، وإذ به يجد أن البئر جفت ولم تعد تعطي الماء، فأتى بالعرفاء ليسألهم كيف يأتي الماء إلى البئر،.. فقالوا له: إن البئر لن تفيض حتى يشترك الناس مع الشيخ في الانتفاع بها، فأصدر أمراً بأن يشرب هو وبيته من البئر نهاراً، ويشرب الناس منها في الليل، وتعجب أن الماء جف في النهار، وغزر في الليل، فعكس الوضع إذ أصدر أمره بأن يشرب الناس في النهار وهو في الليل،.. وإذا بالماء يأتي في النهار، لينتهي في الليل،.. وتعلم من ذلك أن المشاركة الدائمة هي التي تعطي النبع فيضه الكريم.. كان مال برزلاي أصلاً مثل مال أيوب عندما قال: "إن كنت منعت المساكين عن مرادهم أو أفنيت عيني الأرملة أو أكلت لقمتي وحدي فما أكل منها اليتيم بل منذ صباي كبر عندي كأب ومن بطن أمي هديتها إن كنت رأيت هالكاً لعدم اللبس أو فقيراً بلا كسوة إن لم تباركني حقواه وقد استدفأ بجزه غنمي إن كنت قد هززت يدي على اليتيم لما رأيت عوني في الباب فلتسقط عضدي من كتفي ولتكسر ذراعي من قصبتها".. وقد تعلم برزلاي من صغره أن تكون يده كريمة فياضة مبسوطة لا يقبضها عن بائس أو مسكين، وعندما جاء الملك ومن معه، سخا برزلاي إلى آخر حدود السخاء والعطاء والكرم!!... في ساحة كنيسته كتبت هذه العبارة: ما أعطيه أملكه. وما أحتفظ به أفقده!!... وكان عطاء برزلاي رابعاً: من غير مقابل، فالرجل لم يعط كما يعطي بعض التجار إذ يقدمون عطاياهم أو هداياهم على أمل التعويض المتكاثر من الصفعة أو الصفعات التي تلحق ما يقدمون أو يعطون، إنه على العكس من ذلك يعطي عطاء الآباء أو المحبين،.. والأب الذي يكد ويجتهد ويأخذ أجره أو عائده، لا شيء عنده أبهج أو أسعد من أن يعود إلى البيت محملاً بالخيرات والعطايا لزوجته وأولاده، ولا شيء يعمق الفرح في قلبه أكثر من رؤيتهم سعداً مبتهجين، بما يأخذون أو ينتظرون،.. والمحب كم يسعده أن يتمتع الحبيب بما يقدم له يجزل من هدايا وعطاء!!...

وكان عطاء الرجل القديم آخر الأمر عطاء المسعد للآخرين!!... لقد جاءت عطيته في وقتها. والناس ملوكاً أو صعاليك يحتاجون بعضهم للبعض، والزمان دوار، والملك الآن في مركز الشريد الطريد الصعلوك، المحتاج إلى أقل مساندة أو مساعدة، وعندما هزمت الثورة، وعاد الملك إلى مجده.. تغير الوضع، وعرض على برزلاي أن يجزل له العطاء،.. على أن داود لم يسعد بالعطاء المادي، وهو في ذله وهوانه فحسب، بل سعد أكثر بالعطاء المعنوي الذي يرمز إليه العطاء المادي،.. لقد كانت نفس داود منحنية أشد الانحناء، وكان السؤال الذي ربما سأله لنفسه عشرات المرات!!.. هل تخلى الله عنه في الثورة؟!!.. وهل أقام ابنه ضده لكي يعاقبه دون رقة أو رحمة أو شفقة؟!! وجاءته عطايا برزلاي ومن معه، كالنسمة الحلوة الهادئة الرقيقة لنفسه المتعبة!!... لقد أدرك بأن الله لم يتخل عنه قط وقد أرسل له في هذه العطايا كأس الماء البارد الذي تحتاجه شفتاه الظامئتان الملتهبتان من الضيق والظمأ، وأدرك أن الله في الغضب يذكر الرحمة... ومن المؤكد أنه شكر الله، لا على ما قدم برزلاي من مادة، بل على ما أظهر من مودة وحنان ورقة ولطف وشركة،.. وكانت هذه جميعاً عنده أعظم وأكرم،.. وهل من شك في هذا؟ لقد استنشق المسيح طيباً أعبق وأسمى، ومريم أخت لعازر تسكب على رأسه قارورة الطيب التي ملأت رائحتها المكان،… لقد استنشق طيب الحب والحنان والولاء والتكريس، والذي لا يمكن أن يباع بذهب الدنيا كلها!!.. وغنى بولس على هذا الأساس وهو يلمس بيديه عطايا الفلبيين وهو يقول: “قد امتلأت إذ قبلت من ابفرودتس الأشياء التي من عندكم نسيم رائحة طيبة ذبيحة مقبولة مرضية عند الله”… ودع داود برزلاي بالقبلة والبركة وهما يفترقان على ضفاف الأردن، ولست أعلم مدى الانفعالات التي كانت تملأ نفسه في ذلك الوقت، لكني أعلم أنه انفعل ذات مرة وهو يمسك بين يديه جرعة الماء التي جاءته من بئر بيت لحم، البئر التي تعود أن يشرب منها وهو صبي صغير، ورأى في تلك اللحظة، أن الماء أقدس من أن تتناوله شفتاه، فسكبه سكيباً وهو يغادر محنايم، وقد وقف برزلاي ومن معه يودعونه، رأى فيها جيشاً من الملائكة –وكانوا هذه المرة من بشر- يختلف عن ذلك الجيش الذي رآه جده يعقوب مرسلاً من الله لمعونته، ولكنه في كلا الحالين كان بسمة الله للنفس المتضايقة المكنوبة المتعبة في الحياة!!…



برزلاي الشيخ العجوز

والآن نأتي إلى حديث الوداع بين الشيخ العجوز وداود، لنرى فيه صورة رائعة لهذا الشيخ، وهو يتحدث بمنطق الشيخوخة التي وصل إليها،.. ولعلنا نستطيع أن نرى هذا أولاً إذا ذكرنا: الشيخ والبقية الباقية من العمر إذ يقول لداود وقد طلب إليه أن يذهب معه إلى أورشليم: "كم أيام سني حياتي حتى أصعد مع الملك إلى أورشليم"... كان هذا الشيخ يمد بصره إلى الغروب البهيج الذي تدنو شمسه منه، بلمعان ذهبي،.. وهو يذكر الأيام القليلة الباقية قبل مجيء الغسق بنفس راضية،.. وهو ليس من ذلك الصنف من الشيوخ الذي كلما اقترب من النهاية، كلما حاول تجاهل هذه الحقيقة، وظل على بحثه في تزايد المركز أو الجاه أو الثروة، لقد أدرك برزلاي أنه "غريب ونزيل في الأرض" وهو ينبغي أن يتصرف به الغريب النزيل.

في قصة طريفة أن أحد الدراويش طرق قصر الملك، وإذ خرج الحراس طلب منهم أن يبيت في المكان، إذ هو فندق، فقالوا له: ليس هذا فندقاً، بل هو قصر الملك، ولكنه أصر على أن المكان فندق، وبينما هم يتجادلون ويتنازعون، جاء الملك ليؤكد للرجل أن هذا قصر وليس فندقاً، ويؤكد الرجل العكس، وأخيراً قال الدرويش للملك.. من الذي سكن هذا المكان قبلك؟!! فقال الملك: أبي.. فقال الدرويش: وأين أبوك؟!! وأجاب الملك: لقد رحل من العالم!! فقال الدرويش: ومن كان قبل أبيك.. فقال: جدي!!.. وأين هو الآن؟!! وكان الجواب: لقد رحل من قبل أبي!!.. وقال الدرويش: ألم أقل لك أنه فندق.. وليس قصراً؟!!.. في قصيدة: "لست أدري" للشاعر إيليا أبو ماضي، والتي فيها صور نفسه يناجي البحر قال:

كم ملوك ضربوا حولك في الليل القبـاب

طلع الصبح عليهم لم يجد إلا الضباب...

ألهـم يا بحـر يومــاً رجعـــة أم لا مـــــآب؟..

فــأجـــاب البحــــر: إنـــــي لســـــت أدري!!..

وفي عرف الشاعر أنه لا فرق بين القباب والضباب، وكان هذا ما يعنيه برزلاي الجلعادي، وهو يتحدث إلى داود عن الأيام القليلة الباقية له من العمر!!.. وكان برزلاي ثانياً: الشيخ الشبعان من الأيام، الذي لا يأسف على ما أخذت الأيام معها -كما يفعل الكثيرون من الشيوخ- لما ضاع من أجسادهم من قوى بدنية، أو عقلية، أو عدم قدرتهم على التذوق الحسي أو العاطفي، فهو وإن كان لا يستطيع التذوق إلى حد الاستطعام بما يأكل أو يشرب، أما سماع أصوات المغنين والمغنيات، فهو لا يأسف على هذا، أو يتشبث به، فلكل وقت وقته، وهو يستبدل بهذه أشياء أخرى أسمى وأعلى وأكمل، لأنه على حد قول الرسول: إن كان إنساننا الخارج يفنى فإن الداخل يتجدد يوماً فيوماً،.. وعند برزلاي من الرؤى الداخلية، والشركة الحية التي تربطه بالله، والمتع العميقة للمعنى الروحي الأعلى للحياة، ما يتفوق على أعظم الرؤى الأرضية، وأشهى الأطعمة، وأرق الموسيقى، وأرخم الأصوات بين المغنين والمغنيات،.. وأي جمال يمكن أن يداني جمال الشيخوخة التي لا تعيش متذمرة على ما فاتها من صحة أو قوة أو أرضيات، لتعيش الغروب في صحبة الله، حتى تأتي اللحظة الرائعة المجيدة، لحظة الانطلاق!!..

عندما كتب أفلاطون جمهوريته، ذكرنا بالشيخ العجوز ثأوفيلس، الذي أقام فلسفته على أن ما أضاعه من قوى الشباب لم يكن ضربة أصابته، بل بالحري كان تحريراً لنفسه لما هو أعلى وأسمى،.. فإذا صح أن الخيال الوثني يمكن أن يبلغ هذا المبلغ، فكم بالأحرى الشيخ العجوز الجليل الذي يعيش حياته مع الله، ولو طعنت به الأيام وامتد به العمر على الأرض!!.. وكان برزلاي ثالثاً: الشيخ الرافض الرقيق الاعتذار في رفضه،.. وهو يقدر ولا شك عرض داود، وهو يذكر المعاني الرقيقة العميقة الممتليء بها، إلا أنه يرفض برقة وولاء وأدب، ويعطي نموذجاً للأدب الرقيق الرافض، وهو يريد أن يذكر داود بجلال الرفض الذي ينبغي أن يتمسك به الشيخ، وهو يرفض المسرات والملذات والمباهج والمراكز والثروات المتزايدة وما أشبه، لا لأنها في حد ذاتها شر أو خطأ، ولكن لأن التربة القديمة لم تعد تصلح لزرع جديد،.. إن برزلاي سيبقى إلى جوار أرضه القديمة، يرعاها على قدر ما يتمكن من جهد أو تعب، دون أن يرهق نفسه بتوسعات انتهى أمرها، ولم تعد تصلح إلا أن تكون عبئاً عليه أو على الآخرين: "فلماذا يكون عبدك أيضاً ثقلاً على سيدي الملك".. ولقد كان الرجل موفقاً ودقيقاً إزاء إلحاح الملك إلى أن يبين أن ما يصلح مع كمهام ابنه الشاب لا يمكن أن يصلح معه وهو شيخ.. وما أعظمه من شيخ ذلك الذي يحسن التفرقة الذهنية والعلمية بين الشيوخ والشباب،.. ولعله أكبر خطأ يمكن أن يتردى فيه إنسان أن لا يجيد التفرقة بين الأجيال والأعمار المختلفة في حياة الناس، وما أكثر ما يفشل الشيوخ الذين لا يدركون هذه الحقيقة، ويستولى عليهم الحزن واليأس وانكسار القلب، لأنهم يطلبون لأنفسهم مطلب الشباب دون جدوى، أو لأن الشباب من أبنائهم وذويهم، على العكس، لا يعيشون كما يتخيلون هم أو يتصورون كشيوخ!!.. وهم أعجز من أن يعبروا البرزخ الذي يفصل بينهم وبين الشباب،.. وعلى أي حال إن برزلاي يعطي أبدع نموذج وأروع مثال للقدرة في التوفيق بين التحية الرقيقة والرفض المهذب،.. وهو يذكرنا بهذا بالأعظم الذي قيل عنه: "أعطوه خلا ممزوجاً بمرارة ليشرب، ولما ذاق لم يرد أن يشرب"... لقد كان الخل الممزوج بمرارة، نوعاً من المخدر تقدمه جميعة من بنات أورشليم لكل محكوم عليه بالموت، وقيل إن الأصل التاريخي لذلك ما ورد في سفر الأمثال: "أعطوا مسكراً لهالك وخمراً لمري النفس يشرب وينسى فقره ولا يذكر تعبه بعد" أو هو يشبه ما يقدم في العصور الحديثة للمحكوم عليه بالإعدام مما يطلبه قبل أن يموت،.. وقد رأى المسيح في هذا رقة يجمل أن يقدرها بالتذوق، للمعنى الإنسان الرقيق العميق، الذي يرغب في تخفيف آلام المحكوم عليهم بالإعدام،.. وفي الوقت عينه يرفض أن يتناول ما يخدر به آلام الصليب، التي لابد أن يحتملها بكاملها دون أدنى تخفيف أو تخدير!!.. وهو مثل يعملنا الأدب عندما نقصد أو نرفض ونقول كلمة: لا.. وعندما نقدر الدافع الذي يدفع من يقدم شيئاً لنا، يمكن أن يكون خاطئاً أو غير مقبول!!... وكان برزلاي رابعاً: الإنسان الذي يحسن الرجوع إلى الماضي بذكرياته الحلوة الجميلة: "دع عبدك يرجع فأموت في مدينتي عند قبر أبي وأمي".. لقد عاد الرجل بذكرياته إلى الأيام الهانئة الطويلة التي قضاها، وهو يعبر قصته الأرضية، عاد إلى أبيه وأمه اللذين فارقهما منذ زمن بعيد،.. وهو يذكر قبرهما الذي سيضمه بعد زمن لن يكون على الأغلب طويلاً،.. عاد الرجل إلى دفء الذكريات، وما أحلاها من ذكريات، ونحن نسير في ثقل الحياة، ومتاعبها وآلامها ومعاركها،.. قال واحد من عظماء الناس: من يعود بي مرة أخرى إلى أحضان أمي؟! ولعله كان يذكر أحلى الأيام الخالية من الهموم والقلق والمتاعب والأحمال، عندما كان صبياً صغيراً، تضمه أحضان أمه بكل ما فيها من حنان وحب وبساطة وهدوء، كأجمل مكان يستعذبه الإنسان في الأرض!!.. ولكن إن عز علينا أن نجد المكان، فإنه لا يعز علينا أن نعود بالذكريات الحلوة الجميلة المبهجة للأيام القديمة!!.. إن الشيخ يستطيع أن يغالب قسوة الحاضر، بالعودة بالخيال الحلو الجميل للماضي البهيج،.. وهذا الخيال لا يمكن أن يعوقه معوق، حتى ولو دخل المرء إلى الزنزانة القاسية،.. وقد استطاع بولس في سجنه أن يعود إلى دموع تيموثاوس يوم الوداع، وأن يذكر الصحاب الأوفياء، الذين أحبوه، ووجد فيهم من قدم عنقه من أجله،.. وكانت هذه الذكريات هي أحلى ما ذكره الرجل، وهو على قيد خطوات قصيرة من الرحلة القاسية الأرضية!!.. على أن برزلاي لم يتجه بفكره إلى الماضي البعيد القديم،.. لقد حول عينيه أيضاً إلى المستقبل الأكثر لمعاناً من كل قصور داود وأبهائه ومجده،.. إنه يتطلع إلى بيته الأبدي، إلى المدينة التي لها الأساسات، وهو لا يمكن أن يتحدث عن المستقبل كمجرد عظام ينضم فيها في قبر إلى عظام أبيه وأمه في أرض جلعاد... إن هناك شيئاً أغلى وأسمى عند الرجل القديم،.. إنه الطائر الذي يحلق، وقد اقترب المساء، فهو يسرع إلى عشه، حيث هناك الراحة، والأمن والهدوء والاستقرار، إن لبرزلاي قصراً أمجد من كل قصر أرضي في جلعاد أو في أورشليم الأرضية، ولعله يقول ما قاله آخر وهو شيخ كان يودع العالم: "إني أدنو من الخطى الأخيرة، في غربتي على الأرض، وها هي شمسي تسرع إلى المغيب، وتغطي الفضاء بمجد لامع،.. وها بيت أبي يشع بنوره أمام عيني، وبابه المفتوح يدعوني إلى الدخول إلى الوطن بنفسي راغبة، وكل كنوزي الغالية، وكل أشواقي العميقة قد شحنت قبلي، وها أنا على الجناح الطائر لألحقها هناك".. فإذا كان هناك من شيء أخير يهتم به برزلاي، فهو أن تمتد قصته بكل ما فيها من نبل وجمال وأمانة ومكافأة إلى ابنه كمهام!!... فإذا راق لداود أن يفعل شيئاً له، فهل يقبله ممتناً شاكراً إذ يفعله مع ابنه كمهام، وغريزة الشيخ تنفعل هنا، مع أجمل وأرق وأعمق العواطف البشرية، إنك تحسن إليَّ بما تقدمه لابني، وتسعدني بما يسعد به أولادي من بعد!!.. وتدفع نفسي لترضى حياً أو ميتاً بما يمكن أن تصنعه مع من يخلفوني على هذه الأرض!!... وهكذا يدرك الرجل أن الله لا يرجيء المكافأة كلها لما بعد الوفاة، بل إن الخير لابد أن يكافأ هنا في هذه الأرض... قبل أن نحصل على المكافأة الكاملة في السماء: "فأجاب بطرس حينئذ وقال لها ها نحن قد تركنا كل شيء وتبعناك فماذا يكون لنا فقال لهم يسوع الحق أقول لكم إنكم أنتم الذين تبعتموني في التجديد متى جلس ابن الإنسان على كرسي مجده تجلسون أنتم أيضاً على اثنى عشر كرسياً تدينون أسباط إسرائيل الاثنى عشر وكل من ترك بيوتاً أو إخوة أو أخوات أو أباً أو أماً أو امرأة أو حقولاً من أجل اسمي يأخذ مائة ضعف ويرث الحياة الأبدية"..!!

elraiek G
09-16-2010, 06:20 PM
( 33 )

آساف

"لأني غرت من المتكبرين إذ رأيت سلامة الأشرار"

(مز 73: 3)


مقدمة

ربما لا يجد المرء في كل ما خطه القلم البشري، وصفا أروع وأبلغ من وصف المؤمن عندما يسقط فريسة الشك، مما كتبه يوحنا بنيان في كتاب: "سياحة المسيحي"، إذ صور هناك السائح المسيحي ومن معه يسيرون، ليجدوا أنفسهم وهم لا يدرون في أرض غريبة، وإذ ينامون ليلتهم يستيقظون في الصباح ليجدوا أنفسهم في قبضة جبار عات اسمه "جبار اليأس".. وقد أمسك بهم ليطوحهم في عنف وقسوة، في جب مظلم رهيب اسمه "قلعة الشك" ولعل بنيان وهو يصور هذه الحقيقة، كان يكشف عن خبيئة نفسه، عندما أحاط به الشك العاصف، بعد أن دخل السجن في 12 نوفمبر عام 1660م بعد أن اقتحم رجال الشرطة الكنيسة الصغيرة التي كان يعظ فيها وكانت عظته في ذلك اليوم مما جاء في إنجيل يوحنا: "فسمع يسوع أنهم أخرجوه خارجاً فوجده وقال له أتؤمن بابن الله" يو 9: 35 .. وكان بينان يقول للحاضرين مخاطباً كل فرد فيهم. "أتؤمن بابن الله"؟ فأخذته الشرطة وقدمته للمحاكمة إذ كان شارل الثاني ملك انجلترا يحارب ويضطهد المؤمنين الأحرار الذين لا يريدون أن يخضعوا أنفسهم سوى لصوت الله والكتاب المقدس والضمير، وقد طلب القضاة من بنيان أن يمتنع عن الوعظ التبشيري مقابل أن يتمتع بالحرية والأمن، ولكنه رفض ليبقى في السجن اثنى عشر عاماً ذاق خلالها كل أنواع التجارب والآلام والأهوال، كانت زوجته وأولاده يزورونه في السجن، وكان أشد ما يؤلمه رؤية ولده الصغير الأعمى ولقد صاح مرة: “يا طفلي المسكين.. ما أكثر ما ترى في حياتك من مأساة، وإن كنت لا أستطيع أن أتحمل مر النسيم عليك”!. وخاض بنيان معركة الشك، وانتصر فيها الانتصار الحاسم، وكتب كتاب “سياحة المسيحي” و “الحرب المقدسة” من زنزانة السجن ودون أن تناله الهزيمة بأية صورة من الصور،.. وقبل بنيان بما يقرب من ستة وعشرين قرناً، دخل آساف ذات المعركة، وهو يرى مظاهر الصراع القاسي بين الخير والشر، وخرج إلى العالم بمزاميره المنتصرة. ولعل قصته يمكن أن تعطينا لذلك أغلى الدروس:



آساف وتجربته

ليس هناك من شك أن المزمور الثالث والسبعين قد كتبه آساف النبي المرنم في إسرائيل، وأن عشرة مزامير أخرى تحمل اسم آساف، وقد يختلف الشراح في نسبة بعضها إليه،.. ولكن الطابع العام المتقارب في هذه المزامير يكشف عنه المزمور الثالث والسبعون، وهو التجربة التي أحس بها آساف تجاه مشكلة الشر في الأرض، وقد أثرت ظاهرة الشر في أفكار الرجل، وعواطفه، وكانت على وشك أن تغير مساره وتاريخه بالتمام، كيف يمكن تفسير ظاهرة الشر مع وجود الله الكلي الحكمة، والقدرة، والمحبة؟ وكيف تبدو هذه الظاهرة فيما تترك من طابعها المدمر الرهيب الملحوظ بين الناس!!.. لقد بدت عند آساف أولاً: في ثروة الأشرار المتزايدة: "هوذا هؤلاء هم الأشرار ومستريحين إلى الدهر يكثرون ثروة".. وبدت عند أيوب من قبل يوم قال: "عندما أتذكر أرتاع وأخذت بشرى رعدة لماذا تحيا الأشرار ويشيخون نعم ويتجبرون قوة، نسلهم قائم أمامهم معهم وذريتهم في أعينهم بيوتهم آمنة من الخوف وليس عليهم عصا الله ثورهم يلقح ولا يخطيء، بقرهم تنتج ولا تسقط يسرحون مثل الغنم رضعهم وأطفالهم ترقص".. وبدت في لغة المسيح سيدنا في صورة مؤلمة قاسية مثيرة: "كان إنسان غني وكان يلبس الأرجوان والبز ويتنعم كل يوم مترفهاً وكان مسكين اسمه لعازر الذي طرح عند بابه مضروباً بالقروح ويشتهي أن يشبع من الفتات الساقط من مائدة الغني بل كانت الكلاب تأتي وتلحس قروحه".. ولست أعلم لماذا يضع الله الرجلين جنباً إلى جنب وفي مكان واحد، وعلى هذه الصورة الرهيبة من التباين والتباعد! وهل قصد المسيح أن يصور حال الدنيا على هذا الوضع الغريب الذي يتقابل فيه فقر المؤمنين مع غنى الأشرار، ولئن كان لعازر لم يتحدث إلينا عن الآلام النفسية العميقة التي كانت تملأ قلبه، وهو يقارن بين حاله وحال الغني الذي يتنعم كل يوم وهو على قيد خطى قليلة منه،.. غير أن آساف تحدث عن عمق ألمه وتجربته، وهو لا يرى مجرد الأغنياء فحسب، بل تزايد ثرواتهم على نحو رهيب، وكلنا مرات كثيرة "آساف" في الحياة المعاصرة، ويكفي أن تقرأ الصحف أو الكتب أو المجلات، لكي نرى مدى الصعود الغريب السريع لأشر الناس في الأرض، وهم يتحولون من أصحاب الآلاف إلى عشرات الألوف إلى مئات الألوف إلى أصحاب الملايين، والبلايين والمليارات،.. وهل نقرأ عن الأموال التي لا تعد ولا تحصى، ويحصل عليها الناس بأشر الأساليب، وأفحش الوسائل، وأقسى السبل، وليذهب الحق والخير والفضل والهدوء والراحة والسلام، إلى الجحيم ما داموا يصلون إلى معبودهم الذي رفعوه إلى مستوى الله، وعبدوه بكيفية يمكن أن يقال معها بكل يقين ما قاله السيد: "لا تقدروا أن تخدموا سيدين الله والمال"؟!. إن المال عند الأشرار وخلفه الحروب والمفاسد والشرور التي قلبت كل الأوضاع في الأرض، فأعطت من لا ينبغي أن يأخذ، وأخذت ممن ينبغي أن يساعد وبنت قلاعاً للشيطان ينبغي أن تهدم،.. وهدمت قلاعاً لله ينبغي أن تقوم وترتفع!!.. كل هذا يمكن أن يقترب بالمؤمن من خطوة الانزلاق ليقول. "أما أنا فكادت تزل قدماي لولا قليل لزلقت خطواتي" "هوذا هؤلاء هم.. الأشرار يكثرون ثروة".. وكانت التجربة الثانية أمام آساف: راحة الأشرار: ".. ومستريحين إلى الدهر".. وقد بدت هذه الراحة أمامه: "إذ رأيت سلامة الأشرار لأنه ليست في موتهم شدائد وجسمهم سمين ليسوا في تعب الناس ومع البشر لا يصابون".. فإذا ترجمنا هذا الكلام، فإننا نجد عاموس واحداً من أبرع المترجمين القدامى إذ يقول: "ويل للمستريحين في صهيون والمطمئنين في جبل السامرة.. أنتم الذين تبعدون يوم البلية وتقربون مقعد الظلم المضطجعون على أسرة من العاج، والممتدون على فراشهم، والآكلون خرافاً من الغنم، وعجولاً من وسط الصيرة الهاذرون مع صوت الرباب، المخترعون لأنفسهم آلات الغناء كداود، الشاربون من كؤوس الخمر، والذين يدهنون بأفضل الأدهان ولا يغتمون على انسحاق يوسف"... وإذا حولناه إلى لغة العصر الحديث، فإنه يعطي صورة للإنسان الذي اخترع المخترعات الحديثة، الإنسان الذي يطلق عليه "إنسان الأزرار، فهو يمد إصبعه ليضغط على الزر، وهو متمدد في مكانه، أو جالس على نغم الموسيقى، في أمكنة التكييف، وقد طوع لنفسه كل شيء في السفر، والسكن، والملبس والمشرب، ولا يكلفه هذا كله، سوى أن يضغط بطرف إصبعه على الزر، والدنيا كلها عند قدميه، وهو يرى نفسه في راحة ما بعدها راحة وفي عز ما بعدها عز،.. هذا في وقت قد يشقى فيه المؤمن، وهو يجد لقمته بصعوبة بالغة في أرض العرق والدموع!!.. وهو قد يعاني من هذا أو ذلك، فيجف نهره في أرض المجاعة، وهو يتنقل في حاجته بين عطايا الغربان أو مساندة أرملة فقيرة تقش عيدانها، باحثة عن لقمة عيش ستأكلها هي وابنها الصغير، ثم يموتان جوعاً بعد ذلك،.. كلنا آساف في بعض المواطن ونحن نرى هذا الوضع المقلوب في الأرض!!.. ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل إن آساف رأى شيئاً، إذ رأى الكبرياء المذهلة التي تتملك الأشرار: "تقلدوا الكبرياء.. جعلوا أفواههم في السماء وألسنتهم تتمشى في الأرض".. أي أنهم لبسوا الكبرياء كالقلادة في العنق، إذ يبدو عنقهم ملتوياً، وأفواههم شامخة إذ يتكلمون بكبرياء المرتفعين في لغة نبوخذنصر القائل: "أليست هذه بابل العظيمة التي بنيتها لبيت الملك بقوة اقتداري ولجلال مجدي؟"، دون أن يعلموا أن العلي متسلط في مملكة الناس،.. أو في لغة آدوم الذي قيل عنه: "تكبر قلبك قد خدعك أيها الساكن في محاجي الصخر رفعة مقعده القائل في قلبه من يحدرني إلى الأرض".. والكبرياء دائماً ساخرة مستهزئة، تتعالى على الله والناس، وهي أشبه بقبضة الغلام الصغير الذي رفع عينيه نحو السماء، ولوح بقبضته مهدداً القدير،.. ومن المتصور أن يحتمل كل هذا كما يحتمل عبث الأطفال. ولكن المشكلة عند آساف أن هذا قد انصرف إلى الظلم البين الرهيب الذي وقع المؤمنون ضحيته، إذ: "لبسوا كثوب ظلمهم،.. ويتكلمون بالشر ظلماً من العلاء يتكلمون".. أو في لغة حبقوق: "حتى متى يا رب ادعو وأنت لا تسمع أصرخ إليك من الظلم وأنت لا تخلص لم تريني اثما وتبصر جورا وقدامى اغتصاب وظلم ويحدث خصام وترفع المخاصمة نفسها لذلك جمدت الشريعة ولا يخرج الحكم بتة لأن الشرير يحيط بالصديق فلذلك يخرج الحكم معوجاً":.. ألم يدفع هذا سليمان إلى القول: "ثم رجعت ورأيت كل المظالم التي تجري تحت الشمس فهوذا دموع المظلومين ولا معز لهم ومن يد ظالميهم قهر أماهم فلا معز لهم فغبطت أنا الأموات الذين قد ماتوا منذ زمان أكثر من الأحياء الذين هم عائشون بعد. وخير من كليهما الذي لم يولد الذي لم ير العمل الرديء الذي عمل تحت الشمس".. وقد فاضت الكأس آخر الأمر عند آساف بأن الأشرار في كل هذا قد طرحوا الله وراء ظهورهم، فهم لا يكادون يرونه أو يبالون به: "وقالوا كيف يعمل الله وهل عند العلي معرفة".. إنهم يعيشون ويفعلون دون أن يقيموا للقدير حساباً، أو يروا فيه رقيب الناس المطلع على الظاهر والخفي في الحياة!!..



آساف المصاب

هذه المظاهر الشريرة انتهت بآساف إلى الحالة الشقية التعسة التي وصل إليها في القول: "وكنت مصاباً اليوم كله وتأدبت كل صباح".. لقد أدرك آساف بأن هذه المظاهر الشريرة لابد أن تصيب أحداً، إذ هي غير طبيعية، وغير متفقة مع ناموس العدالة الإلهية، فإذا كان الأشرار: "ومع البشر لا يصابون".. فإن الإصابة بدورها تتحول إلى المؤمنين، وهي إصابة دائمة و متكررة، إذ أنها اليوم كله وتتجدد كل صباح، أو في لغة أخرى: إنها كالمرض المزمن العميق الذي تظهر له مضاعفات متعددة على الدوام،.. مرض المؤمن برؤية الشرير في الأرض،.. عاد هنري دراموند ذات يوم إلى بيته، ووجهه ناطق بالأسى والألم العميق، وإذا سأله أحدهم: هل أنت مريض؟.. أجاب: نعم أنا مريض بالناس وبشرهم وخبثهم وحقدهم وقساوة قلوبهم ووحشيتهم التي لا تنتهي!!.. فما هو نوع المصاب الذي وصل إليه آساف؟ لقد أصيب أولاً بالحسد: "غرت من المتكبرين إذ رأيت سلامة الأشرار"... ولقد صور واحد من المؤمنين هذه الغيرة في القول: إنه كان شريكاً مع آخر في شركة تجمعهما معاً،... وذات مرة دعاه شريكه إلى عمل آخر، غير أنه رفض إذ أن هذا العمل لا يمكن أن يتم إنجازه مع الاحتفاظ بالمباديء الصحيحة السليمة، وبعد فترة وكان الآخر قد ذهب إلى العمل، وأصاب نجاحاً مادياً كبيراً- فرق بينه وبين شريكه من الوجهة المادية إلى حد بعيد،.. أرسل المؤمن إلى أحد الرعاة يقول له: ها أنا قد تمسكت بالمباديء المسيحية العلمية!!.. ولكن ماذا كانت النتيجة!!؟.. أليست هذه صرخة الكثيرين من أبناء الله، الذين يصابون بالألم العميق، عندما يؤخذ حقهم ليعطي لمن لا يستحق؟، والذين كلما تمسكوا بالحق والشرف والأمانة والصدق، كلما واجهوا السجن والآلام، والتشريد، والمتاعب، وما أشبه؟!

كتب أحدهم مقالاً عن ابراهام لنكولن تحت عنوان "الفاشل العظيم" وهو يروي قصة المتاعب التي لاقاها الرجل حتى مصرعه الأخير، نتيجة تمسكه بالمبدأ، ورغبته في عدم التخلي عنه مهما كان الثمن... عندما سقطت الظلمة على عيني ملتون قال له الأطباء: ينبغي أن تكف عن العمل إذا رمت أن تبقى على بصرك، أما هو فأجاب: كلا أن أكون أعمى وأتمم عمل الله وإرادته، خير عندي من أن أبصر بعيداً عن هذا العمل والإرادة،.. قد يفقد الشاب شيئاً ما، كان يمكن أن يحصل عليه، لو سلك السبيل العالمي، وقد يأتيه الشيطان ليهمس في أذنه، والآن ماذا أخذت؟!! وقد يصل إلى النقطة التي وصل إليها آساف: "غرت من المتكبرين إذ رأيت سلامة الأشرار"...

وثمة أمر آخر ضاعف الألم والصعوبة عند الرجل القديم، هو أنه المصاب الذي لم يحصد نتيجة سريعة يمكن أن تعطيه تعويضاً عما ضاع منه أو فاته إلى الدرجة التي اهتزت معها الأسس الدينية عنده: "حقاً قد زكيت قلبي باطلاً وغسلت بالنقاوة يدي"... وإنها مصيبة، وأية مصيبة أن يتقوض في أعماق الإنسان الإحساس الداخلي بقيمة الدين أو فائدته!!... إن مثوبة الحق الأولى والأهم، ليس في أنه يمكن أن يعطي مغنماً مادياً أو أدبياً، بل لأنه أولاً وقبل كل شيء هو الحق، ونقاوة القلب في حد ذاتها هي أهم مكافأة للإنسان حتى ولو عذب أو مات شهيداً،.. لكن المؤمن مع ذلك يعيش منتظراً نتيجة محسوسة لحياته الدينية في مواجهة المتطلبات والمشاكل التي تربطه بالعالم!!.. فإذا أضيف إلى ذلك أن المصاب كان قاسياً وشديداً، لأنه كان مكبوتاً: "لو قلت أحدث هكذا لغدرت بجيل بنيك".. وقد يهون المصاب إذا وجد المتألم أذنا تسمعه أو تعطف عليه،.. لكن آساف تحول إلى مرجل مكبوت شديد الغليان، ولعل مشاعره كانت ذات المشاعر التي أصابت إرميا عندما تحدث إلى الله قائلاً: "قد أقنعتني يا رب فاقتنعت وألححت علي فغلبت. صرت للضحك كل النهار كل واحد استهزأ بي لأني كلما تكلمت صرخت ناديت ظلم واغتصاب لأن كلمة الرب صارت للعار وللسخرية كل النهار فقلت لا أذكره ولا أنطق بعد باسمه فكان في قلبي كنار محرقة محصورة في عظامي فمللت من الإمساك ولم أستطع".

لم ينجح إرميا في الاحتفاظ بالصمت، والامتناع عن ذكر اسم الله، إذ ملأت النيران قلبه، وحاصرت عظامه، حتى تكلم ونطق،.. وكانت المشكلة بالنسبة لآساف تختلف إلى حد ما، فهو لا يريد أن يتكلم، وعلى وجه الخصوص أمام الشباب، لأنه لو تحدث إليهم عن الشكوك التي تملأ نفسه وصدره، لأجهز على إيمانهم الغض الحديث بالله،.. وقد انتهى الموقف بالنسبة للمصاب أنه أضحى واقفاً على حد الضياع والكارثة، وقد أضحت الطريق أمامه رخوة زلقة، كادت تزل معها قدماه، ولولا قليل لزلقت خطواته،.. لقد أضحى آساف أشبه بالمريض الذي يقف على الخط الفاصل بين الحياة والموت!!.. كان مرضه عميقاً، وكان مرضه خطيراً!!..



آساف والعلاج

كيف أمكن أن يجد آساف علاجاً لهذا الضياع الذي أوشك أن يلم به؟؟ لقد وجد العلاج في تأدية الواجب رغم الشكوك العميقة التي كانت تملأ صدره، لقد كان آساف نبياً، ورائياً، وموسيقياً،.. وربما استمر سنوات متعددة يحيط الضباب برؤياه، وتحيط الأحزان بصنوجه وموسيقاه،.. لكنه لم يكف عن الخدمة، أو يتقاعس عن الرسالة أو يطوح بآلاته الموسيقية حتى يعود مرة أخرى إيمانه بالله،.. كانت المعركة الداخلية بينه وبين نفسه أمام الله،.. وكان أشبه بالواعظ الإنجليزي العظيم فردرك روبرتسن، الذي كانوا -لفرط بلاغته وإبداعه- يطلقون عليه "واعظ الوعاظ"، إذ كانت عظاته نموذجاً رائعاً يمكن أن يتعلم منه الوعاظ كيف يتكلمون ويعظون!!.. هذا الرجل خاض في حياته معركة من أقسى معارك الشك، حتى انتصر دون أن يتراجع أو يتقهقر عن الرسالة والخدمة،.. إن أعظم علاج للشك، هو الاستغراق في الخدمة، وبذل الجهد المتواصل فيها، إذ أن التجربة تفرخ دائماً في أحضان الفراغ والبطالة، والجندي الذي يشغل نفسه بالصراع في المعركة، ليس عنده من الوقت أو المجال ما يجعله ينساق هنا أو هناك وراء أحابيل الخطية أو شراكها المخادعة!!.. على أن آساف -مع ذلك- وجد المكان العظيم للانتصار على الوساوس والشكوك "مقادس العلي" حيث دخل هناك إلى الشركة العميقة مع الله،.. لقد عزل نفسه عن العالم، إذ أنه لا يستطيع أن يرى الرؤية الصحيحة، وزيف العالم أمام عينيه، ولا يستطيع أن يسمع صوت الله، وضجيج العالم يملأ أذنيه،.. ومن ثم فهو في حاجة إلى المكان الهاديء العميق في بيت الله، إلى الخلوة الصحيحة مع سيده وإلهه دون مقلق أو مزعج،.. ولعله السيد المسيح كان يقصد هذا المعنى عندما قال: "ادخل إلى مخدعك واغلق بابك"... فليس يكفي أن ندخل المخدع، بل نغلق الباب على كل ما يصل بيننا وبين العالم الخارجي بغروره وشروره وأوهامه وخياله، وهناك نتحدث إلى الله، وهناك نسمع صوته،.. هل نستطيع في الكنيسة والمخدع والعزلة مع الله، أن نواجه كافة المتاعب والمخاوف، والشكوك والصراع، ونجد الحل الذي نفتقر إليه ولا نجده في أي مكان آخر؟.. وقد وجد المصاب علاجه في صفاء الرؤية: “حتى دخلت مقادس العلي وانتبهت”.. لقد سقطت القشور عن عينيه، وانتبه، وماذا رأى؟.. لم يعد يرى المظاهر المخادعة، بل أضحى يبصر الرؤيا الحقيقية، ولم يعد الأشرار أمامه بالصورة القديمة، رآهم في سقوطهم الكامل العظيم،.. رأى مزالق الضياع، رأى البوار بل رأى الخراب المباغت، رأى الاضمحلال، رأى الدواهي المضنية، رآهم كالحلم العابر الذي ذهب كالخيال عند التيقظ،.. ولقد ملأت هذه الرؤية قلبه ونفسه، حتى أدرك أنه كان بليداً ولا يعرف وكان أشبه بالبهيم فيما تصور،.. لقد عرف كل ذلك عندما أدرك فكر الله ورأيه وهدايته في قلب المخاوف والوساوس،.. في الكلمة "انتبهت" الفرق الحاسم بين البصر والبصيرة، وبين ظاهر المنظر وعمق الحقيقة، ولعل هذا هو الذي دعا المرنم أن يقول: "اكشف عن عيني فأرى عجائب من شريعتك".. إذ لا يمكن أن يعثر الإنسان على الحقيقة من تلقاء نفسه دون مساعدة أو مساندة الله، في مقادس العلي!!.. عش حياة التأمل والصلاة، وادخل إلى عمق الشركة، وهناك تعثر على الحقيقة التي لا شك فيها!!...



آساف والأغنية

انجابت الزوبعة عن قلب الرجل، وصفا الجو من الغيوم الكثيفة التي حجبت الشمس، ورفع الرجل صوته مغنياً للرب الصالح، واستهل مزموره بالقول: "إنما صالح الله"، أو يمكن أن تكون العبارة: "بالتأكيد صالح الله".. أو أنه ليس هناك شك أو ريب في الله الصالح، أليس هذا عين ما قاله إرميا في مراثيه: "طيب هو الرب للذين يترجونه للنفس التي تطلبه" وقاله حبقوق بعد العاصفة النفسية التي اجتاحته: "فمع أنه لا يزهر التين ولا يكون حمل في الكروم يكذب عمل الزيتونة والحقول لا تصنع طعاماً ينقطع الغنم من الحظيرة ولا بقر في المذاود فإني أبتهج بالرب وأفرح بإله خلاصي الرب السيد قوتي ويجعل قدمي كالأيائل ويمشيني على مرتفعاتي".. من عهد غير بعيد حدث زلزال مروع في الجزء الغربي من الولايات المتحدة، وقد دمر هذا الزلزال كثيراً من المباني والممتلكات، غير أنه عوض أصحابها تعويضاً لم يكن في الحسبان إذ كشف في قلب الأرض التي مزقها عن مناجم غنية بالذهب،.. وكم تأتي التجارب القاسية بغنى الاختبارات، التي تؤكد أن الرب طيب وصالح وإلى الأبد رحمته!!... لقد تحدثنا في مطلع الأمر عن يوحنا بنيان، وما من شك أن دخوله إلى السجن كان بمثابة الكارثة المروعة له،.. لقد أراد أن يبشر جيله، في الكنيسة الصغيرة التي كان يعظ فيها، وشاء له الله أن يمنع من ذلك، ليتكلم إلى عالم أوسع وأعظم، وأكثر امتداداً فيما كتب عن الرحلة الخالدة، من مدينة الهلاك إلى جبل صهيون وقاد أجيالاً وراء أجيال في سياحته العظيمة إلى المدينة الخالدة التي صانعها وبارئها الله!!... كان الرب صالحاً وهو يخرج من الآكل أكلاً ومن الجافي حلاوة!!...

كشف آساف في الدراما الخالدة التي كتبها لا عن الفصل الأول فقط في حياة الأشرار بل عن الفصل الأخير أيضاً، وقد تأكد الرجل أن الشر قد يكسب معركة، ولكنه لابد أن يخسر الحرب، وقد كان دقيقاً في التصوير إذ ربط بين يد الله الخفية، وبين المظهر الفجائي، ففي الوقت الذي نرى فيه يد الله في القول: "حقاً في مزالق جعلتهم أسقطتهم إلى البوار".. نجد الحوادث الظاهرة، أو أسباب الثانوية المباشرة: "كيف صاروا للخراب بغتة اضمحلوا فنوا من الدواهي".. وقد يتعجب الناس للسقوط المفاجيء، الذي قد يأتي في أوج المجد والقوة، حسب المظهر الخارجي،.. ولكن الشر أشبه بالنمل الأبيض، الذي يدخل في جسم الخشب ليأكل لبه، وعندما يستعمل الخشب في بناء المنازل أو الكباري، لا تلبث أن تنهار، وبهذا المعنى ينخر الشر والفساد والخطية في حياة أي فرد أو أمة، وتقوضها فجأة أبشع تقويض!!.. وقد رأى آساف كل هذا، وأمكنه أن يرى الله خلف كل هذه النهاية الرهيبة الداوية في حياة الأشرار،... وإذا قرأنا المزامير الأخرى خلاف المزمور الثالث والسبعين -والتي يعتقد أن آساف كاتبها- نجد الله لا يبدو في صورة الساكن الذي لا يتحرك أمام آثام الأشرار أو خطاياهم، بل نراه شديد القوة والبطش: "الله معروف في يهوذا اسمه عظيم في إسرائيل كانت في ساليم مظلته ومسكنه في صهيون هناك سحق القسى البارقة المجن والسيف والقتال".. "اللهم في القدس طريقك أي إله عظيم مثل الله أنت الإله الصانع العجائب عرفت بين الشعوب قوتك فككت بذراعك شعبك بني يعقوب ويوسف أبصرتك المياه يا الله أبصرتك المياه ففزعت ارتعدت أيضاً اللجج سكبت الغيوم مياها أيضاً سهامك طارت صوت رعدك في الزوبعة أضاءت المسكونة ارتعدت ورجفت الأرض في البحر طريقك وسبلك في المياه الكثيرة وآثارك لم تعرف هديت شعبك كالغنم بيد موسى وهرون"..

وغنى آساف آخر الأمر بالمكان الذي اختاره في هذه الدراما العظيمة، إذ أخذ مكانه إلى جانب الله: "ولكني دائماً معك أمسكت بيدي اليمنى برأيك تهديني وبعد إلى مجدك تأخذني" لم يعد يرى في السماء أو الأرض إلا شخص الله: "ونصيبي الله إلى الدهر" "أما أنا فالاقتراب إلى الله حسن لي، جعلت بالسيد الرب ملجأي لأخبر بكل صنائعك".. أين هذا من المكان الآخر مكان الأشرار، ممن ابتعدوا عن الله، وكانوا بهذا كمن يرتكب الفسق والزنا "لأنه هوذا البعداء عنك يبيدون تهلك كل من يزني عنك".. "لأن خارجاً الكلاب والسحرة و الزناة والقتلة وعبدة الأوثان وكل من يحب ويصنع كذباً"... هل تعرف أيها القاريء الصديق: أين مكانك في مسرحية الحياة؟؟. كان هناك مبشر في نيويورك تعود أن يطرق نوافذ البارات، وعندما يطل السكارى والمعربدون يسمعونه يقول لهم: "لأن أجرة الخطية هي موت"... وهي الكلمة التي يستطيع آساف أن يقولها لكل البعداء عن الله،.. وفي الوقت عينه يستطيع أن ينادي المؤمنين، ولو في قلب المتاعب والآلام والتجارب... "وأما هبة الله فهي حياة أبدية بالمسيح يسوع ربنا!!"...

elraiek G
09-16-2010, 06:43 PM
( 34 )

يربعـــــــام

"يربعام الذي أخطأ وجعل إسرائيل يخطيء"

(1مل 14: 16)


مقدمة

في أثناء الحرب العالمية الأخيرة حدث عطب بليغ في طائرة كان يقودها طيار أمريكي كلف بالهجوم على أحد المواقع في ألمانيا، وإذ كان مهدداً بالخطر في كل لحظة، ظل يصلي بحرارة ليحفظه الله حتى يصل إلى قاعدته في انجلترا،... وعندما شعر بالأمن والنجاة، نسى في اللحظة التي رست فيها طائرته بالمطار الصلاة والصلة بالله، وصاح: الآن قد انتهت مأموريتك يا الله،.. وعاد إلى ما كان عليه من حياة عابثة مستهترة. إنه يذكرنا بيربعام القديم الذي أرسل إليه الله أخيا النبي يحدثه حديث البشارة والوعد بالمساندة الإلهية: "وآخذك فتملك حسب كل ما تشتهي نفسك وتكون ملكاً على إسرائيل فإذا سمعت لكل ما أوصيك به وسلكت في طرقي وفعلت ما هو مستقيم في عيني وحفظت فرائضي ووصاياي كما فعل داود عبدي أكون معك وأبني لك بيتاً آمناً كما بنيت لداود وأعطيك إسرائيل".. وكان من الممكن أن يسير الرجل في طريق الله محمولاً على هذا الوعد الجليل العظيم -لكنه للأسف العميق- انفصل يربعام عن مصدر قوته، ونبع حياته ونعمته، واستندإلى الذكاء البشري الخائب، الذي لم يضيعه فحسب، بل ضيع الأمة كلها معه، وأضحت العبارة الرهيبة التي لصقت به وتكررت في سفر الملوك عنه ثلاث وعشرين مرة: "أخطأ وجعل إسرائيل يخطيء".. لقد جاء به الرب ليصلح خطأ إسرائيل، فكان هو الرجل الذي جعل إسرائيل يخطيء، لقد أرسله الله لينقذ إسرائيل من هاوية الوثنية والضلال، فإذا به يقود الإسرائيليين إلى صور تعسة من الوثنية البشعة- التي باعدت بهم تماماً عن الله،.. ومن المؤلم حقاً أن الرجل الذي تنبأ بمساعدة الله له، هو بعينه الذي تحدث عن خرابه ودماره الرهيب: "لذلك هأنذا جالب شراً على بيت يربعام وأقطع ليربعام كل بائل بحائط محجوزاً أو مطلقاً في إسرائيل وأنزع آخر بيت يربعام كما ينزع البصر حتى يفنى من مات ليربعام في المدينة تأكله الكلاب ومن مات في الحقل تأكله طيور السماء لأن الرب تكلم... إنها القصة الرهيبة لأول ملك من ملوك ويمكن أن تكون قصة كل إنسان يبدأ مع الله ثم يرتد عنه، ولعلها تعطينا بذلك أهم الدروس وأرهبها فيما يلي:



يربعام العصامي

كان يربعام عصامياً بكل ما في الكلمة من معنى، إذ أنه لم ينشأ في بيت الملوك، بل كان واحداً من أبناء الشعب، يبدو أن أباه نباط قد مات وهو صغير، واسم أمه صروعة، أرملة من صرده، وهو من سبط إفرايم، وخير ما يصفه الكتاب به أنه جبار بأس، ويبدو أنه كان موهوباً، كثير الوزنات، بارز الشخصية، عبداً للملك سليمان، وكان سليمان يبني القلعة ويرمم أسوار أورشليم، ولفت نظره ذلك الشاب الممتليء بالقوة والحركة والإرادة والخدمة، فأطلق يده، وجعله على رأس سبط يوسف،.. ولا شبهة في أن الشاب، كان من ذلك الصنف من الشباب الذي له ملكة القيادة والتأثير، في أي وسط يمكن أن يعيش فيه، وجذب قلب سليمان في باديء الأمر،.. وأكثر من ذلك جذب قلب الشعب بأكمله، إذ رأوا فيه الزعيم الفرد الذي يمكن أن يخلصهم من طغيان الملك سليمان، ولم يكن هناك في إسرائيل كلها من يدانيه أو يباريه في هذا المجال، ومن ثم دعوه سراً للرجوع من مصر التي هرب إليها، ليقودهم إلى الأمن والهدوء والحرية، التي ضيعها سليمان بالسخرة القاسية التي عذبهم فيها،.. وقد جذب في مصر قلب الملك شيشق إليه، وتقول التقاليد أنه تزوج أميرة مصرية اسمها "أنو".. فإذا كانت هذه الأميرة هي أم ابنه أبيا، فإن الظاهر أن بداءات الرجل الدينية كانت عظيمة، وإذا كان الولد قد ولد في مصر، فإنه أطلق عليه الاسم الذي يعني: "أبي يهوه".. ما يدل على تمسك الرجل بإلهه وعقيدته ودينه، دون أن تؤثر مصر فيه أدنى تأثير، بل أنه على استعداد أن يترك مصر وما يتمتع فيها بجلال ومجد وحرية، ليذهب إلى إخوته المعذبين، ليشاركهم التعب والألم والضيق ليقودهم إلى الحرية والراحة، وتحقيق الوعد الإلهي له بالملك بعد وفاة سليمان!!..



يربعام المحذر

لم يرسل الله يربعام دون تحذير، لقد وعده الله بصورة لامعة، أن يكون له بيت كبيت داود بيت عظيم آمن، وأن يكون الله معه كما كان مع داود.. والسؤال: ترى ما هي الصورة التي كانت في قلب الله لو أنه أتم تنفيذ وصية الله؟؟ لسنا نعلم وليس من السهل أن نتخيل، لكننا مع ذلك يمكن أن نتخيل ما تخيله الواعظ المشهور هوارس بوشنل في عظته العظيمة: "حياة كل إنسان مشروع من الله": إذ تخيل أن لكل إنسان مشروعاً كاملاً وصحيحاً معداً له في قلب الله، تخطيطاً إلهياً، لو أن الحياة سارت على مثاله، لأضحت بجملتها كاملة وجميلة، تبدو اختياراً رائعاً، يتكشف عنها، قصد الله، كما تكشف يده العظيمة عن جمال الزهور والأشجار في الطبيعة الفاتنة، أو الدراما المتقنة في الفن الجميل، أو الدراسة العظيمة التي تفصح عن جمال الله العجيب، وحبه، وأمانته، العظيمة في التصوير، والعظيمة في الإبداع، والعظيمة في الأعداد والتنفيذ.. والله على استعداد أن يتمم هذه الخطة الكاملة، وقد أتمها كاملة في يسوع المسيح، لو أننا مثل المسيح في الخضوع والطاعة والتسليم الكامل له،.. و "هوراس بوشنل" يعتقد أن المسيح وحده هو الذي أتم مشيئة الله بصفة مطلقة كاملة، ولكن الناس تختلف إلى أبعد الحدود في الاقتراب أو الابتعاد من الصورة الإلهية، على قدر ما تملك من خضوع أو تسليم أو تمرد على التخطيط الإلهى!!.. على أي حال لقد وضع الله صورة لامعة أمام يربعام بن نباط، وقرنها بالتحذير مرة ومرات، وكان حرياً بيربعام أن يدرك هذه التحذيرات الجدية، والتحذير الأول جاءه بدون شك، من قسمة المملكة إلى قسمين، للخطية التي ارتكبها الشعب: "لأنهم تركوني وسجدوا لعشتروت آلهة الصيدونيين ولكموش إله الموآبين ولملكوم إله بني عمون ولم يسلكوا في طرقي ليعملوا المستقيم في عيني وفرائضي وأحكامي"... وكان على يربعام أن يدرك أن القسمة في حد ذاتها مكروهة من الله، الذي يوحد ولا يقسم، ويجمع ولا يفرق، ويربط ولا يشتت، ولكن الله مرات متعددة يعمد إلى التشتيت والتفرقة كلما فعلت الخطية فعلها، وأثمرت ثمارها، فإذا كانت كبرياء الإنسان في بابل تدفعه إلى بناء برج مرتفع شامخ نحو السماء يشهد مجده وعظمته، إلى الدرجة التي يقول فيها فيلو اليهودي السكندري: إن كل واحد من بناة البرج سجل على طوبه الأجر، حتى يخلد الاسم، ويرتبط الجميع في التحدي لله، وهم متجمعون، قبل انتشارهم في الأرض أو تبعثرهم فيها، وبلبل الله لذلك ألسنتهم حتى لا يبقوا على وحدة في الكبرياء والعصيان والشر،.. فإذا كان شعب الله قد ضل أيام سليمان، وانحرف وراء الآلهة الكاذبة، وإذا لم تكن القسمة الصورة الأعلى والأسمى والأجمل أمام الله، فلعلها يمكن أن تكون الحاجز أو المانع أمام الكارثة الكلية التي تصيب الشعب، لقد وضع الله -أصلاً- إسرائيل في الأرض لتكون نوراً للعالم وملحاً للأرض، وكان على إسرائيل أن تحقق هذه الرسالة بالاتحاد والعزلة والنقاوة، ولكن سليمان حطم وحدة الشعب بالتسخير القاسي، والعبودية المذلة، حتى أصبح الشعب لا يؤمن بوحدة في ظلال الاستعباد والعنف، واستقر في قلبه الغضب والحقد والكراهية، كما أن عزلة إسرائيل كانت أمراً ينبغي أن يحرص عليه هذا الشعب، لكن سليمان أفسد هذه العزلة إذ اختلط بالشعوب الأخرى عن طريق المعاهدات والالتصاق بالموآبيات والعمونيات ومن اليهن، وكان لابد أن تنتهي نقاوة الشعب وقداسته تباعاً لذلك، إذ تغلغلت العبادة الوثنية فيه، ووقفت الأصنام منتصبة تجاه هيكل الله،.. فرأى الله أن يقسم الشعب، لأن الانقسام خير من وحدة تظاهرية، لا تربطها الحقيقة بسبب، كما أن الانقسام قسم لمعاهدات لسليمان، أو بالتالي قتل لها، وبالانقسام أيضاً يضحي هناك نوران لله،.. فإذا ما أخفت أحدهما يكون الآخر مضيئاً، كما أن إسرائيل سيكون بعد ذلك سوراً ليهوذا، وعازلاً بينه وبين الغزوات التي قد يتعرض لها من تسرب الأمم الوثنية، حتى لا يزول قضيب من يهوذا، ومشترع من بين رجليه حتى يأتي شيلون، وله يكون خضوع شعوب!!.. فإذا كان هذا هو القصد العميق البعيد لله، فإن يربعام قد تأكد بأن الانقسام قد جاء نتيجة خطية الشعب، وبعده عن الله، وأن الانقسام ليس عملاً بشرياً في حد ذاته، كثورة يقوم بها يربعام ضد التسخير القاسي والاستعباد الرهيب، بل إن جذوره الحقيقية ترجع إلى غضب الله لشعب قد أخطأ ضده وعبد آلهة غريبة!!.. والتحذير الثاني جاء في الشرط الذي وضعه الله أمام يربعام أن نجاحه مرهون بأربعة أفعال: "فإذا سمعت.. وسلكت... وفعلت... وحفظت..." ولو أنه وضع وصية الله هذه كقلادة في عنقه وأخذها وشاحاً ينظر إليه على الدوام لتغير تاريخه بأكمله!!.. إن من واجبه أن يسمع أولاً صوت الله، وأن تكون أذنه دائماً مفتوحة للوصية الإلهية،.. على أن الأمر أكثر من ذلك، إذ لابد أن يتلو السمع السلوك أو السير في الطريق الإلهي... والسلوك لا ينبغي أن يكون نظرياً، بل يتسم على الدوام بالفعل والعمل،.. وسيبقى الفعل والعمل مصابين بالتمسك والحفظ، حتى لا تؤثر فيهما أية تجربة أو إعوجاج.. ولو دعي يربعام هذا التحذير الواضح لربما تغير تاريخ إسرائيل وتاريخ العالم كله،.. وأرسل الله إلى يربعام وهو في منحدر الطريق، النبي الذي جاءه في بيت إيل وهو واقف لدى المذبح يوقد، وإذا طلب يربعام أن يمسك النبي، ومد يده، يبست هذه اليد حتى تضرع النبي وعادت إلى وضعها الطبيعي وانشق المذبح وذرى الرماد الذي عليه،.. وجاء التحذير الأخير على لسان ميخا في موت ابنه العزيز، والمصير الذي سيؤول إليه،.. ولو فعل يربعام ما فعله ملك نينوى بعد سماع نبوة يونان لما وصل إلى النهاية المفزعة التي بلغها آخر الأمر!!.. كم من الأصوات يعطيها الله للإنسان قبل أن يقضي قضاءه الكامل والعادل ضده!!...



يربعام المتعجل

كان أمر الله واضحاً ليربعام، إنه لن يكون ملكاً قبل وفاة سليمان: "وأخذ المملكة من يد ابنه وأعطيك إياها أي الأسباط العشرة"... لكن يربعام الشاب، وهو في ملء حماس الشباب، وقد استولى عليه الطموح، نسى التوقيت الإلهي، وتداخل الطموح مع المعاناة والقسوة والآلام التي يعانيها الشعب، فرفع يده ليضرب ضربته في غير الوقت المحدد أو المرتب من الله، وكان أن فشلت ثورته، واضطر إلى الهرب إلى مصر، ليعيش في المنفى حتى وفاة سليمان،.. لم يكن ليربعام عذر إبراهيم الذي لم يكن يعلم التوقيت المحدد لمجيء ابن الموعد، وتعجل بما جلب له أقسى المتاعب فيما بعد،.. ولم يكن له عذر موسى، الذي اندفع في قتله المصري، دون أن ينتظر موعد الله ليحرر الشعب، واضطر إلى الهرب لمدة أربعين عاماً في صحراء مديان، حتى حين الموعد الإلهي ليقوم بعمله المدبر له من الله،.. كان داود من أعظم الناس يقيناً بالتوقيت الإلهي، ومع المسحة الإلهية عاد إلى أغنامه يرعاها، وقبل التشريد والنفي والألم، حتى يأتي موعد الله، دون أن يختزله بضربة واحدة قاضية، عندما وقع شاول في قبضته: "وقال داود حي هو الرب سوف يضربه أو يأتي يومه فيموت أو ينزل إلى الحرب فيهلك"... وكان ابن داود أعظم الكل في مراعاة التوقيت الإلهي،.. وكانت لغته: "لم تأت ساعتي بعد". قال أحدهم: إن من أكبر مآسي الإنسان، الاستعجال وعدم الصبر،.. ففي المنازعات الدولية يريد الإنسان الخطوة القصيرة نحو السلام، فينتهي إلى الحرب،.. ويريد الوصول إلى الثروة بسرعة فيركض ليسقط متداعياً من الركض!!... إ وقت الله، لا وقتنا نحن هو الذي يقرر كل شيء، ويحكم كل شيء، ومن واجبنا أن ننتظر، ونصبر مهما بدا الصبر قاسياً وشديداً!!..



يربعام الذكي

على أنه إذا كان الله قد تجاوز عن خطأ يربعام في التوقيت. لكنه كان لا يستطيع أن يتجاوز عن خطيته الكبرى في استخدام ذكائه وحكمته البشرية... وقف يربعام على مفترق الطرق، وهو يعلم أنه مدين بعرشه لله الذي وعده وأوفى الوعد في الوقت المحدد، وكان يمكن أن يعلم أنه لن يستطيع أن يحافظ على هذا العرش أو ينتصر على الصعوبات المختلفة التي تواجه الملوك دون الاستناد إلى الله،... لكنه مع ذلك وقع في الخطية التي وقع فيها سليمان نفسه، ومن الغريب أن سليمان قال: "توكل على الرب بكل قلبك وعلى فهمك لا تعتمد في كل طرقك اعرفه وهو يقوم سبلك،.. ومع ذلك لم يسر سليمان الحكيم في الطريق الإلهي، وجاء بعده يربعام، وكان يمكن أن يتعظ بما آل إليه سليمان، لكه للأسف العميق لم يفعل، رأى أمامه الطريقين المختلفين: طريق الاتكال على الله، وطريق الذكاء البشري الخائب، وتنكب يربعام عن طريق الاتكال الذي كان سيعطيه بكل تأكيد الضمان الإلهي،.. وفضل الطريق الآخر، وأنت لا تسمع أو تحس في كل قصته أنه اتخذ أخيا الشيلوني مرشداً أو مشيراً أو ناصحاً، وكان يمكنه أن يجعل منه الصديق الذي يلازمه في كل شيء، حتى يأخذ النور الإلهي، والحكمة السماوية النازلة من فوق، ولكن يربعام شأنه شأن الملايين من الناس، الذي هم في حاجة إلى الله طالما هم في الضيق أو الخطر أو المأزق، ولكنهم على استعداد أن يقولوا له وداعاً إلى الأبد، متى جاء ما يسمونه النجاح أو الوصول إلى أهدافهم وأغراضهم، واستبدل يربعام بعد نجاح الثورة "الاتكال على الله" بالذكاء البشري الخائب، واستبدل المشير الإلهي، بالمشيرين البشريين،.. وكانت نقطة التحول الرهيب عنده: "وقال يربعام في قلبه".. "فاستشار الملك" وعندما يتحول الإنسان عن الله ليسأل ذهنه أو يستشير البشر فإنه لا يدري أنه يصنع نعشه بيديه، ويجري في طريقه المنحدر إلى الهاوية التي لا قرار لها!!...

وقد قاد الذكاء يربعام إلى أمرين خطيرين هما: الدبلوماسية البارعة، والخداع الديني. لقد طرأ أمام ذهنه أمر سياسي، وهو كيف يفصل بين يهوذا وإسرائيل إلى الأبد، وهو على استعداد هناك أن يذبح الدين على مذبح السياسة، وهو لا يستطيع أن يفكر بعد في الدين إلا بالمنطق السياسي؟ وهنا الكارثة الكبرى، إذ أن الدين يلتقي في العادة مع المبادىء الخلفية العليا، ولكنه في الكثير من الأوضاع والأشكال لا يستطيع أن يتمشى مع المنطق السياسي الممتليء بالخداع والمكر والغش والفساد والإفساد ويكفي أن هذا المنطق حتى فيما يبدو ظاهراً أنه الحق، كان يخفي وراءه أشر الغايات إلى الدرجة التي قيل معها، أن بسمارك السياسي الألماني الداهية، كان يتعمد أن يقول الصدق لا لأنه يرغب فيه، بل لأن الناس في العادة لا تصدق السياسيين، وتذهب عكس ما يقولون أو يعلنون، وهو يريد أن يقودهم بعيداً عن الصدق في شراك من الكذب،... فإذا كانت السياسة تصل بالإنسان إلى هذا الحد الذي يفسد في أغلب الأحايين أجمل الصور أنقاها وأروعها، فإن الذكاء والدبلوماسية يصبحان لعنة الحياة، ومنحدرها البالغ السقوط... وكان الأمر الثاني هو الخداع الديني، فيربعام يعلم أن النزعة الدينية متمكنة من الإنسان وهو لا يستطيع أن يناهضها أو يلاشيها، إذا فلماذا لا يربط الدين بالسياسة، وينشيء نوعاً من التزاوج بينهما؟ ولماذا لا يخدم الدين السياسة؟ ولماذا لا تخدم السياسة الدين؟ ولماذا لا يخفف عن الناس مشقة السفر إلى أورشليم في الأعياد؟ ولماذا لا يضع عجلين من الذهب أحدهما في أقصى الشمال في دان والآخر يبعد إلى الشمال الغربي من أورشليم في بيت إيل بإثنى عشر ميلاً، والدين لا يجوز أن يعسر الناس أو يكلفهم المتاعب والمشقات، وهو لا يريد بحال ما أن يغير المعتقدات، فقط يطورها حتى تبدو جميلة مقبولة، وعجلاً الذهب ليسا إلهين، ولا هو يقصد أن يكون كذلك، بل هما رمز للإله الواحد المعبود- والعجول في البلاد الزراعية رمز للخير، وهي تصلح بهذا المعنى رمزاً لإحسان الله ومجده!!.. إن يربعام يفرق بين المضمون والشكل، وهو لا يتعرض للمضمون، ولا يقبل أن أحداً يتعرض له، ولكنه فقط يغير الشكل، وهو في كل هذا لا يدري أنه يعمل عمل الشيطان نفسه، والشيطان لا يستطيع أن ينزع الإحساس الديني من البشر، أو الأبدية التي في قلوبهم، وهو لا يستطيع أن يمنع التيار الديني من أن يشق طريقه، إذ لا تجدي هنا أشد الحواجز أو السدود، وإذا كان الأمر كذلك فلا بأس من تحويل المجرى دون غلقه، حتى ولو تطلب أن يتحول الشيطان إلى شبه ملاك نور،.. وضع الشيطان في كل مكان في الأرض في مختلف العصور على مبدأ يربعام بن نباط ألوفاً وعشرات الألوف من عجول الذهب، وسينحني الناس، وسيخدعون بها، وأول المخدوعين هم أصحاب فكرتها، وسينسى الناس أصل الفكرة في إنشائها، ومعنى الرمز الذي قصدت به، لتتحول في ذاتها آلهة هم على استعداد أن ينادوا بها، ويضرعوا إليها، ويقاتلوا في سبيلها، وإذا احتاج الأمر أن يملأوا عنان السماء بالصراخ والهتاف لها، كما صرخ أبناء أفسس وهم يقولن: "عظيمة هي أرطاميس الأفسسيين"..

والذكاء البشري قد يجفل في مطلع الأمر قليلاً أو كثيراً، وهو ينجذب نحو هذا الخداع، ولكنه لا يلبث بعد ذلك لأن يصدقه حتى يصبح الحلو مراً والمر حلواً، والظلام نوراً والنور ظلاماً، والخير شراً والشر خيراً، وحق فيهم القول الإلهي: "لأنهم لما عرفوا الله لم يمجدوه أو يشكروه كإله، بل حمقوا في أفكارهم وأظلم قلبهم الغبي وبينما هم يزعمون أنهم حكماء صاروا جهلاء.. وأبدلوا مجد الله الذي لا يفنى بشبه صورة الإنسان الذي يفنى والطيور والدواب والزحافات... الذين استبدلوا من الله بالكذب واتقوا وعبدوا المخلوق دون الخالق الذي هو مبارك إلى الأبد آمين... وكما لم يستحسنوا أن يبقوا الله في معرفتهم أسلمهم الله إلى ذهن مرفوض ليفعلوا ما لا يليق"...

لم يكن يربعام بن نباط يعلم بأنه في تلك اللحظة، لم يخطيء هو فحسب، بل قاد إسرائيل بكاملها خارج الحظيرة الإلهية لتتردي في الضياع والهلاك،.. أخطأ وجعل إسرائيل يخطيء!!..



يربعام المعاقب

كان العقاب الذي أصاب يربعام قاسياً ورهيباً، لقد انفض عن الله فانفض الله عنه، وكما وقع شاول في الحيرة القاتلة يوم لجأ إلى العرافة، وقع يربعام في ذات الحيرة، وهو يتساءل عن مصير أحب أولاده إليه "أبيا"، لقد فقد الشركة مع الله وامتيازاتها المباركة، وها هو في إفلاسه القاسي، لا يجد بديلاً لها!!.. وهل يستطيع الإنسان أن يستغنى عن الله وشركته، وحبه وإرشاده، وهدايته ومعونته؟.. إنه يوم يفعل ذلك سيجد العذاب نفسه. وفي القرن الماضي كان هناك أحد خدام الله واسمه "باركر"، وقد استمر هذا الرجل خادماً فترة من الزمن، ثم ارتد عن الخدمة، وأخذ ينتقل في أمريكا منادياً بالإلحاد، وحدث أنه كان يتحدث في فيلادلفيا في اجتماع كبير ضد الكتاب المقدس،.. وترك مجالاً بعد ذلك للأسئلة، فنهض واحد من الأصحاب المسيحيين الكويكرز وقال: أيها الصديق باركر.. إنك تعلن أن الكتاب المقدس مجموعة من الخرافات، وأن كل مبشر مسيحي مراء، ويعلم في قرارة نفسه بهذه الحقيقة، وأنه لا يذكر الحق، وقال باركر: نعم قلت هذا!!.. فقال له المسيحي: حسناً... ولكن ألم تكن أنت لعدة سنوات مبشراً مسيحياً؟ وإذ بوغت باركر بهذا القول صمت.. ثم قال: نعم ولكن كان هذا من زمن، وقد أقلعت عن التبشير!!.. وقال الآخر: حسناً يا باركر إذا لم تكن في ذلك الوقت مرائياً فإنه لا يمكن أن تصف كل خادم بالرياء،.. وإذا كنت في ذلك الوقت مرائياً فمن المحتمل أنك أنت الآن كذلك!!.. كما لا تنسى أن الكتاب يقول: سيقوم في آخر الأيام أنبياء كذبة مضلون، وهذا حادث الآن،.. ثم أسألك سؤالاً آخر: هل سمعت عن أم تعلم ابنها أن يكون ملحداً؟.. وعندما تحتضر أنت هل تفضل أن تحتضر ومعك الإيمان المسيحي، أم تفضل أن تموت مجرداً منه ومن وعوده؟.. كان الكلام شديد الوقع على باركر وعلى جميع الحاضرين،.. وقد عاد هذا الكلام باركر إلى الإيمان المسيحي مرة أخرى، وقد قضى سنواته الأخيرة يبذل جهده العظيم، ليغطي ما تسبب فيه في سنين الحماقة والإلحاد، ويقال أن تعبه في الخدمة، ومشقته القاسية فيها عجلاً بنهايته، ولكنه انتهى سعيداً بالرجوع إلى الشركة الإلهية مع الله،.. لم يعرف يربعام هذه العودة ويتمتع ببركاتها الجليلة العظيمة!!. بل ظل ممعناً في غوايته وحيرته بعد أن بعد عن الله، وعن إرشاده الإلهي العظيم.

لم تكن الحيرة فحسب هي التي ورثها ببعده عن الله، بل التعب والمشقة وعدم الراحة، إذ ظل طوال اثنين وعشرين عاماً قضاها ملكاً في الحروب والمتاعب والمنازعات التي حولت حياته الملكية جحيماً مستمراً، لقد ظن وهو ذاهب إلى الملك أنه سيجد الفردوس، ولم يدر أنه سيلتقي هناك بالجحيم...

من طريف ما يذكر أن خادماً لله، شعبياً تعود أن يعظ في الشوارع متنقلاً من مكان إلى مكان، وبينما هو يعظ ذات مرة سأل أحدهم بإصرار: أين يوجد الجحيم؟ وأجاب الواعظ- وكان اسمه بش: لم أدرس في الجغرافيا مكانها، لأن مهمتي لا أن أقود الناس إليها، بل أن أمنعهم من الذهاب إلى المكان،.. ولكنك إذا كنت تصر على معرفة المكان فأنا أقول لك أين تجده؟!! هل سمعت عن اليهودي العظيم داود الملك (كان السائل يهودياً)؟ إن هذا الملك وهو يسلم الملك لابنه قال له فيما قال من وصية عظيمة: "وأنت يا سليمان ابني أعرف إله أبيك واعبده بقلب كامل ونفس راغبة لأن الرب يفحص جميع القلوب ويفهم كل تصورات الأفكار فإذا طلبته يوجد منك وإذا تركته يرفضك إلى الأبد"... وأنت ولا شك تعرف اللغة العبرانية أكثر مني، لكني أود أن أقف عند الكلمة "يرفضك" هل تعلم ماذا تعني؟ وأمسك بكتاب في صورة من يهم برميه وقال: إنها تعني أن يطرح بعيداً عن العين ورلى الأبد.

قال بولس وهو يتحدث إلى التسالونيكيين عن عقاب الشيطان: "وحينئذ سيستعلن الأثيم الذي الرب يبيده بنفخة فمه ويبطله بظهور مجيئه".. إذا كنت تجد هذا المكان فهو الجحيم، وستجد الطريق إليه برفض الرب".. وقد عرف يربعام هذا الطريق عندما أدار ظهره للرب الذي جاء به إلى الملك!!...

مرض أبيا الابن العزيز للملك، وكان الملك شديد القلق على ابنه، وأراد أن يعرفه مصيره، وهنا تذكر الرجل القديم أخيا الشيلوني وهو لا يستطيع أن يذهب إليه بعد أن نبذه، فلماذا لا تذهب أم الشاب متنكرة؟ ومن المرجح أنها "أنو" المصرية، وكان أخيا قد فقد بصره، ولكنها عندما دبت قدماها على مقربة منه، حدثها بالإعلان الإلهي، ليخبرها بمصير الشاب، ومصير البيت كله، وسيترفق الله بالشاب وحده، فسيموت ويدفن ويندبه جميع إسرائيل، لأن هذا وحده من يربعام يدخل القبر لأنه وجد فيه أمر صالح نحو الرب إله إسرائيل في بيت يربعام، تقول التقاليد أنها نقمته الشديدة على عجلي الذهب ومقاومته لهما!!... ومات الشاب عندما وطأت أقدام أمه عتبة الباب، كان شاباً عظيماً ممتازاً، بكاه الإسرائيليون جميعاً، ولعل يربعام أباه فعل ما فعله الملك هنري ملك الإنجليز الذي قيل عندما مات ابنه الأمير وليم غريقاً في سفينة كانت تسمى "السفينة البيضاء" أن الابتسامة لم تعل قط شفتيه بعد هذا الحادث!!

وإذا كان هذا هو أخف ما ناله يربعام، على هوله ورعبه، فكم يكون مصير البيت، الذي جعل القدير السرمدي قلبه ويده على إبادته والقضاء عليه بغيظ شديد، وترصده للتنكيل به على أفجع الصور،.. ومن المعتقد أن الله ضرب يربعام نفسه بضربة فجائية فمات بضربة الله، وسار البيت في أعقابه تلاحقه ضربات القدير!!..

لم يقتصر العقاب على يربعام أو على بيته، بل امتد إلى الأمة كلها، لقد فتح لها يربعام طريقاً إلى النهاية البشعة، ومن المحزن أن هذه الطريق سار فيها الملوك الذين جاءوا بعده حتى لحقتهم العبارة المشئومة: "سار في طريق يربعام بن نباط".. وقد كان بيت يربعام مثالاً للأمة كلها، لقد فتح يربعام الطريق إلى زوال الأسباط العشرة، الذين تمزقوا في السبي، تمزق الرداء الذي مزقه أخيا الشيلوني.. حقاً إن البر يرفع شأن الأمة، وعار الشعوب الخطية!!...

ماذا جنى الرجل بملكه وماذا أخذ؟ لقد سطرت الكاتبة الإنجليزية چورچ أليوت- وهي التي بدأت في حياتها بداءة يربعام، وانتهت إلى ما يشبه نهايته- عبارة حقيقية، هي الحكمة بعينها: "ليس هناك شيء في الدنيا يستحق أن يرتكب الإنسان الخطأ من أجله".. أجل وهذا حق تماماً غفلت عنه الكاتبة الإنجليزية، وغفل عنه يربعام بن نباط الذي أخطأ وجعل إسرائيل يخطيء!!..

elraiek G
09-16-2010, 06:45 PM
( 35 )

النبي المرسل إلى يربعام

"فصادفه أسد في الطريق وقتله"

(1مل 13: 34)


مقدمة

لست أعلم ما هي المشاعر التي تجتاحك إذا وقفت أمام قبر، أو نصب تذكاري، أو تمثال أو صورة لإنسان انتهت قصته الأرضية، وسمعت عن هذه القصة، أو قرأت كلمات قليلة عنها، أو ما يمكن أن تحيكه بين الناس، أغلب الظن أنك ستمتليء بالانفعالات، وستسمع الصمت نفسه يتكلم بلغة أبلغ من كل كلام. في الأصحاح الثالث عشر من سفر الملوك الأول، يظهر أمامنا النبي المرسل إلى يربعام بن نباط، كما يظهر البرق الخاطف، في يوم واحد، فهو النبي الذي ينادي يربعام وهو أمام المذبح المبتدع، بالرسالة الرهيبة، وهو الخارج من المدينة التي أمره الله ألا يبقى فيها، وهو الجالس تحت البلوطة، وهو المخدوع بكلمات النبي الشيخ، وهو الصريع وجثته إلى جوار الأسد والحمار، وهو المدفون في قبر النبي الشيخ في بيت إيل... حدث كل هذا في تعاقب سريع متتابع في يوم واحد، ولم تنته مع ذلك قصة الرجل، إذ بعد ثلاثمائة عام، في الأصحاح الثالث والعشرين من سفر الملوك الثاني، يقف يوشيا الملك أمام قبر فوقه كومة من الأحجار، قبر يختلف عن غيره من القبور الأخرى، ويسترعى الانتباه: "وقال ما هذه الصورة التي أرى، فقال رجال المدينة هي قبر رجل الله الذي جاء من يهوذا ونادى بهذه الأمور التي عملت على مذبح بيت إيل، فقال دعوه، لا يحركن أحد عظامه، فتركوا عظامه وعظام النبي الذي جاء من السامرة"... أجل وإلى الأبد أجل، وسيبقى الله صادقاً، وسيكذب كل إنسان، وسيتم الله صدقه في الحال وبعد ثلاثمائة عام، وبعد ثلاثمائة ألف مليون عام... وحاشا لله أن يكذب أو يتراخى أو يرجع، إذ هو الصادق الأمين في حياتنا أجمعين، وسترى صدقه وأمانته في كل شيء، ونحن نطالع قصة هذا النبي الذي تلاحقت الأحداث العجيبة في قصته في يوم واحد، ولعلنا نتعلم:



النبي ويربعام

لسنا نعلم ما اسم هذا النبي الذي أرسله الله من يهوذا إلى يربعام، وإن كان يوسيفوس المؤرخ اليهودي يطلق عليه اسم، "يعدون" والبعض يعتقد أن يعدو الرائي الذي جاء ذكره في سفر أخبار الأيام الثاني، متنبأ على يربعام بن نباط، وأياً كان الاسم، وأياً كان الشخص، فإن الصورة الأولى له تبدو من أروع الصور وأجملها وأبهجها،.. فهو النبي المرسل بكلمة الله أولاً وقبل كل شيء، وهو الواعظ المجيد الذي لا يتكلم من نفسه، بل بسلطان الكلمة الإلهية، لقد ذهب إلى الملك، بعد أن تلقن الدعوة بوضوح من الله في أدق دقائقها، وهو لا يلفت النظر إلى نفسه، فهو مجهول، وسيبقى اسمه مجهولاً، ولكنه يلفت النظر إلى الرب، وكلام الرب،.. وهو يتحدث إلى المذبح لأنه إذا لم يسمع الأحياء، وإن سكت هؤلاء فالحجارة تصرخ -وعندما يعيش الواعظ في يقين الدعوة، فإن منبره -كما قال سبرجن وهويتفلد من قبل- يتحول عرشاً، ويسبح هو في مياه الفردوس،.. وهو النبي الشجاع الذي لا يرى أمامه أحداً، عندما يتكلم إلى المذبح أو أحجار المذبح، معتقداً بأن الأحجار أقل صلابة من قلب يربعام، وهي تسمع عندما لا يسمع الملك نفسه، وهو لا يرى أمامه ملكاً، أو جمعاً من الناس، أو عيداً من الأعياد ابتدعه يربعام،.. لأنه إذا كان سليمان قد دشن الهيكل، فيربعام ليس أقل من سليمان، وهو أكثر منه يستطيع أن يكون ملكاً وكاهناً في الوقت عينه،.. والنبي لذلك يمثل كل صوت شجاع يتحدث دون خوف أو وجل أو تردد، فهو موسى أمام فرعون، وهو إيليا أمام آخاب، وهو يوحنا المعمدان أمام هيرودس، وهو بطرس ويوحنا أمام السنهدريم، وهو بولس أمام فيلكس، وهو أمبروز، وفم الذهب، ويوحنا نوكس، ممن كانوا أعظم صور للشجاعة في الأرض!!... وهو النبي الواثق من الحق الذي ينادي به، وسيصبح هذا الحق في الحال مؤيداً بالبرهان الإلهي، الذي لن يكون خفياً، بل سيشهده الجميع في المذبح المنهدم، والرماد الذي سيصيب وجه الملك، وجميع المعيدين معه، وسيعفر وجوههم وحياتهم، وسيدمر تاريخهم، ويحرق عظام كهنتهم، وعظام الناس معهم، فإذا امتد التنفيذ إلى أكثر من ثلثمائة عام، فإن برهانه السريع سيأتي في ومضة عين، على نحو واضح لا تجدي معه المكابرة،.. فإذا كابر يربعام، ومد يده ليأمر بالقبض على النبي، فإن يده لا تستطيع أن ترجع إذ تيبس عن الحركة، ويتحول الملك الآمر، إلى الملك المتضرع، ويصبح الوحيد الأعزل، أقوى من صاحب السلطان الطاغية المتجبر،.. فماذا نقول لهذا إنه إن كان الله معنا فمن علينا،.. وهو النبي العف، الذي لم يخضعه تهديد الملك، وبالأحرى إغراء الملك، بالاحترام والتحية والعطية، حتى ولو أعطاه نصف بيته،.. إن هذا النبي المرفوع الرأس وضع الشيطان أمامه الأمرين اللذين كثيراً ما يضعهما أمام خدام الله لعله يستطيع القضاء عليه بواحد منهما، التهديد، فإذا لم يجد أو يفلح، فليجرب العكس تماماً وهو الإغراء، وكم من أناس صمدوا أمام التهديد، ولم يصمدوا أمام الإغراء،.. لكن النبي المجهول الاسم، كانت عنده حتى تلك اللحظة الشجاعة والمثالية معاً، فلم يزجره وعيد، ولم يخضعه إغراء، وكان صورة مثلى للخادم العف الذي يستطيع أن يرفض ما يسيل له لعاب الآخرين، حتى يمكنه أن يتكلم عن البر والتعفف والدينونة العتيدة أن تكون،.. عندما عجز التهديد عن أن يضعف لوثر أو يلين قناته، عرضوا عليه ألواناً متعددة من الإغراءات والمنح والوظائف!!... ومع ذلك فقد كان شجاعاً أمام التهديد، وكان أشجع أمام سيل الإغراءات غير المنتهية!!... وهو النبي الرحيم الذي إذا جاء في الظاهر، يعلن غضب الله وشدته وبأسه وانتقامه، فإنه في الباطن ينادي بالرحمة الكاملة الإلهية العظيمة لو أحسن يربعام اقتناسها، وقد ظهرت هذه الرحمة واضحة في استجابته لرجاء الملك أن يضرع إلى الله من أجل يده، ولم يتركه النبي متصلب اليد كالخشبة سواء بسواء، بل ترفق به أمام الجميع، وطلب رحمة الله له،.. وكانت هذه إشارة لرحمة أكبر يمكن أن يصل إليها يربعام لو أنه فعل ما فعل ملك نينوى، عندما علم أن الله سيقلب المدينة بعد أربعين يوماً... كان يمكن أن يعلم بأن الله بطيء الغضب، وكثير الرحمة والإحسان والوفاء، لو أنه حطم البقية الباقية من المذبح المنهدم، وأمسك بعجلي الذهب، وكسرهما وطحنهما ورمى بهما على وجه المياه كما فعل موسى سواء بسواء،.. كان النبي المرسل ينادي يربعام بالاستعداد الإلهي للرحمة من فوق غبار المذبح الذي ملأ المكان!!

ومن وابجنا على أي حال، مهما حدث فيما بعد، ألا ننسى له هذه الخلال العظيمة التي تحلى بها في موقفه الشجاع من يربعام!!..



النبي والبلوطة

ونحن ننتقل هنا إلى المنظر الثاني في مسرحية الرجل، إذ نتحول من النظر إليه مع يربعام إلى جلسته تحت البلوطة، ونحن نسأل: لماذا جلس تحت البلوطة وقد أمره الله أن يفر من المكان، ويتباعد عنه، بأسرع وأقوى ما يمكن أن يكون التباعد؟، وما هي العواطف التي أحاطت أو سيطرت عليه أو اجتاحته، أو قادته إلى التجربة هناك؟؟ لعل أول عاطفة، كانت تجربة الإعجاب بالنفس، لعلنا نذكر ذلك الواعظ العظيم -وأغلب الظن أنه يوحنا ويسلي- الذي جاءه واحد من المستمعين ذات مرة ليقول له: ما أعظمك واعظاً، وما أروع عظتك وأعظمها تلك التي سمعتها في هذا اليوم،.. وأجاب الرجل الناضج الكبير: لقد سمعت كلمتك من آخر سبقك، فقال له الرجل متلهفاً: ومن هو؟ فأجاب: الشيطان!!،.. لقد جلس النبي تحت البلوطة، ودغدغ الشيطان إحساسه، وهنأه بالشجاعة التي لا مثيل لها، المثالية العظيمة التي من حقه أن يفاخر بها، وربما حدثه عن شخصيته العظيمة المنفردة، التي لا تعرف الأمة بأكملها نظيرها، وكيف يكون الحال، لو أنه لم يكن موجوداً،.. وكم تكون الخسارة البشعة، لو لم يوجد نظيره أو مثيله أمام الأزمات العظيمة، والصعوبات الهائلة المروعة... إن هذا الرجل كان أبعد من أن يدرك أن واحداً من أعظم الرجال في العصور كلها، رأى الله أن يحفظه من مثل هذا الخطر الداهم بشوكة قاسية: "ولئلا أرتفع بفرط الإعلانات أعطيت شوكة في الجسد ملاك الشيطان ليلطمني لئلا أرتفع".. أيها المصلح: أيها النبي: أيها الواعظ: احذر وصل ليلاً ونهاراً حتى لا تجلس تحت بلوطة النجاح، وأنت تنظر إلى شخصك بالكبرياء والخيلة والإعجاب بالنفس،.. فإن هذه تجربة الشيطان تدري أو لا تدري، وليحفظك الله من تجربة النجاح، كتجربة الفشل سواء بسواء!!.. على أن التجربة الثانية كانت: تجربة الجوع وهي تجربة أخرى تختلف تماماً عن التجربة الأولى،.. فإذا كانت التجربة الأولى أشبه بتجربة الشيطان للمسيح عندما أخذه على جناح الهيكل في المدينة المقدسة، وطلب إليه أن يطرح نفسه إلى أسفل ليراه الكل محمولاً على أيدي الملائكة دون أن يصيبه أذى، فيتملكهم الإعجاب، ويرون فيه المسيا المنتظر،.. فإن التجربة الثانية أشبه بالتجربة في البرية وهو جائع، الذي وإن كان ابن الله فليقل أن تصير هذه الحجارة خبزاً، والله الطيب لابد أن يهتم بجوع ابنه، ورفض المسيح التجربة بقوله المعروف العظيم: "ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان بل بكل كلمة تخرج من فم الله"!!... جلس النبي تحت البطمة، وربما قسا عليه الجوع واشتد في تلك اللحظة ليسأل: كيف يمكن أن يتركه الله جائعاً، وهو النبي الذي يقدم خدمة ناجحة أمينة لسيده؟!.. هذه هي التجربة التي تتشكل بآلاف الصور تحت أية شجرة بلوط، عندما يجلس الخادم في وحدته القاسية ليسأل: أليس من حقه أن يأكل ويشرب كما يأكل ويشرب غيره من جميع الناس؟!... أليس من حقه أن يجد ضروريات الحياة، قبل الكماليات، كما ينبغي لأي ابن لله يرعاه الآب السماوي القادر على كل شيء!!.. فلماذا يجوع؟!! ولماذا يشقى؟!! ولماذا يتألم؟!! ولماذا يحتاج أولاده إلى الطعام والكساء وقد يجدهما أو لا يجدهما مع الصعوبة البالغة القاسية، وأين حنان الله، وحبه ورحمته وجوده؟!! آه أيتها البلوطة كم يحدث تحتك في السريرة من التجارب وأنت لا تدرين؟!!.. وكانت التجربة الثالثة: تجربة المجد العالمي، وكما أخذ السيد إلى جبل عال ليرى ممالك العالم ومجدها، والشيطان على استعداد أن يعطيه إياها جميعاً بشرط أن يخر ويسجد أمامه،.. جاء المجرب إلى النبي ليقول له: ترى هل كان من الضروري أن يرفض دعوة الملك يربعام؟، وألم يكن من الأفضل أن يتريث قليلاً قبل رفضها، حتى يقدم الخدمة الناجحة لإلهه؟!! أليس يربعام بن نباط في حاجة إلى من يرشده ويهديه إلى التصرف الصحيح؟.. وأليس هو في حاجة إلى نبي يعلن له الحق، ويصحح له السبيل؟!!، وأليس إذا ترك يربعام إلى شأنه، هل يضمن أحد أن يستجيب لدعوة الله، وينتفع بالرسالة الواضحة التي تبينها؟!!... هذه أسئلة كثيرة ربما تكون قد أتت له،.. لأنها تأتي إلى خدام الله الكثيرين، الذين يسألون مرات متعددة: هل من الضررة أن يفصل الإنسان بين الدنيا والدين؟، بين الحكمة البشرية وكلمة الله؟!!. وألا يصبح الأمر هنا نوعاً من العزلة التي لا ينتفع بها العالم، أو تغير المؤمنين أنفسهم،... ولماذا لا يدخل الخدام في قصور الملوك حتى تكون لهم الفرصة للخدمة والوعظ، والتعليم والإرشاد؟!!... ما أكثر الخدام الذين يجلسون مع النبي القديم تحت البلوطة تملأهم مثل هذه الأفكار والعواطف، وتهز عقيدتهم ووجدانهم ومفهومهم الديني هزا عنيفاً عميقاً من الأساس!!..



النبي والشيخ الزميل

والآن نأتي إلى الفصل الثالث من المسرحية، وتتحول من البلوطة إلى الشيخ النبي الذي سار وراء رجل الله حتى وجده هناك، لتقسو التجربة وتكمل وتفعل فعلها الآثم الرهيب، ولعل القسوة تأتي هنا، من هذا القناع الديني الذي لبسته التجربة وتدثرت به، وجاء الشيطان في شبه ملاك نور، وجاء فحيح الأفعوان على لسان نبي شيخ قديم كان يسكن في بيت إيل ويعيش فيها،... وقد صاح المسيح في وجه بطرس، إذ لم يره التلميذ الحبيب العزيز، بل رأى الشيطان الذي يطل من خلال عينه، ويتكلم على لسانه، ومن ثم قال له: "اذهب عني يا شيطان، أنت معثرة لي لأنك لا تهتم بما لله لكن بما للناس" وإذا صح أن الشيطان يأتي إلى المسيح في بطرس، فمن السهل جداً أن نتصور، أنه جاء إلى النبي المرسل إلى يربعام، في زميله الشيخ الأسبق في النبوة، والذي يسكن في بيت إيل،.. ولعل من أصعب الأمور أن تأتي العثرة إلينا ممن هم أكبر منا سناً أو أكثر دراية في حياة المعرفة أو الفهم المسيحي،... ونحن لا نعلم لماذا ذهب الشيخ يبحث عن الشاب ليلتقي به، ويدعوه إلى الطعام، ويكذب عليه،... هل دعاه بدافع الإعجاب، فهو شاب قد بز الشيوخ، وهو صغير قد فعل ما لم يفعله الكبار، وهو المتكلم فيما أغلق غيره الفم وخاف من الكلام فيه،.. وهو الابد أن يجيبه، لأنه جرؤ على ما لم يجرؤ عليه هو،... لقد أرسل الشيخ أولاده إلى الحقل الكبير، ولم يذهب هو، ربما إبقاء على شيء من الإحساس الديني، بأنه لا يجوز له أن يذهب إلى منكر يفعله الملك، وهو لا يريد في الوقت عينه أن يسيء الملك التفكير فيه، أو يتصور إذا امتنع هو وأولاده معاً، أن هذا الامتناع هو نوع من العصيان الذي قد يعاقب عليه وإذا فلا مانع عنده من أن يداور الأمر، فلا يذهب هو، على أن يذهب أولاده، ولن يجد الملك غضاضة من قبول الوضع في التصور أن الشيخ قد يكون مريضاً أو عاجزاً عن المجيء، ما دام يوجد من يمثله ويحل محله،.. وعندما عاد أولاده ليقصوا عليه الأخبار المثيرة في ذلك الشاب الذي شق الصفوف بشجاعة، ووقف أمام الملك ليرعد في وجهه برسالة الله،... استولى على الشيخ الإعجاب وقاده هذا الإحساس بالإعجاب، إلى أن يدعو الشاب إلى بيته، حتى ولو اختلق الأمر وصور له أنه مرسل إليه بالرسالة من الله ليسهل عليه قبول الأمر والاستجابة له!!.. على أن البعض يصور الوضع تصويراً آخر، إذ يعتقدون أن الشيخ قد ذهب إلى الشاب مدفوعاً بالحسد منه، أليس هو الأكبر سناً؟ وها هو قد جلس في بيت إيل أخرس الفم واللسان، دون أن ينطق بكلمة لأن الملك أغلق الأفواه، وهوذا شاب جديد أفضل وأحسن وأعظم منه يتكلم بما عجز هو عن أن يفعله،... وهو إذا لم يكن له مثل هذه البطولة العظيمة فلا أقل من أن يصور لنفسه أنه يمكن أن يكون شريكاً صاحب الفضل في جانب من هذه الخدمة، عندما يرى الناس الشاب داخل بيته، وعلى مائدته، وإذ لم يقبل النبي مائدة الملك إطاعة لأمر الله، فإنه يقبل مائدة الشيخ النبي لأن الأخير شريك في الرسالة العظيمة التي قام بها الأصغر!!... نحن لا نملك أن نعرف تماماً وعلى وجه التحقيق الدوافع التي دفعت الكبير إلى الكذب على الشاب،.. ولكننا نعلم بكل يقين أن الشاب أخطأ خطأ فادحاً قاتلاً!!... وذلك لأنه أبهم الرسالة الواضحة المرسلة له من الله،.. نحن نعلم أن الله كلم الآباء بالأنبياء بأنواع وطرق كثيرة،... وليس من السهل أن نعلم الطريقة التي تكلم بها إلى هذا النبي وحدد له بكل وضوح رسالته إلى يربعام... فهو مرسل من الله ليتحدث عن نبوة ستبدأ به وتنتهي بملك في بطن المستقبل البعيد اسمه "يوشيا" وسيأتي هذا الملك على بعد ثلاثة قرون من يربعام، ولكنه سيأتي ليقود حركة واسعة من الإصلاح، ويحرق عظام الكهنة الكاذبين، ويطهر الأمة كلها،... ومثل هذا الكلام الواضح لا يحتمل الشبهة والتردد، فإذا جاءه شيخ أو ملاك من السماء ليقول له ما يبهم هذه النبوة في جانب منها أو ما يلاحقها من أمر إلهي واضح صريح، فإن واجبه الكامل أن يرفض رفضاً قاطعاً، أية أفكار أو مزاعم تدعى أنها منسوبة إلى الله، والسر واضح بين لا يحتمل الإبهام والتردد، لأن الله لا يكذب أو يناقض نفسه وأقواله،... لكن النبي الشاب، وقد اختمرت التجربة تحت البلوطة في ذهنه، كان أشبه ببلعام بن بعور الذي عاد يسأل الله، ما يعلم يقيناً أن الله كشفه له بكل وضوح.. كان الشيطان قد وجه إلى الشاب ضرباته الشديدة التي جعلته يترنح، وجاءت كلمات الشيخ الكاذبة، لتكون الضربة القاضية الأخيرة عليه!!...

على أن الأمر الأكثر إثارة وعجباً، أن الشيخ وهو على المائدة أجبره الله على أن ينطق بمصير الشاب التعس ومصرعه الوشيك على الحدوث، ومن حقنا أن نقف هنا على حقيقة بالغة، إن المجرب في العادة لا يشفق على الضحية، وسيكون هو أول من يخبرها بالقضاء الإلهي الذي يقع عليها،.. ومن المحزن المؤلم أن النبي الشيخ بعد أن سمع بمصرع النبي الشاب أخذ يصيح عليه قائلاً: "آه يا أخي".. ونحن نسأل عن هذه الصيحة أو هذا النوح أو البكاء، وما معناه أو مغزاه،.. أهو نوع من الإحساس بالذنب أدرك الرجل إذ علم أنه السبب في هذا المصرع البشع؟!!.. أم هو نوع من الألم عندما نرى أنفسنا تجاه مقتل رجل عظيم، ولا كل الرجال!!.. أم أن الرجل مد بصره بعيداً فرأى في المصرع رمزاً لمصرع أمة بأكملها؟!!... قد يكون الأمر واحداً من هذه، أو قد تكون هذه جميعاً مختلطة معاً!!...



النبي والأسد

كان مصرع النبي قاسياً بشعاً: "فصادفه أسد في الطريق فقتله" ولابد لنا أولاً وقبل كل شيء أن ندرك هذه الحقيقة أن ما يأتي في فهم الناس على أنه "مصادفة" سيئة، لا يمكن أن تكون في واقعها إلا أمراً إلهياً معيناً،... ومهما كانت المصادفة رهيبة، فإنه لا توجد بلية في الأرض إلا والرب صانعها،... والمصادفة عند الناس مردها في الواقع صعوبة التحليل، ومعرفة الخط الإلهي، في الأحداث والحوادث، ويكفي أن تقرأ مثلاً ما جاء في المزمور المائة والرابع: "الأشبال تزمجر لتخطف ولتلتمس من الله طعامها"... والشطر الأول يتحدث عن الظاهرة في الحيوان الأعجم الذي يحركه الجوع إلى الزمجرة والخطف،... والشطر الثاني يتغور إلى الأعماق، إذ تتحول الزمجرة إلى ما يشبه الصلاة والالتماس من الله أن يعطيها الطعام،.. وفي مصرع النبي جاء الجواب هنا بالدليل العكسي، إذ أن الأسد لم يأكل الجثة أو يفترس الحمار، ووقف إلى جوارهما حتى جاء الشيخ وأخذ الجثة ليدفنها!!... ولعلنا نستطيع أن ندرك هنا، أن المادة الصماء، والغريزة المنفعلة، والعقل المفكر، والقلب الواعي: تخضع جميعها، وتتحرك تحت سلطان الله وأمره وسيطرته، وأن كل ما في الوجود، يتمم مشيئته، ويعمل لمجده، وينتهي إلى إثبات مقصده العلوي العظيم!!...

والسؤال بعد هذا كله لماذا قضى الله على نبيه بهذه الصورة القاسية الشديدة البشعة؟ هناك أكثر من تفسير لذلك،... والتفسير الأول: أنه ابتداء القضاء من بيت الله، وأن الله يحكم كل شيء، لا بحسب مفهوم الترتيب البشري، بل بحسب الحكمة العلوية الخفية، التي تختلف أفكارها عن أفكار الناس، وطرقها عن طرقهم،... ولو وضع الأمر بحسب الترتيب البشري، لكان المتصور أن الضربة الأولى لابد تقع على يربعام بن نباط، ولكن الله أرجأ هذه الضربة اثنين وعشرين عاماً ليقضي عليه بعد أن تمادى في شره، ولم يرع، أو يتنبه أو يقبل أصوات الله المتلاحقة،... وكان التصور الآخر أن الضربة الثانية تقع على عاتق الشيخ الذي كذب عليه، وكان السر والمشجع على ضياعه ولكن الشاب مات قبل الشيخ، ودفنه الشيخ في قبره، وتصورناه أنه يمكن أن تقع عليه الضربة الثالثة جاء ترتيبه أولاً لكي يتأكد الناس أن الله لا يمكن أن يتحيز أو يحابي الوجوه أو كما يقول الرسول بطرس: "لأنه الوقت لابتداء القضاء من بيت الله، فإن كان أولاً منا فما هي نهاية الذين لا يطيعون إنجيل الله، وإن كان البار بالجهد يخلص فالفاجر والخاطيء أين يظهران... وسندع الله يضرب ضرباته الرهيبة التي ستأتي فيما بعد، لكن على المؤمن أن يتحذر لأن الله قد يجعله أولاً عبرة للآخرين، وإذا كانت خطية النبي قد عوملت هذه المعاملة، فستكون معاملة يربعام أقسى وأشد وأشنع، وستبقِى عظام النبي ثلاثمائة عام في قبرها، أما يربعام فسيلحقه الدمار الرهيب: "لذلك ها أنذا جالب شراً على بيت يربعام، وأقطع ليربعام كل بائل بحائط محجوزاً ومطلقاً في إسرائيل وأنزع آخر بيت يربعام كما ينزع البحر حتى يفنى من مات ليربعام في المدينة تأكله الكلاب ومن مات في الحقل تأكله طيور السماء لأن الرب تكلم".. لقد قضى الله على نبيه أولاً، لأن انتظاراته من هذا النبي كانت أكثر وأعظم، ولأنه بدأ حسناً، وانتهى سيئاً، أو لأنه -في عرف تفسير آخر- كان في انحداره النفسي يخشى أن تكون حياته لو عاش أسوأ بما لا يقاس منه عند مماته،.. ووجد من قال آخر الأمر: إن أحكام الموت في حد ذاتها تعلو على كل فهم بشري، وتنتظر يوماً لم يأت بعد عندما يقف الجميع أمام العرش العظيم الأبيض: "ثم رأيت عرشاً عظيماً أبيض والجالس عليه الذي من وجهه هربت الأرض والسماء ولم يوجد لهما موضع ورأيت الأموات صغاراً وكباراً واقفين أمام الله وانفتحت أسفار وانفتح سفر آخر هو سفر الحياة ودين الأموات كما هو مكتوب في الأسفار بحسب أعمالهم".. ولعله من الواجب أن نتريث فلا نتعجل الحكم قبل هذا اليوم الرهيب العظيم!!...

على أن بعض المفسرين -مع تسليمهم بهذا كله- رأوا النبي في موته رمزاً لإسرائيل بأكملها، لقد قتله الأسد، ولم يفترس الحمار، لأنه وصل إلى مركز أسوأ من الحمار نفسه، لأن الثور يعرف قانيه والحمار معلف صاحبه أما إسرائيل فلا يعرف وشعبي لا يفهم، والذي يودعونه كثيراً يطالبونه بأكثر، وعندما سقطت المملكة وتبادعت عن الله، أرسل إليها السباع لتفتك بالناس، وكانت جثة النبي وقد قتلها الأسد رمزاً لجثة إسرائيل بأكملها، بعد أن قضى عليها الله قضاءه العظيم العادل!!... مهما تكن الصورة،.. فإن قصة الرجل ظلت محفوظة عند الناس حتى جاء يوشيا الملك بعد ثلاثمائة عام ليراها معروفة للجميع، وغير مجهولة من أحد!!... وعلى أي حال فإن مصرع النبي سواء في المفهوم الشخصي أو الرمزي كان عميق الدلالة، ممتد المغزى بعيد الأثر!!...



النبي والصورة

مات النبي ودفن في بيت إيل، ودفن الشيخ إلى جواره، وكانت تعلو المقبرة صوة عالية مميزة رآها يوشيا الملك، ولفتت نظره، ولم تلفت نظره وحده، بل إنها لفتت أنظار التاريخ إلى أن تنتهي الأرض وما عليها،... والصوة تؤكد صدق الله الساهر على كلمته ليجريها، والذي يحكم التاريخ إلى ألف جيل، ولا يمكن أن يسقط حرف واحد من كلمته الصادقة الصالحة الكاملة الأبدية!!... وإذا كان يوشيا قد أخرج عظام الكهنة الأشرار والناس، وأحرقها ليطهر الأرض منها. فإنه أبقى على عظام النبي دون أن تمس، وهي التفرقة التي لابد أن تكون عندما يفرق الله في الأبدية، بين الأبرار والأشرار: "فيمضي هؤلاء إلى عذاب أبدي والأبرار إلى حياة أبدية" وإذا كانت القبور تختلط في القصة الأرضية، ولا تستطيع أن تفرق أو تفصل بينها بعضها والبعض، أو بين من فيها، فسيأتي ذلك اليوم الذي تصنع فيه التفرقة الحاسمة الأبدية!!... وإذا كانت القرون تمضي قبل أن يحدث مثل هذا الفصل الذي صنعه يوشيا بعد ثلاثة قرون ليتمم مشيئة الله، فإن ثلاثمائة عام أو آلاف الآلاف من الأعوام، لا يمكن أن تسقط حرفاً واحداً من صدق الله حتى يفصل إلى الأبد بين الأشرار والأبرار!!...

وثمة كلمة أخيرة نذكرها ههنا، فإذا كان القبر الواحد قد جمع بين النبييين، فهل هذا يعني أنهما قد ذهبا إلى مكان واحد أبدي؟! وهل كانت عقوبة النبي الشاب تأديباً له، ليخلص كما بنار؟؟ وهل كان موته عظة للشيخ الآخر، ليتعلم من حياة الشاب وموته، ما كان ينقصه من تعليم وتذكير، وهو يعيش في بيت إيل على مقربة من يربعام الذي أخطأ وجعل إسرائيل يخطيء؟!!... لندع كليهما في الحياة أو الموت، حتى يظهر أمام عرش المسيح، وليكن لهما من الجزاء أو المكافأة أو المكان لا بحسب ما يفكر الناس أو يتصورون أو يتخيلون، بل بترتيب الله الحكيم الذي بيده وحده الحياة والموت والجزاء والمكافأة والدينونة ولنقف في كل الأحوال أمام جلاله السرمدي الأبدي صائحين بتضرع واحد "في الغضب أذكر الرحمة".. آمين فآمين فآمين..

elraiek G
09-16-2010, 06:46 PM
( 36 )

رحبعــــــــام

"خنصري أغلظ من متني أبي"

(1مل 12: 10)


مقدمة

اشتهر رحبعام بن سليمان بأنه الرجل الذي أضاع مملكة بلسانه،.. وسيقف رحبعام مثلاً في كل التاريخ، للقدرة المدمرة الهائلة للسان البشري، وإن كنت في شك من الأمر، فاقرأ ما كتب الرسول يعقوب عن اللسان: "هكذا اللسان أيضاً هو عضو صغير ويفتخر متعظماً هوذا نار قليلة أي وقود تحرق" فاللسان نار عالم الإثم هكذا جعل في أعضائنا، اللسان الذي يدنس الجسم كله ويضرم دائرة الكون ويضرم من جهنم لأن كل طبع للوحوش والطيور والزحافات والبحريات يذلل وقد تذلل للطبع البشري، وأما اللسان فلا يستطيع أحد من الناس أن يذلله. هو شر لا يضبط مملوء سماً مميتاً"...، وبمفهوم المخالفة أو على حد التعبير العكسي كما يقولون، أو بما قال الرسول يعقوب في استهلال الحديث عن اللسان: "إن كان أحد لا يعثر في الكلام فذلك رجل كامل قادر أن يلجم كل الجسد أيضاً".. ولعل هذا يذكرنا بالمثل الفارسي القائل أن فيلسوفاً أرسل تلميذه إلى السوق طالباً منه أن يشتري أردأ ما في السوق، فعاد الغلام. وقد اشترى "لساناً" من السوق!!... وإذا أعاده الفليسوف ليشتري أفضل ما في السوق أيضاً، فعاد الشاب وقد اشترى "لساناً" من السوق!!.. وفي سوق الحياة ليس هناك ما هو أردأ من اللسان أو أفضل من اللسان،... لأنه في الواقع من فضلة القلب يتكلم اللسان،... ونحن لم نكشف في قصة رحبعام عن لسانه أو بالأحرى اتساخ لسانه، بل سنتعمق أكثر إلى ذهنه الفارغ، وحياته القبيحة التي لم يكن اللسان سوى تعبير صادق عن كليهما في شخصيته ومن ثم يصح أن نرى رحبعام من الجوانب التالية:



رحبعام ونشأته

عندما ولد رحبعام أطلق عليه سليمان هذا الاسم الذي يعني "مرحب الشعب" أو موسع الشعب، ولعله سليمان كان يحلم لابنه ما يحلمه في العادة الأباطرة بالنسبة لأولادهم،.. ولعله فردرك الأكبر الذي جاء بولده قبل أن يموت، وقال له: ها أنا يا ولدي أسلمك امبراطورية عظيمة، فلا تسمح أن يضيع منها شيء، وإلا ضحكت عليك في قبري!!... ولا أعلم إن كان شيء من هذا المعنى في ذهن سليمان، وهو يتوق أن يرى الامبراطورية العظيمة، التي أنشأها، وجعلها حلماً من الأحلام، لا في اتساع رقعتها فحسب، بل في الثروة الخيالية التي ملأ بها أورشليم، والمباني والقصور الشاهقة، والتجارة العظيمة، والفن، والمعمار، والموسيقى،.. وهو يتمنى أن ولده يتسلم هذه جميعاً، ليجعلها أضعافاً مضاعفة،.. على أي حال إن هذا حلم كل أب لابنه، وهو الحلم الذي يتمشى مع أعماق الطبيعة البشرية التي تتغلغل فينا جميعاً، وقد ذكره بناياهو بن يهوياداع لداود في قوله: "كما كان الرب مع سيدي الملك كذلك ليكن مع سليمان، ويجعل كرسيه أعظم من كرسي سيدي الملك داود"... وأغلب الظن أن عيني داود في تلك اللحظة ومضتا بنور لامع، وارتسمت الابتسامة على شفتيه، ولعله رفع صوته إلى الله، ليقول آمين يا رب ليكن هكذا!!... وجاء سليمان ووسع، وفعل، وعمل، الكثير، وولد له الولد الذي على الأغلب كان جميلاً كجمال أمه، وأبيه،.. وأطلق عليه الاسم "رحبعام"، وهو يحلم له بالرحب والسعة، من كل جانب من جوانب حياته ونفسه،.. وقد كان من الممكن أن يكون الشاب هكذا، وقد كانت معه الإمكانيات الكثيرة التي تساعده على ذلك، إذ كان له السهم الذهبي، الذي وضعوه شعار لأمير ياباني قيل أنه كان سيتغرب عن بلده فترة من الوقت، وكان هذا السهم يذكره أينما يتجه ويذهب بالأصل الذي ينتمي إليه، والأسرة التي ينحدر منها، وسواء صحت القصة بالنسبة للياباني أم لم تصح، فإن رحبعام بن سليمان كان يمكن أن يعود إلى آبائه وأجداده ليرفع رأسه، كأعلى ما يكون الارتفاع، وأسمى ما يكون العلو والمجد، ولعله سمع عن جده داود من القصص والأحاديث ما يمكن أن يصنع منه بطلاً لو ترسم خطى هذا الجد أو سار في سبيله، أو سلك سلوكه، وكان يمكنه أن يتوفر على الأمثال والجامعة ونشيد الأنشاد التي خرج بها سليمان إلى العالم، لينهل منها البشر أروع الحكم وأمجد الأمثال، وكان من المتصور أن النبع وقد بدأ من بيته ليجري في تيار الإنسانية كلها، أن يكون هو أول من يرتاده وينهل منه،.. وأعظم من هذا كله، كان هيكل الله على قيد خطوات منه،.. وكان يمكنه أن يجد سبيله إلى هذا الهيكل وهو يغنى: "كما يشتاق الإيل إلى جداول المياه هكذا تشتاق نفسي إليك يا الله عطشت نفسي إلى الله إلى الإله الحي. متى أجيء وأتراءى قدام الله"... "ما أحلى مساكنك يارب الجنود تشتاق بل تتوق نفسي إلى ديار الرب قلبي ولحمي يهتفان بالإله الحي، العصفور أيضاً وجد بيتاً والسنونة عشاً لنفسها حيث تضع أفراخها مذابحك يا رب الجنود ملكي وإلهي، طوبى للساكنين في بيتك أبداً يسبحونك... لأن يوماً واحداً في ديارك خير من ألف، اخترت الوقوف على العتبة في بيت إلهي على السكن في خيام الأشرار"...

على أن رحبعام -رغم هذه الامتيازات كلها- لم يحتج سليمان إلى أن يموت ويضحك عليه في قبره، إن صح أن الموتى يضحكون في قبورهم، فإن سليمان الحكيم بكى في حياته، وهو يرى ابنه يأخذ سبيله إلى الشباب والرجولة،.. لقد خضع الشاب لعوامل أعتى وأقسى وأقدر على الهدم والتحطيم، وكان لسليمان اليد الطولى في كل هذه العوامل،.. لقد تزوج سليمان نعمة العمونية، وهي أميرة عمونية يقطن أهلها الصحراء الواقعة شرقي الأردن، ويبدو أنها كانت ذات جاذبية وتأثير عميق على الملك، حتى أنه بنى مرتفعة لمولك رجس العمونيين من أجلها،...، وإذا كانوا قد قالوا أن خلف كل ولد عظيم أم عظيمة، وإذا كان الأمريكيون في تقديرهم لهذه الحقيقة قد أقاموا نصباً تذكار ية لأم واشنطون، وأم ابراهام لنوكلن... فمن الجانب الآخر يمكن أن نقيم تمثالاً بشعاً للخراب والدمار لرحبعام بن سليمان، هو في الحقيقة نعمة العمونية الآتية من وراء الأردن تحمل معها ملوك رجس العمونيين، وعجز الشاب رحبعام عن أن يعرف السبيل إلى إله إسرائيل، لأن أمه أرضعته الوثنية على مرتفعة ملكوم رجس العمونيين!!...

وقد ضاعف النكبة والمأساة سلوك الأب تجاه ابنه، ولو سئل رحبعام الأحمق: لماذا جاء في حماقته على العكس من أبيه الحكيم الذي كان مضرب الأمثال في الحكمة؟ لربما جاء الجواب، كما ذكره ذلك الشاب الذي اقتيد إلى المحاكمة لارتكابه جريمة مروعة، وكان أبوه من أشهر القضاة في البلد، وإذ قيل له: كيف يمكن أن يرتكب مثل هذا الجرم، وأبوه من أعظم رجال العدالة والقضاء،.. قال: وهذه هي المأساة... لقد كان أبي غارقاً في كتب القانون دون أن يكون له متسع من الوقت لكي يعلمني ويهذبني وينبهني ويرعاني،.. لقد ترك سليمان الغلام، دون أن يعني به، لأنه كان مشغولاً عنه بالمهام التي تواجهه كل يوم في امبراطوريته العظيمة الواسعة،.. أجل وهذه هي المأساة المحزنة، لقد ترك الأب المجال والميدان للأم العمونية، لتصنع من ابنها الإنسان الوثني القلب، والجالس على عرش يهوذا،.. وهي مأساة تتكرر بهذه الصورة أو تلك في قلب البيوت المسيحية، حتى أن الناس تتعجب. كيف يحدث أن أبناء القادة المسيحيين والرعاة والخدام والشيوخ يكونون على النقيض تماماً من قصة آبائهم أو حياتهم أو سيرتهم،.. وقد نسى بيته وأولاده بالتمام،.. أو أنه لا توجد الأم التي يمكن أن تصنع التعويض، أو تملأ الفراغ في هذا المجال... كان سليمان يحلم لابنه بالأحلام العظيمة الوردية، وكان يمكنه أن يحول هذه الأحلام إلى الواقع، حتى ولو كان مشغولاً، بأن يفعل ما فعله أبوه فيه، عندما سلمه للنبي ناثان، ليتولى إرشاده ورعايته وتهذيبه وتعليمه،.. كان من الممكن أن يجد له المعلم الأمين الصادق الذي يتولى الصغير، بما يمكن أن يجعل حياته متمكنه الشركة والارتباط العميق بالله،.. ولكننا لا نعرف أن سليمان فعل شيئاً من هذا القبيل فإذا أضيف إلى ذلك ما يقولونه: "لقد تزوج سليمان ألف امرأة، وكان له ابن، وكان هذا الابن للأسف أحمق"... ويكفي أن ينشأ أي غلام في قصر فيه ألف امرأة، وهو محاط بالترف، والتنعم، والحياة الشهوانية الصاخبة،... وهو يطلب فيجاب طلبه في الحال، وهو يتكلم فيمتدح كلامه، حتى ولو كان أسخف كلام، وهو يشير بإصبعه، فيجد عشرات أو مئات الخدم والحشم تلبي النداء، مثل هذا الشاب الترف المدلل، كان أحوج الكل إلى ما قاله سليمان في أمثاله: "من يمنع عصاه يمقت ابنه ومن أحبه يطلب له التأديب" "لا تمنع التأديب عن الولد لأنك إن ضربته بعصا لا يموت تضربه أنت بعصا فتنقذ نفسه من الهاوية"... ولو أن سليمان مد عصاه إلى ظهر رحبعام، لربما تغير تاريخه وتاريخ المملكة بأكملها لكنه لم يفعل، فمهد له بحياته وتصرفاته وتدليله الطريق الرهيب إلى الضياع الذي وصل إليه فيما بعد!!.. ولا يمكن أن ينسى أخيراً في هذا المجال نكبة المعاشرات الردية، في ذلك المجموع الكبير من الزمان والصحاب الذين خالطوه وداهنوه وتملقوه، ووصفوا بالقول: "الأحداث الذين نشأوا معه ووقفوا أمامه"... هذه هي العوامل المتعددة التي أثرت في رحبعام، لينشأ فتى متكبراً أنانياً ضعيفاً ضيق الأفق، أو كما وصفه ابن سيرا: "وافر الحماقة ويعوزه الفهم!!..



رحبعام وسياسته

هل كان رحبعام في الحادية والعشرين من العمر أم في الحادية والأربعين؟؟ لقد أورث هذا ارتباكاً عند البعض، مع أن هذا الارتباك في حد ذاته يعطينا تمسكاً بالكتاب أكثر، إذ الأرقام في اللغة العبرية كانت تكتب عادة بالحروف، والحرف الذي يشير إلى الحادية، هو حرف واحد في الحالين الألف في الأبجدية العبرانية، أما الحرف الذي يشير إلى العشرين، وهو حرف الكاف، والآخر الذي يشير إلى الأربعين وهو حرف الميم فإنهما في الكتابة العبرانية قريبان جداً من بعضهما، حتى أنه ليصعب مرات كثيرة أمام المخطوطات التي عاشت آلاف السنين أن تتبين في المخطوطة الفرق بين الحرفين، وحتى يكون الكاتب أميناً فإنه يرسم الحرف الذي أمامه دون أدنى تغيير، ويبقى الاحتمال الثاني ويشار إليه في الهامش،.. ومن المرجح لهذا أن رحبعام كان في الحادية والعشرين من عمره في السن التي يقال عنها في أيامنا سن الرشد،.. ولكنها في الحقيقة هي السن التي تحتاج أمام المشاكل والمتاعب، إلى أمرين أساسيين يخطيء الإنسان إذا تجاوزهما، ولم يتمسك بهما، تمسكه بالحياة نفسها،... وهما: الإرشاد الإلهي، وخبرة الذين جازوا الصعاب والمتاعب المشابهة من قبلنا، أو الذين حنكتهم الأيام، وأورثتهم الفطنة والحذر والتأمل... وإذا عجز الإنسان عن أن يملك الأمرين، وإذا قدر له أن يتخلى عن واحد منهما،... فعليه أن يطلب بكل إلحاح وإصرار مشورة الله،... وعلى وجه الخصوص، عندما يقف على مفترق الطرق، وأمام أقسى المخاطر، وأشد الأزمات، وأصعب السبل،... ولو أن رحبعام بن سليمان طلب من الشعب مهلة الثلاثة الأيام ليرجع فيها إلى الرب، ليعطيه التصرف الناجح الحكيم- لكانت بكل تأكيد النتيجة تختلف تمام الاختلاف عما وصل إليه،.. عندما اعتلت الملكة إليزابيث الثانية ملكة انجلترا الحالية عرش بلادها، قالت في حفل التتويج لشعبها: إن تتويجي هذا ليس رمزاً للقوة والأبهة التي ستذهب وتنتهي في يوم من الأيام، ولكنه إعلان عن آمالنا في المستقبل وعن السنين التي يتيحها الله لي برحمته ونعمته أن أحكم بينكم، وأخدمكم كملكة!!. كان رحبعام الملك في حاجة إلى مثل هذا الروح وهذا الأسلوب، عندما اتجه الشعب جميعاً إلى تتويجه في شكيم،... وكان في حاجة قبل أن يتحدث مع أحد، أن يتحدث مع الله، وقبل أن يأخذ رأي إنسان أن يأخذ رأي الله،... لقد ضاعت مملكة الرجل، بضياع الصلة التي تربطه بالله،.. وفي الحقيقة إنه كان في حاجة لسؤال الله، لسبب أعمق من ذلك كثيراً، لأن مصير المملكة كان يتعلق أساساً بموقفها من الله، وهذا الشرخ الرهيب الذي حدث فيها، لم يكن مرده الشكوى من معاملة سليمان للشعب، مع أن هذا هو السبب الظاهر، لكن السبب الحقيقي مدون بكل وضوح وجلاء: "ولم يسمع الملك للشعب لأن السبب كان من قبل الرب ليقيم كلامه الذي تكلم به الرب عن يد أخيا الشيلوني إلى يربعام بن نباط"... إن مصير المملكة يرتبط بتوبتها وعودتها إلى الله،... ولو عاد رحبعام إلى الله، بعد أن يحطم المرتفعات ويبدأ بمرتفعة ملوكم التي بناها سليمان خصيصاً من أجل نعمة أمه، ولو عاد ليقول ما قاله جده فيما مضى: "لا تطرحني من قدام وجهك وروحك القدوس لا تنزعه مني".. لو عاد ليقول هذا، أو شيئاً يشبه هذا لوجد حنان الله ورفقه ورحمته، وجوده وحبه، لكنه للأسف نسى الله أو تناساه، أو جهل الطريق إلى بيته فلم يعرفه إلا شكلاً أو طقساً أو لماماً، ولم يعرف الأساس الصحيح لأية سياسة ناجحة في حياة الإنسان على هذه الأرض!!.. أيها الشاب الذي تقف على أعقاب الحياة، وقد تشعبت أمامك الطرق، واستبدت بك الحيرة واستغلق عليك السبيل، لا تخط في أي مجال خطوة واحدة دون أن تسترشد بالله، وتقف الموقف الصحيح منه في عالم الحياة!!... ربما نقول: أنا لست رحبعام، ولم أرث مملكة، ولا أظن أني سأكون ملكاً في يوم من الأيام،.. إنك إن تصورت هذا تخطيء أفدح الخطأ، وتصبح رحبعام الأحمق بعينه،.. كل واحد منا له مملكته. وكل واحد منا ملك بمعنى من المعاني، أنت ملك في مملكة نفسك، وأنت ملك في مملكة بيتك، وأنت ملك في مملكة الرسالة التي أعطيت أن تقوم بها على هذه الأرض، وليس المهم أن تكون مملكتك صغيرة أو كبيرة، إنما المهم أن تعلم أنك -كأي ملك- ممسوح من الله على هذه المملكة، وأنه لا يجوز لك أن تتصرف في أي تصرف إلا بالعودة إلى الله، ليرشدك إرشاده الصالح، ويعلمك كيف تصنع الحق، وتحب الرحمة، وتسلك متواضعاً مع إلهك!!..

على أن الإرشاد الإلهي، قد يأتينا مباشرة من الله بصورة متعددة على قدر ما نعي أو نتعلم أو نسمع الصوت الإلهي، وقد يأتي إلينا في المشورة الصادقة الصحيحة التي تأتي من الآخرين، ومهما كان الإنسان حصيفاً كيساً فطناً، فإنه من الحماقة ألا يستعين بمشورة الآخرين من غيره من الناس، وذلك لأن الإنسان بمفرده مهما كانت قدرته، فهو محدود النظرة، وضيق الاختبار، وأنه لابد له من المختبرين أو في تعبير آخر "الخبراء" ومن هنا نشأت في كل ممالك الأرض فكرة المشيرين المتخصصين الأكفاء، والذين قد يتنبهون إلى الزوايا المختلفة من الموضوع أو المشكلة، والتي ربما لا يستطيع أبرع الناس وأقدرهم من الانتباه إليها، أو الإحاطة بأعماقها وخباياها!!... على أن المشكلة في العادة في اختيار المشيرين وتقدير أفكارهم ومشورتهم، وقد استعان رحبعام بنوعين من المشيرين، هم الشيوخ، والشباب، وكان الاثنان على طرفي نقيض!!.. ولا سبيل إلى اللقاء بينهما على وجه الإطلاق، وهنا نتبين أهمية المشورة، وصعوبتها، ودقتها، والحاجة الماسة إليها، وأن الإنسان لا يستطيع كقاعدة عامة إهمالها أو التخلي عنها!!...

ومع أننا لا نستطيع أن نقول إن كل شيخ لابد أن يكون حكيماً، وأن كل شاب لابد أن يكون نزقاً طائشاً، فما أكثر ما يتبادل الاثنان المواقع، لكن القاعدة العامة مع ذلك، أن الشيخ أميل إلى تحكيم العقل والتجربة والاختبار، في الوقت الذي يندفع فيه وراء لهيب المشاعر والأحاسيس والعواطف، ومن هنا كان لابد أن تتباعد المشورتان تباعداً كاملاً أمام عيني رحبعام!!... كان العظمة عند الشيوخ تقوم على أساس الخدمة والرفق والحنان والكلمة الحلوة، وأن الإنسان في أي مكان ومجال لا يمكن أن يهزه قدر الموادعة والاتضاع من أي إنسان آخر مقابلة، فهو يمكن أن يستعبد الآخرين عندما يبدو أمامهم عبداً لهم خاضعاً مطيعاً لرجائهم وانتظارهم، وكان الشيوخ -ولا شك- يدركون مدى المعاناة القاسية التي عاناها الشعب أيام سليمان، وأنه قد سلم رحبعام المملكة بركاناً يوشك أن ينفجر، وأنه وإن لم يكن سليمان قد وسع رقعة الأمة، وملأها بالفضة والذهب، وحول خيامها إلى قصور، وأعطاها مجداً لم تعرفه من قبل،... لكن صرخة الإنسان الدائمة في كل العصور هي الحرية، وأنك يوم تحصره أو تضعه في قفص، ولو من ذهب، فإنه لا يلبث أن يتحول وحشاً يحطم كل شيء، ولا يبالي بعد ذلك حتى ولو حطم نفسه وهو يبحث عن الخلاص والحرية، ولعل الشيوخ وقد عاصروا داود وسليمان، وأدركوا الفرق بين الرجلين، إذ كان داود خادم الشعب والمكافح والمغامر بحياته من أجله، والذي ساسه بالصبر واللين والحكمة والوداعة، فأحبه وخدمه والتف من حوله،.. على العكس من سليمان الذي ملأ بطنه طعاماً، وألهب ظهره بالسياط، فبذر بذور العداوة والحقد والفرقة والانقسام بين يهوذا وإفرايم، وقد جهل بغباء أن سبط بنيامين لا يمكن أن ينسى أن العرش كان له وتحول إلى سبط آخر،... وإذا أدركنا إلى جانب هذا كله أن طلبات الشعب لم تكن مغالية، بل كانت على العكس وديعة متواضعة، فهم لا يطلبون الشطط، وهم استعداد لخدمة الملك الجديد، متى خفف النير القاسي الموضوع على أعناقهم!!...

كانت العظمة عند الشباب شيئاً يختلف تماماً عن هذا التصور أو هذا التعبير، إذ أن العظمة في عرفهم تقوم على التسلط والاستبداد، وأنه كلما أمعن الملك في الأمرين، كلما دانت له العامة، وسارت القافلة دون توقف لا تلوي على شيء... نرى هل كان رحبعام يؤمن بنظرية الحق الإلهي في حكم الشعوب؟؟ الحق الذي عندما أسيء استغلاله، في عصر شاول جلب الخراب والدمار على الأمة،.. وعندما أساءت أوربا استعماله في الكثير من الأوضاع والظروف حولها إلى بركة مليئة بدماء الملوك والعامة معاً،... قال أحدهم: إذا كانت رغبتك أن تملك أكثر مما تعطي، وإذا كنت تطمع في القوة لتأمر أكثر مما تبارك، وإذا كان ما تصبو إليه السيادة أكثر من المحبة، ورغبتك أن تكون الأعظم من أن تكون الأقل، الأول بدلاً من الأخير... فإنك بذلك تخدم العدو الأعظم الذي هو الموت، وستنال إكليله بالدود الذي يرعى جسدك ويتقبل مصيرك".. لقد جاء سيدنا ليلقن العالم كله الطريق الأمجد للعظمة: من أراد فيكم أن يكون عظيماً فليكن لكم خادماً ومن أراد أن يكون فيكم أولاً فليكن عبداً"...

كان رحبعام كما أشرنا -إلى جانب هذا كله- الملك الذي أضاع مملكته بلسانه، ومن الملاحظة أن تهديده كان أجوف أخرق لا معنى له، وأنه لم يكن في حاجة إلى أن ينتظر ثلاثة أيام ليعد الجواب، فيما لو كانت نظرية الاستبداد هي النظرية التي ستحكم عمله، لأن المستبد الفطن، لا يترك الشعب يتجهز للتمرد والثورة ثلاثة أيام، ويعد نفسه في حالة التصادم والرفض، كما فعل ياهو بن نمشي عندما أراد الفتك بأنبياء البعل، إذ لم يكشف عن رغبته، بل بالحري غطاها بالدعوة إلى حفل كبير للطعام، وكان حريصاً ألا يكون بينهم واحداً من أنبياء الله،.. أو كما فعل محمد على عندما أراد الفتك بالمماليك. إذ دعاهم إلى حفل كبير تختلط فيه لحومهم باللحم الوافر الشهي الذي أعده لها!!.. كما أن رحبعام لم يكن في حاجة إلى أن يثير الشعب، حتى بعد ذلك بالقول القاسي الذي قاله لهم، قبل أن يرتب أمره ويدبر خطته، ويعد جيشه لقمع الثورة في حال نشوبها،... وليس أدل على ذلك من عجزه في التصرف ومواجهة الثورة عند قيامها، إذ يرسل أدورام القائم على التسخير، ليزيد من انفعال الشعب الذي قام برجمه، وكان موشكاً أن يفتك بالملك نفسه، لولا أنه أسرع في مركبته هارباً إلى أورشليم، كان الملك في الواقع غراً أحمق، أقدر على الكلام منه على التصرف والفعل!!..

ومن المؤسف أن رحبعام لم يكن له من العقارب إلا عقرباً واحدة أطلت من لسانه، وويل للإنسان الذي يتحول لسانه عقرباً،.. لقد صور لهم أنه يملك قدرة محزة تعسة، قدرة العنف والقسوة، ولا يمكن أن تقارن هنا قدرة أبيه بقدرته، إذ أن أباه يبدو من هذا القبيل أصغر وأضأل، إذ أن خنصره أغلظ من متني أبيه، وإذا كان أبوه قد أدبهم بالسياط، فسيؤدبهم هو بما هو أقسى وأشر، إذ سيستعمل آلة تسمى بالعقرب، وهي عبارة عن سوط بعدة أطراف، وفي كل طرف قطعة من الحديد أو الرصاص، وعندما يضرب بها شخص يناله من الأذى كما لو أن عقرباً قد لدغته!!..

ما أبعد الفرق بين الكلمة الآسرة، واللفظ القاسي، ومن أجمل ما يتمتع به الإنسان، ضبط النفس، وحلاوة اللفظ، ولقد قيل أن قيصر لم يكن قائداً مغواراً فقط، بل كان ذا لسان حلواً آسر رقيق، وفي ذلك قالوا عنه: لقد كسب قيصر صداقة الكثير من الناس في روما بفصاحته في الدفاع عن قضاياهم، وقد أحبه الناس للطريقة التي كان يتحدث بها إلى كل إنسان.. كما قالوا أنه ذهب مرة إلى ضيافة صديق من أصدقائه، وأخطأ الخدم فوضوعوا في طبق السلطة زيتاً من زيوت الشعر بدلاً من الزيت العادي الذي يستعمل في الطعام، فأكل قيصر دون تأفف، ودون أن يكشف الأمر أمام صديقه مراعاة لعواطفه وشعوره!!...



رحبعام ونهايته

كانت نهاية رحبعام معلومة من البداءة، ولكن الله مع ذلك أعطاه أكثر من فرصة... لقد أعانه الله في السنوات الثلاث الأولى من حكمه فبنى مدناً وحصنها، وجاءه الكثيرون من الكهنة واللاويين الذين هربوا من يربعام، وما من شك بأن مجيئهم كان يحمل بركات مضاعفة لمملكة يهوذا، وكان للملك أن يبارك الله لأجل تحسن الظروف التي أحاطت به، لكنه للأسف، حدث العكس، إذ يقول الكتاب: "ولما تثبتت مملكة رحبعام وتشددت ترك شريعة الرب هو وكل إسرائيل معه".. وهذا ما يحدث -للأسف- مع الكثيرين إذ يتمسكون بالله إلى أن تضحى ظروفهم أكثر توفيقاً ويسراً، وعندئذ يتركونه!!..

وقد توالت عليه الكوارث فيما بعد، على قول النبي إرميا "أيها الرب رجاء إسرائيل كل الذين يتركونك يخزون.. الحائدون عني في التراب يكتبون لأنهم تركوا الرب ينبوع المياه الحية!!".. وهل لنا بعد ذلك أن يمتد بنا القول: "اشفني يا رب فأشفى، خلصني فأخلص لأنك أنت تسبيحتي؟!!…

elraiek G
09-16-2010, 06:48 PM
( 37 )

آســــــــــا

"أيها الرب ليس فرقاً عندك أن تساعد الكثيرين ومن ليس لهم قوة"

(2 أي 14 : 11)





مقدمة

تذكرني قصة آسا بقصة ذلك الجندي الذي يقولون إن الأطباء حكموا بأن مرضه غير قابل للشفاء، وأنه لابد سيموت، وإذ سمع الجندي هذا القرار، سأل نفسه إذا كان لابد من الموت، فلماذا لا يموت نبيلاً شريفاً في المعركة؟!! ولماذا يبقى في انتظار موت قد يقصر أو يطول أمده، مع بقية من حياة ممتلئة بالعذاب والمعاناة؟!!… وتحول الجندي إلى أسطورة في المعركة،… فإذا تراجع الجنود، كان هو الوحيد المتقدم؟!! وإذا هاجم كان هجومه ليس هجوم فرد واحد بل كأنه هجوم ألف من الرجال،.. وحول الجندي الهزيمة إلى نصر، والتقهقر إلى اكتساح عجيب!!... وعجب القائد من أمر هذا الجندي الغريب، وإذ سأل عن سره، أدرك قصته، وقال له: لا ينبغي أن تموت.. وجمع له عدداً من أعظم الأطباء الذين نجحوا في القضاء على علته، والانتصار على مرضه!!. وهنا حدث الشيء الغريب، إن الجندي وقد أيقن من نجاته استمرأ الراحة، وفقد روح البطولة، وأصبح واحداً عادياً من الجنود، عاد يخشى الموت، ويمسك بأسباب الحياة، ولم يعدله ذلك القول العظيم "إذا لم يكن من الموت بد، فمن العجز أن تموت جباناً!!".. وهكذا... كان آسا الملك في قلب المخاوف والمتاعب والصعاب. والموت ارتقى إلى أعظم ذري الشجاعة والقوة والبطولة، وعندما سارت الحياة هادئة ولينة ووادعة، طافت غلالة من الضعف والهوان حول شمسه البارعة،.. ومع ذلك فإنه سبيقى دون أدنى شك واحداً من أعظم الأبطال في ملوك يهوذا الذين ارتفعوا إلى آفاق من الإيمان قل أن يرتفع إليها الكثيرون، وكان مصلحاً من المصلحين الذين قاموا بالإصلاح بشجاعة قل أن توجد عند العديد من أبطال الإصلاح أنفسهم، وها نحن نتابع قصته فيما يلي:



آسا والظروف السيئة التي أحاطت به

لا نستطيع أن نقدر مدى ما في حياة الإنسان من قوة أو ضعف، من شجاعة أو جبن، من بطولة أو إسفاف، قبل أن ندرك الظروف المحيطة به، ومدى ما معه أو عليه من رصيد أو إفلاس،.. ولا حاجة إلى القول بأن آسا الملك قد تفتحت عنياه على ظروف من أسوأ ما يمكن أن تكون الظروف، فأبوه أبيام وجده رحبعام كانا ملكين آثمين شريرين، أوغلا في الشر والخطية، وطبعا المملكة بأشر طابع، وجدته -وهي بهذا المعنى سميت أمه- معكة ابنة أبشالوم، وهي التي جاء وصفها في سفر أخبار الأيام الثاني: "وأحب رحبعام معكة بنت أبشالوم أكثر من جميع نسائه وسراريه، لأنه اتخذ ثماني عشرة امرأة وستين سرية"... وقد كانت بهذا المعنى المرأة القوية الأثر الطاغية النفوذ، الوثنية الحياة، والتي عملت تمثالاً لسارية، لتتعبد أمامه،.. كانت المرتفعات والسواري الوثنية قد ملأت كل مكان!! وإذا دخلت العبادة الوثنية، فلابد أن يلحق بها كل أنواع الفساد والشرور، وقد انتشرت الدعارة، وبلغت الأمة أحط الدركات: "لذلك أسلمهم الله إلى أهواء الهوان، لأن إناثهم استبدلن الاستعمال الطبيعي بالذي على خلاف الطبيعة وكذلك الذكور أيضاً تاركين استعمال الأنثى الطبيعي، اشتعلوا بشهوتهم بعضهم لبعض فاعلين الفحشاء ذكوراً بذكور، ونائلين في أنفسهم جزاء ضلالهم المحق"... ولا ينبغي أن ننسى أن هذا النوع من الفساد يطلق عليه "السدومية" لما هو معروف بأن الخطية التي اشتهرت في سدوم، قبل أن يحرقها الله،... وتفتحت عيناً آسا ليرى بلده وقد أصبح سدوم وعمورة من هذا القبيل.

ولم يكن آسا غبياً عن أن يدرك أن الخراب الذي وصلت إليه البلاد، قد جاء نتيجة الشر الذي انغمست فيه، ولعله دخل الهيكل مرات متعددة، ليمتليء أسى وألما، وهو يرى كيف تبدلت الأواني والأتراس الذهبية بأوان وأتراس نحاسية، لأن رحبعام عملها بعد أن أستولى شيشيق على أورشليم، وأخذ خزائن بيت الرب وخزائن بيت الملك، ولم يترك شيئاً ثميناً لم يأخذه!!.. لقد ولد آسا على كوم من الرماد والخراب الذي شمل كل شيء في أرض يهوذا!!... وما أكثر الذين يولدون كآسا في أتعس الظروف وأشدها، وهم غير مسئولين عنها، ولكنهم مع ذلك، فإن واجبهم الحتمي لا أن يتجاهلوها أو يهربوا منها،... بل لأبد أن يروا فيه النقطة التي منها يبدأون ويعملون!!...



آسا والقدوة الصالحة التي اقتداها

لعل "آسا" الشاب، وهو يواجه الظروف السيئة التي واجهها، كان أدنى إلى ذلك الشاعر الغربي الذي قال: في ضغط الحوادث لم أدمدم أو أصرخ عالياً، تحت ضغط الظروف جرحت هامتي، ولكنها لم تنحن،.. بل لعل الظروف نفسها أنشأت عنده رد فعل عظيم،.. وكما أبصر برناردشو -وهو طفل صغير - أباه يدخل البيت وهو مترنح من المسكر، فعاش يكره الخمر طوال حياته، هكذا أبصر "آسا" أباه وجده، وما خلفا وراءهما من آثار بشعة،... وتحول من دخان خرابهما إلى الصورة اللامعة، صورة جده العظيم داود،... وكانت هذه الصورة أشبه بالمصباح الهادي الذي يحمله الإنسان في الليلة الداجية،.. وإذا كانوا قد قالوا: أن الجنود في معركة قاسية قد اجتمعوا حول مائدة، وهم يفكرون في الاستسلام للعدو، وبينما هم يهمون بفعل ذلك، رفع أحدهم بصره فرأى صورة القيصر معلقة على حائط، فما كان منه إلا أن أدارها إلى الحائط، لأنهم لا يستطيعون أن يسلموا، وعين القيصر تنظر إليهم!!... لقد كافح الركابيون على مختلف الأجيال والعصور في مواجهة الصعاب والمشكلات والمتاعب: "لأن يوناداب بن ركاب أبانا أوصانا"... وسعيد ذلك الإنسان الذي يستطيع في تاريخ أجداده وآبائه أن يجد يوناداب بن ركاب أو بالأحرى داود بن يسى،.. ولكل إنسان على أي حال القدوة التي تتغلغل في كيانه، وتسري في دمه، وتصبح له المثل الأعلى الذي يروم تقليده، وإذا كان نابليون قد تعود أن يضع في غرفته وهو شاب أعظم أبطال الحروب، أمثال الإسكندر، وقيصر، وهانيبال، وغيرهم ممن كانوا في نظره سادة الناس وأبطال الحروب، وتشبع بهم إلى درجة المحاكاة التي ملأت أوربا بالدم خمسة عشر عاماً،.. فإن آسا ويهوشافاط وعزيا وحزقيا ويوشيا كانوا يضعون على الدوام أباهم المثل والقدوة الصالحة التي يقتدون بها،.. وكان الواحد منهم يوصف بالقول: "عمل... كداود أبيه"... وعلى العكس من ذلك، كان النسل الشرير مثل أبيام الذي وصف بالقول: "ولم يكن قلبه كاملاً مع الرب إلهه كقلب داود أبيه".. كان داود هو المقياس الذي تمتحن به قلوب أولاده، ومع أن هذا المقياس كان به الضعفات البشرية التي تحيط بنا جميعاً، لكنه -على أي حال- كان مقاساً مقارناً لأجيال تأتي بعده،.. وقد شجع هذا بولس على أن يقول للفلبيين: "أخيراً أيها الإخوة كل ما هو حق كل ما هو جليل كل ما هو عادل كل ما هو طاهر كل ما هو مسر كل ما صيته حسن إن كانت فضيلة وإن كان مدح ففي هذه افتكروا وما تعلمتموه وتسلمتموه وسمعتموه ورأيتموه في فهذا افعلوا وإله السلام يكون معكم"... ويقول للتسالونيكيين: "إذ أنتم تعرفون كيف يجب أن يتمثل بنا... لكي نعطيكم أنفسنا قدوة حتى تتمثلوا بنا".. ترى هل نستطيع أن نكون لأولادنا ولأجيال آتية بعد، مثل هذه القدوة الصحيحة السليمة الكاملة؟!!



آسا والسلوك القويم أمام الله

كان آسا واحداً من أعظم الملوك الذين وصفوا بالقول: "وعمل آسا ما هو مستقيم في عيني الرب كداود أبيه"... ولسنا نظن أن هناك صفة مجيدة يمكن أن يوصف بها إنسان كمثل القول أنه يعمل المستقيم في عيني الرب، وهو بذلك يصل إلى أعلى مدارج السمو الخلقي بين الناس... قد يبدو المسيحي مستقيماً في عيني العالم، عندما يرى الناس سمو حياته اللامعة التي تبدو كالمنار العالي المرتفع على قمة جبل، وقد يكون من ذلك النوع العظيم الذي وصفه الرسول بولس في قوله: "لكي تكونوا بلا لوم وبسطاء أولاداً لله بلا عيب في وسط جيل معوج وملتو تضيئون بينهم كأنوار في العالم" أو ما ذكره الرسول بطرس "وأن تكون سيرتكم بين الأمم حسنة لكي يكونوا في ما يفترون عليكم كفاعلي شر يمجدون الله في يوم الافتقاد من أجل أعمالكم الحسنة التي يلاحظونها".. وقد يبدو المسيحي أكثر من ذلك مستقيماً في عيون الأتقياء والقديسين، وهذا أعظم وأمجد،.. وذلك لأن قياس المؤمنين أعلى وأكمل وأنقى وأقدس، وهم مرات كثيرة ما يرفضون أشياء كثيرة متعددة، يرى العالم أنه لا غبار منها على الإطلاق، وهي في نظر المؤمنين كلها غبار وعفار،.. وأنه حسن أن يبدو المسيحي مستقيماً في عيني العالم، وأحسن منه أن يبدو كذلك في عيني المؤمنين، على أن الأحق والأمجد أن يكون مستقيماً في عيني الله، الذي يعرف السرائر، ويكشف الخبايا والظلمة هكذا كالنور أمام عينيه،... فإذا كان أحدهم قد قال: إن النظافة في مفهوم الناس تختلف، إذ يمكن أن نصف الشارع بالنظافة، ولكن نظافة الشارع شيء يختلف تماماً عن نظافة البلاط في المنزل،.. والبلاط النظيف يختلف بالكلية عن نظافة الأطباق وأواني الطعام، وهذه لا يمكن أن تقارن، بنظافة الأدوات الطبية المعقمة،.. فإذا ظهر الإنسان مستقيماً أمام عيني الله، فإن هذا أعلى ضرب من النظافة والحياة الخلقية السامية التي تبدو كالآنية المعقمة، بالمقارنة مع الحياة العالمية الشديدة الاتساخ،.. ومن المجيد حقاً أن توصف الحياة أمام عيني الله بحياة الاستقامة، أو حياة الخط المستقيم، أو حياة الطريق المستقيم، والطريق المستقيم هو أقصر الطرق، وأيسر الطرق، وآمن الطرق، وأمجد الطرق، فإذا كانت الدول الراقية والمتحضرة، توصف طرقها بمثل هذه الأوصاف، فإن أرقى إنسان على الأرض، وأصدق إنسان، وأعظم إنسان، وآمن إنسان هو ذلك الإنسان الذي يسلك طريق الحياة دون أن ينحرف إلى هذا الجانب أو ذلك،.. وهو الذ ي يسير هادئاً آمناً مبتهجاً سعيداً، في طريق الله المستقيم بين الناس!!...



آسا المصلح الثائر

وكم أود أن يتعلم الكثيرون من آسا كيف يكون الإصلاح، وكيف يضرب في العمق، وكيف يسير بلا هوادة أو تريث، وقد يصاحبنا الحياة كلها!!...

وجمال الإصلاح أنه أولاً وقبل كل شيء، الإصلاح الصادر من شاب، إذ بدأ به منذ الدقيقة الأولى لتوليه العرش، ويبدو أن الشاب- لو كان على الأغلب في العشرين من العمر- عندما أصبح ملكاً، أشبه الأشياء ببرميل من بارود، لم يكن اعتلاؤه العرش، إلا بمثابة الشرارة التي تفجرت لتكتسح أمامها كل شيء، ولقد ظل مدة العشر سنوات الأولى يعمل بهمة لا تعرف الكلل، في إصلاح كل شيء تصل إليه يده،.. كان شاباً في طراوة الحياة ومطلع الأيام، وقد أعطى المثل بحياته، قبل أن يعطيه بكفاحه وجهاده، إذ كان أشبه بالزنبقة التي احتفظت بنقاوتها في أرض الأوحال، والزهرة التي عاشت بجمالها في وسط القاذورات،.. ولعل أروع ما في الشاب، أنه استدار إلى بيته، يطهره من المفاسد والأوشاب،.. أغلب الظن أن أمه ماتت وهو صغير وحلت ملكة بنت أبشالوم عابدة البعل والوثنية، محل أمه، وأضحت كل شيء بسلطانها القوي المفسد في البيت والأمة جميعاً، فإذا به يقوم عليها، ويحطم ساريتها، ويهدم نفوذها، ويستأصل شرها، ويعلن للجميع مدى عزمه وصدقه وقوته في القضاء على الوثنية والشر، ابتداء من أقرب الناس وألصقهم به،.. لقد أعلن آسا أنه وقف إلى جانب الحق، وهو إذا كان يحب أمه ويكرمها، لكنه لا يستطيع أن يحب أمه على حساب الحق الإلهي، ومجد الله، وهنا يجوز له أن ينقلب عليها ويقف ضدها، وهو لا يفعل هذا في الخفاء، بل يفعله على مر أى من الأمة كلها، بل ومن التاريخ بأكمله!!... وإذا كان أرسطو في واحد من أقواله المشهورة قال: "أنا أحب أفلاطون، ولكني أحب الحق أكثر من أفلاطون"، فإن كل ابن من أبناء الله جدير به أن يصل إلى شيء أبعد من ذلك: "إن كان أحد يأتي إلى ولا يبغض أباه وأمه وامرأته وأولاده وإخوته وأخواته حتى نفسه أيضاً فلا يقدر أن يكون لي تلميذاً...

... ثم كان الإصلاح ثانياً: الإصلاح الروحي، وهو لب الإصلاح وجوهره إذ لا إصلاح البتة، قبل إصلاح العلاقة مع الله، والجانب السلبي لهذا الإصلاح هو هدم المرتفعات الوثنية، التي أقامها الناس تعبداً للبعل وعشتاروث والآلهة الوثنية، بما يرتبط بها من عبادة شهوانية حسية، والجانب الإيجابي هو الاهتمام ببيت الله: "وأدخل أقداس أبيه وأقداسه إلى بيت الله من الفضة والذهب والآنية"... ولست أظن أن هناك إصلاحاً في الأرض يمكن أن يحدث بعيداً عن بيت الله، والارتباط به،.. ولا يمكن لأحد أن يقنعني بأي إصلاح اجتماعي أو علمي أو اقتصادي أو أدبي، يمكن أن يحل بديلاً للإصلاح الروحي،... إن قلب الإصلاح، هو إصلاح القلب البشري، ولن تقنعني أعظم درجات الحضارة الغربية التي تعطي ظهرها لله، ولبيت الله، وللشركة مع الله،.. قال بلي جراهام ذات مرة: "إن مشكلة العالم ليست القنبلة الهيدروچينية أو حتى الشيوعية، إن المشكلة الحقيقية هي في فساد الطبيعة البشرية، فليس هناك من فرق بين الإنسان المتوحش الذي يعيش في الأدغال، حاملاً السهم في يده، وأمريكي متعلم مثقف يطير بقاذفلة قنابل محملة".. أجل وهذا حقيقي تماماً... ولعله يذكرنا بما حدث ذات مرة في انجلترا، إذ كان على أحد الشواطيء الإنجليزية كنيسة قديمة بنيت على أكمة، وكان للكنيسة برج عال يكاد يبلغ السحاب، وقد دمرت إحدى الطائرات هذا البرج، وأصابت الكنيسة في أكثر من موضع بتلف بالغ، وانقضت شهور دون أن يفكر أحد في إصلاح التلف، وفي يوم من الأيام جاء أحد قواد الأسطول البريطاني إلى راعي الكنيسة وسأله: لماذا لم يعيدوا بناء الكنيسة؟ وإذ أخبره الراعي بأن الأعضاء فقراء وعاجزون عن بنائها مرة أخرى، أجاب: إذاً فالبحرية الإنجليزية ستتولى العمل لأن البرج المرتفع كان من سنوات متعددة هو المرشد الوحيد للسفن المقتربة للشاطيء، وقد أضحت السفن في خطر بالغ لسقوطه"... أجل... وكل سفن حياتنا ستضحى في خطر، ما لم نسترشد في كل شيء بالله والدين وكنيسة الله!!...

ثم كان الإصلاح ثالثاً: هو الإصلاح الأدبي، وقد قلنا هذا الكلام تجوزاً لأننا لا نفرق بين الإصلاح الروحي والأدبي، لأن الأدبي في حقيقته ليس إلا روحياً، في الشكل أو المضمون،... ولكننا اثرنا أن نذكر هذا لأن آسا قاوم ما يمكن أن نطلق عليه الشذوذ الجنسي: "وأزال المأبونين من الأرض".. ومع أن الإنسان يقشعر من هذا الانحدار الخلقي الذي سجله الكتاب عن سدوم وعمورة، وندد به بولس في الأصحاح الأول من رومية، واعتبره قاع السقوط في المستنقع الذي سقط فيه الإنسان البعيد عن الله،.. لكننا نتعجب غاية العجب، أن الدول التي يقال عنها أرقى دول العالم، لا تستنكر هذا الشذوذ، بل يزعم الكثيرون فيها أنه مظهر لحرية الإنسان التي لا ينبغي الاعتراض عليها، بل بالحري يكسبونها الشرعية فيما وصلوا إليه من إمكانية الزواج بين رجل ورجل،.. وأليس من الحق أن نقول بعد هذا القول المشهور: إيه أيتها الحرية كم من الآثام ترتكب باسمك الجميل!!... إن الغرب في حاجة إلى الملك القديم آسا لإزالة جميع المأبونين في الأرض!!...

ثم كان الإصلاح هو الإصلاح المصحوب بالوعظ وكلمة الله،... ونحن نشك في أي إصلاح يبقى أو يستمر إن لم تصحبه الكلمة الإلهية، وقد وعظ عزريا بن عوبيد الشعب، وذكرهم بالقانون الخالد الذي ينص على أن الرب مع من يريده ويطلبه، كما أنه يترك من يريد تركه، ولم يذكر الواعظ القاعدة اعبتاطاً، بل عاد وإياهم إلى تاريخهم واختباراتهم، وكيف أن الله تركهم مرات متعددة أيام القضاة: "ولإسرائيل أيام كثيرة بلا إله حق، وبلا كاهن معلم، وبلا شريعة، ولكن لما رجعوا عندما تضايقوا إلى الرب إله إسرائيل وطلبوه وجد لهم وفي تلك الأزمان لم يكن أمان للخارج والداخل لأن اضطربات كثيرة كانت على سكن الأراضي".. إن تاريخ الكنيسة الطويل يشهد أن النهضات تقوم أو تنعدم على قدر ما يرتفع النبر المسيحي وينادي بكلمة الله أو يخيب عنها ويهجرها!!.. وقد توج الإصلاح بالعهد المقطوع أمام الله أخيراً،.. والعهد شيء جوهري يؤمن به وليم چيمس عالم النفس الأمريكي الكبير، إذ يترك في الذاكرة أثراً عميقاً، ليس من السهل أن يتجاوز الإنسان أو يتخطاه، ولعل هذا هو السبب الذي جعل المرنم يقول: "أوفي بنذوري قدام خائفيه.. حتى يجد نفسه مقيداً بهذه النذور أمام الله والمؤمنين!!... كان آسا نموذجاً رائعاً في ثورته الإصلاحية، كل من يريد أن يتعلم ويحاكي إصلاحه!!...



آسا المحارب

واجه الملك آسا حربين مختلفتين، كانت الأولى في صدر الشباب، وعلى الأغلب في السنة العاشرة من حكمه، وكانت الثانية في السنة السادسة والثلاثين من الحكم،.. وكانت الأولى أرهب وأقسى من الأخيرة، إذ زحف زراح الكوشي عليا بجيش من أكبر الجيوش القديمة، وقوامه مليون من الجنود، وقد كان من المتصور أنه مهما تكن قوة آسا واستعداده العكسري، فإنه لا قبل له أو طاقه للوقوف أمام هذا الجيش العظيم الرهيب،.. ولكن آسا لجأ إلى حليفه الأعظم القادر على كل شيء، وواجه آسا معركة من أكبر المعارك القديمة بصلاته العظيمة: "ودعا آسا الرب إلهة وقال: أيها الرب ليس فرقاً عندك أن تساعد الكثيرين ومن ليس لهم قوة فساعدنا أيها الرب إلهنا لأننا عليك اتكلنا، وباسمك قدمنا على هذا الجيش فساعدنا أيها الرب أنت إلهنا. لا يقو عليك إنسان"... فضرب الرب الكوشيين أمام آسا وأمام يهوذا، أي أنه كان واضحاً أن النصر بيد إلهية،.. وكان حرياً بآسا وقد حفرت هذه المعركة في أعماق ذاكرته، أن يستند إليها في مواجهة المتاعب والمصاعب والحروب التي قد تواجهه فيما بعد!!.. لكن آسا في معركته مع بعشا ملك إسرائيل فعل شيئاً مخالفاً لتصرفه الأول،.. لم يذهب إلى بيت الله ليصلي هناك، بل ليخرج من هذا البيت ومن بيته خزائن فضة وذهب ليقدمها الملك آرام لمعاونته في الحرب ضد ملك إسرائيل، واستجاب له الملك، وأعانه في الحرب، ونحن نعجب للملك الذي يترك الحليف الأقوى الذي لا يقوى عليه إنسان، إلى الحليف الأضعف الذي مهما كانت قوته، فهو لا شيء بالنسبة لقوة الله، ونحن أكثر عجباً لمن هو على استعداد أن يعطينا المعونة والخلاص، دون فضة أو ذهب أو مقابل، ومع ذلك لا نذهب إليه ونتركه لنذهب إلى من يكلفنا الغالي والثمن، وأكثر من ذلك سيتحول ضدنا يوماً من الأيام. وقال حناني الرائي هذا الكلام وغيره للملك آسا الذي كان عليه أن يعلم أن العدو الحقيقي المقبل هو الجيش الأرامي: "لذلك قد نجا جيش ملك آرام من يدك".. هل تسخط على الملك، وتنظر إليه كالأرعن الأحمق!! قبل أن تفعل هذا تذكر المعارك المختلفة في حياتك، وتذكر كيف واجهت أضخم المعارك بالإيمان العظيم، إن الله لا يقوى عليه إنسان، وتذكر أنك خرجت مترنماً صداحاً، تشهد بعظمة الله وقدرته العجيبة!!.. ثم سارت بك الأيام ودارت بك الحياة، لتلتقي بمعارك أصغر وأضأل وأقل، ولكنك واجهتها بروح أخرى أضعف وأيأس،.. لماذا حدث هذا؟!!.. هل أصابك ملل الحياة؟ هل دخلت في دور من الشيخوخة الروحية، والإعياء النفسي؟!! أم أنت بطرس يسير فوق الماء مثبتاً نظره نحو السيد، ولكنه إذ يحول النظر عنه يهوى في الحال، ولولا رحمة من المسيح وعون منه، لما طفا على الشاطيء، ولابتلعته الأعماق!!.. إيه أيتها النفس! أهكذا تتلونين وتتغيرين مع الزمن في اليوم الواحد!!... أجل، ولعل الصرخة الدائمة في -حياتنا وعلى لساننا: أومن فأعن عدم إيماني!!.. تذكر يا صديقي من يواجهك في المعركة وبأي روح تقاتل؟!! وهل تقاتل زارح الكوشي أو بعشا ملك إسرائيل!!..



آسا المريض

ومرض آسا يعطينا تحذيراً بالغاً قوياً، إذ يرينا الرجل وهو يركض في قصة الحياة، حتى صاح عندما لم يعد قادراً على الركض ليسقط متداعياً وهو يمسك برجليه، وهو يقول آه يا رجلي؟!!.. وقال الأطباء: إن الرجل مريض بقدميه، وقد اشتد مرضه، أما نحن فقد رأينا أن قدميه الروحيتين لم تعودا قادرتين على السير، لقد أصيب الرجل بمرض الحماقة التي جعلته يغتاظ من الناصح، ويزج به في السجن،.. وكما امتلأ بالحماقة أمام بعشا فلجأ إلى المعونة البشرية، امتلأ هنا أيضاً، فلم يطلب الرب، وآمن بالأطباء البشريين، فانتهى إلى الأردأ نفساً وجسداً،.. ونحن نسأل: هل كان من الضروري أن يحدثنا الكتاب عن هذه الغيمة، التي شابت شمس الرجل وقت الغروب؟ ولماذا لم يعطنا صورة لامعة مغطاة يمكن أن تخفي الأخطاء والهنات الضعفات... إن كتاب الله لا يمكن أن يكون ككتب البشر، إذ: "كل الكتاب هو موحى به من الله ونافع للتعليم والتوبيخ للتقويم والتأديب الذي في البر. لكي يكون إنسان الله كاملاً متأهباً لكل عمل صالح"... إن السؤال الذي يلقيه علينا آسا الملك العظيم، ليس مجرد البدء أو الشوط الطويل الناجح في قصة الحياة!!.. بل أكثر من ذلك، وماذا عن النهاية وهل هي أقوى أو أضعف؟!!... عاد الشاب بعد خمسة وعشرين عاماً من تخرجه في الجامعة، وكان عند التخرج في القمة في كل شيء، وكانوا قد اختاروه الشاب المثالي،.. عاد في زيارة للجامعة، وقد بدا عليه الجلال والبهاء، وإذا بأحدهم يسأله: إنك تبدو جليلاً، ويظهر أنك وفقت في حياتك العملية كثيراً... وأجاب الشاب: جل.. وقال السائل: يبدو أنك أصبحت غنياً!!... فأجاب: نعم.. أصبحت غنياً ولم أخطيء.. فقال له: يبدو أن عندك ثروة كبيرة من الذهب.. فقال: كلا. بل الله ثروتي!!.. كم أصلي أن تكون حياتنا إلى النهاية أقرب إلى هذا الشاب، دون أن نصاب في أرجلنا أو حياتنا بمرض آسا القديم، بل نملك كل أمانة وشجاعة أن نقول: "جاهدت الجهاد الحسن، أكملت السعي، حفظت الإيمان، وأخيراً قد وضع لي إكليل البر الذي يهبه لي الرب الديان العادل، وليس لي فقط بل لجميع الذين يحبون ظهوره أيضاً"!!..

elraiek G
09-16-2010, 06:49 PM
( 38 )

يهوشافاط

"تشددوا وافعلوا وليكن الرب مع الصالح"

(2أي 19 : 11)





مقدمة

قال أحدهم: لا تعد عصور الجبابرة الأقدمين شيئاً إلى جانب عصرنا الحاضر، فالتلسكوب، والميكرسكوب والتليفزيون، قد زادت من قوة إبصارنا،.. والتليفون، والراديو، قد ملأ أسماعنا، وزاد من ارتفاع أصواتنا،.. والسيارات والقطارات، والطائرات، أشبه ببساط الريح في الخيالات القديمة،.. لقد استطاع العصر أن يفعل أشياء كثيرة لأجسادنا!!... ولكن هناك ميداناً واحداً هو موطن الفشل أمام كل الاختراعات والاكتشافات، ألا وهو ميدان النفس البشرية.. وكل ما صنع الإنسان لم يستطيع إلى اليوم أن يغير من طبائع هذه النفس وشرها وحقدها وإثمها وفسادها.. ومن ثم فالكارثة تواجه على الدوام البشر، لقد أضحى الإنسان بمجرد اختراعاته واكتشافاته، عملاقاً في الجسد، وقزماً في النفس، ولا سبيل إلى سعادة الإنسان وأمنه ورفاهيته، بالانتباه إلى النفس قبل الجسد، وبالاهتمام بها قبل أي وضع بشري.. وهذه هي الرسالة العظمى للدين، وهذا هو ميدانه الأعظم والأمجد. كان يهوشافاط بن آسا واحداً من أعظم الملوك القدامي، الذين يؤمنون بهذه الحقيقة، ومن ثم كانت قيادته لأمته تبدأ بالنفس، قبل الجسد، وتهتم بالشركة مع الله، قبل الشركة مع الناس،.. ولو أنك سألت الرجل: ما سر الحياة عندك؟ لكان جوابه الوحيد: الدين أولاً، والدين دائماً، والدين أخيراً!!.. ونجح يهوشافاط على قدر ما أعطى الحياة الدينية فرحتها الكاملة في حياته وتعرض للفشل عندما أدخل الذكاء البشري إلى جانب الدين، ولكن رحمة الله تابعته لتعطينا جميعاً أن نركز الاهتمام في حياتنا الدينية إن رمنا وبيوتاً وأولادنا ومجتمعنا أن نحيا أعظم حياة على هذه الأرض ومن ثم يصح أن نرى قصته فيما يلي:



يهوشافاط من هو؟؟

اسمه يهوشافاط ومعناه "الرب قضى" أو "الرب حكم"، وهو الاسم الذي أطلقه عليه أبوه الطيب الملك آسا، وأغلب الظن أن الملك -وهو يتمنى أن يحكم الله حياة الابن والأمة معاً- لم يرد بخلده أن هذا الولد يتجاوز أقصى الأحلام والأماني، ويبلغ من السمو والشهرة، ما جعلهم يعدونه في العصور المتأخرة -كما يقول دين فرار- مع حزقيا ويوشيا من أعظم وأنقى وأتقى الملوك الذين عرفهم عرش داود،.. ولا يمكن -ونحن نحييه على هذه الحياة- إلا أن نعود قليلاً إلى الوراء، إلى الميراث الطيب الذي أخذه من أبويه، أباه آسا، وأمه عزوبة، اللذين درجاه على خوف الله، والسير بقوة وأمن وشجاعة مع إله أبيه... ونحن نعجز هنا، إذا ما التفتنا إلى عزوبة، وهي في نظرنا نوع آخر من يوكابد أم موسى، وحنة أم صموئيل، وأفنيكي فيما بعد أم تيموثاوس -نعجز كما يقول أوستن فيلبس عن الشكر لله، لأجل الأمهات المسيحيات سر الحياة والبركة في الآلاف المتعددة من الأولاد المسيحيين- وفي الحقيقة أنه دين ما بعده دين للآباء والأمهات، الذين يدرجون أولادهم في الحياة المسيحية، وويصلون من أجلهم حتى لا يخضعوا للتجارب القاسية التي تحاصرهم في ربيع الحياة وشباب العمر،... ومن البادي أن يهوشافاط كان سريع الاستجابة، عميق الإحساس بنداء أبيه وأمه، إلى الدرجة التي تفرق فيها على الأب إذ لم يسركما سار أبوه فحسب بل ارتقى إلى حياة أعلى وأجل إذ: "سار في طرق داود أبيه الأولى، ولم يطلب البعليم" وهي كلمات عميقة التعبير قوية المغزى، ولعلها تذكرنا بقصة ذلك الطيار الذي كان يسير بطائرته في الجو، وروع عندما أبصر فأراً يسير بين الآلات، ويمكن أن يحدث عطباً بها، فتسقط من العلو الشاهق،.. وسأل نفسه: ماذا يفعل وكيف يتصرف؟، ورأى أن أفضل طريق هو أن يصعد إلى أعلى طبقات الجو التي يمكن الوصول إليها، والتي يقل الهواء حتى يختنق الفأر، وقد صح توقعه، فإن الفأر خرج من بين الآلات يترنح وقد سقط ميتاً، وسواء صحت هذه القصة أم لم تصح، فإنها تعطينا الصورة فيما فعل يهوشافاط، إذ أنه أدرك فأر الخطية في حياة داود، وسار في طريق حياة داود الأولى، دون أن يتردى في السقوط الذي لحقه فيما بعد،.. لقد أصر الملك الشاب على أن يسير في صحبة الله، ويرفض البعليم،.. لقد خط طريقه من أول الحياة على أن يكون صديقاً لله، ويرفض صداقة البعليم –والبعليم ومفردها “البعل” هي مجموعة الآلهة التي كانت تتعبد لها الممالك الأخرى، وتسربت عدواها البشعة إلى شعب الله… أما هو فقد وقف بصلابة ضد تبارها العنيد، وقاد الأمة كلها في مواجهة هذا التيار!!..



يهوشافاط وحياته الروحية

كان يهوشافاط شديد الإدراك بالحاجة إلى الحياة الروحية المتعمقة مع الله، وقد كانت الحياة الروحية في مفهومنا عنده، ظاهرة في ثلاث صور واضحة، أولها -حب الشريعة الإلهية والتعلق بها،.. كان الرجل يؤمن بسلطان الكلمة الإلهية على الحياة، ومن ثم كان شديد التعلق بها، وإذ أدرك ضرورتها البالغة، أرسل الكهنة واللاويين إلى الشعب ليعلموه الشريعة، ولا يمكن أن يفعل هذا دون أن يكون هو محباً لها، متعلقاً بها، وسنراه فيما بعد وقد وصل به التعلق إلى أن يخرج هو بدوره ليكون واعظاً متجولاً في البلاد بها!!... لم يكن الوحي قد كمل أيام يهوشافاط، وفلم يكن العالم قد أدرك الكتاب والطباعة التي بلغها فيما بعد،.. ومع ذلك فإن يهوشافاط، ومن كانوا على قراره من القدامى- كانوا أروع صورة للتعلق بالكلمة الإلهية، ونحن يمكن أن نتخيل صورهم، ونطوبهم مع صاحب المزمور الأول: "طوبى للرجل الذي لم يسلك في مشورة الأشرار، وفي طريق الخطاة لم يقف، وفي مجلس المستهزئين لم يجلس، لكن في ناموس الرب مسرته وفي ناموسه يلهج نهاراً وليلاً، فيكون كشجرة مغروسة عند مجاري المياه، التي تعطي ثمرها في أوانه وورقها لا يذبل، وكل ما يصنعه ينجح".. لم يكن يهواشافاط يعرف الكلمة الإلهية مجرد كلمة بل هي طعام الحياة له، أو كما كانت لإرميا عندما قال: "وجد كلامك فأكلته فكان كلامك لي للفرح ولبهجة قلبي لأني دعيت باسمك يا رب إله الجنود"...

والصورة الثانية في الحياة الروحية عند يهوشافاط -وقد كان أبعد وأعمق في التعلق بالله هي: الاسترشاد الدائم بالمشورة الإلهية، إذ لم يكن يقدم على أمر صغر أو كبر، دون أن يسترشد بالله، وكان لا يقدم على حرب دون التأكد من صوت الله، ومن ثم نراه يلجأ إلى الأنبياء كأليشع، وميخا، ليعرف رأى الرب!!... وهل لنا هنا أن نتوقف قليلاً لنقول إن التاريخ البشري كان يمكن أن يتغير بأكمله، لو أن الإنسان أنصت بعمق إلى صوت الله في شتى الاتجاهات والمجالات؟ وهل لنا أن نقول على وجه التخصيص: ما أكثر ما يعذب المؤمنون من أولاد الله أفراداً وجماعات لأنهم لم ينصتوا إلى صوت الله، أو لم يتعودوا سماع صوته، أو لم يكن لهم الوقت الكافي لطلب مشيئة الله وإرادته؟؟! ومنذ ذلك الوقت الذي سقط فيه يشوع في فخ الجعبونيين الذين تظاهروا بالمجيء من بلاد بعيدة ومدينتهم واحدة من كبرى المدن القريبة من شعب الله، "فأخذ الرجال من زادهم ومن فم الرب لم يسألوا".. وإلى اليوم ما يزال الكثيرون من أبناء الله يعانون أشد المعاناة، لأنهم لم يشركوا الرب معهم، وهم واقفون على مفترق الطرق، في العمل، والزواج، والهجرة، وتقرير الأمور المختلفة في حياتهم!!.. وقد يحدث عندما يسقطون في شر النتائج لما فعلوا، إنهم يعودون إلى الله قائلين: لماذا يارب فعلت بنا هكذا!، وكان أولى بهم أن يلوموا أنفسهم لأنهم لم يطلبوا مشيئة الله، أو عرفوها ولم يسيروا حسب إرادته الصالحة المرضية الكاملة!! لكن يهوشافاط كان حريصاً وواعياً ليعرف أمر الرب، وقد امتلأت حياته بطلب الإرشاد الإلهي!!.. فيما خلا بعض المواقف الأساسية التي فاته فيها هذا الإرشاد، وكاد يضيعه، ويضيع مملكته معاً، ولعل أبرز أمرين فيها مصاهرته لآخاب، والاشتراك في التجارة مع ابنه!!.. لكنه على أي حال، كان واحد ممن يضعون الاسترشاد الإلهي في مقدمة تصورهم الروحي للعلاقة بأبيهم السماوي العظيم!!.

وكانت الصورة الثالثة للحياة الروحية عند يهوشافاط أكثر عمقاً، فهو لا يقرأ كلمة الله، أو يستزيد منها، فقط، ولا يسرع إلى الله ليسترشد به فحسب، بل هو أكثر من ذلك هو المستند إليه في الأزمات والشدائد،... فعندما هاجمه بنو عمون وموآب وساعير خاف يهوشافاط وجعل وجهه ليطلب الرب ونادى بصوم في كل يهوذا و صلى صلاته العظيمة: "يا إلهنا أما تقضي عليهم لأنه ليس فينا قوة أمام هذا الجمهور الكثير الآتي علينا ونحن لا نعلم ماذا نعمل ولكن نحوك أعيننا".. ودخل الحليف العظيم معه المعركة، وتحول الجيش إلى أغرب ما يعرف في تاريخ الجيوش على الأرض، إذ لم يحارب، بل وقف يرنم ترنيمة الخلاص، وتحول الأعداء بعضهم ضد بعض "ساعد بعضهم على إهلاك بعض"... واستعاد يهوشافاط صورة موسى وهو يغني على ضفاف البحر الأحمر: "الفرس وراكبه طرحهما في البحر"... كانت الصلاة عند يهوشافاط أفعل من كل أدوات الحرب والقتال،... وهل نسى عندما دخل في المأزق في راموت جلعاد، وتحولت عليه السهام بأكملها وهو يحارب إلى جانب آخاب المتنكر في المعركة؟، وكما قال هنا لم يكن يعلم ماذا يعمل سوى أنه حول عينيه بالصراخ إلى الله، فأنجده الرب حين لم تكن هناك قوة على الأرض تستطيع أن تعينه وتنجده!!... مات يهوشافاط وتغيرت عصور وقرون وأجيال،.. ولكن الله هو هو أمساً واليوم وإلى الأبد، لا يتغير، وهو على استعداد أن يفعل في حياتي وحياتك، وفي أشد المآزق والأزمات ما فعل مع الملك القديم، متى صرخنا إليه في ضراعة ورجاء، وأمل: "ونحن لا نعلم ماذا نعمل، ولكن نحوك أعيننا"... شكراً لله الذي لم يصنع معنا حسب خطايانا، أو يجازنا حسب آثامنا.. لكنه يقبل صرختنا في الليل العميق الدجى الممتليء بالمأساة والتعاسات والشر، ويحول الليل إلى اختبار عميق، كما حوله مع يهوشافاط، حتى إنه أطلق على المكان "وادي بركة" لأنهم هناك باركوا الذ ي لم يدعهم يشتركون في القتال، بل ليروه يقاتل عنهم وهم صامتون!!...

أية حماقة تتملكنا جميعاً أمام المآسي والمآزق؟ ولماذا نتعب والله يريدنا أن نستريح؟ ولماذا القلق والله يريدنا أن نمتليء سلاماً؟.. وكل ما في الأمر، أن نقرأ كلمة الله، ونتفهمها، ونأخذ مشورة الله ونقبلها، ونستند إلى ذراع القدير: "وطوبى لجميع المتكلين عليه"...



يهوشافاط وقيادته الرشيدة

يعتقد اليابانيون أن امبراطورهم سليل الآلهة،.. وعندما يتولى العرش، لابد أن يتسلم -حسب تقاليدهم- ثلاثة أشياء: مرآة ومنشوراً بلورياً، وسيفاً... أما المرآة فترمز إلى ضميره الذي عليه أن يدرك أنه يتحمل مسئولية مائة مليون من رعايه، أما المنشور البلوري فيمثل الطهارة التي ينبغي أن يكون عليها كملك جدير بشعبه، أما السيف فيرمز إلى القوة التي وضعت في يده لحماية الحق والقضاء على الظلم،.. ومن المعتقد أن يهوشافاط، كان كل هذه وأعمق منها، وهو يقود بلاده في مختلف الأنواء والعواصف، وهو يصلح أن يكون مثلاً يحتذى!!..

كان يهوشافاط الرجل الذي بدأ إصلاحه بالهدم، والمصلحون في العادة، هم أولئك الذين يظهرون في أوقات الفساد والشر، ولا يستطيعون أن يضربوا عميقاً في الإصلاح، إلا إذا نسفوا القلاع التي بناها الشيطان، وأحاطها بالأسوار العالية، وقد جاء يهوشافاط هنا مكملاً لعمل أبيه، إذ أتى على البقة الباقية من المرتفعات الوثنية، والسواري التي كانت في أرض يهوذا، ولا يمكن للقيادة الموفقة أن تبدأ عملها على أساس سليم صحيح، ما لم تنزع كل مظاهر الفساد، وقد يبدو هذا لأول وهلة أمراً يسيراً ممكناً، ولكنه في الواقع من أدق وأصعب الأمور على الإطلاق، ولأجل هذا قيل عن يهوشافاط: "وتقوى قلبه في طرق الرب ونزع أيضاً المرتفعات والسواري في يهوذا".. إن أشجع الناس وأقواهم، هم الذين يقفون ليحاربوا العادات والنظم والتقاليد والعبادات الفاسدة التي درج عليها الناس،.. وقد وصف بولس وسيلا في فيلبي بأنهما: "يناديان بعوائد لا يجوز لنا أن نقبلها أو نعمل بها إذ نحن رومانيون".. وكم من عادة دينية واجتماعية يؤمن الناس ببطلانها وسخفها، ومع ذلك يمارسونها على نحو مؤسف مؤلم!!.. وفي مصر عندما دخلت المسيحية إلى البلاد، كانت هناك عوائد وثنية تتصل بالموتى فيما يعرف بالثالث، والسابع، والأربعين، وغيرها، ولم يسهل اقتلاعها، فصبغت بصبغة دينية، ما تزال قائمة إلى اليوم، والدين منها براء،.. إن المصلح الصحيح عليه أن يضرب -أولاً وقبل كل شيء- هادماً أو كما قال الله لإرميا: أنظر قد وكلتك هذا اليوم على الشعوب والممالك لتقلع وتهدم وتهلك وتنقض وتبني وتغرس"..

على أن الإصلاح ليس مجرد هدم يترك وراءه أنقاضاً وفراغاً، بل هو أكثر من ذلك، بناء متعب شاق،.. وقد بنى يهوشافاط المدن والقلاع،.. وأنت أيها القاريء: هل تدرك أن التاريخ لا يرحم، وأن الأبدية أكثر دقة وصدقاً من التاريخ نفسه؟

والسؤال الذي يواجه الإنسان مهما كان حظه أو شخصه: هل هو بناء أم مجرد هادم يهدم؟... ومن المؤسف أن ملايين الناس لا تكتب قصتها سوى قصة الهادم، وليته يهدم قلاع الخطية والشر،.. بل إنه على العكس، يتسلم أعظم مباني الحق الشامخة، ليحولها أنقاضاً ضائعة، تبكي عزها القديم ومجدها التالد،.. ولكن الإنسان العظيم حقاً أمام الله والناس، هو الذي يأتي إلى موضع الخراب، ليقيم مكانه الرواسي المجيدة التي تعلن اسم الله وعظمته ومجده!!... وقد كان يهوشافاط من هذا الصنف من الناس، وهو يترك وراءه العمار في كل مكان!!...

على أن التعليم الديني كان بالإضافة إلى هذا كله، ركناً من أركان الإصلاح عند يهوشافاط، ويمكن أن نقول إن الرجل كان شديد الحماس لهذا التعليم، فلم يرسل الكهنة واللاويين لينيروا الشعب في شريعة الله، بل أكثر من ذلك لقد أحس أن هذا واجبه الشخصي، ولذلك نجده بعد نجاته في راموت جلعاد قد أخذ يطوف بين الناس ليبشرهم ويعظهم، وما أعظم أن يرى الناس ملكاً يعتلي منبراً،.. إن عظة الملك، ملكة المواعظ، وإذا صح القول إن الناس على دين ملوكهم، فكم يتعمق إحساس الناس بالدين، عندما يرون الملك واعظاً جوالاً، يعلم ويبني أمته على القاعدة الصحيحة من الدين؟؟.. إن الملوك في العادة تهتم بمحاربة الفقر، والجهل والمرض، وتعتبرها أعدى أعداء الوطن، لكننا نرى هنا ملكاً يهتم إلى جانب هذه أو بالأحرى قبلها، يجذب الناس إلى الله، وتعليمهم الحياة الدينية والشركة الإلهية،.. قال أحدهم: إن كل أب يهتم بأن يتعمل ابنه ويحصل على أعلى الدرجات العلمية، ونحن نبذل في سبيل تعليم أولادنا كل جهد ومال وصحة،.. ولكن ما أكثر ما نفعل، أن تكون المادة الأولى في تعليمهم معرفة الله والشركة معه،.. والنتيجة المحزنة هي التي جاءت على لسان أب محزون: "إن ابني قل عنده احترام الله، وقلت عنده قابلية العمل الجدي الصعب، ويخيل إلى أن درجة تفكيره تقل عن تفكير زملائه"... أيها الأولاد: إن أعظم درس تأخذونه في الحياة ليس هو الجغرافيا، أو التاريخ، أو الهندسة، أو الطب، بل هو الدرس الذي تتعلمونه في الصلاة العائلية، أو في مدرسة الأحد، أو الكنيسة!!... ونحن لا نملك هنا إلا أن نقف آسفين للإلحاد الواقعي، أو الروحي، الذي تتهاوى فيه المدنية الغربية والتي تزعم أن تعليم الدين في المدارس، وتربية الأولاد تربية روحية يتنافى مع الحرية أو يجافيها، وقد طرح الأمر في كثير من الأحايين أمام المحاكم، للفصل فيما إذا كان تعليم الدين في المدارس يخالف الحرية الواجب الأخذ بها أم لا يخالفها!! ناهيك بما هو محزن وأليم في البلاد الشيوعية التي رفضت الدين رسمياً، ولا تسمح به كمادة من مواد التعليم. أين هذا من فكر يهوشافاط القديم الذي سعى في الأمة بأكملها يطلب الله، وينادي به في كل بيت، وفي المجتمع، وفي أحشاء الأمة بأكملها؟!! أيها الأولاد ستفقدون كل شيء. ويضحى جوكم خانقاً مسموماً إذا نسيتم أن درس الإنسان الأول والأخير هو الله،.. كان بيفرلي نقولس الصحفي الإنجليزي الكبير، قد أعد مرة في حديقة داره، مأدبة عظيمة لعدد من أصدقائه، وإذ انصرف الضيوف، ولم يبق في المكان غيره جمع باقة من الزهور، وإذ راقه منظرها، وأثار كوامن نفسه، كتب يقول: "لقد كان من المحتم علي -حسبما أعتقد- وأنا جالس في الحديقة أن أسأل نفسي عما يكون وراء هذا الجمال... عندما بارح الضيوف، أخذت الزهور بين يدي، وأنا أتعجب: كيف يمكن أن يستولي علي، في الوقت نفسه الإحساس بالفراغ!!.. كان يخيل إلى كأنما أنا في حاجة إلى أن أشكر شخصاً ما.. غير أنه لم يكن هناك شخص أمامي،.. أو يمكن القول في معنى آخر، شعرت بالحاجة إلى العبادة،.. وربما تكون هذه هي الطريق المشوقة التي يأتي بها الإنسان إلى إلهه.. هناك أبحاث لا تنتهي عن أساس النازع الديني في الإنسان.. ولكن الأمر عندي أكثر بساطة من ذلك... إذ تخلص في ذلك الخيال الذي ألم بالإنسان ساعة الأصيل، وهو يرى أصباغ الجو القرمزية، ويريد أن يقول لشخص ما أشكرك!!.."

كان يهوشافاط بن آسا يريد أن يصبغ وجدان أمته بالتعليم الديني!!.. قال دكتور توري: هناك ثلاثة أشياء ضرورية للصحة الروحية والقوة والنمو،.. وهي دراسة الكتاب المقدس، والصلاة المستمرة، والسعي الدائم لخلاص الآخرين، وعندما توجد هذه فستكون هناك الصحة الروحية، والقوة الروحية، والنمو الروحي،.. وعندما نفتقر إلى واحد منها فسيكون هناك التدهور الروحي، والمرض الروحي، والضعف الروحي، والموت الروحي!!...

وكان الأمر الأخير في قيادة يهوشافاط: تحقيق العدالة، إذ أن هناك دائماً الصلة الكبيرة بين الدين والعدالة، فإذا فسدت العدالة تعرض الدين للانهزام، وإذا وجدت الرشوة والإعوجاج والظلم والمحاباة، ضعف أثر الدين في النفوس وبهتت معالم الحق،.. لذلك جعل الملك قضاة في كل مدن يهوذا كما جعل محكمة استئناف في أورشليم، وطبع القضاء بالطابع الديني، إذ جعل القضاة يدركون أنهم يعملون مع الله ولله: "وقال للقضاة انظروا ما أنتم فاعلون لأنكم لا تقضون للإنسان، بل للرب وهو معكم في أمر القضاء والآن لتكن هيبة الرب عليكم احذروا وافعلوا لأنه ليس عند إلهنا ظلم ولا محاباة ولا ارتشاء"... لم تكن العدالة عند الرجل صفة أدبية يتحلى بها الإنسان أو الأمة، بل هي الضرورة الدينية، التي ينبغي أن يدركها القاضي، في حكمه بين الناس،.. هل يعلم القضاة وهم ينطقون بأحكامهم، إنهم لا ينطقون بها أو يكتبونها باسم رئيس الدولة أو باسم الأمة، بل في الواقع باسم الله، القاضي العادل الذي يحكم بين الناس بالعدل؟؟ وويل لأي قاضي أو حاكم يضع الاسم الجيل على رأس حكمه، وهو يحكم ظلماً أو غدراً أو ضلالاً!!.. على هذا القاضي أن يعلم أن هناك محكمة أعلى، ليست في أورشليم الأرضية بل أورشليم السماوية التي هي أمنا جميعاً، وستصحح كل حكم ضاع بسبب ظلم الناس أو كذبهم، أو حماقتهم أو ضلالهم، ولن ينجو من عقوبتها ظالم أو فاسد أو شرير!!.



يهوشافط وخطأه القاسي

سقط الرجل العظيم في الخطأ الفادح القاسي،.. وإذا تأملنا الأمر بعمق نجد شيئاً ذهنياً عميقاً حدث في فكره، لقد بدأ بسياسة، ثم لم يلبث أن تحول عنها إلى السيباسة الأخرى النقيضة لها،.. لقد بدأ سياسته أولاً في التشدد تجاه مملكة إسرائيل، أي أنه بدأ سياسة التحصن والانفصال والمواجهة،.. لكنه لم يلبث أن تحول إلى النقيض من ذلك إذ "صاهر آخاب"... أو تحول من سياسة المجابهة إلى سياسة المحالفة، فوقع في الفخ القاتل الذي يقع فيه الكثيرون من أبناء الله، وهم يدرون أو لا يدرون، ولست أعلم ما الذي دفعه إلى مثل هذا التحول، هل أغري بجمال بنت آخاب وإيزابل، والحسن غش والجمال باطل وأما المرأة المتقية الرب فهي تمدح؟!.. وما أكثر ما ضاع الكثيرون بسبب جمال المرأة الشريرة التي حولت حياتهم إلى الجحيم المستعر،.. أم هل طرأ عنده حلم الاحتواء -كما يتصور البعض- إذ يحتوي إسرائيل ويهوذا معاً، ومن يدري؟ فقد يعيدها مرة أخرى إلى الوحدة التي ضاعت منهما،.. قد يكون.. ولكن ألم يكن يعلم أن المعاشرات الرديئة تفسد الأخلاق الجيدة؟... وأن الاحتمال العكسي لمن يندفع في الأمر على أمل إصلاح الشرير، قد يكون خطأ فادحاً قاسياً؟!! أم أنه آثر الأمان بالمصاهرة، حتى يجنب نفسه المشاكل والمتاعب والحروب، وهو لا يعلم أنه على العكس قد أدخل إلى نفسه وبيته ومملكته هذه جميعا، إذ أنه اضطر إلى أن يدخل الحرب مع آخاب في معارك إسرائيل الخاصة، وكادت أن تضيع حياته في راموت جلعاد ثمناً لهذه المشاركة التعسة، وضاعت سفنه مع ابن آخاب في التجارة المشتركة!!... إن سياسة التحالف مع الشيطان هي أقبح السياسات وأشرها في كل العصور، وإذا كان "تشرشل" قد قال في الحرب العالمية الأخيرة دفاعاً عن تحالفه مع الروس هذا القول، فإن العالم اليوم يعاني الأمرين من نتائج هذا التحالف في الشيوعية الدولية وتنينها الذي يريد أن يبتلع كل شيء!!...

كاد يهوشافاط أن يضيع، ويضيع كل شيء، بهذه السياسة التي حاولت أن تجمع العالم والدين معاً، ولولا رحمة الله التي أمسكت به ورفعته فوق حماقته وخطيته، لأنه لا يصنع معنا حسب خطايانا أو يجازينا حسب آثامنا، وهو أدباً يؤدبنا وإلى الموت لا يسلمنا،.. لولا هذه الرحمة لضاع الرجل ساعة الغروب، ولانكسفت أنواره العظيمة عند مغيب الشمس.. إن الدرس الذي يلقيه لنا من وراء العصور هو الحذر البالغ: "لا تكونوا تحت نير مع غير المؤمنين لأنه أية خلطة للبر والإثم وأية شركة للنور مع الظلمة وأي اتفاق للمسيح مع بليعال وأي نصيب للمؤمن مع غير المؤمن، وأية موافقة لهيكل الله مع الأوثان، فإنكم أنتم هيكل الله الحي كما قال الله إني سأسكن فيهم وأسير بينهم وأكون لهم إلهاً وهم يكونون لي شعباً. لذلك أخرجوا من وسطهم واعتزلوا يقول الرب ولا تمسوا نجساً فأقبلكم وأكون لكم أباً وأنتم تكونون لي بنين وبنات يقول الرب القادر على كل شيء"..

elraiek G
09-16-2010, 06:50 PM
( 39 )

يوآش

"وعمل يهوآش ما هو مستقيم في عيني الرب كل أيامه التي فيها علمه يهوياداع الكاهن"

(2مل 12: 2)



مقدمة

كانت الفتاة الصغيرة لا تمل النظر إلى نموذج المدينة الموضوع أمامها، وأطلقت عليها المدينة المسيحية، وسألها أبوها قائلاً: لنفرض أن هذه المدينة وثنية، فماذا ينزع منها؟!! أجابت بسرعة: الكنيسة.. وقال الأب: ألا يوجد شيء آخر؟.. قالت لا أظن،.. ولكن الأب قال: لا يابنتي فإن هناك أشياء كثيرة يمكن أن تزال: المدرسة، والمستشفى ودور العجزة والمكتبات العامة!!.. قالت له الصغيرة: ولكن هذه موجودة في البلاد الوثنية!!... قال لها: إنها لم توجد إلا بتأثير الروح المسيحي، والعالم لم يعرفها، إلا عندما تعمق فيه هذا التأثير، وقد أخذها مقلداً الفكر المسيحي، والعاطفة المسيحية، فهي مرتبطة أساساً بالمفهوم المسيحي في الحياة، وعندما تزال الكنيسة أو بالحري تزال روح الكنيسة في الأرض!!.. فإن ما صدر عنها أو استلهم روحها يمكن ألا نجد له وجوداً،.. ولعل هذا يتضح بالمقارنة مع التاريخ الوثني، الذي لم يعرف -على رغم تعمقه الفلسفي- انتشار دور الحنان والمحبة والإحسان والرحمة!!.. قال الآب: هذا أو شيئاً مثل هذا وهو يبين أهمية بيت الله في الأرض،.. ولعل هذا البيت كان له كل شيء في حياة يوآش، إذ هو المكان الذي درج فيه، واختبأ، وعاش، وهو البيت الذي اهتم بترميمه كأعظم عمل قام به،،.. وكان من الممكن أن يبقى تأثير هذا البيت عميقاً في حياته، لولا أن روحه تباعدت عنه بعد موت الكاهن العظيم الذي علمه ودرجه في كل شيء، وجاءت الغمامة التي طالما لاحقت ملوك يهوذا عند الغروب، ووضعت لتحذيرنا جميعاً، وها نحن نتابع قصة الرجل فيما يلي:



يوآش والألم المبكر

إن قصة يوآش تذكرني بقصة الغلام الصغير الذي كان يتعلم الموسيٍقى، وجاءته الفواجع، وهو في سن مبكرة، فقال لأستاذه: لست أعلم لماذا سمح الله بهذه الآلام التي ألمت بحياتي من كل جانب، وأنا في مطلع الحياة وطراوة الأيام،.. وقال له الأستاذ: لست أعلم يا بني مثلك، لماذا سمح الله لك بهذا كله،.. لكني أعلم شيئاً واحداً، أن لك صوتاً موسيقياً رائعاً، وأن هذا الصوت كان يحتاج إلى رنة الألم والحزن فيه، حتى يصبح من أرق الأصوات التي أعطاها الله للناس في حياتهم!!.. لقد صنع الألم يوآش على صورة من أجمل الصور، فإن ياهو بن نمشي قتل أباه، والطفل ما يزال بعد رضيعاً، فما كان من عثليا بنت إيزابل جدة يوآش وأم أبيه إلا أن قامت وأبادت جميع النسل الملكي، وانفردت هي بالحكم، على أن يهو شبعة زوجة رئيس الكهنة يهوياداع أخت الملك استطاعت أن تخطف ابن أخيها، وتخبئه ست سنوات من وجه عثليا،.. كان أخزيا أبوه ملكاً شريراً، ولو أنه عاش ونشأ في أحضانه وأحضان عثليا، لتغير على الأرجح تاريخه بأكمله، ولسار وراء بيت آخاب في كل شرورهم،.. لكن يتم الولد كان من أهم الأسباب التي استخدمها الله لخيره وحياته!!.. عندما قتلت عثليا النسل الملكي بهذه الصورة المفزعة الرهيبة، كان الناس لا يذكرون إلا أن كارثة قد حدثت،.. ولعل البعض رفع عينيه نحو السماء وهو يقول: لماذا سمحت يا رب بهذه الكارثة؟!!.. ولعل آخرين تعجبوا كيف يتغلب الشر إلى هذا الحد، ويبدو كما لو أن الله أخلى المكان للأشرار ليعيثوا شراً وفساداً في الأرض!!.. ولعل الغير وقد صدمهم هول الحادث، عجزوا أمام نهر الآلام أن يعرفوا من أين تأتي منابعه، وإلى أين تتجه أو تصب!!… ولكن الرقيب الأعلى كان يراقب كل شيء، ويتابع التيارات الخفية، ويغير اتجاهها ومجراها، ولم يستطع الناس لسنوات متعددة أن يروا تياراً رقيقاً مندفعاً في اتجاه الصالح والخير، نابعاً من قلب هذه الآلام،.. ولم يعرف الناس أن يوآش الصغير كانت أجمل أيامه هي الأيام التي علمه فيها الألم أن يعيش دون زهو أو كبر أو اعتداد، لمجد الله، وخدمة هيكله، والعمل على رفع المعاناة والتعاسات والمآسي التي يعيشها غيرهم من أبناء الله المتألمين في الأرض!!…



يوآش والتربية الصالحة

قال أحدهم: "عندما يسمح الله بأن تأخذ امرأة مثل عثليا مكانها وسلطانها في حياة الناس، يأمر بأن تكون هناك يهوشبعة التقية الصالحة أيضاً". وكانت يهوشبعة عمة الملك الصغير، وزوجة رئيس الكهنة العظيم يهوياداع، والقصة الكتابية ترينا رئيس الكهنة رجلاً قوي التفكير، والحياة والأخلاق، وقد عاش مائة وثلاثين عاماً، كان فيها الركن الهائل العظيم الذي استندت إليه البلاد في الملمات، والشخصية القوية التي أرجعت يهوذا من شره ووثنيته، وعاش الملك صبوته وشبابه في ظل رئيس الكهنة، وعمته التقية المباركة، وغرس الاثنان في قلبه بذار الحياة الصالحة المقدسة، ونشأ العود الغض في تربة من أجمل وأقدس التربات، تأثرت روحه الشابة بالمؤثرات الدينية الكريمة، لا سيما وقد كان بيت الله، المكان الذي اختبأ فيه ودرج من مطلع حياته،.. ويكفي أن الكلمة الإلهية تشهد أن يوآش عمل ما هو مستقيم في عيني الرب كل أيامه التي فيها علمه يهوياداع الكاهن، وترينا مدى الأثر الذي يمكن أن يصل إلى أعماق حياتنا من الصوت المنبه والمحذر والمشجع بالتعليم الإلهي، بل ترينا أن غيبة هذا التعليم، ولو لفترة من الزمن، قد يترك أفدح الآثار وأقساها في الحياة،.. ما أكثر الكثيرين الذين يتصورون أن الأساس القديم العظيم، يصلح أن يتابعهم مدى الحياة، وهم ناسون أو يتناسون أن القلب أخدع من كل شيء وهو نجيس من يعرفه، وأننا ينبغي أن نعظ بعضنا البعض كل يوم لئلا يتقسى أحد منا بغرور الخطية، وأن الحياة الدينية اليومية كالطعام سواء بسواء، وكما أننا لا نستطيع أن نأكل طعام شهر في يوم واحد، أو القول إننا يمكن أن نختزنه، كما يخزن الطعام داخل البيت، دون أن نأكله في وجبات متعددة كل يوم، هكذا حياتنا الروحية، وهي تنتقل من يوم إلى يوم.. لاحظ أحد الرعاة أحد أعضاء الكنيسة، وقد درج على التغيب عن درس الكتاب الأسبوعي، والذي كان يعقد يوم الأربعاء.. فزاره في المنزل، وكانت المدفأة في غرفة الجلوس مشتعلة بالفحم الموضوع فيها، ولم يفعل الراعي أكثر من أن يلتقط قطعة من الفحم التي تحولت في التهابها إلى جمرة حمراء، وتركها على أرض للتحول سوادها الكامل، وقال صاحب البيت للراعي: إنك لست في حاجة إلى أن تكلمني كلمة واحدة، ستجدني هناك يوم الأربعاء مساء!!.. إن السؤال الذي قد يعن لبعض أن يسأله: متى ننتهي من التعليم الديني، والوعظ، وقراءة الكلمة المقدسة، والذهاب إلى بيت الله؟!!. والجواب دون أدنى شك: إن النهاية لا يمكن أن تكون قبل نهاية أنفاسنا على الأرض!!.. سل الواعظ الذي يغلق كتبه قبل هذا التاريخ ليحدثنا عن الصدأ الذي ملأ ذهنه وكيانه!!.. سل البيت الذي أهمل المذبح العائلي، ومدى الرماد المتناثر من بقايا المذبح القديم على كل أركانه.. سل الحياة التي انطفأت، بعد وهج عظيم، لأن يهوياداع كاهنها العظيم المعلم قد مات، ولم ينهض كاهن آخر ومعلم آخر ليحل محله!!…



يوآش المتوج ملكاً

توج يهوياداع يوآش ملكاً على يهوذا، وهو في السابعة من عمره، وقد قاد حركة الانقلاب بفطنة وحكمة وشجاعة، إذ دعا أولاً رؤساء الجيش من الجلادين والسعاة، وأمن جانبهم، بل دفعهم دفعاً إلى قيادة الحركة، إذ طلب منهم أن يجوبوا البلاد ليأتوا باللاويين والكهنة وعلى الأغلب جاء هؤلاء في عيد من الأعياد، حتى لا يثير مجيئهم الشك في شيء، ثم أراهم الملك لكي يتشجعوا انتهز فرصة السبت في الوقت الذي يكثر فيه الآتون إلى الهيكل، وهناك قام بحركة الانقلاب!!.. ولعل من أعجب الأمور أن ترى عثليا المنظر فتهتف: خيانة خيانة!!.. وهي كلمة ينبغي أن نقف أمامها بكل تعجب وتأمل!!.. عندما قامت هي بحركتها السابقة منذ ست سنوات سابقة وأبادت النسل الملكي، أي وصف كان يمكن أن توصف به هذه الحركة!!؟ ولو أن واحداً اتهمها بالخيانة في ذلك الوقت ماذا يكون جوابها؟!!.. إنها النفس البشرية الغريبة التي تكيل بكيلين، والتي تحرم على غيرها ما تحلله لنفسها، وهي لا تدري أنها وهي تحكم على الآخرين إنما تصف وصفاً دقيقاً ما فعلته هي!!... ولا يمكن أن يكون فعلها المحرم حلالاً، لمجرد استقراره أو استمراره ست سنوات، ولا ستة آلاف من الأعوام يمكن أن تجعل الخطأ صواباً، والباطل حقاً، والشر خيراً، وتقادم الشر في الأرض لا يمكن أن يعطيه رخصة بالاستمرار والبقاء!!.. بل لابد للشر أن يذهب وينتهي بغتة كما جاء، وذلك هو القضاء الإلهي الذي لا محيص عنه، ولا مهرب من حكمه، مهما تحوط الإنسان، أو بني من قلاع وأسوار حول الإثم والفساد والشر والخطية،.. بل إن قصة عثليا تكشف عن وجه آخر من قضية قديمة، وهو هل يجوز مقاومة السلطان؟!! وباديء ذي بدء أن الإيمان المسيحي يحرم علينا التآمر وخيانة الدولة، وأنه لا يمكن أن يكون هناك مسيحي خائن لوطنه، ويرفع السلاح في وجه قادة بلاده،... على أن القاعدة هنا لا تؤخذ على إطلاقها، إذ أنه لا يجوز إطاعة أي قائد أو رئيس يخرج عن حدود الله بالنسبة له، إذ هنا ينبغي أن يطاع الله أكثر من الناس، فإذا دعا الرئيس إلى الشر أو الإلحاد أو مقاومة عمل الله، فهنا يصح أن يعترض المسيحي، بشرط ألا يستخدم الأسلوب البشري أو الأسلحة البشرية كالثورة المسلحة، أو مقاومة الشر بالشر، إذ من الواضح أن الخطأ لا يمكن إصلاحه بخطأ مماثل، أو بالانتقام بأية صورة من الصور، وقد أعطانا أبطال التاريخ المسيحي أروع الصور في الشهادة والاستشهاد، ويكفي أن نضع نموذجاً لصبي صغير روماني أقتيد إلى المحاكمة بتهمة أنه مسيحي، وقد أعطى هذا الصغير أروع صورة للموقف المسيحي تجاه الباطل،.. كان اسمه ماركوس بولو سيرفيللي من عائلة من أشرف العائلات الرومانية، وقد خدمت أسرته الامبراطورية الرومانية أعظم خدمة، وكان هو آخر فرع فيها،.. وكان عمره عند المحاكمة ثلاثة عشر عاماً، وقد وجهت إليه التهمة أنه مسيحي ترك دين الامبراطور، وانتمى إلى المسيحية فهو لذلك يعتبر خائناً لبلاده، وعقابه الموت،.. وكان جواب الغلام من أعظم ما يمكن أن يكون الجواب، إذ لم ينف التهمة عن نفسه، بل قال: أنا متهم بغير جريمة، وإيماني يعلمني أن أخاف الله وأخدم الامبراطور، وأطيع كل القوانين العادلة، وقد نفذت هذا بضمير صالح، وقال أنا مسيحي ولست خائناً للوطن.. وإذ قيل له: إن القانون يحرم الإيمان بالمسيح، ومن يكسر القانون فعقابه الموت.. أجاب: أنا مسيحي. . ولما لم ينجح معه أي إغراء أو تهديد حكم عليه بالموت طرحاً للوحوش،.. وذهب الغلام شجاعاً، كأعظم وأروع ما تكون الشهادة في الأرض!!..

أبادت عثليا النسل الملكي، ولم تكن تدري أن ما يزرعه الإنسان إياه يحصد أيضاً، وأن هذا سيكون مصيرها هي بعد ست سنوات، حيث قضى عليها يهوياداع، ومعها عبادة البعل، ومتان كاهن البعل،.. وذهبت المرأة كما ذهبت أمها إيزابل من قبل!!.. وهذا هو المصير الأبدي للشرير والأشرار في الأرض!!...



يوآش وتجديد الهيكل

لا حاجة إلى القول إن يوآش عندما فكر في تجديد الهيكل وترميمه، كان قد وصل إلى حالة سيئة محزنة، وقد وقف مقابله هيكل البعل، وكاهنه متان، وكانت عثليا قد عملت على تقويضه وهدمه، وكان لابد أن يرمم ويجدد!!.. ولعلنا نلاحظ أن تاريخ يوآش ارتبط بهذا التجديد والترميم، كما ارتبط سليمان ببنائه، ومع ذلك، فمن اللازم أن ندرك أن تاريخ الترميم كان في السنة الثالثة والعشرين من حكم الملك، أي أنه بدأ بالترميم وهو في الثلاثين من عمره، والسؤال الذي لا شك يقفز إلى الذهن، ولكن لماذا لم يبدأ يهوياداع، بعد قتل عثليا، في الترميم وقد كان في يده كل شيء، ولماذا تأخر هذا الترميم ليهتم به الملك مباشرة، ويدعو إليه؟؟... يظن البعض أن شيخوخة يهوياداع كان لها الأثر في ذلك، إذ أن الرجل ألف الواقع الذي عاشره سنوات طوالاً، فقد رأى الهيكل وحالته، وطالت رؤيته لهذه الحالة حتى أنه ألفها، وما أكثر ما يفعل الناس هكذا، عندما يركونون إلى الواقع الذي عاشوه وألفوه دون أن يفكروا في قلبه وتغييره،.. لكن دم الشباب لا يمكن أن يقبل هذا ويتحمله، وهذه ميزة رائْعة يلزم التنبه إليها واستغلالها، وعلى الشيوخ ألا يقفوا في وجه الشباب، عندما يندفعون في حركات تبدو بالنسبة للعجائز مغامرة ليس من السهل تحقيقها، فإذا كات المغامرة تستهدف عملاً جليلاً، لا بأس من الاتجاه إليه، والسعي فيه، فإنها تكون حماقة ما بعدها حماقة أن يقف الشيوخ حاجزاً ضد المحاولة، ما دامت المحاولة لا تستهدف أفكا أو شراً!!.. بل سيسعد الشيوخ تماماً، للوثبة التي بدت في أول الأمر مستحيلة أو شبه مستحيلة!!.. وفي الحقيقة أن نجاح الراعي أو فشله يظهر في الكنيسة على قدر ما له من حنكة أو قدرة في استثمار جهد الشباب وطاقته، وأحسن القادة والرعاة، هم الذين حولوا كنائسهم إلى ما يشبه خلية النحل في العمل، وأفشلهم هم الذين كانت كنائسهم عامرة بالشباب، إلى أن تمكنوا من شل قواهم، أو مطاردة نشاطهم، بزعم الخوف من تهورهم أو اندفاعهم، وكانت المحصلة النهائية تقلص الجهد الكنسي إلى ما يقرب من الخواء والخراب!!... ولابد أن نلاحظ أن يوآش كان شديد الغيرة على بيت الله لأن البيت كان كل شيء في حياته، فهناك اختفى، وهناك عاش، وهناك وجد أصدقاءه، وهناك توج على العرش، كان البيت في حياة يوآش كل شيء، وعندما كتبت قصته للناس والتاريخ، كان البيت أهم شيء في هذه القصة وأعظمها،.. ولو عقل الناس لأدركوا هذه الحقيقة الدائمة، إن الذي يبقى من الإنسان ويستمر ويخلد، هو صلته ببيت الله، وأثر هذه الصلة في حياته ونفسه،.. هل رأيت المرنم وهو في المنفى وراء الأردن، وهو يرى نفسه كالإيل التي تشتاق إلى جداول المياه، وهو يعطش إلى الله سائلاً: "متى أجيء وأتراءى قدام الله صارت لي دموعي خبزاً نهاراً وليلاً إذ قيل لي كل يوم أين إلهك هذه أذكرها فأسكب نفسي علي لأني كنت أمر مع الجماع أتدرج معهم إلى بيت الله بصوت ترنم وحمد جمهور معيد"؟؟.. هل رأيته وهو يصعد إلى جبل مصعر من أرض الأردن من جبال حرمون، وهو يمر بخياله العظيم إلى البيت الذي بعد عنه، والذي يمكن أن يرفع نفسه المنحنية الممتلئة بالأسى والأنين؟؟ هل رأيت واحداً من أبناء قورح، يقترب من البيت لتفيض نفسه بالغبطة والانشراح وهو يهتف: "ما أحلى مساكنك يا رب الجنود تشتاق بل تتوق نفسي إلى ديار الرب، قلبي ولحمي يهتفان بالإله الحي؟؟. هل رأيته وهو يرى العصفور يبني عشه هناك، والسنونة وهي تضع أفراخها في آمن مكان لها على الأرض، إذ لا يجرؤ أحداً أن ينالها أو أفراخها بالقنص والصيد، إذ هو محرم على أي إنسان أن يفعل ذلك عندما يرى عشاً في بيت الله؟؟... وهل رأيته وهو يرى نفسه عصفوراً أو سنونة، مضموناً في بيت الله في مكان الراحة والهدوء والأمن؟؟ وألا يحق له بعد ذلك أن يقول: "طوبى للساكنين في بيتك أبداً يسبحونك.." وألا يحق له أن يدرك ما يجني من وراء الصلة العميقة التي تربطه ببيت الله، فيستطرد في القول: "طوبى لأناس عزهم بك طرق بيتك في قلوبهم عابرين في وادي البكاء يصيرونه ينبوعاً أيضاً ببركات يغطون مورة يذهبون من قوة إلى قوة يرون قدام الله في صهيون.. لأن يوماً واحداً في ديارك خير من ألف اخترت الوقوف على العتبة في بيت إلهي على السكن في خيام الأشرار".. كان ادي كنتور، الممثل الهزلي، يسير ذات يوم في أحد الشوارع حين انهمر المطر بغزارة، فبحث عن أقرب مكان يلجأ إليه ليحميه من المطر، فوجد كنيسة قريبة فسارع إليها، وبقى فيها حتى انتهت الزوابع والأمطار،.. وكان عليه أن يتكلم في الإذاعة، وبعدما أنهي كلامه الهزلي، قال: والآن أريد أن أتحول إلى الجد من الكلام،.. وذكر ما حدث معه، ثم علق قائلاً: لا أعتقد أن هناك مكاناً يمكن أن يحمينا من زوابع الحياة وعواصفها وأمطارها أفضل من بيت الله، من الشركة مع الله، من الاقتراب إلى الله!!.. هذا هو المكان الوحيد في الأرض، الذي يمكن أن يجد الإنسان حياته ونجاته فيه!!.. بهذا المعنى أدرك يوآش القديم بيت الله، فربط تاريخه به، وبترميمه وتجديده!!...

ولا يغرب على البال أن الهيكل عند يوآش أو يهوياداع لم يكن مجرد مبني مادي، بل هو أكثر من ذلك هو رمز إعلان عن الشركة الأعلى والأسمى والأولى مع الله، ولأجل ذلك حرص سليمان على أن يجعله آية في الفخامة والجلال، وحرص يوآش على أن يجعل من تجديده تجديداً للدين وإنهاضه وإبراز سلطانه ومجده!!.. وبيت الله كان وما يزال رمزاً للعلاقة القائمة بين الله وشعبه، ومع أننا لا نصر أن يكون مبنى الكنيسة آية في الفخامة والروعة، إذ أن التلاميذ عندما افتخروا بمبنى الهيكل أمام المسيح، بين لهم مصيره المفزع، إذ أن الله يهمه البناء الروحي قبل المادي، إلا أن ما يطلبه الله منا أن لا يكون اهتمامنا بمبنى الكنيسة واحتياجاته أقل من اهتمامنا ببيوتنا واحتياجاتها المختلفة، ولذلك قال على لسان حجي النبي: "هل الوقت لكم أن تسكنوا في بيوتكم المغشاة وهذا البيت خراب"... إن مقياس عظمة الفرد أو الشعب، يبدو في الحقيقة من درجة اهتمامه وتعلقه ببيت الله!!... وعلى قدر اهتمامك بهذا البيت اعرف من أنت!!...

وثمة أمر آخر ينبغي ذكره، وهو الدور الذي يلعبه المال في تجديد الهيكل وترميمه، وهنا تبرز أهمية المال في خدمة الروحيات، ودوره العظيم في سبيل امتداد ملكوت الله على الأرض،.. وقد طلب الملك من الكهنة واللاويين أن يقوموا بالجمع للمشروع، ولكنهم لم يقوموا بالعمل كما ينبغي، وعلى الأغلب، يرجع ذلك إلى عدم غيرتهم وحماستهم، حتى أنهم لم يستطيعوا جمع نصف الشاقل الذي كان كل إسرائيلي بلغ العشرين من عمره ملزماً أن يدفعه للهيكل حسب الشريعة الموسوية، ولما وجد يوآش أن هذه الطريقة غير مجدية، لجأ إلى طريقة أخرى، إذ لجأ إلى الشعب مباشرة، فأمر بصنع صندوق يوضع على الباب الخارجي للهيكل، وترك لكل واحد أن يقدم باختياره كما يملي علىه ضميره،.. ونجحت هذه الطريقة نجاحاً كبيراً، وهنا نلاحظ الفرق بين الدفع الاضطراري، والدفع الاختياري،.. قال أحدهم: إن المعطين ثلاثة أنواع: هناك حجر الصوان الذي إذا ضربته لا يعطيك إلا الشرارة الآتية من الضربة،.. والأسفنجة التي لا يمكن أن تأخذ منها إلا بعصرها،.. وقرص العسل الذي يفيض من تلقاء ذاته،.. فمن أي نوع أنت أيها القاريء من المعطين؟؟ وهل تعلم أن العطاء هو محك من أدق المحكات للبرهان على الحياة المسيحية؟ وهو بركة من أعظم بركات الله، لمن يمنحهم الله هذه النعمة، نعمة العطاء؟!!..

أرسل أحد الخدام إلى ثري من الأثرياء يطلب إليه أن يتبرع لأجل مشروع مسيحي هام، ورد الثري في خطابه قائلاً: “إن هذا المشروع المسيحي، حسبما أعلم هو على الدوام: اعط.. اعط!!.. ورد عليه الخادم بالقول: “شكراً لك إذ أنك أعطيتني أجمل تعريف للحياة المسيحية!!… وليس الأمر مرتبطاً في مدى ما يعطي المعطي، ولكن في روح العطاء، إذ أن المعطي المختفي المسرور هو الذي يسر به الرب، إذ أن العطية أولا ًوأخيراً، ينبغي أن تكون لمجد الله،.. في يوم من أيام الآحاد كان الخادم في كنيسة قد بنيت حديثاً يقرأ قائة التبرعات، وإذا ببرقية تصل من أحدهم يقول فيها: “تحياتي من فضلك أعلن أمام الجمهور أني مرسل مبلغ خمسة وعشرين دولاراً لمشروع العمارة”… وآخر الكل أعلن الراعي أنه قد وصله من مجهول بطاقة وضعت مع أرغن يقدر ثمنه بثلاثة آلاف دورلار، وليس على البطاقة سوى كلمة صغيرة: “من أجل اسمه” ولم يستطع الراعي اكتشاف شخص من تبرع بهذا الأرغن، ولكن السماء كتبت ولا شك اسمه في الخلود بأحرف من نور!!…



يوآش وهزيمته

وقد جاءت هذه الهزيمة عند الغروب، شأن الكثيرين من آبائه وأجداده الكرماء الطيبين، والسؤال المحير: لماذا يبدأ الإنسان على أجمل ما يكون الحسن، ثم ينتهي شيئاً على مثل هذه الصورة المحزنة القاسية؟؟.،.. كان الرجل طوال وجود يهوياداع رائعاً وعظيماً، ولعلنا نذكر هنا ما يقوله جوزيف باركر: "أليس بيننا من القادة ما يحفظ حياتنا في طريق الاستقامة، ذلك الصنف من "يهوياداع" الذي لولاه لربما ضللنا الطريق.. وقد يكون انتظامنا في الكنيسة راجعاً إليهم، وقد يكون إقلاعنا عن عادات معينة بغيضة بسببهم،.. إنهم استقرار البيت، وعزاء الحياة الرقيقة. ونحن لا نعلم كم ندين لهم، ولو أن سياستهم كانت السوق أكثر من القيادة، لربما عرفناهم أكثر، ولكنها الروح الهادئة، الثابتة، المقنعة، المشجعة هي التي لا تظهر تأثيرهم في حياتنا كما ينبغي أن تظهر،... إن المرأة مثلاً هي التي تلم شمل البيت، ولكننا قد لا ندرك هذه الحقيقة في حياتها،.. غير أننا نلاحظ بعد أن تذهب، أن طابع البيت قد تغير، وأن هناك أشياء لا نستطيع أن نوضحها، غير أن الأمور لم تعد كما كانت، وقد زحفت الآلية أكثر، وأشياء صغيرة ولت وجمال الحياة قد ضاع، بحيث تسير الحياة نحو الجلبة والضجيج، وتطبع بالفوضى وعدم التأكد،.. وقد نخجل أن نفعل أشياء أمام يهوياداع عصرنا،.. ولكن ما أن مات رئيس الكهنة حتى جاء الأمراء وأفسدوا يوآش إذ كانوا وثنيين يتعبدون للأنصاب والتماثيل، ونجحوا في إفساد ذهن الملك، وإبعاده عن العبادة الصحيحة،.. وهذا أقسى هجوم يتعرض له الإنسان في الأرض، ويكفي أن تنجح فيه، لكي تجد كل شيء بعد ذلك سهلاً يسيراً،... كان هجومهم على عقيدة الملك الدينية، من ذلك النوع الذي يمكن أن نطلق عليه "التملق"... لقد قال له أمراء يهوذا مؤثرين: إنك تحت سلطان يهوياداع لم تكن إلا ملكاً بالاسم، والآن لقد أن الوقت لكي تسترد قوتك العظيمة، وتعطي لكل إنسان حريته الدينية".. وسقط الرجل في الفخ!!... لقد قبل مجد الشبان والأمراء وتملقهم، فضعفت وتسللت الوثنية إلى قلبه وقلب الشعب، وعندما جاء صوت الله على لسان زكريا بن يهوياداع، لم يسمع ولم يرعو، بل زاد الطين بلة، فقتل ابن عمته الناصح، ابن الرجل الذي دان له يوآش بكل شيء في حياته، وصاح زكريا عند موته حزيناً: الرب ينظر ويطالب، وحقاً طلب الرب، ففي مدار السنة صعد الأراميون على يهوذا، وهزموا بشرذمة قليلة جيشاً عظيماً، وقام على يوآش نفسه رجلان وقتلاه وإذا كان يوآش يعطينا أن نذكر بأن الخضوع للتأثير الديني في سن الصغر ينتج أعظم النتائج، فإنه يعطينا أيضاً أن نتحذر لئلا نقتل ابن الرجل الذي أحسن إلينا!!... أيه أيتها النفس البشرية إنك القيثارة التي تستطيع أن تلعب عليها اليد الحنون أرق الأنغام وأعذبها ولكنك أيضاً النفس التي تستطيع يد أخرى أن تبعث منها أرهب الأصوات وأفزعها!!..: "ولم يذكر يوآش الملك المعروف الذي عمله يهوياداع أبوه معه بل قتل ابنه وعند موته قال الرب ينظر ويطالب"...

ولندع الرجل أخيراً لمصيره الإلهي، عندما يستيقظ في ذلك اليوم، الذي سيعطي فيه كل واحد حساباً عما فعل بالجسد، خيراً كان أم شراً!!.. ولننتبه لنفوسنا لئلا يتحول أحدنا -يدري أو لا يدري- إلى يوآش القديم ويكرر قصته!!...

elraiek G
09-16-2010, 06:51 PM
( 40 )

عزيــــا

"وأقام في بيت المرض أبرص لأنه قطع من بيت الرب"

(2أي 26 : 21)



مقدمة

لعل من أجمل ما ذكره "چورچ آدم سميث" أنه صعد ذات مرة هو واثنان من المرشدين إلى قمة جبل عال، في يوم اشتدت فيه الزوابع والعواصف، وكان صعودهم من الجانب المحمي من العاصفة، حتى بلغوا أعلى الجبل، وظهرت العاصفة في أقوى ما تكون، وكان المنظر رائعاً حتى نسى الرجل الموقف، وكادت تقذفه العاصفة إلى أسفل: وإذا بواحد من المرشدين يمسك به بقوة ويصيح: "اركع على قدميك يا سيد، فأنت ناج هنا بالركوع على قدميك فقط!!".. كان عزيا الملك في حاجة إلى هذه النصيحة العظيمة، لقد صعد الجبل وبلغ قمة النجاح، وأخذه هناك الإعجاب بالنفس، فلم يركع، إذ تعالى وتكبر، فكانت النتيجة أن الله ملك الملوك ورب الأرباب أدبه تأديباً قاسياً، إذ حكم عليه بالبرص بقية عمره وعزل من الملك، إذ لا يجوز للملك أن يحكم وهو أبرص، وعادت قصته لكي تذكر وتحذر جميع الأتقياء والقديسين، من خطر النجاح، الخطر الذي أسقط أغلب ملوك يهوذا الذين بدأوا بداءة حسنة، ولكنهم لم يواصلوا الأمر حتى النهاية، فتعثروا وسقطوا، وجعلهم الله عظة وأمثولة للآخرين، وها نحن اليوم سنتابع هذه القصة، لعلنا نتعظ بالكثير من جوانبها!!..



عزيا وبداءته

وقد بدأ كأحسن ما تكون البداءة، دعى بالاسم "عزيا" أو الرب عزي، أو الرب قوتي، وكان له اسم آخر، شأن الكثيرين من العبرانيين الذين يحملون اسمين، واسمه الآخر "عزريا" وقد ذكرت في سفر الملوك ومعناه "الرب عوني"... والاسم في كلا الحالين يشير إلى إنسان يستمد عزه وقوته ومعونته من الرب، وهكذا كانت حياة عزيا الأولى... ويخيل إلينا أن هذه الحياة خضعت لثلاثة مؤثرات قوية،.. هي أولاً: الأم.. واسمها "يكليا" ومن المعتقد أنها لم توضع في القصة الكتابية عبثاً، ودون معنى، لولا إنها كانت أماً تقية مقدسة، دربت ولدها على خوف الله واحترامه وحبه، لقد تعلم الشاب من أمه في طراوة الحياة ومطلع الأيام، أن يضع الله نصب عينيه: "وعمل المستقيم في عيني الرب".. لقد أكرم عبادة الرب، وأكرم بيت الرب، وأكرم كلمة الرب، وأكرم إرشاد الرب، وإذا كان هنري ورد بيتشر قد قال: "إن قلب الأم هو غرفة دراسة الطفل"، فنحن لا نشك البتة، في أن هذه الغرفة كانت أجمل وأعظم غرفة في قصره الملكي، ولعله. في منفى النفس فيما بعد -عاد يصيح كمن قال: "من يعيدني مرة أخرى إلى أحضان أمي!!...

أما المؤثر الثاني: فهو الذكرى لأيام أبيه الأولى: "وعمل المستقيم في عيني الرب حسب كل ما عمل أمصيا أبوه" وقد كان الشاب في تلك اللحظات يحس على الدوام أن عيني الرب تراقبانه، وليس هناك ما هو أبعث على السير باستقامة ودقة في الحياة، أكثر من الإحساس بمراقبة الله الدقيقة لأعمالنا!!..

أما المؤثر الثالث: فقد وجد في شخص مرشده ومعلمه زكريا النبي، (وهو خلاف زكريا النبي كاتب نبوات زكريا) ، وكان زكريا هذا "الفاهم بمناظر الرب" أو كما دعاه چوزيف باركر: الرجل الذي أعطاه الله الملكة التليسكوبية العجيبة، التي تتخطى المنظور إلى غير المنظور فتراه، وواضح أن هذا الرجل كان يعين الملك على الدوام على الإحساس بوجود الرب وقوته وعمله، أو في لغة أخرى، كان يربطه على الدوام بالحقائق العظيمة الكائنة خلف المنظور... قال أحدهم: إذا كانت كلمة الله والضمير المسيحي يقفان خلف حياتنا المسيحية على الدوام، ويرشداننا إلى ما ينبغي عمله،.. غير أنه توجد هناك من الأمور أو الأوضاع التي قد تواجهنا يومياً، ونحتاج فيها إلى من هم أكثر نضوجاً واختباراً في الحياة المسيحية، وسعيد ذلك الإنسان الذي يجد مثل زكريا الفاهم بمناظر الله، والذي يستطيع إرشادنا إلى التصرف المسيحي الأفضل... ومع إننا لا نعلم صحة المثل القائل: "إن الإنسان لا يستطيع أن يرتفع عن مستوى صحابته"... لكن هذا المثل يشير على الأقل إلى مدى الأثر العميق الذي يمكن أن تتركه الصحابة الحكيمة الواعية المقدسة، في حياتنا وأفكارنا، والنهج الذي نسلكه أمام الله والناس!!..



عزيا وأمجاده

وإذ تعلق عزيا بالرب وأتاه النجاح من كل جانب، فقد ساعده الله على الفلسطينيين الذين كانوا يهددونه على الدوام من الغرب، فاقتحم ديارهم، واستولى على مدنهم الرئيسية، وهدم أسوارها وبنى مدناً عبرانية داخل حدودهم، ثم تحول من عندهم إلى العرب الساكنين في الجنوب، ففعل بهم ما فعل بالفلسطينيين، وخضع له العمونيون، وأقام جيشاً من أقوى الجيوش، وسلحه بمختلف أسلحة، ونجح في الزراعة والتجارة،.. وامتلأ من الثروة، ولعله هذه الثروة كانت واحدة من أهم أسباب سقوطه، إذ قادته إلى حياة العز والرفاهية التي أسقطت سليمان من قبله، والتي جعلت الشعب ينقسم في واقع الحال إلى طبقتين متباعدتين: الطبقة الأرستقراطية التي زادت ثروة فوق ثروة، وطبقة الشعب التي زادت فقراً على فقر. ومع ذلك فقد حرص عزيا على أن يقوى نفسه ومركزه، وقد فعل ذلك بإقامة الحصون الكثيرة، والاعتماد على جيش كبير قوي!!...

ولعله من واجبنا هنا -مهما كانت النتائج السلبية اللاحقة- أن نشير إلى حقيقة ينبغي أن نركز الفكر عليها، وهي أن النجاح لابد أن يكون إن آجلاً أو عاجلاً- نصيب الإنسان الذي يسير مع الله، وسواء أحاطت بهذا الإنسان الظروف الحلوة أو المرة، فإنها لا يمكن أن تفقده في كلا الحالين النجاح بمختلف صوره طالما هو يسير أميناً في السيرة والسريرة مع الله،.. لقد رأينا اسحق الرجل الذي كان شغل من حوله الشاغل طم آباره وإفساد عمله،... ومع ذلك لم يستطيعوا أن يقطعوا الينبوع الذي كان له من الله، وحفر آبار أبيه، وباركه الله كثيراً، حتى جاءت بئر سبع التي تعني "شبعة" والتي تعطي إلى الشبع الكامل،.. ورأينا يوسف الذي أفلح الشر في قيده واستعباده والإساءة إليه، ولكنه لم ينجح قط في عزله عن النجاح: "وكان الرب مع يوسف فكان رجلاً ناجحاً"... وماذا نقول عن يعبيص الذي ولدته أمه بحزنه، وأطلقت عليه اسم "الحزين" لكنه عاش مع الله أشرف من إخوته، وصلى صلاته العظيمة: "ليتك تباركني وتوسع تخومي وتكون يدك معي وتحفظني من الشر حتى لا يتعبني، فآتاه الله بما سأل"... قد يقتحم العدو معقلاً من معاقل حياتك أيها المؤمن، وقد ينالك بالجراح من هذا الجانب أو ذاك.. لكنه لا يستطيع أن يمنع البركة من حياتك والنجاح الذي يقتفي أثرك، ويسلك في خطواتك!!.. إن الله يكرم الذين يكرمونه، والذين يحتقرونه يصغرون،.. كان داود واحداً من أعظم المؤمنين بهذا المبدأ، وتستطيع أن ترى روحه وأنت تقرأ المزمور السابع و الثلاثين، والذي فيه يشجع أبناء الله جميعاً على التمسك الوطيد بالشركة الإلهية: "لا تغر من الأشرار ولا تحسد عمال الإثم فإنهم مثل الحشيش سريعاً يقطعون ومثل العشب الأخضر يذبلون اتكل على الرب وافعل الخير اسكن الأرض وارع الأمانة وتلذذ بالرب فيعطيك سؤال قلبك، سلم للرب طريقك واتكل عليه وهو يجري، ويخرج مثل النور برك، وحقك مثل الظهيرة، انتظر الرب واصبر له ولا تغر من الذي ينجح في طريقه، من الرجل المجري مكايد، كف عن الغضب، واترك السخط ولا تغر لفعل الشر لأن عاملي الشر يقطعون والذين ينتظرون الرب هم يرثون الأرض، بعد قليل لا يكون الشرير، تطلع في مكانه فلا يكون، أما الودعاء فيرثون الأرض ويتلذذون بكثرة السلامة".. إن أقوى طريق وأصدقه إلى النجاح هو السير في صحبة الله!!...



عزيا ومأساته

كانت مأساة هذا الرجل، هي مأساة الكثيرين من أبناء الله الذين يأخذهم روح الكبرياء و الغرور للنجاح الذي وصلوا إليه وهناك الآف أسقطهم الفشل، وعشرات الألوف أسقطهم النجاح،.. إن صاعد السلم كما قال أحدهم يرفع عينيه إلى فوق، وهو يصعد لكنه ما أن يبلغ القمة، ويقف علي رأس السلم، حتى تتحول نظرته إلى أسفل، مأخوذاً بالإعجاب بالنفس، والإحساس بالعظمة والكبرياء وخيلاء النفس، وهنا نقطة الانحدار والسقوط،.. في التقليد الكاثوليكي أن أحد البابوات سمع عن راهبة تحت التمرين، تصنع المعجزات، فأرسلت -إلى الدير الذي توجد فيه- القديس فيليب النيري ليتحرى الأمر،... وذهب القديس في رحلة شاقة امتلأت فيها ثيابه وقدماه بالتراب والطين، وطلب من رئيسة الدير مقابلة الراهبة، وعندما جاءت خلع حذاءه، وطلب منها أن تنظفه، فنظرت إليه نظرة احتقار، وبعدت عنه دون أن تتكلم،.. فأسرع خارجاً من الدير، عائداً إلى البابا ليقول له: لا تصدق، فحيث لا يوجد تواضع لا توجد معجزات!!.. ولعل هذه كانت أول ضربة أصابت عزيا الملك، إذ قيل عنه: "لما تشدد ارتفع قلبه"... لقد كان النجاح الذي أصابه بابل أخرى يقف على رأسها ليفخر بقوة اقتداره وجلال مجده،... مسكين عزيا إن كان أحرى به أن يعود إلى جده العظيم داود، الذي علمه النجاح العكسي، الإحساس بصغر النفس، والضعة، والوداعة، والتواضع أمام الله والناس!!... قال أحدهم: إذا أردت أن تقضي على أحد الناس، فاضربه بجنون التعالي والكبرياء، وأنت لا تحتاج أن تفعل معه شيئاً آخر، لأن سوس الكبرياء سينخر في عظامه حتى يحولها ركاماً كاملاً!!...

على أن شيئاً آخر لاحق الكبرياء، وقد فقده عزيا بالتمام، وهو احترام العبادة، وهو شيء ينبغي أن ندركه، وقد تمكن منه، قبل أن يجرؤ على أن يأخذ مركز الكاهن الذي ليس له، وطريق الانحدار السريع الذي يمكن أن يصيب أي فرد أو بيت أو جماعة، هو فقدان روح الاحترام للعبادة وبيت الله،.. قال أحدهم: إنه زار في رحلة من الرحلات كنيستين، تضم كل منهما خمسة آلاف عضواً، ولكل مبنى من أفخم المباني، ووعاظ من أقدر الوعاظ، ولكن الفرق بينهما في أن واحدة تمتليء بالضجيج والصخب بين الأعضاء قبل بدء العبادة، والأعضاء فيها ينتقلون من هنا وهناك، وفرقة الترنيم ممتلئة بالكلام والضحك والأحاديث، والأطفال تجري هنا وهناك بين الطرقات، والبنات يتحدثن بصوت عال عن الحفلات التي يذهبن أو يتعزمن الذهاب إليها،.. أما الكنيسة الأخرى فالناس تجلس في المقعد تتأمل وتصلي قبل بدء الخدمة، وفرقة الترنيم تستعد بهدوء وجلال واحترام، وبعد الخدمة لا يندفع الكثيرون إلى الخروج، بل يذهبون إلى الأماكن الملحقة بالكنيسة للتأمل والصلاة!!... ومن المعتقد أن عزيا لم يكن يجرؤ على فعلته الشنعاء، إلا لأنه فقد أولاً روح التأمل والاحترام والإجلال، وهو في سبيله إلى الشركة مع الله في بيته،... هناك عادة عند بعض الناس الذين قد يؤخذون بضجيج الحياة وصخب الأيام، ويريدون الحصول على الهدوء والراحة والسكينة، فتراهم يهجرون الزحام، ويتجهون صوب السكون، وقد يجدونه عندما يذهبون إلى المقابر، حيث لا يتكلم الموتى، ولكن صمتهم البليغ يتكلم بما قد يقع في أعماق النفس، أو عندما يهرعون إلى الطبيعة الهادئة الساكنة في الغابات أو الجبال أو البراري،.. وعندما ينعزلون في أعماق الليل ليتطلعوا إلى النجوم المرتفعة فوقهم، تحدثهم أحاديث عظيمة قوية، والناس نيام لا يزعجون أو يقلقون!!... على أي حال إن مثل هؤلاء يعلنون عن الحاجة الملحة التي يحتاجها الإنسان حتى لا تطغي عليه آلية الحياة وحركتها وضجيجها، وحتى يتعلم في السكون التطلع إلى فوق، لعله لا يفقد روح التأمل والإجلال والاحترام للسيد العظيم، وأعماله المباركة في الأرض!!...

فقد عزيا الوداعة والاحترام، وفقد أكثر من ذلك شريط الذكريات، وما أحفلها من ذكريات، ذكريات أمه يكليا، وذكريات أبيه أمصيا، حيث: "عمل المستقيم في عيني الرب كل ما عمل أمصيا أبوه"... وذكريات معلمه زكريا "الفاهم بمناظر الرب" والذي عاش يطلب في أيامه الرب كما علمه ودربه!!... كانت كذريات عديدة ثرية خصبة، كان يمكن أن تغني حياته، لو عاد يتأملها، ويفكر فيها، ويستوعبها، ويدرك معانيها لكنها للأسف، أضحت هذه الذكريات مطوية في مغابن الماضي، وحفائر الحياة الأولى، وقد هيل عليها التراب، حتى لم تعد معالمها بينة ظاهرة واضحة... كان الرجل يسير بالعربة مع مجموعة من الأصدقاء، ومر بمقربة من القبور وطلب التوقف لدقائق،.. ووقفت العربة، وغاب بعض الوقت، وقالت زوجته: إنه يذهب إلى قبر أمه ليقف بعض الوقت في الهدوء والسكون، يستعيد شيئاً من الذكريات الجميلة التي تعوضه بعض المتاعب والمعاناة في الحياة،.. ونحن لسنا في حاجة إلى أن يبحث الإنسان منا عن قبر أبيه أو أمه، وأن يذهب إلى هناك ليستعيد الذكريات، وإنما يستطيع في أية بقعة من بقاع الأرض، حتى ولو كان على بعد آلاف الأميال من المكان.. أن يعود بالذكرى ليتعلم ويتحكم ويتفهم، وليتكلم له السابقون، بل ليتكلم له تاريخهم وحياتهم بذلك المعنى العظيم الذي أشار إليه كاتب الرسالة إلى العبرانيين: "أذكروا مرشديكم الذين كلموكم بكلمة الله أنظروا إلى نهاية سيرتهم فتمثلوا بإيمانهم".. كان الشاب من أبناء الريف الإنجليزي، وكانت عادته أن يجتمع مع أسرته في كل مساء في الساعة العاشرة حول المذبح العائلي،.. وانتقل الشاب إلى مدينة لندن بعيداً عن أبويه وأسرته، للالتحاق بالجامعة، وفي لندن أدركه صخب المدينة وضجيجها، وفقد شيئاً فشيئاً شركته الدينية مع الله، ونسى المذبح العائلي،.. وتهاوت حياته الروحية، وفي ليلة من الليالي سار في الطريق ليلحق بموعد آثم كان قد اتفق عليه من قبل، وبينما هو في الطريق وصل إلى مكان سمع فيه دقات ساعة البريد، وكانت تدق العاشرة مساء!!... تسمرت قدماه في المكان، ومد خياله إلى أبيه وأمه وإخوته في بيتهم الريفي وهم يجلسون للصلاة أمام الله،.. وسأل نفسه: وأنا إلى أين؟!! ولم يلبث أن عاد مسرعاً ليركع على قدميه، وينضم من بعيد إلى حيث بيته وإخوته يتعبدون لله،.. ورجع، لأن ساعة البريد دقت في أعماق نفسه، تذكره بما كان ينبغي أن يتذكره على الدوام، على قرب أو بعد من أسرته المصلية لله!!... وكم دقت ساعات وأصوات في أذني عزيا دون أن يسمع وينتبه ويتذكر ويتيقظ!!...

وفقد عزيا ما هو أهم كثيراً من هذا كله، فقد رابطته بالله، الاعتماد عليه، ولسنا نظن أن هناك مأساة تعدل مأساة إنسان يحس الاكتفاء وعدم حاجته إلى الله، لقد أعطاه الله السلام، وكان من واجبه وقد أراحه الله من كل جانب، أن تتعلق عيناه بالله، لكن نظر في السلام تراخى عن القدير!!... في أثناء الحرب الأهلية الأمريكية، كان أحد ضيوف إبراهام لنكولن في ضيافته في البيت الأبيض، وفي ليلة من الليالي -وكان الرجل مستيقظاً في أعماق الليل- سمع صوتاً صادراً من الغرفة التي ينام فيها الرئيس، وإذ اقترب من الغرفة رأى الرئيس راكعاً على قدميه، وأمامه الكتاب المقدس مفتوحاً، ثم سمعه يصلي: "يا إلهي الإله الذي سمع سليمان وهو يصرخ إليه ويصلي في الليل طالباً الحكمة.. اسمعني، فإني لا أستطيع أن أقود هذا الشعب، ولا أستطيع أن أسلك مع هذه الأمة بدون مساعدتك أنا فقير وضعيف وخاطيء يا إلهي يا من سمعت لسليمان عندما صرخ طالباً الحكمة، اسمعني وانقذ هذه الأمة!!.. ربما فعل عزيا هذا وهو في حالة الحرب مع جيرانه، والمتاعب تواجهه من هنا وهناك، لكنه لم يعرف أن يصلي كهذه، وهو في الرفاهية والسلام، وهو يتجه بكل تصميم إلى الكاثرة التي ستلحقه فيما بعد!!..



عزيا وقضيته الكبرى

كان الرجل ملكاً، وملكاً من أعظم ملوك يهوذا، ولعب دوره الملكي بقوة مهارة، وسار إلى آخر شوط يمكن أن يصل إليه الملك، وأبصر خطاً أمامه لا يجوز له أن يتجاوزه أو يتخطاه، ولكنه بكبرياء قلب واعتداد روح، لم يرد أن يكون ملكاً فحسب، بل أراد أن يكون كاهناً أيضاً، أو في لغة أخرى، أراد أن يدمج الوظيفتين معاً، فيكون رئيس الدولة ورئيس الدين،.. وقد فصل الله بين الوظيفتين، ولم يعطهما الله إلا إلى شخص ملكي صادق القديم، لأنه سيصبح رمزاً لذاك الذي جاء على رتبة ملكي صادق، رئيس كهنة إلى الأبد، وهو ملك الملوك ورب الأرباب،.. ولا يمكن أن يأخذ هذه الوظيفة أو تلك إلا المدعو من الله لها،.. إذ هي ليست وظيفة يأخذها الناس بمشورتهم أو استحسانهم أو جهدهم أو حروبهم،.. إن هناك حقيقة أو خطأ أولياً يلزم أن يدركه كل إنسان على الأرض، ولا سيما المؤمنون، وهو ما عبر عنه الرسول بولس في قوله إلى أهل أفسس: "لأننا نحن مخلوقين في المسيح يسوع لأعمال صالحة سبق الله فأعدها لكي نسلك فيها".. فإذا اقتحم داثان وقورح وأبيرام الوظيفة الكهنوتية اقتحاماً، فإن الأرض تفتح فاها لتبتلعهم وتطبق عليهم دون شفقة أو رحمة!!.. وقد فصل الله بين الدين والدولة، ولم يفصل بين الدين والحياة،.. لأن من أكبر الأمور خطراً أن يصبح أي إنساناً رئيساً للأمة والكنيسة معاً، والتاريخ خير شاهد على ذلك فعندما تدخلت الكنيسة في السياسة، وعندما دخلت الدولة الكنيسة، ومحت الخط الفاصل بين الاثنين، ضاعت الدولة والكنيسة معاً، حدث التسيب الرهيب في الأمور الدينية، فإذا بالدولة تتوسع في أسباب الطلاق، فلا تقف عند العلة التي أشار إليها يسوع المسيح، بل هي تستجيب تحت دوافع اجتماعية أو سياسية إلى ما لم يشرع الدين المسيحي بذلك، وتحكمت الأهواء في كل شيء، وإذا بالدولة تخضع الدين للسياسة، وليس العكس السياسة للدين. قال أحدهم: ماذا كان يحدث لو أن هتلر اقتحم الكنيسة التي كان يعظ فيها نيومولر، وقال من فوق المنبر: من الآن سأكون أنا واعظكم، ومن الغريب مع ذلك أن هتلر لم يفعلها، ولكن الملك عزيا فعلها، إذ لبس كما يقول يوسيفوس المؤرخ اليهودي الثياب الكهنوتية، وأخذ المبخرة ليبخر بها، كما يفعل رئيسي الكهنة سواء بسواء!!.. كانت هذه اللحظة أتعس لحظة في تاريخ عزيا الملك العظيم، وهوت به من حالق إلى الدرك الأسفل، وضيعت تاريخاً مجيداً بأكمله، وكما سقط نبوخذنصر من أعلى مجده وإلى مرتبة الحيوان، سقط عزيا من المجد العظيم، إلى عزيا الأبرص الذي فقد كل شيء، إذ لم يفقد المركز الكهنوتي فحسب بل الملكي أيضاً!!..



عزيا وبرصه

وينتهي بنا هذا إلى آخر قصة عزيا، ومن حقنا قبل أن نراه مضروبا من الله بالبرص، أن نقف قليلاً من مقاومة الكهنة له، إذ تصدي له عزريا الكاهن، وثمانون من الكهنة ذوي البأس، وكان هؤلاء جميعاً مثلاً مجيداً لشجاعة رجال الدين في مواجهة الطغيان في كل عصر من العصور، ولو لم يكونوا ذوي بأس، تنطوي نفوسهم على الثقة بالله، والإيمان بأوامره، والشجاعة الخارقة، لما استطاعوا أن يواجهوا الملك الطاغية، وشكرا لله لأجل هؤلاء، ولأجل أمثالهم في كل الأجيال، الذين لم يرهبوا أية قوة أرضية مهما كان سلطانها وبأسها، ولعل أقرب صورة إلى أذهاننا من هذا القبيل صورة نيو مولر الذي وقف في وجه هتلر والنازية، حينما حاولت تستعبد الكنيسة وتخضعها لمشيئتها.. ولقد آثر الرجل أن يسجن بعد عظة مشهورة له عنوانها: "الله فوهرري".. ولقد اكتسبت النيسة الألمانية احترام العالم أجمع، عندما وقفت أمينة لربها ضد الوثنية النازية، ولقد شهد لها أكثر عالم في الدنيا في الوقت الحاضر، وهو ألبرت أينشتين، ومع أن أينشتين رجل يهودي، إلا أنه أحنى رأسه إعجاباً بشجاعة الكنيسة الألمانية في مواجهة النازية!!.. ولو أن عزريا القديم لم يواجه والكهنة معه، عزيا الملك، لما أصيب وحده بالبرص، بل لامتد البرص إلى الأمة كلها!!..

كان عزيا في جانب، وكان -عزريا ومن معه في جانب آخر، وكان لابد أن يكون هناك من يفصل بين الجانبين، وقد جاء الحاكم العادل ليقول الكلمة الفاصلة بين الاثنين.. ولعل خير ما يقال هنا ما كتبه چون ملتون عام 1649 بهذا الصدد، إذ قال، وهو يناقش حق الملك في السيطرة علي الكنيسة: "إن أي ملك يتصور أنه يهتم بالكنيسة، ويغار عليها بفطنه، سينتهي إلى ما انتهى إليه الملك شاول الذي قدم المحرقة، ففقد مملكته، أو ما فكر فيه عزيا الذي أصيب بالبرص، في تصوره الغيور الذي ظنه فطنة، وليس من حق الملك الذي يظن أنه يدافع عن الكنيسة، أن ينصب نفسه الرئيس الأعلى، أو يتدخل في سياستها الكنسية".. على أي حال لقد فصل الله بين الجانبين، فضرب عزيا بالبرص -أو في لغة أخرى- لم يفعل الله سوى أنه كشف البرص الروحي الداخلي، والنجاسة التي وصل إليها، فجعلها تلمع على وجهه وجسده،.. ولم يحتج الكهنة هنا إلى جهد لطرده خارج اليهكل، إذ سارع هو بالخروج من المكان!!... ولم يخسر الملك مجرد ما وصل إليه من تجاوز واعتداء، بل خسر ما كان يملكه قبل ذلك،.. فطرد من منصبه الملكي، لأنه إذا كان لا يجوز للأبرص أن يعيش مع الناس أو مع بيته وأولاده وفق الشريعة، فإنه لا يجوز لملك أن يحكم أمة، وهو مصاب بالبرص!!.. وقد تخلى عزيا عن الملك لابنه يوثام!!...

ومن المعتقد أن الضربة القاسية كانت في الواقع ضربة رحمة للملك. لقد ذهب مجده ونفوذه وسلطانه، وأكثر من ذلك ترك في بيت منعزل، مطروداً من الناس،.. ولعل عزيا كان هنا أشبه بالامبراطور ثيودوسيوس الذي ذبح في تسالونيكي سبعة آلاف من أهلها، انتقاماً لبعض قضاته الذين قتلوا في المدينة، ولما رجع إلى ميلان وأراد أن يحضر الاجتماعات المسيحية حرمه الأسقف امبروز، وطلب منه أن يقضي وقته في الحزن والتوبة أمام الله، لعله يغفر له، وقد انسحب الملك وقبل القرار باتضاع، وظل حوالي ثمانية شهور قبل أن يقبله أندروز في الكنيسة مرة أخرى!!...

لقد أرسل عزيا ظله على الأمة كلها، ونحن نأمل أنه تاب، وقبله الله، كما قبل من قبل مريم البرصاء أخت موسى وهرون، وعيوننا تتحول من الملك المتألم الأبرص، الذي وقف أمامه إشعياء، وأحس أنه هو والأمة بأكملها أمام طهارة عينيه، ذاك الذي "السماء ليست بطاهرة أمام عينه وإلى ملائكة ينسب حماقة وصاح إشعياء: ويل لأني هلكت، لأني إنسان نجس الشفتين وساكن في وسط شعب نجس الشفتين لأن عيني قد أبصرتا الملك رب الجنود!!".. لقد تحول من الملك الناقص إلى الملك الكامل، وتحول من الملك البائس إلى ملك الملوك ورب الأرباب: وكتب بكل إجلال واحترام لله وأمام الأجيال كلها: "في سنة وفاة عزيا الملك رأيت السيد جالساً على كرسي عال ومرتفع وأزياله تملأ الهيكل!!..

elraiek G
09-16-2010, 06:52 PM
يتبع.....

elraiek G
09-16-2010, 06:54 PM
( 41 )

حزقيا

" والتصق بالرب ولم يحد عنه "

" 2 مل 18 : 6 "


مقدمة

يتفق الكثيرون " مع فيكتور هوجو " على أن نابليون خسر معركة ووترلو لا لشىء إلا لأن اللّه كان ضده ، .. كما يؤكد آخرون أن انسحاب الإنجليز من " دنكرك " فى الحرب العالمية الثانية قد تم بمعجزة إلهية ، ولو أن هتلر هاجم انجلترا فى ذلك الوقت - ولم يتحول إلى روسيا - لكسب الحرب ، ولكن القدير كان قد رتـب له الهزيمة فانهزم،.. وعندما دخل ماك آرثر معاركه الضارية مع اليابان ، بعد تدمير الأسطول الأمريكى فى بيرل هاربر ، لم يستند قط إلى قوة أمريكا العسكرية ، أو عبقريته كرجل من رجال الحرب العظام ، بل كان سنده الأعظم الالتجاء إلى القدير ، وقبيل خوض المعركة أرسل إلى راعى كنيسته يقول له : ها أنا أواجه معركة قاسية مجهولة فأرجو أن تركع أمام اللّه وتصلى من أجلى فى نفس المكان الذى ركعت أنا فيه عندما انضممت إلى عضوية الكنيسة ، وحيث تعودت المثول فى حضرة الله هناك ، ونجح ماك آرثر مستنداً إلى ذراع القدير ! ! ... كان الملك القديم حزقيا واسمه يعنى " الرب يقوى " قد وضع شعاراً عميقاً بسيطاً له ، هو أعظم شعار يمكن أن يضعه إنسان أمامه فى الأرض : الالتصاق بالرب ... وهو شعار مثير فى بساطته ، وقوته ، فالالتصاق شئ يمكن أن يفعله الطفل الصغير وهو يلتصق بأمه أو يمسك بأبيه ، وهو فى قوته الشئ الوحيد الذى به يواجه الإنسان الأمور فى كل أوضاعها المختلفة فى الأرض ، ... وهو أقصرالطرق وأضمنها إلى النجاح والفلاح .

وها نحن لذلك نتابع قصة الملك القديم فيما يلى :



حزقيا والظروف السيئة التى أحاطت به :

لم تكن الطريق أمام حزقيا سهلة هينة ميسورة ، بل إن هذا الرجل القديم تفتحت عيناه على الخرائب والأطلال من كل جانب فى الداخل أو الخارج على حد سواء ، ... كان أبوه آحاز الملك الذى حكم يهوذا لمدة عشرين عاماً ، وكانت من أسوأ السنين التى عرفتها البلاد ، ... فقد أغرقها فى الشر والوثنية ، إذ نبذ عبادة الله ، وأغلق الهيكل بعد أن دنسه ونجسه ، وعبر ابنه فى النار ، وعبد الآلهة الوثنية بكل ما اشتملت عليه عبادتها من شر وشهوانية وقسوة ، ومن ثم توالت عليه ، وعلى شعب يهوذا ، الفواجع والكوارث ، إذ هاجمه الأراميون والإسرائيليون وعاثوا فى الأرض فسادا ، وقتلوا وذبحوا العشرات من الألوف ، وسبو لأنفلسهم سبايا لا تحصى ولا تعد ، ... ومع ذلك فقد أبى أن يستعين عليهم بالرب ، بل استعان بملك آشور ، فلم يعنه الملك الذي بعد أن قضى على أضداده ، تحول إليه ، ونكل به وبشعبه تنكيلا قاسياً بعد أن استولى على الكثير من كنوز بيت الرب والملك والرؤساء !! ..

إن قصة حزقيا تصلح أن تكون تعزية وتشجيعاً لأولئك الذين تتفتح عيونهم على الحرب والأنقاض ، حيث أفسد آباؤهم كل شئ وتركوا لهم تركة مثقلة قاسية ومع أنهم ليسوا مسئولين عما فعله الآباء ، لكنهم يستطيعون - بالاستناد إلى اللّه - السير فى أرض الخراب وإعادتها إلى المجد السابق ، إن كان لها مجد قديم ، أو ربما إلى ما هو أفضل من الماضى المجيد ، حتى ثبت إيمانهم فى الله ، واعتمادهم عليه !!



حزقيا والإصلاح العظيم الذى قام به :

ويعتبر حزقيا واحداً من أعظم المصلحين الدينيين فى التاريخ ، وكل إصلاح فى العادة يبدأ بظهور رجل من أبطال اللّه يقود حركة الإصلاح ، أو كما قال أحدهم : " إن النهضة التى حدثت فى قرية سامرية - كما جاء فى إنجيل يوحنا - بدأت بامرأة تشهد عن يسوع وما فعل معها ، ونهضة يوم الخمسين ظهرت بقيادة بطرس بقوة الروح القدس ، والنهضات التى حدثت فى آسيا الصغرى وشمال اليونان فى القرن الأول ، كانت ثمرة وعظ الرسول بولس ، وقد ألهب سافونا رولا فلورنسا ، وأيقظ لوثر أوربا ، وقامت نهضة الوسليين وهو ايتفيلد ، لتحول الحياة الدينية والأدبية فى إنجلترا تحويلا كاملا ، وقام فنى بنهضته العظيمة فى منتصف القرن التاسع عشر ، وأشعل مودى النهضة فى الجزر البريطانية وأمريكا فى الربع الأخير من القرن التاسع عشر !! .. وفى الحقيقة أن النهضات لا تبدأ عشوائية ، بل يلزم أن يكون وراءها رجل ، ورجل للّه !! .. وهذا الرجل يلزم ، ودائماً ، أن يكون خاضعاً بالتمام للروح القدس ، ومحفوظاً فى النقاوة بسكنى الروح القدس ، وممتلئاً بالعاطفة الملتهبة لخلاص النفوس ، وفاهما بالتمام لمشيئة اللّه ، وممسوحاً بمسحة القوة ، حتى ولو بدا وعظه وتعليمه بسيطين ، فإن الجماهير الغفيرة تقبل تحت الإحساس بذنبها ، إلى الاعتراف بالرب مخلصها .

وفى النهضة التى نشير إليها نجد رجلا استخدمه اللّه ليغير الحياة الدينية لأمته تغييراً كاملاً ، ولم يكن هذا الرجل إلا حزقيا ، الملك الذى يقف على رأس أمة ممزقة تعسة ضعيفة " ...! ولعلنا نستطيع إدراك قلب الرجل الملتهب متى تبينا أنه لم يضع دقيقة واحدة فى القيام بحركة الإصلاح ، إذ بدأه فى السنة الأولى لتولى العرش ، وكان فى أوج القوة والشباب ، فى الخامسة والعشرين من عمره ، ... لقد كان - كما يبدو - ضيق الصدر محزون النفس بما يفعل أبوه من شرور وآثام، ويبدو أن أمه" أبى بنت زكريا " هى التى كانت تغذى فيه هذا الضيق على الدوام كما يبدو أن إشعياء كان له أيضاً دخل فى الأمر ، ولعل الأحوال السيئة التى باتت عليها المملكة جعلته يؤمن إيماناً سديداً بأن الكوارث التى حاقت بها ، لم تأت إلا لابتعاد الشعب عن اللّه . وتستطيع أن تدرك هذا بوضوح من حديثه النبيل العظيم مع الكهنة واللاويين إذ يقول : " لأن آباءنا خانوا وعملوا الشر فى عينى الرب إلهنا وتركوه ، وحولوا وجوههم عن مسكن الرب وأعطوا قفا ... فكان غضب الرب على يهوذا وإسرائيل .. "

إن اللّه دائماً فى حاجة إلى رجل ليصنع به الإصلاح العظيم ، ... ولقد أشرنا إلى يوحنا وسلى عندما انحطت انجلترا فى القرن الثامن عشر إلى أحط الدركات الخلقية ، إذ كانوا - كما يقولون - يجدون حانة للخمور مقابل أربعة بيوت للسكن ، وانتشرت الدعارة وتزايدت الجرائم ، إلى أن أنهض اللّه له رجلا ، لم يكن صاحب عرش أو جيش أو ثروة أو سلطان ، إذ كان مجرداً منها جميعاً ، ولكنه كان يملك ما هو أعظم ، فقد كان يوحنا وسلى " رجل الله ، الرجل الذى نادى فى إنجلترا ، بإنجيل المسيح ، ولقد ظل وسلى يتنقل فى انجلترا من مكان إلى مكان ما بين الشوارع والأزقة والمدن والقرى والمصانع والمناجم ، يعظ يومياً ما بين عظتين وخمسة عظات ، فعل مالا تفعله قوات العالم مجتمعة !! . فإذا كان وسلى قد فعل كل هذا فى القرن الثامن عشر بعد الميلاد ، واحتمل فى سبيل ذلك ، مالا يكاد يحتمله بشر ، فإن حزقيا فعل الشئ ذاته فى القرن الثامن قبل الميلاد ، ... لقد أدرك حزقيا قوة الكلمة الإلهية ، وأرسل الوعاظ والسعاة إلى جميع إسرائيل ويهوذا ، ينادون بالعودة إلى الرب ، واستقبل الناس الكلمة ، كما يحدث فى النهضات ، ما بين ساخر وضاحك ، وبين مؤمن وتائب : " فكانوا يضحكون عليهم ويهزأون بهم إلا أن قوما من أشير ومنسى وزبولون تواضعوا واتوا إلى أورشليم " " 2 أى 30 : 10 و 11 "

وغير خاف أن العنصر الأول من عناصر الإصلاح ، لابد أن يكون شيئاً سلبياً ، إذ هو التطهـــر من كل دنس وشر ، ولا يمكن لأية نهضة أن تقوم ، ما لم تبدأ بالتوبة ، والتائب الأول هو رجل النهضة وخادمها ...

ولقد دعا حزقيا الكهنة واللاويين : " وأدخل الكهنة واللاويين وجمعهم إلى الساحة الشرقية وقال لهم : اسمعوا لى أيها اللاويون . تقدسوا الآن وقدسوا بيت الرب إله آبائكم وأخرجوا النجاسة من القدس " " 2 أى 29 : 4 - 5 " . وأى خادم لا يستطيع المناداة بالتطهير ما لم يكن هو قد تطهر وتقدس ؟ أوكما يقول الرسول بولس لتلميذه تيموثاوس : " فإن طهر أحد نفسه من هذه يكون إناء للكرامة مقدساً نافعاً للسيد مستعداً لكل عمل صالح " " 2 تى 2 : 21 " . وإلى جانب الخادم المطهر يأتى بيت الله المطهر ، ... وقد أخرج حزقيا الأصنام والنجاسات من الهيكل ، وطهر الأوانى المقدسة ، وأعد بيت الله للعبادة الطاهره النقية وهى حقائق تشير إلى ما ينبغى أن تكون عليه الكنيسة، إذا رامت أن تغير العالم أو تصلحه وتنهضه ، .. ولقد أدرك حزقيا ، فى هذا كله أن الروح لابد أن يسبق الحرف ، وأن العبرة - كل العبرة - ليست بمجرد الطقس فى حد ذاته ، بل بماوراء الطقس من معنى ومغزى ، ومن ثم نجده يتجاوز عن عمل الفصح فى وقته، إذ أن الميعاد قد فات ، وهو لا يمكن أن ينتظر إلى العام التالى ، لئلا تفتر المشاعر المتوثبة الملتهبة ، ولا مانع عنده من أن يعمل الفصح فى الشهر التالى ... إن حزقيا يدرك جيداً أن اللّه لا يخدعه الطقس الخارجى أو المظهر الشكلى دون الحقيقة الداخلية المباركة العميقة !! .. وهذا حق ، وليس أدل عليه من أن قيافا صنع الفصح وأكله ، .. ثم صلب يسوع المسيح وهكذا ارتكب أكبر جريمة فى التاريخ !! .. عمل حزقيا الفصح واشترك إسرائيل ويهوذا فى إقامته معا لأول مرة بعد سليمان ، وإذ أهمل الشعب هذه الفريضة ، نسى نظامها وشروطها ، ومع ذلك صلى حزقيا إلى الله وقد هيأوا قلوبهم لها ، فشفاهم الرب متجاوزاً عن نقصهم وضعفهم ، ... ولا يجوز لنا أن ننسى أن لب الاصلاح والنهضة عند الملك القديم ، على أي حال ، كان الفصح ، ... وهو ذات الشئ فى كل نهضة واصلاح فى العصر الحديث ، لأن فصحنا المسيح قد ذبح لأجلنا ، ...ولا نهضة إلا بالتبشير بيسوع المسيح وإياه مصلوباً ... عندما عاد " مودى " من رحلته الموفقة الأولى إلى انجلترا ، وتحدثت الصحف عن نجاحه هناك ، حدث أن امرأة كانت تسمعه يتكلم كثيراً عن الصليب قبل ذهابه ، وإذ عاد ذهبت لتسمعه، فإذا بأول عظة يعظها أيضاً كانت عن دم المسيح ، فاقتربت منه المرأه وقالت له : كم أنا آسفة يامودى إذ سمعتك اليوم تتكلم عن هذا الموضوع المخيف ، لقد ظننت أنك أسقطته من وعظك ، والآن أعرف أنك لا يمكن أن تكون واعظاً ناجحاً ، وإذا بمودى يجيبها : يا سيدتى : إذا لم يكن المسيح قد تكلم عن هذا الموضوع ، وكذلك أيضاً الرسل ، بل إذا لم يكن المسيح قد وعظ به ، فإنى أكون قد قرأت كتابى المقدس بكيفية خاطئة هذه السنين الطويلة ، ولا أكون قد عثرت على مفتاح الكتاب ... ويكون الكتاب بجملته مغلقاً أمامى ، وإذا لم أعظ عن الصليب ، وأهملته ، فلا يكون هناك شئ بعد لأعظ عنه ، ... احذفى العقيدة المباركة عن الدم من الكتاب، ... وإذا بكل شئ ينهار!!..

نجح حزقيا وكانت عناصر نجاحه : الواعظ الطاهر ، وبيت الله المقدس ، وكلمة الله الحية الفعالة ، ورسالة الدم االمسفوك ، وهى عناصر كل نهضة عظيمة عرفها التاريخ بعد ذلك ..



حزقيا والسياسة البشرية العقيمة :

ويبدو أنها حكمة الله الدائمة ، أن يتركنا لنجرب جهدنا البشرى الخائب ، وسياسة الذكاء أو التحالف مع الأشرار أو مهادنتهم ، ومن الحق أن حزقيا لم يبدأ بالتحالف مع ملك آشور ، بل هذه كانت التركة التى خلفها له أبوه ، الذى كان يدفع الجزية لآشور ، وعندما اعتلى حزقيا العرش ضاق بهذا الوضع فاتفق مع الفلسطينيين والفينيقيين على أن يقوم جميعهم بالعصيان الشامل العام على آشور ، ووعدتهم مصر التى كانت فى ذلك الوقت دولة قوية بالمؤازرة والمعونة ، وقد تحمس الشعب اليهودى تحمساً بالغاً لهذا العصيان ، ولكن إشعياء لم يكن موافقاً على هذه الحركة إذا لم يكن مطمئناً إلى الاستناد إلى أية قوة غير قوة الله ، ولكن الحماس الوطنى غطى فى ذلك الوقت على صوت النبِى ، وقام الشعب بتحصين أورشليم حتى اضحت - كما قال أحدهم - أشبه بجبل طارق ، ... فى هذا الوقت كان سنحاريب مشغولا بإخضاع الممالك الشرقية ، ولما تم إخضاعها تحول كالسيل الجارف ناحية الغرب ، فأخضع المدن الفلسطينية ، وعند عقرون التقى بجيش مصر فهزمه وأخذ يتحرك ناحية مدن يهوذا ، وأخذ يخضعها الواحدة تلو الأخرى ، ورأى حزقيا فشل سياسته ، فأرسل يعلن استعداده للتسليم بشروط الصلح ، ولندع سنحاريب نفسه يصف الموقف فيما جاء من كتاباته التى اكتشفها رجال الآثار فى أوائل هذا القرن : " أما حزقيا ملك يهوذا الذى لم يركع أمام قدمى فقد حاصرت واستوليت على 46 مدينة من مدنه القوية وقصوره ومدنه الصغيرة كما سبيت 150 و 200 شخصاً من الأشخاص صغاراً وكباراً ذكوراً وإناثاً ، وحصلت على خيول وبغال وجمال وقطعان ماشية ، مما لا يحصى ولا يعد ، أما أورشليم عاصمته فقد بدت كالعصفور المحبوس فى قفص أمامى ، وقبل سنحاريب ما قدمه حزقيا ، وكان ثمناً فادحاً ، جعله يقشر الذهب الذى على أبواب الهيكل ليرد الغزو ، وتراجع سنحاريب ، ونحن لا نعلم لماذا سمح الله بتسليم مدن يهوذا ، ولكنه يبدو أنه أراد أن يلقن حزقيا الدرس الذى يحتاجه المؤمنون فى كل عصر وهو خطر التحالف مع الأشرار ، أو الاتكال على الجهـد البشرى الذى لا ينفع ، أو الدبلوماسية التى إن نجحت فإن نجاحها على الدوام ناقص مشوه مبتور ، ولا تستطيع أن تصل بالممسكين بها إلى بر الأمان والسلامة !! ..



حزقيا والاتكال على الله :

ونحن هنا أمام درس من أعظم دروس التاريخ وأصدقها وأبقاها على مدى الأيام ، لقد عاد حزقيا كالطفل الصغير يلوذ بأبيه ويلتصق به ، ولم يصنع أكثر مما يفعله الطفل الباكى الصارخ الذى يرتمى فى حضن أبيه !! .. لقد عاد سنحاريب ، بعد أن ترك أورشليم ، إلى محاصرتها من جديد ، .. وكان حزقيا والمدينة أشبه بالفأر فى المصيدة أو العصفور فى القفص ، أو السمكة فى الشبكة ، ... واستلم حزقيا رسائل التهديد : " فأخذ حزقيا الرسائل من أيدى الرسل وقرأها ثم صعد إلى بيت الرب ونشرها حزقيا أمام الرب " . " 2 مل 19 : 14 " وسنقرأ القصة كلها من هذه الرسائل بل سنتعلم منها جميعاً كيف نبسط فى بيت اللّه أية أوراق يمكن أن تكون فاصلة فى أعظم المآزق التى نتعرض لها فى حياتنا على هذه الأرض !! .

لقد بدت أوراٍق سنحاريب المهددة لحزقيا أوراق : " شدة وتأديب وإهانة " ... ولعله يقصد بالشدة أنه وصل إلى يوم من أشد الأيام وأقساها التى مرت بحياته ، ... وحسن جداً فى الأيام الشديدة من الحياة ، أن نحمل أوراق الموت والإعدام ، ونبسطها أمام اللّه ، فنكشف أمام عينيه خطر الحياة أو الاضطهاد أو الرضى أو التعب أو المعاناه ،... ليست كل أيامنا واحدة ، أو رخاء أو هدوءً أو أمناً أو سلاماً أو راحة ، ... إذ سرعان ما تتغير وتتبدل الأيام ، وتأتى أيام سنحاريب القاسية التى نضعها أمام اللّه ، ... ولم يكن الأمر فى نظر حزقيا شدة فحسب بل تأديباً أيضاً ، ... ولعله أدرك أن مهادنة الأشرار أو الثقة بهم أو الاطمئنان إليهم تحمل معها كل الكوارث ، ... لقد دفع ما يقرب من نصف مليون من الجنيهات ، فى محاولة التفاهم الأولى مع سنحاريب ، وقشر الذهب الذى على الهيكل ، لعل هذا يرضيه ، ... وكانت النتيجة أنه فتح شهيته أكثر للعدوان والابتلاع ، وهو يدرك الآن النتيجة الحتمية للمداورة مع الخطاة أو الاتفاق مع الأثمة . وكان الأمر الثالث عنده " الإهانة " وهى إهانة لاسم اللّه الذى جدف عليه قبل أن تكون إهانة لحزقيا والأمة كلها ... لقد قرأ حزقيا أوراقاً قاسية ومذلة ومهينة !! ...

ذهب حزقيا بالأوراق إلى بيت اللّه ، ونشرها هناك أمام اللّه ، ولعلك تلاحظ كيف نشرها فى حضرة القدير ، .. لقد نشرها أولا وقبل كل شئ : متضعاً ، إذ مزق ثيابه وتغطى بمسح وركع فى حضرة اللّه ، والنفس المتضعة تكسب كل شئ فى حضرة الله.. وعلى العكس ليس هناك شئ يمقته القدير مثل النفس المتعجرفة المتكبرة ، وشتان ما بين حزقيا المتضع، وسنحاريب الذى قال له اللّه : " من عيرت وجدفت ؟ وعلى من عليت صوتاً وقد رفعت إلى العلاء عينيك على قدوس إسرائيل" " 2 مل 19 : 22 " .

عندما أراد الرومانيون أن يصنعوا تمثالا للامبراطور قسطنطين ، كانت طلبته أن يصنعوا تمثاله ، وهو راكع على قدميه ، ... إن أى إنسان مهما قوى فى الأرض لا يزيد فى واقع الحال عن الصورة التى ذكرها إشعياء : " هل تفتخر الفأس على القاطع بها أو يتكبر المنشار على مردده ، كأن القضيب يحرك رافعه ، كأن العصا ترفع من ليس هو عوداً " " إش 10 : 15 " ولا يجوز لإنسان ما أن يرفع عينيه تجبراً وتكبراً على اللّه ... ونشر حزقيا الأوراق تائباً ، ... لقد ذهب إلى اللّه يعترف بحماقته فى محاولة التفاهم أو الاتفاق مع سنحاريب ، أو الاتجاه إلى المصريين أو غيرهم ضده ، أو كما أفصح ارميا بعد ذلك : " هكذا قال الرب : ملعون الرجل الذى يتكل على الإنسان ويجعل البشر ذراعه وعن الرب يحيد قلبه ... مبارك الرجل الذى يتكل على الرب ويكون الرب متكله " .. ونشر حزقيا الأوراق مقراً بعجزه الكامل ، فهو لا يأتى مستنداً إلى جيش أو قوة بشرية أو معونة تأتيه من هنا أو هناك ، بل هو مثل المرأة الماخض : " لأن الأجنة قد دنت إلى المولد ولا قدرة للولادة " ... وليس هناك إحساس بالعجز مثل هذا الإحساس على أنه كان عظيماً وهو يقدم الأوراق إلى شريكه الأعظم ، الذى قال : " جدف على غلمان سنحاريب " ... وخير لنا أن ندرك أن اللّه شريكنا فى كل شئ ، وأنه من واجبنا أن نضع الأوراق بين يدى الشريك الذى معه أمرنا ... فى تلك الأيام التى كثرت فيها الحروب بين أسبانيا وفرنسا ، حدث ذات مرة أن الأسبان حاصروا جيشاً فرنسيا حصاراً قاسياً ، وطلبوا من قائده التسليم ، وإذا بالقائد يمسك ورقة ويربطها فى سهم ويقذف بالسهم ، وكان على العبارة : " لا يمكن أن نسلم ومعنا ملك " ونحن نستطيع فى كل الظروف أن نؤكد للعالم أن قوتنا فى الشريك الذى لا يمكن أن يتخلى عنا !! ... وآخر كل شئ أنه بسط الأوراق مصلياً ، وقد صلى معه اشعياء ، ولم تكن صلاته فى الواقع إلا كشفا للأمور كلها ، ومع أن اللّه يعلم كل شئ ، ... لكنه يريدك أن تبسط المشكلة بنصها وفصها !! ... ومع أن اللّه فى كل مكان ، ويسمع ولو من أطراف الأرض ، إلا أنه يسر كثيراً بالنفس التى تشــــق الطريق إليه وتركع بين يديه !! .. وإذا كان آخر ما تتجه إليه أفكار العسكريين فى حروب المستقبل استخدام الفضاء والكواكب الأخرى فى شن الهجوم على المواقع التى يريدون اكتساحها فى الأرض ، ... وإذا كانت هذه هى آخر أحلام عباقرة الحروب فمن اللازم أن نذكرهم أن هذا ليس بالأمر الجديد على المؤمن ، ... لقد طلب حزقيا نجدة من عالم آخر غير عالمنا الأرضى ، فجاءته نجدة السماء من العالم غير المنظور ، ... وضرب ملاك اللّه فى ليلة واحدة مائة وخمسة وثمانين ألفاً من جيش سنحاريب ، وإذا هم فى الصباح جثث هامدة ، وإذا بالطاغية يعلم أن : " الرب يقاتل عنكم وأنتم تصمتون " ... وإننا نستطيع أن نغنى أغنية المرنم العظيم : " لولا الرب الذى كان لنا لولا الرب الذى كان لنا عندما قام الناس علينا إذا لابتلعونا أحياء ، عند احتماء غضبهم علينا إذا لجرفتنا المياه ، لعبر السيل على أنفسنا ، إذا لعبرت على أنفسنا المياه الطامية ، مبارك الرب الذى لم يسلمنا فريسة لأسنانهم ، انفلتت أنفسنا مثل العصفور من فخ الصيادين ، الفخ انكسر ونحن انفلتنا ، عوننا باسم الرب الصانع السموات والأرض " .. !! .



حزقيا والمرض القاتل الذى شفى منه :

وإذ نتحول من معركة سنحاريب ، إلى معركة أخرى دخلها الملك حزقيا ، وهى أيضاً معركة حياة أو موت ، .. بل هى - فى تتعبير أدق - معركة انتزاع الحياة من بين براثن الموت ، أو معركة إلغاء حكم الإعدام ، إن صح هذا التعبير ، ... وهى معركة تفجر عدة قضايا ما تزال تشغل الناس فى كل جيل وعصر ، وتثير سيلا من الأسئلة المحيرة ، والتى لابد من مناقشتها ، ولعل أهمها :

أولا : قضية العمر المحدود ، وقد درجنا على القول " العمر بيد اللّه " ، فإذا " كانت أيامه محدودة وعدد أشهره عندك وقد عينت أجله فلا يتجاوزه " " أيوب 14 :5"، فكيف يقال إن اللّه بعد أن حكم عليه بالموت ، عاد فأطال عمره خمسة عشر سنة ، ومع أننا لا نستطيع أن نبلغ القصد الإلهى الأعلى ، إلا أن نفس الإطالة تؤكد أن العمر محدود ، وإن اللّه لا يترك حياة الإنسان تتخبط فى الأرض حتى يوقفها حادث عابر ، أو حظ عاثر كما يقولون ، .. فما يبدو عابراً أو مصادفة أو شيئاً غير متعمد ، لو أدركنا الحقيقة لوجدناه يخضع لحكمة إلهية عظيمة ، ولعل خير مثال على ذلك ما حدث مع يهوشافاط وآخاب فى راموت جلعاد : " وأمر ملك آرام رؤساء المركبات التى له الاثنين والثلاثين وقال : لا تحاربوا صغيراً ولا كبيراً إلا ملك إسرائيل وحده ، فلما رأي رؤساء المركبات يهوشافاط قالوا : إنه ملك إسرائيل فمالوا عليه ليقاتلوه فصرخ يهوشافاط ... وإن رجلا نزع فى قوسه غير متعمد وضرب ملك إسرائيل بين أوصال الدرع فقال لمدير مركبته : رد يدك وأخرجنى من الجيش لأنى قد جرحت " " 1 مل 22 : 31 - 34 " .. لقد دافع اللّه عن يهوشافاط عندما صرخ ، وأطلق اللّه السهم غير المتعمد بيد الجندى ليقضى على الرجل الذى كان لابد أن يموت فى المكان والزمان المعينين : " فمات الملك وأدخل السامرة فدفنوا الملك فى السامرة وغسلت المركبة فى بركة السامرة فلحست الكلاب دمه وغسلوا سلاحه حسب كلام الرب الذى تكلم به " " 1 مل 22 : 37 و 38 ".. إن الكلب الذى يقف خصيصاً للحس الدم ، لا يترك مجالا لتصور الصدفة !! ... والقضية الثانية التى يفجرها مرض حزقيا هى تشابك الأسباب الإلهية بالأسباب الظاهرة البشرية ، .. فمن المؤكد أن مرض حزقيا كان كافياً لقتله ، وكان اللّه صادقاً كل الصدق فى إبلاغه بالموت ، كالقول إن المسموم الذى يسرى السم فى جسمه لابد أن ينتهى إلى الموت ، وأغلب الظن أن خراجا قاتلا أرسل السم فى جسم حزقيا ، غير أن المسموم يمكن أن يجد مجالا للنجاة ، إذا عمل مثلا مشرط الطبيب فيه أو استخدمت وسائل ناجحة فى الوقت المعين ... أو أن القضية - فى لغة أخرى - تشابك الإرادة الإلهية وحرية الإنسان ، ... وقد دخل على المرض القاتل أمران بشريان لو تخلف واحد منهما أو كلاهما لمات الملك بدون أدنى شك ، وهذان الأمران هما : الصلاة الصارخة إلى اللّه ، واستخدام الوسيلة البشرية بوضع قرص تين على الدبل فيبرأ ، وكلا الأمرين جزء من قانون اللّه الذى وضعه للناس ، فى قدرة الصلاة ، واستخدام الوسائل البشرية من أدوية أو أطباء ، أو كما قال واحد من أبرع الأطباء العالميين ، وكان جراحاً إنجليزياً : " أنا أجرى العملية واللّه الذى يشفى " ، ... وهنا نفهم كيف يفعل اللّه كل شئ ، لأنه أمر فى قضائه الأعلى أن يجتاز حزقيا أبواباً ، وأمر أن تنطلق الحرية البشرية فى أوسع حدودها ، فإذا بحزقيا يصرخ أمام الله ، ويقبل اللّه صراخه ، ودموعه ، ... ويقبل الوسيلة التى هى فى حد ذاتها لا شئ ، ولكنها إعلان لنشاط الإنسان فى حدود طاعة اللّه ، ويجوز أيضاً القول إن حزقيا ساهم فى الشفاء باستسلامه لمشيئة اللّه ، فهو لا يملك إلا أن يصرخ ويصلى ، وساهم أيضاً باستخدام الوسيلة البسيطة القاصرة فى حد ذاتها ، واثقاً من القدرة الكامنة خلفها !! والقضية الثالثة التى يثيرها المرض المشار إليه : هو : " هل للصلاة قدرة على أن توقف الإرادة الإلهية أو تغيرها ، كما يبدو من ظاهر الأمر " ؟ ..

والحقيقة أن الصلاة لا تغير إرادة اللّه ، بل بالحرى تتمها وتنفذها ، أو هى الجزء الفعال الخفى فى إتمام هذه الإرادة الصحيحة ، المجيدة المباركة ، ولو تخلف هذا فى قصة حزقيا لكان المرض كافياً لقتله ، أعلن اللّه حقيقة المرض ، وترك للمريض مع ذلك استئناف الحكم الإلهى !! .. واللّه يريد فى القصة أن يفتح الباب بلا حدود أو سدود أو قيود أمام قدرة الصلاة العجيبة أمام اللّه ، ... لقد طلب حزقيا علامة ، وكانت العلامة رجوع الظل الدرجات " التى نزل بها بدرجات آحاز عشر درجات إلى الوراء"، فرجعت الشمس عشر درجات من الدرجات التى نزلتها ، ... ومهما اختلف الشراح فى تفسير هذه المعجزة ، وهــل هى كسوف للشمس كما يعتقد البعض ، أو هى رؤية صحيحة ، حدثت أمام العيون للمزولة التى كان يقاس بها الزمن فى ذلك التاريخ أو هو تغيير دوران الأرض ، كلها ، كما حدث يوم يشوع ، ؟ ... فإنها على أى حال معجزة كبيرة بالنسبة للإنسان ، وصغيرة جداً بالنسبة للقدرة الإلهية ، ومهما كانت المعجزة فى نظر الإنسان ، فهى لا شئ أو أقل من لا شئ ، أمام اللّه جلت قدرته !! ... واللّه يمكن أن يهز الكرة الأرضية كلها عند صرخة واحد من أولاده فى ضيق أو مأزق!! ... وفى هذا تشجيع دائم للإنسان ليقتحم المستحيل أو الطريق المسدود ، ... وهى صوت يكرر أمام الموت الثابت المؤكد قول المسيح لمرثا قديماً : " ألم أقل لك إن آمنت ترين مجد اللّه " ؟ ... ما أروع وأعظم استئناف حكم الموت أمام الجلال الإلهى ! حيث يصلى الإنسان صلاة حزقيا الملك ، أو حيث يصرخ إيليا إلى الرب : " وقال أيها الرب إلهى : أ أيضاً إلى الأرملة التى أنا نازل عندها قد أسأت بإماتتك ابنها " ؟ ! " 1 مل 17 : 20 " ، أو حيث تترك الشونمية ابنها مسجى فى البيت ، إلى اليشع الذى يعيده مرة أخرى إلى الحياة !! .. يا أبناء اللّه فى كل جيل وعصر : ليست هناك حدود إلى الأبد أمام إيمان أصغر أبناء اللّه ، فعليكم بالصلاة فى كل مشكلة ومأزق !! ..

وهكذا اجتاز حزقيا باب الموت ، الذى دخله أمامه فى يوم وليلة مائة وخمسة وثمانون ألفاً من جنود سنحاريب ملك آشور .



حزقيا وغيمة الغروب :

وجاءت الغيمة الغريبة التى طالما لفت الكثيرين من الأتقياء من ملوك يهوذا عند الغروب ، ونحن ما نزال نلح فى السؤال : لماذا يصر الكتاب على ذكر هذه الغيمة التى خيمت على حياة حزقيا والتى وصفها كاتب سفر الأخبار " وهكذا فى أمر تراجم رؤساء بابل الذين أرسلوا إليه ليسألوا عن الأعجوبة التى كانت فى الأرض ، تركه اللّه ليجريه ليعلم كل ما فى قلبه "2 أى 32 : 31 " .. لقد جاء هؤلاء من بابل موفدين من قبل الملك لتهنئة حزقيا على شفائه ، وأعجب به الظل الراجع فى المزولة !! ... وأراهم حزقيا مجده وكنوزه وعظمته !! .. وعادوا إلى بابل وعيونهم مفتوحة على هذه الكنوز، حتى يأخذوها ويسلبوها فى يوم من الأيام !! ... وقد أوضح الكتاب هذه الحقيقة ليؤكد أكثر من مغزى ومعنى ، أولهـــا وأهمها : أن الترك الإلهى لأقوى مؤمن فى الأرض ، أشبه بالتيار الكهربائى الذى ينتهى من السلك فى نفس اللحظة التى يعزل فيها التيار عنه فنضحى فى الحال لعبة الشيطان مهما كانت قوتنا واختبارنا السابقين ، ونحن، نرى هنا كيف يفشل الإنسان الذى : " تركه الرب ليجربه ليعلم كل ما فى قلبه " ... كما أن الغيمة فصلت الرجل الذى أخذ بالإعجاب بنفسه بعد الأعجوبة الكبرى ، ومركز القوة الذى وصل إليه ، ... وهى للأسف تجربة الناجحين عندما يأخذهم الشيطان بالغرور والكبرياء ، وقد نسو للحظة دموع الألم والفشل والقنوط التى كانوا عليها ، ... لقد عاد الرجل من أبواب الموت ، وهز اللّه من أجله الأرض كلها ، وارجع الشمس إلى الوراء ومن مثله بين الناس ؟!! .. وفى ظل الغيمة دخل الرجل فى الحماقة القاسية إذ فتح كنوزه أمام اللص الذى يسيل لعابه ، وطرح القدس للكلاب ، والدرر أمام الخنازير التى تدوسها بالأقدام ، وترجع لتمزقه !! ... مسكين حزقيا إنه واحد منا جميعاً أمام ذاك الذى " السماء ليست بطاهرة أمام عينيه وإلى ملائكته ينسب حماقة فكم بالحرى سكان بيوت من طين الذين أساسهم فى التراب ويسحقون مثل العث " !! ... وهو واحد منا نحن الذين نحتاج على الدوام لحكمته وسنده وقوته وعونه ورحمته صارخين مع موسى : " إن لم يسر وجهك فلا تصعدنا من ههنا " ومـــع داود : " لا تطرحنـــى من قدام وجهك وروحك القدوس لا تنزعه منى " .. !! ...

elraiek G
09-16-2010, 06:57 PM
( 42 )

منسى

" ولما تضايق طلب وجه الرب إلهه وتواضع جدا أمام اله آبائه "

" 2أى 33 : 12 "

مقدمة


لست أظن أن هناك كلمات يمكن أن نصف بما منسى ، أبلغ أو أعمق من كلمات بروفسور " بينت " فى تفسيره لما جاء عنه فى سفر أخبار الأيام الثانى إذ قال : " يقع منسى فريدا ، فى شره البالغ ، وتوبته الصحيحة ، وإصلاحه الشامل ، فإصلاحات يوليوس قيصر ، أو هنرى الخامس ، أو لنقل بصورة أخرى : تجديد الرسول بولس ، لا يمكن أن تقارن بتجديد منسى ، .. إذ أنه يبدو كما لو أن هيرودس الكبير ، أو قيصر بورجيا ، توقفا فى منتصف الطريق عن حياة القسوة والدنس ، وعاشا حياتهما الباقية يمجدان اللّه بالخدمة النقية الكريمة المقدسة ، ... إن توبة منسى تعطى الرجاء لأشر الخطاة ، بل غفران اللّه له يفتح الباب لكل خاطئ تائب يروم رحمة اللّه وإحسانه ، ... كما أن سنواته الأخيرة ، تؤكد أن الماضى الموغل فى الفساد ، لا يمنع البتة الصفحة الجديدة من أن تقدم الخدمة المقبولة من اللّه ، والتمتع برضا اللّه وبركته كان منسى فى العهد القديم ، هو الابن الضال فى العهد الجديد ، والرمز الواضح لتقلبات الطبيعة البشرية ، والرحمة اللانهائية للّه ... والفكرة اللاهوتية فى سفر أخبار الأيام واضحة وبسيطة تمام كفكر حزقيال النبى ، فمنسى يتوب ، ويتضع ، ويتمتع بالغفران " !! ... وإذا كان لنا من إضافة إلى كلمات " بينت " ، فإننا يمكن أن نضيف نهاية اللص التائب على الصليب ، إلى السفاح الذى ملأ أورشليم بدم الأبرياء ، وطلب الغفران فسمع له !! ... إن قصة منسى من أروع القصص الكتابية الفريدة فى نوعها ، والتى ينبغى أن تتوقف عندها بالروية والتأمل فيما يلى :



منسى المرتد :

لقد صدق القائلون وهم يقولون : لقد كان من أوفق الأمور أن يموت حزقيا أبو منسى دون أن ترى عيناه ما فعل ابنه بعد موته وإن كنا نعلم أنه لو أمكن للموتى أن يعرفوا ما يفعل الأحياء ، لصرخوا من قبورهم فى فزع وحزن : لماذا تفعلون هكذا !! ؟ ... لقد سار منسى فى الاتجاه المضاد لأبيه على طول الخط ، فما بناه الأب هدمه الإبن ، .. وما هدمه الأب بناه الابن ، وما رآه الأب حكمة رآه الابن الجهالة بعينها !! والعكس صحيح !! ... والحيرة البالغة تجعلنا نسأل عن السر فى ذلك ، وأغلب الظن أن هناك سببين واضحين !! أولهما أن حزقيا مات وابنه صبى فى الثانية عشرة من عمره ، وربما لو عاش حزقيا حتى يستوى ساعد الشاب ، متمتعاً بنصح أبيه وتعليمه ومعونته وإرشاده ، لتغير تاريخه بأكمله ، ولكان له دور ، أو مسار فى الحياة يختلف تمام الاختلاف عن مساره الذى عرف عنه فيما بعد !! ... على أن هذه القاعدة لا ينبغى أن تؤخذ على اطلاقها ، فى أكثر الملوك الصالحين الذين ولدوا فى بيئة شريرة ، وما أكثر الملوك الأشرار الذين توافرت لهم أفضل الظروف البيتية ، ومع ذلك ساروا فى طريق الاعوجاج والشر ، دون أن ينتفعوا بصلاح آبائهم أو يقففوا طريقهم !! ... بل من الواضح أن ولدين قد يولدان توأمين ، ولكن واحداً منهما يذهب مذهب عيسو ، والآخر يعقوب ، إن هناك شيئاً غائراً أبعد أو أعمق ، من مجرد التربية البيتية أو البيئة الواحدة: لأنه وهما لم يولدا بعد ولا فعلا خيراً أو شراً ، لكى يثبت قصد اللّه حسب الاختيار ليس من الأعمال بل من الذى يدعو قيل لها إن الكبير يستعبد من الصغير كما هو مكتوب أحببت يعقوب وأبغضت عيسو " " رو 9 : 11 - 13 " وأين يذهب التفسير كما أشرنا فى الحديث عن الشخصيات عند كلا الرجلين ، فإنه ، مما لا شك . فيه ، أن هناك ماهو أبعد أثر وعمقاً مما شكل حياتهما على النحو المختلف المتباعد ، ... والسبب الآخر الذى جعل حياة منسى على عكس ما كان عليه أبوه ، هو خضوع الفتى فى الثانية عشرة من عمره لمجموعة في القصر الملكى أو حزب - إن صح التعبير - كان وثنى الحياة والتصرف ، وأن هذا الحزب سرعان ما أطل كالافعوان من جحره عندما مات الملك الطيب حزقيا ، ... والفتى فى هذه السن من السهل أن تتشكل حياته على الصورة التى يشكلها الآخرون ، إذ هو أشبه بالقيثارة التى يمكن أن تستجيب لكل عزف يقع على أو تارها !!! ... ومع أن التأثير الشرير لا يترك كل آثاره دفعة واحدة إلا أن طريق الانزلاق لا يعرف توقفاً أو حدوداً ، ولقد وصل منسى إلى الحد الذي كان من المستحيل تصور الوصول إليه إذ أنه فعل : " أشر من الأمم الذين طردهم الرب من أمام بنى إسرائيل " ... ونحن نسأل: كيف يمكن أن يصل الإنسان إلى هذا الحد ، الذى يبرز فيه أشر الخطاة وأقساهم ، ... وعلى وجه الخصوص إن اللّه أرسل إليه التحذير تلو التحذير : " وكلم الرب منسى وشعبه فلم يصغوا " " 2 أى 33 : 10 "... هل يرجع الأمر إلى أن المرتد فى العادة ، أشبه بالثور الذى يرفس المناخس ، فهو يريد أن يسكن كل الأصوات التى تتحدث إلى عقله وضميره وحياته ، ... وكلما ارتفعت هذه الأصوات ، كلما حاول اخمادها بالعنف والشدة والقسوة ، والإمعان فى طريق الشر والفساد والضلال ؟ ... وهل هى محاولة لتبرير تصرفه ، بإسكات الضمير الصارخ فى أعماقه ، والهروب من ثورته أو حصاره أو احتجاجه ؟ ... على أية حال لقد ارتد منسى عن إله أبيه ، وربما رمى أباه بالتعصب لفكرة الإله الواحد ، الإله الذى لا يقبل أن يصور فى صورة أو تمثال ، ولماذا لا يكون إلى جانب هذا الإله آلهة أخرى ، متعددة ، وقد بلغت نينوى فى عصره قمة الحضارة البشرية ، وعندها آلهة ، لابد فى تصوره أن يكون لها مكان إلى جانب إله إسرائيل ، والبعل ، وعشتاروت ، ولكل إله مذبح ومرتفعات وذبائح وعابدون ، ولماذا لا يعبد الإنسان الشمس والقمر والنجوم؟!... كانت مأساة منسى أنه لم يتعرف على إله إسرائيل كما تعرف أبوه عليه ، ... لقد رآه أبوه إلهاً كبيراً عظيماً ، لا مثيل له بين الآلهة ، وأى إله يعادل اللّه ، وأى إله يمكن أن يكون نظير الإله الذى بطش بجيش سنحاريب فى ليلة واحدة ، الإله الذى أنقذ أباه من الموت ؟ ... لقد نظر حزقيا إلى اللّه ، فرآه إلهاً عظيماً كبيراً ، ... ومن المحزن أن منسى لم يتعرف على اللّه العظيم الكبير إلا فى أخريات حياته ، ... ولكن الشطر الأعظم والأكبر من حياته وحكمه ، لم يكن فيه اللّه ، إلا إلهاً يماثل الآلهة الأخرى المتعددة التى تصفها الأديان الوثنية !! ... إن الكون ملئ بالفراغ ، فإذا لم يكن إلهك عظيماً يملا الكون ، ... وإذا كان صغيراً يترك فراغاً هائلا إلى جواره ، فإنك فى حاجة إلى أن تملا الفراغ بآلهة أخرى إلى جواره ، أما إذا كان اللّه يملأ السموات والأرض ، وهو عظيم حكيم قادر على كل شئ ومحب عادل ، يستولى على كل كيان فى فكرك وشعورك وحياتك ، فلن يكون هناك متسع أو فراغ لآخر !! ... والمشكلة الثانية أمام منسى فى أن إله إسرائيل إله مجرد ، والإله المجرد ليس من السهل تصوره ، فلماذا لا يمكن تصوره بصورة ما ؟ . وأى ضرر أن يكون هناك تمثال ما لهذا الإله ، أو غيره من الآلهة ؟ ... وقد فعل منسى مالم يفعله أى ملك آخر فى تاريخ يهوذا ، إذ أنه أدخل تماثيل الآلهة الأخرى إلى بيت اللّه ، وربما فى الدار الخارجية والقدس " وعندما تضعف الحياة الروحية فى الإنسان يغرق نفسه فى الصور والمظاهر التى يتخيل أنها تعطيه الصورة الصحيحة عن الآلهة ... وما تاريخ الوثنية الغارقة فى أصنامها وتماثيلها إلا محاولة الانعكاس الخيالى للآلهة كما يتصورها الإنسان فى ذهنه وخبيئة نفسه !! ... وقد ظهر هذا فى الآلهة القديمة عند الشرقيين ، وكان تصورهم للآلهة مفعما بالقسوة والشدة والانتقام ، أو الخصوبة والإثراء ، ومن هنا ظهر مولك ، وكموشى ، وبعل ، وعشتاروت وفى الغرب حيث أحب اليونانيون الجمال ظهر فى أفروديت وفينيس آلهة الجمال وظهر عند الرومان فى القوة كإله الحرب أو غيره من الآلهة !! ... ولا حاجة إلى القول بأن الخواء الروحى عند الإنسان يجد تعويضه فى المبانى الفخمة والطقوس والفرائض ، أو كما قال أحدهم : لو أننا قسنا عظمة الدين بالمبانى والمظاهر ، لكانت الديانة البوذية فى المقدمة بين الأديان ، .. ولكن الحقيقة العظمى ، أن " اللّه روح والذين يسجدون له فبالروح والحق ينبغى أن يسجدوا " ، ... وأن الحياة الصحيحة الروحية أمام اللّه لبابها القلب : " ياابنى اعطنى قلبك ولتلاحظ عيناك طرقى " . " أم 23: 26 " .

والخرافة تكثر فى مثل هذا الجو الوثنى ، وقد كان منسى عبداً واضحاً لمختـلف الخرافـــــــات : "وعبر بنيه فى النار فى وادى ابن هنوم وعاف وتفاءل وسحر واستخدم جانا وتابعه " "2 أى 33: 6 " ... ومن المعلوم أن الوصية الإلهية كانت على الدوام ضد هذه الخرافات ، لا لأنها فى حد ذاتها تمثل حماقة الإنسان وجهله ، بل لأنها أكثر من ذلك - تعطى أقبح صورة عن اللّه ، وسلطانه ، وسيادته ، وجوده ، وكرمه ، وحبه ، ... فالذين يؤمنون بالخرافات كالسحر والجان والعرافة والتفاؤل ، هم أناس يصورون اللّه ، وكأنما نزل من عرشه ، وأعطى سلطانه للأرواح الشريرة لكى تحكم وتسيطر وتفعل ما تشاء فى البشر ، ... ولو أن الناس يملكون البصيرة الروحية ، لأدركوا الحقيقة الواضحة الأساسية فى حياة كل إنسان على الأرض ، إن جميع الأحداث والوقائع المختلفة فى حياة البشر بما فيها من خير أو شر ، ومهما كانت ضئيلة أو كبيرة ، لا يمكن أن تحدث إلا بأمر اللّه أو بسماح منه ، ... وأن عصفورين " يباعان بفلس واحد منهما لا يسقط على الأرض بدون أبيكم ، وأما أنتم فحتى شعور رؤوسكم جميعها محصاة " مت 10 : 29 و 30 " وأن الدودة أو الحشرة فى مسارها ومصيرها، لا يمكن أن تبتعد عن نظرة اللّه الشاملة للجميع !! ... فإذا جاء من يبحث عن طالعه عند السحرة والمنجمين ، أو يتفاءل بصور أو مناظر أو أرقام معينة ، أو يحسب حساب يوم دون يوم ، أو يدع قارئاً يقرأ له حظه من كفه أو من الفنجان أو النجوم أو الرمل أو الودع ، فإنه ، دون أدنى شبهه ، يزحزح اللّه عن حكمته وصلاحيته وحبه للناس ، ويحيا فى فزع وأوهام ووساوس ، لا يمكن أن تنسب إلى اللّه، أو تقتر ب من جلاله ومجده ونقاوته وقداسته !! ... ومن المثير أنه مع تقدم الحضارة والعلم ، ماتزال هذه الخرافات تعشش فى ذهن الإنسان الأحمق البعيد عن اللّه، ولو فى أرقى الدول فى القرن العشرين !! .

وقد أضاف منسى إلى هذا كله القسوة والبطش والعنف ، إلى درجة لم تعرف فى كل تاريخ يهوذا : " وسفك أيضاً منسى دما بريئاً كثيراً جداً حتى ملأ أورشليم من الجانب إلى الجانب " " 2 مل 21 : 16 " .. أو كما تقول التقاليد إن ضحاياه كانت كل يوم ، وذهب القديسون الذين حذروه شهداء التحذير ، وقيل إن إشعياء كان واحداً منهم ، إذا أمر بنشره ، وعندما يخلو الإنسان من خوف اللّه ، فإن قلبه يتحول إلى قطعة من الصوان ، ويصبح سفاحاً يشتهى الدم ، ويسعى وراءه ، ويلتذ به ، .. وقد امتلأ التاريخ بأمثال منسى ، إلى الدرجة التى جعلت روما تتسلى بالمصارعات الوحشية التى كانت تقام فى ملاعبها ، وهم يلقون بأفضل الناس للوحوش الكاسرة ، ... وأين هذا مما فعله موسولينى وهتلر وستالين وغيرهم من طغاة القرن العشرين ؟ !! .. عندما يرتد الإنسان عن اللّه إنما يرتد ليصبح وحشاً دونه أقسى الوحوش وأشدها بطشاً !! ..



نفس المعالم :

كانت الغاشية التى غشيت عينى منسى أمرين ، هما : طول الزمن ، والنجاح المادى،... فلقد جرب منسى الرب ما يقرب من خمسين عاماً ، ونجا ولم يحدث معه شئ ، ولعل منسى قال سراً أو علانية شيئاً يشابه ما قاله الشعب اليهودى أيام ملاخى : " لقد أتعبتم الرب بكلامكم وقلتم بم أتعبناه ؟ بقولكم كل من يفعل الشر فهو صالح فى عينى الرب وهو يسر بهم أو أين إله العدل " " مل 2 : 17 " " والآن نحن مطوبون المتكبرين وأيضاً فاعلو الشر يبنون بل جربوا اللّه ونجوا " " مل3 : 15 " .. وإذا كان إرميا قد فزع من طول أناة الرب على الأشرار ، وامتلأ ثورة وغضباً عندمـــــــا قال : " أنت يارب عرفت ، أذكرنى وتعهدنى وانتقم لى من مضطهدى . بطول أناتك لا تأخذنى . أعرف احتمالى العار لأجلك ... لم أجلس فى محفل المازحين مبتهجاً . من أجل يدك جلست وحدى لأنك ملأتنى غضباً . لماذا كان وجعى دائماً وجرحى عديم الشفاء يأبى أن يشفى . أتكون لى مثل كاذب مثل مياه غير دائمة " " إرميا 15 : 15 - 18 " فماذا يكون إحساس منسى ، وهو يسخر ويمزح ويبطش ، ويتمادى فى هذا كله لمدة خمسين عاماً ، أوحول ذلك دون أن يرى الناس يداً تمتد إليه بالردع أو الإنتقام ، ... ألا يجرب كل واحد منا بأن يكون إرميا الغاضب الثائر الجريح بجرح لا يندمل أو يشفى !! ... أو يمعن الشرير فى شره قائلا : " أين إله العدل " ... فإذا أضيف إلى ذلك أن حظ منسى المادى كان أوفر من حظ أبيه ، لقد دخل أبوه فى حروب متعددة ، واحتاج إلى أن يقشر ذهب الهيكل ، حتى يدفع عنه الأشوريين لكن منسى غير السياسة، لقد أضحت الدولة الأشورية فى أيامه أقوى دولة فى العالم إذ تمكنت من قهر اليونان كما اخضعت مصر عام 670 ق.م. وإذا كانت قد تمكنت من قهر هاتين الدولتين العظيمتين ، فلا ريب أن ظلها سيقع قاسياً على يهوذا ، فماذا لو تجنب منسى الحرب والقتال معها ، وخضع ودفع الجزية ، الأمر الذى فعله ، وتصادق معها ، ومد التجارة بينه وبين الدولة الجبارة ، وتبادل مختلف الروابط الثقافية والعلمية والحضارية معها ، ولماذا لا يسر على درب عظمتهم ومجدهم أليس هذا أفضل مما فعل أبوه !! ؟ . لقد بدت هذه السياسة ظاهرياً أجمل وأعظم وأنفع ، وإذ كثرت التجارة مع أشور ، ونال الناس حظهم الكبير من الثروة ، ونجح منسى مادياً ، ووصل إلى ما لم يصل إليه أبوه ، لكن الخطأ القاتل فى هذه السياسة الحمقاء ، هو الاطمئنان إلى العلاقة مع الأشرار أو مصادقتهم . وقد رأى منسى نفسه فى حياته ، أن الأشوريين هم أداة اللّه للانتقام منه ، إذ عذبوه عذاباً لا يوصف ، ولو أنه كان ثاقب النظر ، بعيد التأمل ، لأدراك أن هذه الدولة العظيمة ، مهما ارتفع شأنها ، ستسقط سريعاً رغم عظمتها ومجدها ورفاهيتها،... وهذا حق إذ أن نينوى محيت من الوجود عام 606 ق. م. .. على أى حال ، لقد كشف اللّه عن عينيه فى الوقت الإلهى ، حتى ولو بدا هذا الوقت متأخراً بالنسبة له أو بالنسبة للآخرين !! ... هل قرأت ما كتب " جوته " شاعر الألمان عن " فاوست " ، عندما اتفق مع الشيطان ، على أن يخضع له إذا أشبعه من كل مسرات العالم ، وإذا لم يفلح الشيطان هو حر ، له الحق أن يتتحرر منه ، ووافقه الشيطان على ذلك ، وابتدأ يتنقل من مسرة ، ومن بهجة ، ثم يسأل : هل شبع ؟ ... والجواب الدائم : كلا !! .. حتى استنفد الشيطان كل متعة ، وقال : لم تعد لدى متعة أخرى ... وقال فاوست : أنا إذاً حر !! .. ولم يتدرك أن هذه المتع قد قيدته - وهو لا يدرى - بأغلال من حديد !! ..

لقد أرسل أسرحدون رجاله إلى فلسطين ، ليستتعيد مركز أبيه الضائع المهزوز ، كما يتصور البعض ، أو لأن منسى تآمر عليه مع ترهاقه ملك كوش كما يتصور آخرون ، أو لأى سبب آخر ، .. على أى حال كان القصد الأول هو إذلال الملك ، ولم يدر أسرحدون أو جنوده أنهم يتممون قصد الملك الأعظم ، ملك الملوك ورب الأرباب !! ويخطئ من يربط الحوادث فى الحياة بالظاهر منها ، أو نوايا الناس أو اتجاه مقاصدهم ، إذا عجز عن أن يدرك يد اللّه العليا وهى العاملة يقيناً فى كل حادث صغير أو كبير على حد سواء !! ..



منسى التائب :

لا يمكن أن يذهب الخاطئ إلى الهاوية دون تحذير أو تنبيه ، واللّه لا يكف على الإطلاق عن إرسال الأصوات المتعددة إلى الإنسان ، بغية إرجاعه عن شره وغيه وفساده ، وقد أرسل اللّه ، بصبر ، أصواته المتعددة إلى منسى الملك ، فهناك ذكرى أبيه التى لا شك استعادها مرات كثيرة فى ذهنه ،... وصوت الذكريات الآتية إلينا من البيت الطيب من أقوى الأصوات ، وأجملها ، ... وهناك أيضاً الأنبياء ، ومن بينهم إشعياء ، الذين لا شك تحدثوا إليه وبصروه بنتيجة الخطية والشر ، ... ولكنه لم يسمع لهم ، وأوغل فى الخطية ، ... فجاءه الصوت الأقسى ، صوت الألم : إذ حاصره جنود ملك آشور وأخذوه بخزامة وقيدوه فى يديه ورجليه بسلاسل من نحاس ، وهنا حدث له ما قاله الرب لسنحاريب عندما هاجم أباه حزقيا : " أضع خزامتى فى أنفك وشكيمتى فى شفتيك " ولكن الخزامة وضعت للأسف لابن حزقيا نفسه !! ... وعندما لا يسمع الإنسان صوت النصح والإرشاد ، يأتى بعد ذلك صوت الخزامة القاسى الشديد الضعيف ، ... وهنا تسقط الكبرياء البشرية ، ويساق الإنسان أمام اللّه والناس سوق الحيوان نفسه ، وهكذا ساق اللّه شمشون عندما ربط إلى الطاحونة فى بيت السجن ، وهكذا ساق نبوخذ نصر عندما أحدر من أعلى مجده فى بابل وطرد من بين الناس وابتل جسمه بندى السماء حتى طال شعره مثل النسور وأظفاره مثل الطيور ، قبل أن يرفع عينيه إلى السماء ليرجع إليه عقله ... وهكذا ساق منسى إلى بابل ، فى ذل ما بعده ذل ، وشقاء ما بعده شقاء ، .. وكانت بابل - وليست نينوى - المقر المؤقت لبقائه هناك، ليرى وضعه الصحيح المؤلم القاسى بعيداً عن الله ، ...

ومن المناسب أن نذكر أن الألم فى حد ذاته ، قد يقود الإنسان إلى التذمر والتمرد ، وقد يصرخ معه صرخة ذلك الرجل الذى قال مجدفاً : إنى ألعن اللّه ، إذا كان هناك إله، ذلك الذى يجعل مارى تموت " ويبدو أن مارى هذه كانت عزيرة عنده ، وكان موتها مفجعاً له إلى الدرجة التى جعلته يجدف على اللّه !! ... لكن الألم الحارق حول اتجاه منسى إلى الاتجاه العكسى ، لقد جدف على اللّه سنوات طويلة بالقول والفعل ، وأدرك آخر الأمر عاقبة التجديف ، ولم تستطيع الآلهة التى تعلق بها ، السنوات الطويلة، أو السحر أو الجان أو العرافة التى مارسها ، أن ترفع عنه الذل البالغ الذى وصل إليه ، ... لقد سقطت القشور من عينيه ، فأدرك الحقيقة التى غابت عنه السنوات المتعددة الطويلة !! .. وعرف لماذا انتهى به اللّه إلى الألم العميق الذى وصل إليه !! .. لقد قاده الألم إلى الاتجاه السليم الذى ينبغى أن يتجه إليه ... لقد أنزله إلى وادى الاتضاع العميق : " وتواضع جداً أمام إله أبائه " " 2 أى 33 : 12 ". ومن الثابت أن هذا الاتضاع لم يكن مصطنعاً ، إذ كان أمام عينى اللّه اللتين تدركان الحقيقة الخافية الغائرة فى أعماق النفس ، ولم يكن مؤقتاً ، إذا كان درساً صحيحاً مستقراً للحقيقة الشاملة لقصة حياته بأكملها ، ... وها كل شئ يمثل أمام ذاكرته وخياله ، كالصور اللامعة المطبوعة التى تتجمع أمام وجدانه وضميره !! .. إنه الابن الضال فى العهد القديم عندما هاجر إلى الكورة البعيدة ، قد أدرك حقيقة حاله بدون أدنى إضافة أو نقص أو رتوش ، ... لقد دخل منسى محكمة الضمير ، وكلما تحسس مكان الخزامة التى وضعت له ، أدرك الحيوانية التى وصل إليها ، وأن الخزامة أصلا كانت موجودة فى جميع أعماله التى عاشها ملكاً لشعبه ، ... وكلما وضع يديه على قدميه فى موضع السلاسل النحاسية التى قيد بها ، كلما تذكر بحر الدم الذى خاض فيه فى أورشليم وهو يقتل القديسين الأبرياء !! ... وكلما تطلع إلى الأمام أو الخلف وهو يهدم ما بناه أبوه ويبنى ما هدم الأب ، يحس بالذنب العظيم الذى أخطأ به إلى اللّه ، وهو يقلب أعمال أبيه رأساً على عقب ، ... لقد أدرك أن أباه كان على حق ، وكان هو على الباطل ، ... وهو فى هذه كلها كان يحس كأنما يغوص إلى الأعماق ، فهو ينزل وينزل نفسياً ، ويحس أنه يعيش فى هاوية لاقرار لها محتقراً نفسه ، محتقراً فعله ، وهو يرى القاذورات التى ربما وجدها حوله فى بيت السجن فى بابل ، ويرى نفسه أكثر قذارة منها ! مسكين يا منسى !! ؟ مسكين أيها الإنسان الذى تقع تحت عذاب الضمير الأليم القاسى !! ...

هناك مثل يقول : إذا أردت أن تهرب من اللّه فاهرب إلى اللّه " ، وأدرك منسى الحقيقة فى هذا المثل ، إذا أنه أراد أن يهرب من عقاب اللّه النفسى والجسدى ، فهرب إلى اللّه : " ولما تضايق طلب وجه الرب إلهه " " 2 أى 33 : 12 " .. لقد أدرك أنه لا يوجد فى الوجود كله من يمكن أن يلوذ به سوى شخص اللّه ، ... إن كل إنسان على استعداد أن يرجمه ، وقد رفعت الاحجار فى وجهه ، ... فالأعداء قد رجموه وركلوه بكل الصور التى يمكن أن تجعله عبرة للآخرين ، ... والأصدقاء تخلوا عنه ، كما يتخلى البشر عن بعضهم البعض فى أوقات المحن والآلام والشدائد . وحملوه تبعة كل شئ وتركوه ينوء تحت حمله الثقيل ، ونفسه انحنت فى داخله ، بنفس الصورة التى ذكرها المرنم فى قوله : " لماذا أنت منحنية يانفسى ولماذا تئنين فىّ ترجى اللّه لأنى بعد أحمده خلاص وجهى وإلهى " ... غير أن منسى أدرك أنه يوجد من هو أقرب إليه من الأصدقاء أو الأعداء أو نفسه ، وهو فى كافة المعانى يمكن أن يهتف هتاف داود : " إن أبى وأمى قد تركانى والرب يضمنى " " مز 27 : 10" أو ما قاله بولس : " بل الجميع تركونى . لا يحسب عليهم لكن الرب وقف معِى وقوانى " " 2 تى 4 : 16 و 17 " .

لقد طلب منسى وجه الرب ، بالإيمان والرجاء والصلاة ، وما من شك أن الشيطان جربه بمختلف الوسائل والصور ، لكى يبدد فيه الثقة باللّه ، ولعله قال له : وهل يسمع اللّه لك ، بعد أن حذرك مرات متعددة ولم تسمع التحذير ، ... وهل يسمع وقد تفوقت على الجميع فى شرورك التى اقترفتها ، وفى الدماء البريئة التي سفكتها !! ؟ .. هذه وغيرها وضعها الشيطان كالحواجز المانعة المخيفة أمام منسى ، ولكن الرجل قفز عليها جميعاً متجهاً إلى اللّه ، ومن الملاحظ أن منسى فقد طريقه إلى اللّه فى أورشليم وجده فى بابل ، لم يعرف اللّه فى الهيكل ، وعرفه فى المنفى والسبى !! ... لقد نشر أبوه حزقيا أوراق سنحاريب أمام اللّه فى الهيكل فى أورشليم ، لكن الهيكل لم يعد فى متناول يد منسى ، وأصبح بعيداً عنه فى الأسر والمنفى ، غير أنه فى بابل نشر ورق تعاسته وآلامه وشقائه أمام اللّه ، وطلب إله آبائه !! ... إذا لم تجد بيتاً من بيوت اللّه لتذهب إليه ، فاعلم بأنك تستطيع فى أى مكان أن تجد اللّه لتقول : " ما أرهب هذا المكان ما هذا إلا بيت اللّه وهذا باب السماء !! .. " " تك 28 : 17 " لقد وجد يونان اللّه فى أغرب مكان على الأرض عندما قال : " دعوت من ضيقى الرب فاستجابنى . صرخت من جوف الهاوية فسمعت صوتى . لأنك طرحتنى فى العمق فى قلب البحار فأحاط بى نهر ، جازت فوقى جميع تياراتك ولججك . فقلت قد طردت من أمام عينيك . ولكننى أعود أنظر إلى هيكل قدسك . قد اكتنفتنى مياه إلى النفس أحاط بى غمر . التف عشب البحر برأسى نزلت إلى أسافل الجبال . مغاليق الأرض على إلى الأبد ، ثم أصعدت من الوهدة حياتى أيها الرب إلهى حين أعيت فى نفسى ذكرت الرب فجاءت إليك صلاتى إلى هيكل قدسك . الذين يراعون أباطيل كاذبة يتركون نعمتهم . أما أنا فبصوت الحمد أذبح لك وأوفى بما نذرته للرب الخلاص " " يونان 2: 1 - 9 " لقد رأى يونان هيكل اللّه فى بطن الحوت !! .

فى التقليد هناك صلاة لمنسى لا تعنينا حروفها بقدر ما تعنينا روحها وصدقها وعمقها وأمانتها ، وتاب منسى رغم كل شئ وقبل اللّه صلاته وتوبته !!...



منسى وغفران اللّه :

هل رأيت قرص الشمس الذهبى الجميل ، وأنت تتطلع إلى الأفق من فوق قمة جبل ، أو عند البحر حيث يبدو لك هذا القرص الرائع وكأنما يغوص فى المياه العميقة ، ... كان هذا المنظر منظر منسى فى أيامه الأخيرة ... ولعلنا نستطيع أن نجمله فى العبارة القصيرة : " فعلم منسى أن الرب هو اللّه " " 2 أى 33 : 13 " لقد علم منسى أن الرب هو اللّه الواسع الرحمة ، والذى إلى الأبد رحمته !! ..

لم يكن دكتور جون تود قد عرف التليفزيون عندما صور يوم الدينونة فى تلك الصالة الكبيرة التى علقت على جدارنها صور تمثل أعمال الإنسان على الأرض ، وعندما يدخل الإنسان الصالة يرى صورة لكل خطية ارتكبها ، فهناك صور كل الكلمات البطالة التى تكلم بها ، وهناك صور الغيرة والحسد التى شعر بها فى حياته ، وصور أخرى لحياة الطمع التى عاشها ، وغيرها للقسوة فى معاملة الآباء ، والإصباح والإمسيات التى لم يصل فيها ، ولروح التذمر والجحود إزاء أعمال اللّه ... سجل طويل بلا عدد ولا حصر ، ... ولو أن منسى رأى سجل أعماله التى عملها ضد اللّه ، لرأى الجحيم الأبدى على استعداد أن يبتلعه ، ولكن منسى رأى قبل وبعد هذا السجل رحمة اللّه التى لا تنتهى فلاذ بها ، ليجد غفران اللّه الشامل الكامل لكل خطاياه !! ... أيها القارئ : إن عقيدتى بعد أن عرفنا التليفزيون ، أن الخاطئ سيحمل إلى الأبد تليفزيونه الذى يرى فيه حياته طيلة الأبدية كلها ، أو كما جاء فى قول السيد وهو يتحدث عن الغنى فى العذاب الأبدى حيث يقول له أبونا إبراهيم : " يابنى أذكر ... " " لو 16 : 25 "ولن تموت الذاكرة المروعة طوال الأبدية كلها ، إذ ستصف كل الخطايا أمام عينى الإنسان وذهنه إلى الأبد !! ... وويل لمن لا يستطيع أن يستريح من ذكريات الشر فى الأرض ... على أن منسى كان مطوباً وهو يتمتع بغفران اللّه ورحمته ، ولعله غنى للّه أغنية داود القائلة : " طوبى للذى غفر إثمه وسترت خطيته. طوبى لرجل لا يحسب له الرب خطية ولا فى روحه غش " " مز 32 : 1 و 2 " وغفر اللّه لمنسى كما لو أنه لم يرتكب خطية قط !! ..

رد الرب سبى منسى ، وأعاده إلى عرشه وملكه بصورة مذهلة عجيبة ، والسؤال ، ما الذى جعل أسرحدون يترفق به ، رغم العنف والقسوة والمذلة التى عاناهـــــا على يدى جنـــــوده ورجال جيشه !! ؟ .. نحن لا نملك هنا تعليلا بشرياً ، ولا نستطيع ، ولكنا نؤمن أن : " قلب الملك فى يد الرب كجداول مياه حيثما شاء يميله " " أم 21 : 1 " وأنه " إذا أرضت الرب طرق إنسان جعل أعداءه أيضاً يسالمونه " !! " أم 16 : 7 " أما وقد استنفد الضيق رسالته وأدى المقصود منه ، فإن اللّه لا يريد أن يبقى تائباً فى الألم ليلة واحدة بعد ذلك !! ..

ومع أن منسى لا يستطيع أن يعيد إلى الحياة النفوس التى أضاعها ، أو الآثار القاسية من الخراب التى أشاعها والتائب فى مرات كثيرة ، لا يمكن أن يصلح آثار الماضى كلها ، ... إلا أنه يملك أن يصلح ما يستطيع إصلاحه منها ، ... وقد شرع منسى أن يتدارك ما يمكنه تداركه ، فإذا لم يكن الكل ، فعلى الأقل يمكن أن يصل إلى الجل ، ولذا نراه يرمم المدينة ويحصن أسوارها : " وأزال الآلهة الغريبة والأشباه من بيت الرب وجميع المذابح التى بناها فى جبل بيت الرب وفى أورشليم ، وطرحها خارج المدينة ، ورمم مذبح الرب وذبح عليه ذبائح سلامة وشكر ، وأمر يهوذا أن يعبدو ا الرب إله إسرائيل !! .. " " 2 أى 33 : 15 و 16 " لأنه كما يقول الرسول بطرس : " الذي ليس عنده هذه هو أعمى قصير البصر ، قد نسى تطهير خطاياه السالفة " " 2 بط 1 : 9 " .

لم يفت منسى القطار وركب فى المحطة الأخيرة ، بعد أن زين ما تبقى له من سنوات فى خدمة اللّه ، ... ولعله مات وهو يقول : " إحمـــدوا الـــــرب لأنه صالـــــح لأن إلى الأبــــد رحمته . لقل إسرائيل إن إلى الأبد رحمته . ليقل بيت هرون إن إلى الأبد رحمته . ليقل متقو الرب إن إلى الأبد رحمته " .. !! " مز 118 : 1 - 4 ".

elraiek G
09-16-2010, 06:59 PM
( 43 )

يوشيا

" وفى السنة الثامنة من ملكه إذ كان بعد فتى ، ابتدأ يطلب إله داود أبيه "

" 2أى 34 : 3 "



مقدمة

كان يوشيا واحداً من أعظم الصور وأروعها لما يمكن أن يفعله الشباب فى ربيع الحياة وطراوة الأيام ، وإذا كان الإسكندر الأكبر قد اعتلى العرش فى العشرين من عمره ، وغزا العالم فى الثالثة والثلاثين ، وكان يوليوس قيصر شاباً عندما استولى على ثمانمائة مدينة ، وغزا ثلاثمائة دولة ، وهزم ثلاثة ملايين من الناس ، وكان خطيباً مفوهاً ، وحاكماً من أعظم الحكام الذين عرفهم التاريخ .. وكان واشنطون جنرالا مساعداً فى التاسعة عشر من عمره ، وأرسل فى الحادية والعشرين ليفاوض فرنسا كسفير ، وكسب معاركه الأولى فى الثانية والعشرين من العمــر ... كما أن " لافيت " اختير قائداً للجيش الفرنسى فى العشرين من عمره ، وكان " شرلمان " سيد فرنسا وألمانيا وهو ابن الثلاثين ، وكان جاليليو فى الثامنة عشرة عندما تمخض فكره العبقرى عن اكتشافاته الرائعة ، ودخل " غلادستون " البرلمان الإنجليزى فى الثانية والعشرين، وأصبح وزيراً للمالية فى الرابعة والعشرين ، ... وكان لوثر فى التاسعة والعشرين عندما علق حججه المشهورة ، وبدأ الإصلاح ، ... ومن المعروف أن " شكسبير " كتب بعض روائعه وهو فى السادسة والثلاثين من عمره !! .

إذا كان هؤلاء جميعاً يكشفون عن مجد الشباب فى إتجاهاته المتعددة المختلفة فإن يوشيا يعطى صورة عظيمة عن الملك الشاب ، الذى لم تطل حياته ، ولكنه صنع ما يمكن أن يكون نموذجا يحتذى لجميع الشباب فى كل العصور والأجيال !! ..ولذلك يمكن أن ندرسه من الجوانب التالية :



يوشيا وتجديده :

عرف يوشيا الولادة الجديدة وهو فى السادسة عشرة من عمره ، لقد ارتقى العرش صبياً صغيراً فى الثامنة من العمر ، وفى الثامنة من ملكه - إذ كان بعد فتى - ابتدأ يطلب إله داود أبيه .. أى أنه عرف اللّه وتجددت حياته فى السادسة عشرة من العمر ، إذ مس له قلبه ، واستأثر به .

ولا أحسب أن هناك كلمات أجمل أو أروع من كلمات " ألكسندر هوايت " عن هذه الحقيقة عندما قال : " لقد ولد يوشيا بقلب قابل للتأثر بالرقة ، كما تقول خلدة النبية وقد كان أبوه وجده أشر ملكين باعا إسرائيل للعبودية والشر ، وورث يوشيا عن أبيه وجده، اسماً زريا ، وعرشاً متهاوياً ، ومملكة مضعضعة ، وشبح الدينونة يلوح فى الأفق ، وما من شك أن كل هذا كسر قلب يوشيا وجعله رقيقا ، ونحن لا نسمع شيئاً عن أمه التعسة ، وإن كنا لا نملك إلا أن نتصور أن هذه الأمور كلها قد أورثتها هى أيضاً رقة فى قلبها ، .. إلى أن ولدت ابنها يوشيا ، وأنشأته ليكون أرق قلب فى إسرائيل حتى ولدت مريم العذراء ابنها الذى هو أرق قلب من أى إنسان آخر فى العالم كله !! .

وسينجو الولد من تأثير أبيه إذا كانت له أم طيبة ومعلم طيب ، وقد نجا الغلام من التأثيرات التى كان يمكن أن تلاحقه من الخطر الأعظم الأول لجده منسى ، ومن أبيه آمون ، وامتدت له يد أمه " يديدة " الطيبة ، وارميا معلمه العظيم ، وقد تشرب القلب الرقيق كل ما هو صالح ، ولفظ التأثيرات الفاسدة والشريرة إلى الحد الذى جعل إرميا يقول فوق قبره : " جيد للرجل أن يحمل النير فى صباه " . " مراثى 3 : 27 " وليس عجباً - بعد أن كان يوشيا يسير مع ارميا كل سبت أمام خرائب الهيكل ، - أن يرق قلبه ليكون أرق ملك جلس على عرش داود .

وفى بدء الشباب - فى السادسة عشرة من العمر - بدأ يوشيا يطلب إله أبيه ... أو فى لغة أخرى ، أنه تأتى على الشاب ساعة لابد أن يطلب فيها اللّه إلهاً لنفسه فمهما تكن نشأته الطيبة ، ومهما يكن له من أم طيبة ، ومعلم عظيم فلن يكفى يوشيا أن يكون اللّه إله داود ، أو إله " يديدة " أو إله إرميا ، إذ ينبغى أن يكون إلهه هو ... لأن معرفة اللّه بكيفية غير مباشرة عن طريق التعليم أو الوراثة ، لا يمكن أن تقنع أو تفى حاجات يوشيا ، ولن يستريح الفتى حتى يقول اللّه : " آه يارب لأنى عبدك . أنا عبدك . ابن أمتك .. حللت قيودى " " مز 116 : 16 " .. وهكذا عرف يوشيا إلهه وتجددت حياته!! ..

ولعله من المناسب أن نذكر هنا صرخات القديس امبروز فى ليال متعددة " إنى أقدر أن أخطئ كثيراً ، ولكنى لا أقدر أن أتوب كثيراً ، ويحى لقبلى القاسى والجاف ! . أعطنى يا إلهى قلباً رقيقاً .. أعط الدموع . أعط نعمة الدموع ... أعطنى يا إلهى هذه النعمة العظيمة ... لست أرحب بشئ ، ولا شئ عندى فى العالم يعدل الدموع !! ... دموع كالتى أعطيتها لداود وإرميا ويوشيا وبطرس ولمريم التى أخرجت منها سبعة شياطين .. يا اللّه : أعط أول الخطاة بعض الدموع لأجل خطيئته العظيمة ، ولأجل خلاصك العظيم .. !! " .



يوشيا وإصلاحه :

عندما بلغ يوشيا العشرين من العمر ، تقدم خطوة أخرى فى خدمة ^ ، إذ هو لا يكتفى بأن يسير أمام ^ ويعمل المستقيم أمام عينيه ، أو يسلك فى جميع طرق داود أن يحيد عنها يميناً أو شمالا !! .. بل هو الثائر المصلح الذى يحمل المعول لينقض على المرتفعات والسوارى والتماثيل . والمسبوكات ، ويحطمها على رؤوس الكهنة الذين يوقدون لها ، وهو يحقق النبوة التى تحدثت عنه قبل ثلاثمائة عام أمام الملك يربعام : " هو ذا سيولد لبيت داود ابن اسمه يوشيا ويذبح عليك كهنة المرتفعات الذين يوقدون عليك وتحرق عليك عظام الناس " " 1 مل 13 : 2 " وقد جاء الفتى الشاب ابن العشرين بالثورة العارمة ، التى تهدم قبل أن تبنى ، وتصل فى الهدم إلى حد التكسير والدق والرش ، فهو لا يبقى على شئ من أس الفساد بل يحول الكل رماداً تذروه الرياح فوق العظام المحروقة ، والتى نثرها فى كل مكان هباء ، وقد امتلأ قلبه من الغضب والغيظ والانتقام !! ... وكل ثورة إصلاح لا يمكن أن تبدأ إلا بالهدم والتحطيم ، والاقتلاع والإبادة ، فى حياة الفرد أو البيت أو الأمة على حد سواء !! ..

وهنا نعود مرة أخرى لنذكر ما أشار إليه " ألكسندر هوايت " وهو يقول : " لقد بدأ يوشيا إصلاحه العظيم ، الإصلاح الذى لم يعرف لوثر وكلفن وجون نوكس إصلاحاً أعظم منه ، غير أن يوشيا يفترق عن هؤلاء المصلحين فى شئ هام عظيم ، إنه عندما بدأ الإصلاح لم يكن بين يديه كتاب ^ ، إذا كانت أسفار موسى الخمسة مفقودة ، ومن ثم كان إصلاح يوشيا أصيلا خلاقاً نشطاً حازماً ، ينبعث من قلب يوشيا الرقيق ، وكان لابد ليوشيا أن يعتمد على النور الذى ينير كل إنسان فى هذا العالم ، ورأى يوشيا النور وأطاعه وسار وراءه ، وهو يدرك أن هناك واجباً إلهياً يدفعه ويوجهه ، وتسيطر عليه اليد الإلهية العظيمة !!

كان يوشيا - شأنه شأن كل شاب عظيم - يدرك أن الحياة رسالة ، ولقد عاش يسأل نفسه آلاف المرات : لماذا جاء إلى هذا العالم : ، وما هو الدور الذى يتعين عليه أن يلعبه كشاب وكبطل ؟ ، وبكل روئ الشاب التى يعطيها روح ^ لكل شاب مؤمن ، أدرك أنه لم يولد ليستوى على عرش يأمر ويحكم ، ويستبد ويطغى ، ... أو يشرب ويلعب ويهزل ويمرح أو يقتنى الثروات ويبنى القصور ، أو يمتلك الأطنان من المجوهرات والذهب ، ... لقد اختبر ملك سابق هذه كلها ، وخرج على العالم بفقاعة من الهواء بين يديه ، وهو يقول : " باطل الأباطيل الكل باطل ... وقبض الريح " ... ولحقه ملك عندما سئل يوم الصليب عن ملكه أجاب أروع إجابة يمكن أن يجيب بها شاب فى هذه الأرض : " لهذا قد ولدت أنا ولهذا قد أتيت إلى العالم لأشهد للحق " . " يو 18 : 37 " أيها الشاب : ما هى رسالتك فى الحياة ؟؟ هذا هو أهم سؤال يتحتم أن تجيب عليه قبل أن تأتى أيام الشر أو تجئ السنون التى لا ترى فيها السرور !! ؟ ... ما هو عملك ، قبل أن تنطوى أيام القوة وسنو العزة والحياة والرجاء ؟ ... إن عرشك يتهاوى ومجدك يضيع ، وقد تذهب أبديتك كلها إذا لم تعرف كيف تحمل صليبك وأنت تقف إلى جانب الحق لتشهد له ، كما شهد يوشيا فى القديم ، وكما فعل الحق نفسه بصليبه العظيم على هذه الأرض ، ... كانت أيام يوشيا قصيرة وعريضة ، وقد تكون حياتك مثله ، أو مثل أيام المسيح على الأرض فهل تستطيع أن تغنم الفرصة لتقول : " ينبغى أن أعمل أعمال الذى أرسلنى مادام نهار ، يأتى ليل حين لا يستطيع أحد أن يعمل" .. " يو 9 : 4 " ..

نجح شاب فى إنقاذ ثمانية عشر شخصاً من حريق مروع ، وسقط هو من حالق ، وأخذ للاسعاف ، وبينما هو يجود بأنفاسه الأخيرة فى المستشفى سمع بعضهم يقول : مسكين هذا الشاب ... إنه يموت فى أوج الشباب !! .. ولكنه قال : لا لا .. إنما أنا أؤدى الدور الذى وضع لى أن أؤديه ، وهذه رسالتى من ^ فى الأرض !! . فهل تستطيع - أن طالت الحياة أو قصرت - أن تلعب دورك بشجاعة وأمانة وقوة ونبل !! ؟ إن عليك أن تعلم أن الفارق بين قصر الحياة أو طولها بالنسبة للأبدية ، لا يكاد يعرف أو يذكر بمدى ما تقوم من رسالة أو تمتنع عنها !!؟ ولقد عاش يوشيا على الأرض تسعة وثلاثين عاماً ، قضى منها ثلاثة وعشرين عاماً لا يهدأ أو يخمد عن إصلاحه المبارك العظيم!!؟... فى كتاب " أزمة الجامعات " لمؤلف إنجليزى عظيم اسمه سر ولتر موبرلى قال يخاطب الشباب الإنجليزى : "إن شبابنا لا يرى الرؤى ، ولكنه يحلم أحلاماً مزعجة " ... وهذا حق ، ليس فقط بالنسبة للشباب الإنجليزى ، بل لجميع الشباب الذين يفنون زهرة شبابهم ، وهم يحلمون بالثروة أو الجاه أو المركز أو المستقبل دون أن يؤسسوا حلمهم على الشهادة الأمنية للحق بكافة صوره وألوانه فى الأرض !! ..



يوشيا والهيكل :

لم يكتف يوشيا بتطهير الأرض من الوثنية والفساد والشر ، بل تحول إلى هيكل ا^ حيث ركز هناك نظرته ، وفى السادسة والعشرين من عمره بدأ ترميم الهيكل وتنظيفه وتجديده ، إذ كان على يقين بأن الاهتمام بالهيكل ، هو قلب الإصلاح ، وصورته الصادقة ، وقياسه الصحيح ، ... وأرسل الكهنة واللاويون بين الشعب وجمعوا الكثير من الأموال ، وقام العمال والصناع وبذلوا الجهد والقوة وكان الكل يعملون بالهمة والأمانة حتى أكملوا الترميم والتجديد ، ... ولم يقصد يوشيا أن يكون الهيكل مجرد بناء فخم جميل عظيم ، بل قصد أن يكون مركزاً للاشعاع والنور ، ومكان السجود والتعبد والاقتراب إلى ا^ !! ... وفى الواقع لسنا نظن أن هناك قياساً أفضل للاصلاح والنهضة والحياة الروحية من موقف الإنسان تجاه بيت ^ المادى والروحى على حد سواء !! ..

ذهل الشاب وقد دخل مدينة صغيرة تضم جماعة من الأغنياء يمتلكون الثروات ، ويبنون القصور ، ويكنزون الأموال فى البنوك ، وعندما ذهب إلى بيت ^ فى المدينة لم يره إلا بناء زرياً خرباً يصلح أن يكون مثلا لقول حجى القديم : " هل الوقت لكم أن تسكنوا فى بيوتكم المغشاة وهذا البيت خراب " " حجى 1 : 4 "... وقد عاش الشاب سنوات طويلة يكافح هذا المنظر المؤلم فى ذهنه ووجدانه ، حتى علم أن رجلاً فقيراً قام مثل رجال يوشيا ، يجمع المال من أجل هذه الكنيسة حتى هدمها وأعاد بناءها من جديد! ولعلنا نستطيع أن نرى الأمر بصورة أخرى فى تلك الكنائس المتعددة فى الغرب، والتى تعرض للبيع بعد أن تغلق أبوابها ، ومرات كثيرة ما يبدو الأمر مهولا مروعاً ، عندما تعلن الصحف عن هذه الكنائس المعروضة للبيع ، وقد قال أحد الرعاة: إنه يعجب للصرخات المرتفعة المعولة من الكثيرين ضد هذا البيع ، فى الوقت الذى لا يعرف واحد من هؤلاء الصارخين طريقه إليها طوال حياته ، وهو السبب الأساسى فى بيعها ، بما درج عليه من إهمال وتقاعس وشح وترك !! ..

هل تذكر أيها الشاب ما قاله بولس للشاب القديم تيموثاوس : " ولكن إن كنت أبطئ فلكى تعلم كيف يجب أن تصرف فى بيت ا^ الذى هو كنيسة ا^ الحى عمود الحق وقاعدته "1 تى 3 : 15" ... إن التصرف تجاه بيت ا^ هو قياس من أعظم القياسات فى الحكم معك أو عليك أيها الشاب دريت أو لم تدر على حد سواء !! ..



يوشيا وسفر الشريعة :

والآن نتحول إلى صورة أخرى لهذا الشاب القديم يوشيا ، إذ نراه وجهاً لوجه أمام سفر شريعة الرب بيد موسى ، لقد ضاع هذا السفر ، عشرات السنين من حياة الأمة ، دون أن يقرأه فرد أو بيت أو جماعة وكانت الصدفة وحدها أن النسخة الموجودة على الأغلب فى تابوت العهد قد وجدت ، فأخذها حلقيا الكاهن وأعطاها لشافان الكاتب ، فجاء شافان بالسفر إلى الملك ، وقرأ شافان فيه أمام الملك ، وهنا لندع هوايت يصف مرة أخرى هذا المنظر وهو يقول : " عندما قرئ السفر أمام يوشيا للمرة الأولى ، وبينما شافان يقرأ فيه ، نهض الملك على قدميه وهو يمزق ثيابه ، ونحن لا نقرأ أن شافان مزق ثيابه ، كما لا نقرأ أن أخيقام بن شافان أو حلقيا الكاهن أو عكبور أو عسايا أو خلدة النبية ، مزق أحد منهم ثيابه ، أذ أن واحداً منهم - مهما بلغت رقة قلبه - لم يبلغ رقة قلب هذا الملك الشاب العظيم ، ... إذ لم يعرفوا من مطلع الحياة هذه الرقة كما عرفها الملك ، وسيف ^ لم يدخل فى قلوبهم مثلما دخل فى قلبه ، ودخلت الشريعة فى إثره .

كان موسى يتكلم إليهم فى السفر ، بل كان ^ يتكلم إلى يوشيافيه !! .. كان العثور على السفر شيئاً عظيماً لعالم الآثار ، كما كان لشافان وحلقيا ،... ولكنه لم يدخل إلى قلبيهما مثل ما دخل إلى قلب يوشيا ، كان الكتاب بالنسبة لهما كتابا قديماً ، وكان ليوشيا كلمة ^ الحية الخارقة إلى مفرق النفس والروح والمفاصل والمخاخ ... لقد أدرك أن ما فعل من إصلاح ، أو ما وصل إليه من نتائج لا يعد شيئاً على الاطلاق بالنسبة إلى ما ينبغى أن يفعلــه ويقــــوم به من أعمال أخرى آتية !! ... لقد شعر كما شعر اشعياء أن أعمال بره كثوب عدة ، ... والسؤال : هل لك هذا الكتاب كما كان ليوشيا ؟ ، وهل تقرأ قراءة عابرة أم تهتم بأن تتأمله بعمق دروس وتأمل !! ؟ لو أنك تلميذ حقيقى ، وخاطئ حقيقى ومصلح حقيقى تريد أن تصلح نفسك ، وما يحيط بها من أنقاض وخرائب ، إذاً فاقرأ سفر الملوك الثانى ، وسفر الأخبار الثانى لترى كيف فعل يوشيا مع نفسه وأرضه، وكيف نبع الكل من رقة قلبه ، ... وكيف مع ذلك كله لم يكن راضياً عن نفسه فى كل ما فعل ... لقد جاء روح ^ ليفعل هذا كله ، ولعله يفعل فيك الشئ ذاته .. هل تمزق قلبك كل يوم وأنت تقرأ كلمة ^ ؟ ، أم تظل بثيابك الكاملة مع حلقيا وشافان وكل البقية الباقية ، سواء فى القصر أو الهيكل ؟؟ ... وأكثر من هذا ، هل تمزق قلبك لا لأجل السئ من أعمالك بل من أجل الأفضل ؟ ... وهل أنت حقاً على يقين من أن أفضل البر عندك كثوب عدة ؟؟ ... إن كنت هكذا فإن درح ^ يعمل فيك ، وأنه يصحب الكلمة المقدسة ، وأنت تقرأها أو تسمعها على حد سواء " ... كم نتعلم من يوشيا ونحن نقرأ أو نسمع كلمة الله !! ؟



يوشيا والفصح :

كان الأمر الأعظم الذى تفوق فيه يوشيا ، هو ذلك الفصح الذي لم يعمل مثيله منذ أيام القضاة أو ما يتجاوز خمسة قرون بأكملها ، .. كان الفصح يحمل للملك أعمق المعانى وأغزرها فى نفسه وفى حياة الشعب والأمة أيضاً ، وهو يرغب أن يؤصل هذه الحقيقة بعمقها للجميع ، ... ونحن نعلم أن الفصح عند اليهود هو أكبر أعيادهم وأهمها ، وقد كانوا فى أيامهم الأولى يلاحظونه على النحو الرائع العجيب ، فهو يبدأ فى الرابع عشر من شهر نيسان ، وفى نهار ذلك اليوم يبدأ اليهودى بالبحث عن الخمير ، وكان البعض يصومون فيه ، وحين يأتى المساء يذبحون الحمل المعد ، وكانت العادة أنهم يجتمعون فيما لا يقل عن عشرة لخروف واحد ، وما لا يزيد عن عشرين ، ثم يأكلون الشاة التى شويت بالنار مع فطير وأعشاب مرة ، ويشربون الكأس ، وكانوا يشربون - فيما بعد - أربع كؤوس بعد أن يشكر رب البيت ا^ لأنه أتاح لهم أن يعيدوا العيد مرة أخرى ، ... هذا ما كانوا يفعلونه فى بيوتهم ، إلى جانب الذبائح التى تقدم فى الهيكل ، ومن الملاحظ أن الفصح عند اليهودى كان يحمل أكثر من معنى .

فهو أولا : بدء حياته الحقيقية ، إذ أن الشهر الذى يقام فيه كان أول السنة العبرية ... هذا يكون لكم أول شهور السنة ، أو فى لغة أخرى ، إن الحياة الحقيقية تبدأ مع ا^ بعد الفصح ، فالحياة قبل الفصح هى حياة الذل والعبودية والظلام ، ... والحياة بعد الفصح هى حياة الشركة مع المسيح فصحنا الذى ذبح من أجلنا ، إذ أن الحياة قبل المسيح ليست جديرة بأن تسمى حياة مهما يتمتع صاحبها بالثروة أو الجاه أو النفوذ أو المجد ، أو ما أشبه ... !!

ومن الواضح ثانيا : أن الفصح يرمز إلى الفداء بالدم ، إذ لابد أن تكون الشاة حملا بلا عيب ، ذكراً ابن سنة ، وتكون عندهم تحت الحفظ ، إذ أنهم لا يأتون بالشاة حالا ، إذ لابد من عزلها لكى تكون ملائمة ، وهذه الحقائق ترمز إلى المسيح ، إذ أن الشاة أصلا كانت محفوظة ، ولم يكن الفداء عملا وقتياً ، بل كان عملا معداً ، ... إذ أن خلاصنا وفداءنا أعد من الأزل فى دم المسيح معروفاً سابقاً قبل تأسيس العالم !! ..

والفصح يرمز ثالثاً : إلى كفاية الدم للخلاص ، إذ يقول : " فأرى الدم وأعبر عنكم " ، " خر 12 : 13 " ومع أن الإسرائيلى من واجبه أن يعزل الخمير ويكون فى حالة مناسبة لتناول الفصح ، لكن ^ لم يقل : فأراكم أو أرى أعمالكم ، بل أرى الدم وأعبر عنكم !! .. ويالها من حقيقة عظيمة ومجيدة ، إذ أن ^ لا ينظر إلينا وإلى ما فينا ، بل ينظر إلى الدم وكفايته للخلاص ، ويا للأسف على الذين يحاولون أن يزيدوا على الدم إذ يريدون أن يروا ا^ شيئاً إلى جواره ، كالطقوس أو الفرائض أو ما يقال أنه الأعمال الصالحة أو ما أشبه ! ... لمثل هؤلاء نقول إن ا^ لن يرى إلا الدم ... على أنه يوجد من يضع الدم على العتبة العليا والقائمتين ، ولكن تجربته أنه لا يشعر ببهجة الخلاص،... ولمثل هذا نقول إن الخلاص لا يتوقف على الشعور ، إنما يتوقف على رؤية الدم ، إذ أن الخلاص منحة مجانية خالصة !! ..

وكان الفصح أخيراً يشير إلى وحدة المؤمنين وشركتهم ، إذ أن هذا العمل ليس عملا فردياً بل هو عمل الجماعة المجتمعة معا حول خروف الفصح ، وحول الفصح يجلس المؤمنون ، الشاة المشوية بالنار والتى كانت ترمز إلى الغضب الإلهى المرفوع عنهم إذ تحمله عنهم النار ولهيبها ، وكانوا يأكلونها على أعشاب مرة ، والأعشاب المرة رمز العبودية التى كانوا فيها ، ورمز لحياة التوبة التى عليهم أن يحيوها ، والفطير الذى كانوا يأكلونه ، كان رمزاً لتخلصهم من حياة الشر التى خلفوها وراءهم ، كما كانوا يأكلون الفصح وأحقاؤهم ممنطقة ، وعصيهم فى أيديهم ، رمزاً لاستعدادهم للانتقال من حياة الشر إلى أرض الموعد ، واستعدادهم للسير حيث يقودهم ^ ، وكانوا يأكلونه بعجلة رغبة فى التخلص من أرض الاستعباد !! .. هذه هى معانى الفصح ، وهذا ما حدا بالملك يوشيا إلى الاهتمام بإقامته لكى يكون - فى أعمق معنى - دليلا على تخلص أمته ونهوضها من الشر والفساد ... وكان الفصح ليوشيا وأمته ، هو بعينه الصليب بالنسبة للمسيحى والمسيحية ، فإذا أمكن أن نحيا وننهض ونصلح حياتنا وأبديتنا بغير الصليب ، أمكن ليوشيا أن يعيش ويكون وينهض ويفعل كل شئ بغير إقامة الفصح أو ممارسة ذبيحته !! .. وهذا هو المستحيل بعينه !! .. لقد كان الفصح قمة إصلاح يوشيا ومجد نهوضه وعظمته وتاريخه !! .



يوشيا ومصرعه :

مات يوشيا فى التاسعة والثلاثين من عمره ، مات فى شرخ الشباب وأوج الحياة ، إذ سقط فى معركة مجدو ، وقد قتله نخو فرعون ملك مصر فى المعركة ، ونحن لا نملك إلا أن نقف فى صمت ودموع وتأمل ؟؟ ... لماذا مات الملك الشاب فى المعركة !! ؟... هل مات لأن ا^ وعده بألا يريه الشر فى أيامه ؟ ، وقد صدق ا^ فى الوعد ، ... إذ أنه لم ير السبى ، وضياع الأمة وبأكملها ، وذهاب أفضل أولادها وبناتها وثروتها إلى بابل ليعلقوا هناك أعوادهم على الصفصاف ، وقد ألصق العذاب أفواههم بألسنتهم عن الغناء والترنم ، إذ كيف يرنمون تسبحة صهيون فى أرض غريبة !! ... وهل أشفق اللّه عليه حتى لا يرى الهيكل الذى رممه وقد عاد أنقاضاً ليس فيه حجر على حجر لم ينقض ، وذلك لأن الإصلاح الذى قام به مهما كان عمقه وقوته ، لم يكن إلا جهاد فرد نبيل عظيم ، دون أن يبلغ أعماق أمة بأكملها نخر فيها الفساد إلى أعماق الجذور ، فلابد أن تقتلع من أرضها حتى تستطيع أن تصرخ قائلة : " يارب تجعل لنا سلاماً لأنك كل أعمالنا صنعتها لنا . أيها الرب إلهناً قد استولى علينا سادة سواك . بك وحدك نذكر اسمك " " إش 26 : 12 " !! ؟ .. على أى حال لقد ذهب الرجل قبل أن تقع الكارثة الرهيبة ، وأغلب الظن أنه مـــــات بسبب رقة قلبه !! ... لأنه عندما صعد لمحاربة نخو ملك مصر ، كان يظن أنه يقدم خدمة للّه ، ومع أن اللّه الذي يتكلم على لسان الأنبياء ، تكلم هذه المرة على لسان نخو ، فأظهر للملك أن اللّه ليس معه !! ... ولكن الملك لم يسمع ، ... وهكذا جرح القلب الرقيق فى معركة مجدو ، ومات هناك ، ... وقد تخيل الكسندر هوايت نفسه على قبر الملك يقرأ نصباً كتب عليه : " إن ذكر يوشيا كالعطر الفواح ، واسمه كرنين الموسيقى فى حل عرس ... وقد كان الــــرب درعــــــه من أجـــل شبابــــه النقى والمقدس . !! .. " .

كان يوشيا آخر الزهور الباقية من البستان الذى أضاعته الخطية من أرض يهوذا ... قبل أن تدخل فى ليلها الطويل والعميق ، حتى يأتى المسيح مخلص العالم ليموت هناك على هضبة الجلجثه !! ..

elraiek G
09-16-2010, 07:01 PM
( 44 )

صدقيا

" وأعمى عينى صدقيا وقيده بسلاسل نحاس ليأتى إلى بابل "

" إر 39 : 7 "







مقدمة

كان صدقيا الملك ، آخر ملوك يهوذا الذين عرفهم التاريخ ، وقد خرج من أورشليم إلى السبى البابلى فى عام 586 ق.م. ومهما يكن الإنسان قاسياً فى الحكم عليه ، إلا أنه لا يمكن أن نودعه وهو يخرج من أورشليم إلا بالدموع والبكاء ، فالرجل الذى لم يتجاوز الثانية والثلاثين من عمره ، ويقتل أطفاله الواحد بعد الآخر أمام عينيه ، ثم تقلع عيناه هو بعد ذلك ليبقى هذا المنظر آخر مناظر الأرض التى تعيش فى خياله طوال فترة حياته فى السبى حتى يموت فى بابل ، لابد أنه بكى بكاء مريراً وعميقاً كلما عاد بخياله وتفكيره إلى الماضى التعس المحزن الأليم ، على أنه مهما تكن النكبة التى حلت به قاسية ، فهى لا شئ إزاء النكبة التى حلت بمدينة أورشليم قاتلة الأنبياء وراجمة المرسلين إليها ..

وقد أعاد التاريخ نفسه على صورة مذهلة عجيبة ، فما حدث عام 587 ق.م على يد نبوخذ نصر حدث بنفس الصورة عام 70 ميلادية على يد تيطس الرومانى ، ولم تعرف مدن كثيرة فى العالم تلك العذابات التى عرفتها المدينة التى كانت يوماً مدينة الملك العظيم ، فالحصار ، والجوع الذي حدا بالنساء أن يأكلن أولادهن ، والخراب والتدمير ، تكاد تكون نسخة متكررة فى الحالين ، بل لقد لاحظ بعضهم أنه فى نفس الشهر ، ونفس اليوم من الشهر الذى أحرق فيه جنود نبوخذ نصر الهيكل ، فعل جنود تيطس الشئ نفسه بعد ستمائة وسبعة وخمسين عاماً ، ... وإذا كان المسيح قد نظر إلى المدينة وبكى عليها عندما رأى مصيرها بعين النبوة ، فإن إرميا فعل الشئ نفسه وهو يراها تذهب إلى ضياعها الرهيب ، ... ولم تسقط أورشليم وتبقى مدوسة حتى اليوم إلا بسبب الخطية ورفضها السيد الذى بكاها ، وهو يقول مع ذلك لها : " هو ذا بيتكم يترك لكم خراباً " " مت 23 : 28 " .

إن قصة آخر ملك لها قد تكون محذرة ومعلمة ونحتاج أن نضمها إلى الشخصيات التى ندرسها ههنا فيما يلى :



صدقيا ومن هو :

كان صدقيا الملك بن يوشيا ، واسم أمه حميطل بنت إرميا ، وكان اسمه فى الأصل متنيا ، وغير نبوخذ نصر اسمه ، وجعله ملكاً مكان ابن أخيه ، وأطلق عليه ، أو بالحرى ، دعاه ليطلق على نفسه اسماً آخر ، ويبدو أن متنيا - وقد قطع عهداً مع الملك نبوخذ نصر بالخضوع والوفاء له ، وحلف بذلك - اختار اسم صدقيا الذى يعنى بر اللّه ، مما يحمل معه التصور ، أنه قصد أن يشهد اللّه الصادق على الوفاء للملك الذى عامله معاملة طيبة وحسنة ، على أن الضربة القاتلة لهذا الملك ، كانت ترجع إلى تردده وعدم ثباته ، وضعفه فى مواجهة العواصف والزوابع التى كانت تحيط به ، ويصح أن نطلق عليه الملك المهزوز الذى يتجه كيفما تدفعه الرياح " فهو أدنى فى حياته إلى القصبة التى تهزها الريح لتميل فى الاتجاه الذي تدفعه إليها ،... وكانت المأساة الكبرى فى حياته أن نبوخذ نصر عندما إجتاح أرض يهوذا أيام يهوياكين ، لم يحمل معه خيرات الأمة فحسب ، بل أخذ أفضل الناس وأشرفهم فيها ، وتركها بدون مال أو رجال يعتمد عليهم ، وأحاط بصدقيا مجموعة من الحمقى الذين لا يعرفون كيف يزنون الأمور ، ويتصرفون بدون خبرة أو فهم ، وكانوا يحركون الملك كما يشاءون وقد كانت هناك فرصة عظيمة أمام الرجل إذ كان إلى جواره فى المدينة رجل اللّه النبى إرميا،... وكان صدقيا يؤمن بنبوة إرميا وقد دعاه مرات كثيرة ليتحدث إليه ويسمع منه كلمة الرب لكنه مع ذلك ، لم ينتفع كثيراً بالكلمة رغم وضوحها ، لأنه كان يخاف الرؤساء المحيطين به ، ولا يجسر على مخالفتهم ، وهو يسجن إرميا تحت ضغطهم مع يقينه بصدق الرجل وأمانته ، وفى الوقت عينه إذ يدفعون به إلى الجب ، ويتعرض النبى للموت فيه ، يرسل عبد ملك ومعه ثلاثون رجلا لإنقاذه ، وإطعامه ، فى دار السجن ، ... لم يكن صدقيا يشك فى وطنية إرميا وفى صدق نبوته ، وكان يتمنى فى قرارة نفسه أن يستمع إلى نصيحته ، رغم شدتها وقسوتها ، ... ولكنه كان من النوع الذي واجه المشكلة بتأجيلها أو تجاهلها حتى يستفحل أمرها ويستحيل علاجها ، ... ولعل أدق وصف يمكن وصفه به ، هو قول الرسول يعقوب : " رجل ذو رأيين هو متقلقل فى جميع طرقه " ( يع 1 : 8) ... فإذا كان التقلقل فى حد ذاته أمراً معيباً بالنسبة لأى رجل لا يثبت على حال ، فإنه أشد ضرراً وخطورة فى أوقات الأزمات والصعاب ، إذ توجد لحظات فى الحياة يتحول معها التردد إلى الكارثة التى لا يجدى معها أدنى أمل أو رجاء ، ... فإذا كان الطبيب يسأل المريض أو أحد ذويه عما إذا كان يوافق على إجراء العملية الخطيرة فى الحال ، مؤكداً أن أى تأخير سينتهى بالمريض إلى الموت أو الضياع ، فإن أدنى تردد فى مثل هذه الأحوال هو والجريمة على حد سواء . وقد كانت الأيام التى عاشها الملك صدقيا أيام الغروب بالنسبة لبلاده وأمته ، وقد توزعت الأفكار عن أفضل الطرق ، وهل تكون بالتعاون مع بابل ، أم بالتمرد عليها والتحالف مع مصر وغيرها من الأمم التى تريد الوقوف فى وجه نبوخذ نصر ، وفى أعماق الظلام ، سأل صدقيا النبى إرميا عن رسالة اللّه ، وكان الجواب واضحاً ومحدداً ، وكان أشبه بالعملية الجراحية التى لابد منها ، ولكن صدقيا لم يقبل الجواب حتى ما ت المريض .



صدقيا والأمة الخاطئة :

إذا كانت السمكة - كما يقولون تنتن أولا من رأسها ، فإن الخطية عندما تسرى فى الأمة تبدأ أولا من رؤسائها وقادتها ، وقد أصيب الأمة اليهودية فى أيامها الأخيرة ، بقادة كان الكثيرون منهم أشراراً ومفسدين . ومن المحزن أن أولاد يوشيا لم يكن بينهم واحد من الأتقياء أو الصالحين ، ولم يكن من بينهم من ورث عن أبيه رقة قلبه ، الذى عندما قرئت أمامه الكلمة الإلهية مزق ثيابه ، أما يهوياقيم ابنه ، فقد مزق الكلمة وألقى بها فى النار ، ولم يكن صدقيا أفضل من أخيه ، إذ أنه سمع كلمة النبى إرميا ، ومزقها برفضها وعدم المبالاة بها ، ولم يكن الرؤساء أقل احتقاراً للكلمة أو للنبى المتكلم بها ، وها نحن نراهم يعاملون إرميا أسوأ معاملة ويحرضون الملك على قتله ، وإذ يسلمه لأيديهم يلقون به فى الجب ، الذى لم يكن به ماء بل وحل ، وغاص إرميا فى الوحل !! كان هؤلاء الرؤساء قد غاصت حياتهم فى وحل الخطيئة وحمأتها ، ومن المؤسف أن الرجل البار بأمته والذى يغار عليها ، ويبكى نهاراً وليلا قتلى نبت شعبه ، هو الذى يلقى به فى الجب ليلطخ بالوحل ، الذى كانوا هم أولى به وأحق ، والذى لم يلبث أن لا حقهم ولكن فى بئر أرهب وأعمق ، فى السبى البابلى البعيد !! ..

وقد تغلغلت الخطية فى الشعب الذى سار على شاكلة قادته ورؤسائه ، ... وكانت أكثر مظاهر الضعف التعلق بالمنظور من الطقوس والفرائض ، والتصور أنه مادام الهيكل قائماً ، فلا شر يمكن أن يلحق بهم ، وقال لهم إرميا : " لا تتكلوا على كلام الكذب قائلين : هيكل الرب هيكل الرب هيكل الرب هو " " ها إنكم متكلون على كلام الكذب الذى لا ينفع ، أتسرقون وتقتلون وتحلفون كذباً وتبخرون للبعل وتسيرون وراء آلهة أخرى لم تعرفوها ثم تأتون وتقفون أمامى فى هذا البيت الذى دعى باسمى عليه وتقولون قد انقذنا حتى تعلموا كل هذه الرجاسات . هل صار هذا البيت الذى دعى باسمى عليه مغارة لصوص فى أعينكم " " إرميا 7 : 4 - 8 - 11 " ... وقد أكد المسيح هذه الحقيقة بنفسه عندما تكررت الصورة فى أيامه ، عندما طرد الذين يبيعون ويشترون فى الهيكل ، وقلب موائد الصيارفة وكراسى باعة الحمام وقال لهم : " مكتوب بيتى بيت الصلاة يدعى وأنتم جعلتموه مغارة لصوص " ، " مت 21 : 13 " ومن المؤسف أن كنيسة فى العصور الوسطى وصلت إلى هذه الحالة ، وقد وصفها أحدهم بالقول : " لم تعد الكنيسة مسكناً ليسوع الوديع المتضع ، بل أضحت موسسة كبيرة فاسدة ، ... الخطايا الحقيقية يغض الطرف عنها ، والأمور الصغيرة البريئة ينظر إليها كخطايا ، إن من يرتكب الفسق والفجور يمكن أن تغفر خطاياه ، أما أن يفكر الإنسان فهذا ذنب ، وأن يسأل هذا أو ذاك الأسئلة عن المعتقدات فأبواب الجحيم تفتح له ، لو أن مارتن لوثر عاش حياة مستبيحة ، لو أنه سكر أو فتح خاناً للمعربدين والمعربدات لما حدث معه شئ ولما نسبت إليه فضائح وعيوب ، أما أن يقف ضد تجارة فاسدة كتجارة صكوك الغفران ، فالرهبان يجأرون ضده حتى تبح أصواتهم ، والأساقفة يلعنونه ، ورؤساء الأديرة ينعتونه بأشر النعوت " ... ثم هناك ما هو أكثر من ذلك : إهمال كلمة اللّه ودرسها ، والتعلق بقشور المعرفة ، ... وقد حق القول الإلهى فى هوشع : " قد هلك شعبى من عدم المعرفة " " هو 4 : 6 " ... وطريق الهلاك دائماً مفتوح أمام أولئك الذين يهملون الكلمة الإلهية أو يطرحونها خلفهم !! ... كما أن معرفة اللّه والتعلق به والشركة معه تضحى فى مثل هذا الجو نادرة وغريبة ، حيث يجرى الإنسان وراء الحياة العالمية إلى أن يأتى الطوفان ويقتلع كل شئ ، ... وهكذا كان الحال والنهاية تقترب من يهوذا بأسرع ما يتصور الخيال !! .



صدقيا والتحالف الكاذب :

تحالف صدقيا مع مصر وصور وغيرهما للوقوف فى وجه نبوخذ نصر ، وأرسل صدقيا إلى إرميا يسأله مشورة اللّه ، وكان الجواب : " هكذا قال الرب إله إسرائيل هكذا تقولون لملك يهوذا الذى أرسلكم إلى لتستشيرونى ، ها أن جيش فرعون الخارج إليكم لمساعدتكم يرجع إلى أرضه إلى مصر ويرجع الكلدانيون ويحاربون هذه المدينة ويأخذونها ويحرقونها بالنار . هكذا قال الرب لا تخدعوا أنفسكم قائلين إن الكلدانيين سيذهبون عنا لأنهم لا يذهبون لأنكم وإن ضربتم كل جيش الكلدانيين الذين يحاربونكم وبقى منهم رجال قد طعنوا فإنهم يقومون كل واحد فى خيمته ويحرقون هذه المدينة بالنار " .. " إرميا 37 : 7 - 10 " فإذا أضفنا إليه نبوة حبقوق - التى سندرسها بتوسع عند دراستنا لشخصية هذا النبى - وقد كان معاصراً لإرميا أو أسبق قليلا ، ويظن أنه كتب نبوته عام 603 ق. م : " انظروا بين الأمم وأبصروا وتحيروا حيرة لأنـــى عامل عملا فى أيامكم لا تصدقون به إن أخبر به فها أنذا مقيم الكدانيين الأمة المرة القاحمة السالكة فى رحاب الأرض لتملك مساكن ليست لها ، هى هائلة ومخوفة . من قبل نفسها يخرج حكمها وجلالها " " حب 1 : 5 - 7 " إلى آخر ما كتب النبى فى نبوته الرهيبة عن سحق الكلدانيين للامة الإسرائيلية ، كان حبقوق وإرميا وطنيين من الطراز الأول ، وقد عبر الأول بجزعه وفزعه وصرخته إلى اللّه عما سيفعل الكلدانيون ، وعبر الثانى بأحزانه ودموعه ومراثيه ، عن مأساة بلاده وخرابها وضياعها ، لكنهما مع ذلك اتفقا بدون أدنى ذبذبة على المصير الذى سيلحق بهذه البلاد ، واتفقا على بطلان التحالف مع مصر أو غير مصر ، لأن الأمر مقضى به من اللّه ، فهو الذى أقام الكلدانيين ، وهو الذى جعلهم أمة هائلة ومخوفة ، " خيلها أسرع من النمور وأحد من ذئاب المساء وفرسانها ينتشرون ، وفرسانها يأتون من بعيد ويطيرون كالنسر المسرع إلى الأكل " " حب 1 : 8 "... وقد حدث هذا فعلا ، إذ أن جيوش الكلدانيين انطلقت فى غزوها الرهيب فهزمت آشور فى عام 612 ق . م وفرعون نخو فى عام 605 فى موقعة كركميش المشهورة ، فإذا تصور اليهود أن الكلدانيين سيرجعون عن أورشليم لأن المصريين عادوا مرة أخرى لمناوأة الكلدانيين ، ولأن بعض المتاعب واجهت نبوخذ نصر فى الداخل فتراجع عن أورشليم بعض الوقت ، مما شجع صدقيا والقادة على التمرد والتحالف مع مصر ، ... فإن كلمات إرميا بددت وهمهم هذا ، وكشفت أن الرجوع وقتى ، وأن أية بقية من جيش الكلدانيين ستطوح بالأمة ، وتنزل بأورشليم الدمار والضياع ، فالأمر ليس أمر القوة فى حد ذاتها ، وهل هى كبيرة أو صغيرة !! ؟ ... وهل الجنود أقوياء أم منهكون من الجراح التى ألمت بهم!!؟ ... إن الأمر أعمق وأقسى وأجل !! ... إنه أمر الخطية التى ضيعت الأمة ، ولم يكن نبوخذ نصر سوى المعول الذى سيستخدمه اللّه فى هدمها !! ... ولعل هذا يمثل الفرق الواضح بين ثبات الحقيقة الدينية ، وتذبذب الفكر السياسى ، ... كان صوت الأنبياء واضحاً كالسيف القاطع البتار ، وكان فكر السياسة متأرجحاً مليئاً بالوهم والخيال والظن ، ... كانت الحقيقة الدينية المعلنة متكاملة أمام ذهن النبى الذى يستمد نبوته من اللّه العالم بكل شئ والقادر على كل شئ ، ... وكان الفكر السياسى مرتبطاً بالمنظور الذى يتغير بين لحظة وأخرى ، ... ولو أن صديقاً كان دارساً للتاريخ لأدرك هذه الحقيقة بعمق ، ولكنه كان أعمى البصيرة ، قبل أن يصبح أعمى البصر ... ومن أيام موسى حتى يومه ، ارتبط ضياع الأمة وهزيمتها أو نصرها ببعدها عن اللّه ، أو اقترابها منه . وعلى قدر تحالفها معه ، أو تخليها عنه وتحالفها مع البشر ، ألم يقل المرنم : " من يقودنى إلى المدينة المحصنة . من يهدينى إلى أدوم أليس أنت يا اللّه الذى رفضتنا ولا تخرج يا اللّه مع جيوشنا ، أعطنا عوناً فى الضيق فباطل هو خلاص الإنسان باللّه نصنع ببأس وهو يدوس أعداءنا " " مز 60 : 9 - 11 "... ألم يحدث هذا عندما خرج إليهم زارح الكوشى بجيش من ألف ألف وبمركباته الثلاثمائة ، وأتى إلى مريشة " وخرج آسا للقائه واصطفوا للقتال فى وادى صفاته عند مريشة ودعا آسا الرب إلهه وقال أيها الرب ليس فرقاً عندك أن تساعد الكثيرين ومن ليس لهم قوة . فساعدنا أيها الرب إلهنا لأننا عليك اتكلنا وباسمك قدمنا على هذا الجيش أيها الرب أنت إلهنا لا يقو عليك إنسان فضرب الرب الكوشيين أمام آسا وأمام يهوذا فهرب الكوشيون. وطردهم آسا والشعب الذى معه إلى جرار وسقط من الكوشيين حتى لم يكن لهم حى لأنهم انكسروا أمام الرب وأمام جيشه فحملوا غنيمة كثيرة جداً !! " 2 أى 14 : 10 - 13 ". وكان من الممكن جداً أن يفعل اللّه بنبوخذ نصر ما فعل بزارح الكوشى أو سنحاريب الأشورى ، لكن المأساة كمنت فى القول الإلهى : " كان صدقيا ابن إحدى وعشرين سنة حين ملك . وملك إحدى عشرة سنة فى أورشليم وعمل الشر فى عينى الرب إلهه ولم يتواضع أمام إرميا النبى من فم الرب وتمرد أيضاً على الملك نبوخذ ناصر الذى حلفه باللّه وصلب عنقه وقوى قلبه عن الرجوع إلى الرب إله إسرائيل حتى أن جميع رؤساء الكهنة والشعب أكثروا الخيانة حسب كل رجاسات الأمم ونجسوا بيت الرب الذى قدسه فى أورشليم فأرسل الرب إله آبائهم عن يد رسله مبكراً ومرسلا لأنه شفق على شعبه وعلى مسكنه فكانوا يهزأون برسل اللّه ورذلوا كلامه وتهاونوا بأنبيائه حتى ثار غضب الرب على شعبه حتى لم يكن شفاء " " 2 أى 36 : 11- 16 " قال إشعياء فى مطلع نبوته " ويل للأمة الخاطئة الشعب الثقيل الإثم " " إش 1 : 4 " ... وقال قرب النهاية : " لماذا أضللتنا يارب عن طرقك قسيت قلوبنا عن مخافتك ارجع من أجل عبيدك أسباط ميراثك إلى قليل امتلك شعب قدسك مضايقونا داسوا مقدسك قد كنا منذ زمان كالذى لم تحكم عليها ولم يدع عليهم باسمك " " إش 63 : 17 - 19 " والعلاج الصحيح كان واضحاً من البداءة : نستطيع أن نقرأه فى الأصحاح الأول من إشعياء ، وهو أن اللّه لا يهتم بالمظاهر الشكلية أو الطقسية فى العبادة ، لقد ضاق بها ، وأضحت ثقيلة عليه ومل حملها " فحين تبسطون أيديكم استرعينى عنكم ، وإن كثرتم الصلاة لا أسمع ، أيديكم ملآنة دماء اغتسلوا ، تنقوا ، اعزلوا شر أفعالكم من أمام عينى ، كفواً عن فعل الشر ، تعلموا فعل الخير ، اطلبوا الحق انصفوا المظلوم ، اقضوا لليتيم ، حاموا عن الأرملة . هلم نتحاجج يقول الرب إن كانت خطاياكم كالقرمز تبيض كالثلج ، إن كانت حمراء كالدودى تصير كالصوف . إن شئتم وسمعتم تأكلون خير الأرض وإن أبيتم وتمردتم تؤكلون بالسيف لأن فم الرب تكلم " " إش 1 : 15 - 20 " ..

كانت معالم الطريق واضحة أمام صدقيا ، لكنه اتجه فى عناد قلبه وتمرد حياته فى الطريق الآخر ، ليذهب وتذهب الأمة إلى الهلاك والضياع .



صدقيا والعقاب الصارم :

كان صدقيا آخر ملوك يهوذا ، والملك العشرين الذى تربع على عرشها ، وقد سقطت المملكة فى أيدى الكلدانيين عام 586 ق. م. بعدما يقرب من أربعمائة عام على إنشائها - أو كما يعتقد بعض المفسريين - بعد ثلاثمائة وسبعة وتسعين عاماً !! ... وكان الملك فى الثانية والثلاثين من عمره ، فى أوج الشباب ، وقوة الحياة ، ولم تكن مأساته المروعة الشخصية إلا رمزاً وصورة لمأساة الأمة بأكملها ، وهى مأساة الماضى العظيم المجيد الذى أضحى مجرد ذكريات تذهب مع الأيام ، وأغلب الظن أن عذاب الشاب القديم ، عندما قلعت عيناه ، أخذ إلى بابل ، ولا نعرف كم من السنين بقى هناك ، وإن كان من المتصور أنه مات قبل جلوس أويل مردوخ على عرش بابل فى السنة السابعة والثلاثين من سبى يهوياكين ، والسادسة والعشرين من سبيه هو بعد سقوط أورشليم ، وقد رفع أويل مردوخ وجه يهوياكين ، وإن كان قد أبقاه فى بابل إلى موته ، ولم يذكر شئ عن صدقيا ، مما يعتقد معه أنه كان قد مات فى السبى ، ... وقد ظل هذه السنوات فى عذاب أقسى من عذاب شمشون عندما قلعت عيناه وهو يطحن فى دار السجن ، ... والتقاليد تقول إن صدقيا كان يفعل الشئ نفسه ، إلى أن مات فى سجنه، ... وأى هوان يمكن أن يصل إليه الإنسان ، وهو يذكر آباءه وأمجاده القديمة ، والتى أضحت ذكريات لاذعة عميقة الألم فى وجدانه وحياته ، ... ومع أننا لا نعرف بالضبط كيف يكون العذاب فى الجحيم الأبدى ، لكننا نعلم بكل يقين أن النار القاسية فيه سيكون لظاها الأكبر ذكريات الماضى الذى ذهب ولا يمكن أن يعود ... ألم يقل إبراهيم للغنى : " يا ابنى اذكر أنك استوفيت خيراتك فى حياتك " .. " لو 16 : 25 " وقد أفلت شمشون من العذاب الأبدى ، بالرجوع إلى الرب فى سجنه ، ونحن لا نعلم هل استطاع الملك صدقيا أن يأخذ العبرة كشمشون ؟ ، .. ذلك شئ نتركه دون جواب ، حتى نعلم الحقيقة الأبدية فى ذلك اليوم ، على أنه من المؤكد أنه ذكر إرميا مرات متعددة فى سجنه وسبيه ، وأدرك أنها " أمينة هى جروح المحب وغاشة هى قبلات العدو " ، " أم 27 : 6 " ولعله نادى من على بعد فى أعماق الليل أو فى وسط النهار صائحاً : إرميا... إرميا ألا تعود تلقى نظرة علي بؤسى وألمى ويأسى !! ولكن المسافة والأيام باعدت بينه وبين الناصح والمرشد ، الذى لم يعد يراه ، وهيهات له أن يراه أو يستمع عليه !! ... ياللزمن الغادر القلب ! ... لقد سمح الملك بطرح إرميا فى السجن ، بعد أن أخرجه من جبه ليبقيه هناك سجيناً ، والأيام تدور ، ويطلق سراح السجين ، ويسقط السجان فى سجن أقسى وأشد وأرهب ، مقلوع العينين بدون رجاء أو أمل فى الصورة إلى حياته الماضية ، وقدحدث هذا ، وهو فى شرخ الشباب فى الثانية والثلاثين من العمر ، ... وهل ذكر صدقيا أيام اللهو والسمر والمجون فى القصر الملكى البعيد ؟ إنها الصورة الغريبة التى صورها بلوتارك وهو يتحدث عن تأجيل العقاب الإلهى ، فيرينا الأشرار وهم يصعدون إلى المسرح يرقصون ويلعبون ويمرحون ، وهم على يقين بأنهم بعد نهاية الرواية ، سيضربون ويجلدون ويهلكون فى النيران المتوقدة التى ستلتهمهم وتلتهم كل مباهجهم وأفراحهم ، ...وهى صورة الخطية المدانة من اللّه العادل، والذي لابد أن يقضى بعدل ، ... أجل ، إن طاحونة اللّه قد تطحن ببطء ، ولكنها تطحن دائماً طحيناً ناعماً ، ... لقد قيد الملك بسلاسل من نحاس ، يقال إن وزنها كان ثمانية أرطال ، وسيق عبداً ذليلا مهاناً ، والخطية دائماً تستعبد الإنسان ، وتقلع عينيه ، وتتركه فى قيود غير منظورة وتنتهى به إلى قيود أبدية تحت الظلام !! . ولا أستطيع أن أتصور مدى العذاب الذى ألم به ، وهم يضعون فى عينيه سيخاً من الحديد ، ولعله كان محمى بالنار وكيف صرخ ، وكيف تعذب ، ولكنها علاقة الإنسان بالخطية، وموعدها معه على عذاب !! ... وفى الحقيقة إن العذاب المادى - مهما كانت قسوته - لا يمكن أن يكون شيئاً أمام العذاب النفسى ، ... لقد رأى صدقيا أولاده الصغار يقتلون أمام عينيه ، ولا أعلم كيف واجه هذا المنظر لكنى أعلم أنه رأى الأمة كلها تقتل فى هؤلاء الأولاد أمام عينيه ، وأعلم ما فعله إرمياً عندما رأى الخراب الشامل فصرخ : " سكبت عيناى ينابيع ماء على سحق بنت شعبى ، عينى تسكب ولا تكف بلا انقطاع حتى يشرف وينظر الرب من السماء ، عينى تؤثر فى نفسى لأجل كل بنات مدينتى قد اصطادتنى أعدائى كعصفور بلا سبب . قرضوا فى الجب حياتى وألقوا على حجارة ، طفت المياه فوق رأسى . قلت قد قرضت " . "مراثى إرميا 3 : 49 - 53" لقد قلعت عينا الملك على أقسى منظر فى حياته ، منظر صغاره الذين يقتلون ، ولم يعد يرى فى الدنيا شيئاً آخر ، أو لم يستطع أن يرى بعدهم ما يمكن أن يعزى أو يفرح " وأغلب الظن أن الابتسامة لم تعرف طريقها إلى شفتيه قط بعد ذلك ، ... وهذا هو نصيب الأشرار فى الظلام الأبدى ، حيث هناك البكاء وصرير الأسنان !! .

ولسنا نظن أن هناك ما يؤلم النفس قدر ذلك الوصف الذي جاء فى آخر سفر أخبار الأيام الثانى : " فأصعد عليهم ملك الكلدانيين فقتل مختاريهم بالسيف فى بيت مقدسهم ، ولم يشفق على فتى أو عذراء ، ولا على شيخ أو أشيب ، بل دفع الجميع ليده . وجميع آنية بيت اللّه الكبيرة والصغيرة ، وخزائن بيت الرب ، وخزائن الملك ورؤسائه أتى بها جميعاً إلى بابل ، وأحرقوا بيت الرب ، وهدموا سور أورشليم ، وأحرقوا جميع قصورها بالنار ، وأهلكوا جميع آنيتها الثمينة ، وسبى الذين بقوا من السيف إلى بابل فكانوا له ولبنيه عبيداً إلى أن ملكت مملكة فارس لإكمال كلام الرب بفم إرميا حتى استوفت الأرض سبوتها لأنها سبت فى كل أيام خرابها لإكمال سبعين ســـنة " "2 أى 36 : 17 - 21 " ... وهل لا نملك بعد هذا إلا أن نبكى أورشليم مع إرميا فى مراثيه : " كيف جلست وحدها المدينة الكثيرة الشعب . كيف صارت كأرملة العظيمة فى الأمم . السيدة فى البلدان صارت تحت الجزية . تبكى فى الليل بكاء ودموعها على خديها ... انظر يارب وتطلع لأنى قد صرت محتقرة أما إليكم يا جميع عابرى الطريق تطلعوا وانظروا إن كان حزن مثل حزنى الذي صنع بى ، الذي أذلنى به الرب يوم حمو غضبه !! " "مراثى 1 : 1 - 12 " .

نعم كان هذا عقاب صدقيا الملك ، وعقاب المدينة التى ارتكبت بعد ذلك أكبر جريمة فى التاريخ عندما صلبت المسيح على هضبة الجلجثة ، وماتزال إلى اليوم تحمل نتيجة إثمها ، دون أن تستطيع استرداد حياتها وأنفاسها حتى الآن !! ..

elraiek G
09-16-2010, 07:02 PM
( 45 )

نبوخذ نصر

" أنا نبوخذ نصر رفعت عينى إلى السماء فرجع إلىّ عقلى "

" دا 4 : 34 "


مقدمة

لست أعلم ، هل نحن فى حاجة إلى القصة الخيالية التى فيها يصورون رجلا ضاق بالناس والحياة ، وطلب إلى اللّه أن يستيقظ الناس ذات يوم ليظهروا على حقيقتهم ، وليس كما يتظاهرون بعضهم للبعض ، ... وفى الصباح امتلات الأرض بالوحوش والحيوانات والزواحف والأفاعى ، إذ ظهر كل إنسان على طبيعته الحيوانية أو الوحشية ، أو السامة ، كأسد أو ذئب أو دب أو ثعلب أو عقرب أو أفعى أو ما هو أسوأ من ذلك مما يتعفف عنه الوحوش ويفعله الإنسان " !! ؟ .. أم هل نحن فى حاجة إلى الدراسة العلمية للظواهر النفسية لمختلف أنواع الجنون التى يطلقون عليها : Hypochondriasis والتى فيها قد يتصور المريض نفسه ذئباً Lycanthropy أو كلباً Kynanthropy أو أى حيوان آخر !! ؟

أم نحن مع الروائية الإنجليزية التى كتبت كتاباً بعنوان " الشيطان يخرج من مجلس العموم " وفيها تصور لنا شاباً أنيقاً يخرج من مجلس العموم البريطانى ، ولكن الشيطان يطل من عينيه ، إذ استقر فى داخله ، وحركه كحيوان أو وحش ، يفعل أحط أنواع الآثام والشرور بين الناس !! ؟ ... لست أعلم ولكنى أعلم أن قصة نبوخذ نصر القديمة تمثل هذه المعانى جميعاً ، وتستوعبها فهو الرجل الذى رفعه اللّه إلى أعظم مراكز المجد القديم ، ... فلم ير ذلك عطية من اللّه ، بل أخذ بجنون الفكر ، أنها قدرته وقوته وعظمته وذراعه ومجده ، فأسقطه اللّه ، وطرد من عرشه مصاباً بالجنون الحيوانى ، إلى الدرجة التى لم ير نفسه فيها إنساناً ، بل ثوراً ، ولعله كان يخور كما تخور الثيران ، ويرفس كما ترفس ، وذات يوم رفع عينيه الزائغتين نحو السماء ، وجاءته لمسة من الأعالى " فرجع إليه عقله !! . فعاد يشهد للّه ويحمده ، ... إنها القصة المحذرة التى يحتاجها كل إنسان ، فى مملكته الكبيرة أو الصغيرة ، إذا فقد عقله ، أو شاء أن يبقى على عقله مرتبطا بالسماء ، ومن ثم سنتأمل نبوخذ نصر من الجوانب التالية :



نبوخذ نصر الملك العظيم :

كان نبوخذ نصر ملكاً على بابل مدة ثلاثة وأربعين عاماً ما بين عام 605 إلى 562 ق . م ، وكان أبوه مؤسس الدولة الكلدانية ، وكان هو فى حياة أبيه قائداً للجيش ، وسمع عن موت أبيه ، وهو فى المعارك الحربية ، وعاد عام 605 ق . م إلى بلاده ليعتلى العرش ، ... وبالمقاييس البشرية كان هذا الرجل أعظم رجل فى عصره ، وقصته تصلح أن تكون نموذجاً وعبرة لمن يريد أن يتعلم ويعتبر ، لقد بلغ من القوة ما لم يكن له نظير فى جيله ، ولعله وصل إلى إحساس الإسكندر الأكبر ، عندما اكتسح امامه الممالك ، وبلغ به الاعتداد والغرور ، أنه ليس من طينة الناس بل من طينة أخرى ، وعندما نزف جرح من يده ذات مرة ، تعجب كيف ينهمر الدم من يده ، كما ينهمر من سائر البشر !! وإذ اكتسح نبوخذ نصر جميع الممالك التى كانت تحيط به ، وقهر أعظم دولتين ، وهما آشور ومصر ، فى عصره ، رأى نفسه الشجرة " التى كبرت وقويت وبلغ علوها إلى السماء ومنظرها إلى كل الأرض ، وأوراقها جميلة وثمرها كثير ، وفيها طعام للجميع ، وتحتها سكن حيوان البر ، وفى أغصانها سكنت طيور السماء " " دا 4 : 20 و 21 " . وللعظمة التى أعطاه اللّه إياها : " كانت ترتعد وتفزع قدامه جميع الشعوب والأمم والألسنة فأياً شاء قتل ، وأيا شاء استحيا ، وأيا شاء رفع وأيا شاء وضع " " دا 5 : 19 " .

على أن عظمة نبوخذ نصر كانت تكمن فى شئ آخر ربما كان أهم وأعظم ، إذ كان بناء عظيماً ... وإذا كان أوغسطس قيصر قد قال عن روما أنه استلمها مبانى من الطوب ، فحولها إلى مبان من الرخام ، ... فإن نبوخذ نصر جعل من بابل مدينة من أعظم المدن التى شيدت فى كل العصور ، ويكفى أنه صنع ما أطلق عليه " حدائق بابل المعلقة " والتى كانت واحدة من عجائب الدنيا السبع القديمة ، ... كان نبوخذ نصر ، وهو يجمل بابل ، يريد أن يعيد الجنة القديمة - والتى كان نهر الفرات واحداً من أنهارها العظيمة - مرة أخرى فى عاصمة ملكه ، ... ولقد أنفق عليها ببذخ مما أخذ من الغنائم التى استولى عليها ، والأسلاب التى وصلت إلى يده !! ..

وقد أعطى لبابل إلى جانب هذين الأمرين - حياة اللذة والمتعة فكانت هناك الأطايب التى تحفل بها مائدته ، ومائدة الكثيرين من شعبه ومواطنيه ، كانت بابل مدينة مغنية راقصة ، تضحك موائدها على أنغام الصنوج والموسيقى الحلوة الجميلة الناعمة !! ..



نبوخذ نصر الملك المجنون :

هذا الجنون الحيوانى الذى أصاب الملك فى السنين الأخيرة من حكمه ، لم يكن فى واقع الحال إلا انعكاساً لطبيعته الداخلية المجنونة ، وكما يعبث الجنون بالإنسان خفية ، قبل أن يظهر أمام الناس ، هكذا امتلا نبوخذ نصر من الجنون الذى ظهر فى أعماله قبل أن يطرد مع الحيوان ، ويعيش مطروداً كواحد من السائمة ... لقد أصيب الرجل أولا : بجنون القوة ، ... والقوة إذا امتلأ بها الإنسان ، لا تصبر على التفكير أو تعيش بالمنطق ، أو تقبل الحجة العقلية ، ... وليس أدل على ذلك مما فعله مع حكماء بابل ، عندما حلم حلماً ، فانزعج وطار عنه نومه ، ويبدو أنه نسى الحلم ، ومع ذلك يريد تفسيره ، وهو يطلب من المجوس والسحرة والعرافين أن يخبروه بالحلم وبتفسيره ، وإلا يمزقون إرباً إرباً وتصبح بيوتهم مزبلة ، والذى يفسر الحلم يعطيه الهدايا والحلاوين ، ويكرم إكراماً عظيماً !! ولم يكن أمام هؤلاء جميعاً إلا الإجابة بالقول : " ليس على الأرض إنسان يستطيع أن يبين أمر الملك . لذلك ليس ملك عظيم ذو سلطان سأل أمراً مثل هذا من مجوس أو ساحر أو كلدانى ، والأمر الذى يطلبه الملك عسر ، وليس آخر يبينه قدام الملك غير الآلهة الذين ليس سكناهم مع البشر . لأجل ذلك غضب الملك واغتاظ جداً ، وأمر بابادة كل حكماء بابل " " دا 2 : 10 - 12 " ... والحقيقة أن البشر عندما تقوى أذرعهم يقل اتجاههم إلى العقل أو التفكير أو المناقشة الهادئة الواعية، هنا يصاب الإنسان بجنون الوحش الذى يتصرف بقانون الغاب ، إن صح أن للغاب قانوناً ، ... وقد قيل إن اللّه إذا أراد أن يقضى على إنسان أصابه بجنون القوة !! ... كان من المستحيل على نابليون أن ينطق بالحكمة التى وصل إليها قبل أن يذهب إلى جزيرة سانت هيلانة ، وهناك حاول الجنزال برتران - الذى نفى معه - أن يتملقه مشبهاً إياه بالقواد الأقدمين وصناع الأديان ، والمسيح ، وعندما استمع نابليون إلى اسم المسيح لم يطق صبرا وصاح على الفور : " إننى أعرف الناس وأستطيع أن أقول إن المسيح يسوع لم يكن مجرد إنسان ، والعقول السطحية وحدها هى التى تحاول أن تجعل شبهاً بين المسيح وآلهة الأديان الأخرى وهذا الشبه منتف وغير موجود على الإطلاق ، إذ كل ما فى المسيح يسحرنى ، ولا يمكن أن يقارن به أحد فى العالم كله إذ هو كائن بذاته ، فميلاده وتاريخ حياته ، وسحر وروعة تعاليمه ، التعاليم التى تجابه أضخم المشكلات بأروع الحلول ، وإنجيله وإمبراطوريته وتمشيه فى موكب العصور ، كل هذه تستولى على بسحر أخاذ لا أستطيع تجنبه ، وهنا لا أرى شيئاً بشرياً ، ولثلاثة قرون من الزمان نشب صراع رهيب بين الروح والعواطف الوحشية ، وبين الضمير والطغيان ، وبين النفس والجسد ، وبين الفضيلة والرذيلة ، وسالت دماء المسيحيين أنهاراً ، ولكنهم كانوا يموتون ، وهم يقبلون اليد التى تذبحهم ، وفى كل مكان سقط المسيحيون ، وفى كل مكان انتصروا أيضاً ... إنك تتحدث عن قيصر والإسكندر ، وأعمالهما من غزوات وفتوحات ، وعما كانا يثير ان فى قلوب جنودهما من الحمية والحماس ، لقد شاد قيصر والإسكندر وشرلمان وأنا امبراطوريات عظيمة ، ولكن علام كانت عبقرياتنا جميعاً تعتمد ؟ ... على القوة !! . أما يسوع فقد شاد إمبراطوريته العظيمة على المحبة ، وإلى هذا اليوم يموت الملايين من أجله ، وأية هوة واسعة بين بؤسى العميق ، وحكمه الخالد. الحكم الذى ينادى به ويحب ويمجد وينتشر فى الأرض كلها !! .. "

لم ينطق نابليون بهذا كله . وهو يقود جيوشه الزاحفة على أوربا ، بل عندما وصل إلى المنفى مجرداً من كل قوة !! ..

امتلأ نبوخذ نصر بجنون الثروة ، جنون الإنسان الذى يملك القصور ويطل من فوقها على بابل ، المدينة الفنية الممتلئة بالعز والبهاء ... وإذا كثرت الثروة فربما تجعل الإنسان مجنوناً لا يستطيع أن يعقل أو يفكر ... وويل للإنسان إذا أصيب بجنون الثروة..

فى قصة للكاتب الفرنسى " أندريه موروا " تحت عنوان " لغة الذهب " يتحدث عن رجل وامرأة جمعاا مبلغاً كبيراً من المال ، وجاءتهما هذه اللعنة " فهما لا يعرفان النوم ليلا أو نهاراً خوفاً على الذهب ، وهما يخافان أن يضيع أو ينقص أو يفقد ، وهما يفكران فى أن ينقلا ثروتهما إلى سويسرا ، ثم إلى هولندا ومرة أخرى إلى إنجلترا ، فأمريكا !! ... وهما لا يعلمان ، هل يحولانه إلى فرنكات ، أم أن الاسترلينى أفضل أم الدولار ؟ ، ... وينتهى بهما الأمر إلى الذهاب إلى امريكا ومعهما الثروة بالدولار ، وهما لا يطمئنان إلى البنوك ، ويعيشان فى غرفة فى فندق ، وتجلس الزوجة نصف الوقت لتحرس المال ، والرجل النصف الآخر ، وآخر الأمر تموت المرأة بجانب الذهب ، ويجلس الزوج سجيناً حتى يلحقها .. مع لعنة الذهب !! ..

ولا ننسى أن نبوخذ نصر كان عنده جنون آخر اسمه جنون المتعة ، وقد كان من سياسته الإمبراطورية أن يجمع من مختلف الأجناس الشباب من الطبقات الشريفة العالية ، فى مدرسة يتعلمون فيها أعظم العلوم فى ذلك العصر ، وكان من أهم ما يشترط فيهم أن يكونوا حسان المنظر فتيان بلا عيب ، تقدم لهم أشهى الأطعمة ، أو ما يطلق عليه " أطايب الملك " ... لكن " دانيال " رأى فى هذه الأطايب " النجاسة " بأكملها ، فإذا كانت الأطايب وخمر مشروب الملك تعطى لهولاء ، فكم بالأولى الملك نفسه وقصره !! وطابع الشهوانية والمجون ، الذي يلاحق الكل ، ... وما دخل المجون أمة أو شعباً إلا وأصابه بالجنون ، مهما قيل إنه شعب متحضر ، ويكفى أن النساء كن يعدونه شرفاً ما بعده شرف أن يلحق بقصور لويس الرابع عشر ، ليتمرغن فى أحضان الأثم والفجور والرذيلة !! ... وكان الجنون الواضح الأخير جنون العبقرية ، ولعلك تستطيع أن تلاحظ هذا ، والملك يردد فى نفسه فوق القصر الملكى : " أليست هذه بابل العظيمة التى بنيتها لبيت الملك بقوة اقتدارى ولجلال مجدى " !!! ؟ " دا 4 : 30 " فإذا قالوا إن هناك شعرة رقيقة دقيقة تفصل بين العبقرية والجنون ، فإننا نعلم أن العبقرى الذى لا يستطيع أن يتضع فى حضرة اللّه ، مدركاً أن ما وصل إليه من معرفة أو علم ليس إلا عطية من اللّه لا فضل له فيها ، … وأن ما وصل إليه هو على حد تعبير " البرت شويتزر " أكبر عالم فى عصرنا الحاضر لم يصل إلى أكثر من سبع فى المائة من عشرة ألاف مليون من بحر المعرفة العظيم !! … لكنه الجنون الذى يصيب العلماء أو أدعياء العلم !! وينبغى أن ندرك هنا ما قاله أحدهم : لا تصور أن نبوخذ نصر كان فريداً فى هذا ، إذ أن فى أعماق كل واحد منا نبوخذ نصر آخر ينهض وهو ينسب إلى نفسه ، ما كان ينبغى أن يذكره بالشكر أمام اللّه ، … فيوم تنجح حاذر أن تقول هذه بابل التى صنعتها باقتدارى وقوتى ولجلال مجدى ، … ويوم تتفوق على زميل أو جار أو صديق ، حاذر أن يستيقظ فيك نبوخذ نصر ، … حاذر من هذا المارد ، أو الحيوان المجنون الذى إذا تركته ينفلت فى نفسك سيقودك – تدرى أو لا تدرى إلى الجنون المطبق !! ..



نبوخذ نصر الملك الذليل :

ضرب اللّه الملك بالضربة القاسية إذ أسقطه إلى مرتبة الحيوان ، أو بالأخرى أعطاه أن يكتشف الصورة التى انحدر إليها من الإنسانية إلى الحيوانية !! .. ولعله من الملاحظ أن اللّه لم يفعل هذا قبل أن يحذره فى الحلم الذى حلمه ، والذى فسره له دانيال عندما قال له : " يطردونك من بين الناس ، تكون سكناك مع حيوان البر ، ويطعمونك العشب كالثيران ، ويبلونك بندى السماء فتمضى عليك سبعة أزمنة حتى تعلم أن العلى متسلط فى مملكة الناس ويعطيها من يشاء " " دا 4 : 25 " ... ولقد تركه اللّه اثنى عشر شهراً قبل أن يحوله حيواناً يعيش بين الحيوانات !! ... وهل هناك ذل أبلغ من هذا الذل ؟!! .. أن يصبح الإنسان حيواناً أمام نفسه ، ... ومع أن هذه هى القسوة على أشدها لكنها مرات كثيرة ، ما تكون رحمة اللّه ونعمته أن يكشف اللّه لنا الإسفاف الذى وصلنا إليه !! .. فإننى أتصور يعقوب وقد ثاب إلى رشده ، فيهمس لنفسه : إن نفسى تتحول فجاة داخلى إلى ذئب ، ومرة أخرى إلى كلب فى طمعه وحسده وخداعه .. إن قلبى يخبئ القطعة من الطعام التى لا أستطيعع أن آكلها لئلا يأتى آخر ويأخذها ويأكلها،... وتارة أنا أسد ليس فى قدرته وقوته ، بل فى قسوته وعنفه . وطورا أنا حية فى مكرها ، كما وعظ يوحنا المعمدان سامعيه فوصفهم بالحيات أولاد الأفاعى !! وذل نبوخذ نصر أمام أقرب الناس إليه ، ... عندما أصابه هذا النوع من الجنون ، ربما احتمله ابنه أو زوجته بعض الوقت ، واحتمله الخدم أوقات أخرى ، ووربما احتمله الخاصة زمناً إلى الحد الذى لم يعد فيه يحتمل ، فطرد لتصرفاته الغريبة الشائنة القاسية ، أغلب الظن أنه تخيل نفسه ثوراً يخور مع الثيران ، ويأبى إلا أن يأكل أكلها ، ويشرب شربها ، ويتبرز مثلها ، ... على أنه كان أكثر من ذلك إذ ذلت نفسه أمام اللّه ، أعمق الذل ، ولعله قال شيئاً شبيهاً بقول آساف : " وأنا بليد ولا أعرف ، صرت كبهيم عندك " .

على أية حال لقد ذل الرجل ، وضع فى مكان يمارس فيه هوايته المجنونة ، إذ " طرد من بين الناس وأكل العشب كالثيران ، وابتل جسمه بندى السماء حتى طال شعره مثل النسور ، وأظفاره مثل الطيور !! " .. " دا 4 : 33 " ولعل ابنه والخاصة كانوا يحكمون البلاد باسمه وهو مريض طوال فترة هذا المرض الذى استمر سبعة أزمنة ( فسرها البعض بسبع سنوات كما يذهب يوسيفوس وغيره من الشراح اليهود ، وفسرها آخرون بشهور أو مواسم ، إذ أن الكلمة : " أزمنة " لا تقطع فى التفسير بأنها سنوات " ... ونحن - على أية حال - نرجح أنها فترة غير قصيرة ، كان لابد أن يذل فيها الملك حتى يكون عبره لنفسه ، وعبرة لجميع اللذين يرفعون عيونهم إلى العلاء فى الكبرياء أو الارتفاع أو الشموخ !! ..



نبوخذ نصر الملك المرفوع :

هوى به اللّه من القمة إلى القاع ، ومن المجد إلى الهوان ... وعندما وصل إلى القاع وفى الوادى العميق ، وليس على أعلى بقعة فى بابل ، ترفق به اللّه وأحسن إليه ... وفى وادى الاتضاع نستطيع أن نرى اللّه ، وإحسانه وجوده وحبه وعطفه وغفرانه،... قال أحدهم : أرجو أن تلاحظوا أن هذا الرجل الذى وقف على أعلى قمة فى بابل هو الذى جثا أمام دانيال عبد اللّه الحى ... !! .. أو فى لغة أخرى : أنه أدرك أن أكبر مأساة فى حياة الإنسان هى الكبرياء !! كيف لا ، والتغير فى حياة الإنسان يمكن أن يتم فى لحظة واحدة مفاجئة !! .. والمرتفع فى الأعالى يمكن أن يهوى إلى القاع ، ... والمدوس من أقدام الناس يمكن أن يصعد من المزبلة للجلوس مع الشرفاء ، والمريض يصح ، والصحيح يمرض ، والغنى يفتقر ، والفقير يغتنى ... أو كما صلت حنة قديمـــــا : " فرح قلبى بالرب ارتفع قرنى بالرب اتسع فمى على أعدائى لأنى قد ابتهجت بخلاصك ، ليس قدوس مثل الرب لأنه ليس غيرك ، وليس صخرة مثل إلهنا ، لا تكثروا الكلام العالى المستعلى ولتبرح وقاحة من أفواهكم . لأن الرب إله عليم وبه توزن الأعمال . قسى الجبابرة انحطمت والضعفاء تمنطقوا بالبأس الشباعى آجروا أنفسهم بالخبز ، والجياع كفوا ، حتى أن العاقر ولدت سبعة وكثيرة البنين ذبلت . الرب يميت ويحى . يهبط إلى الهاوية ويصعد . الرب يفقر ويغنى ويرفع ، يقيم المسكين من التراب يرفع الفقير من المزبلة للجلوس مع الشرفاء ويملكهم كرسى المجد !! " "1 صم 3 : 1 - 8 " فإذا كان الأمر كذلك فإن من الحماقة أن يتعالى الإنسان ويرتفع ، ومن الأولى به أن يرى نفسه مع داود كلباً ميتاً ، برغوثاً ، لأن الأرض كلها بجميع سكانها ليست إلا مجموعة من الجندب أمام اللّه !! ... ويوم يدرك هذا ، فهو فى الطريق إلى الصعود أمام اللّه ، لأن اللّه يقاوم المستكبرين ، أما المتواضعون فيعطيهم نعمة !! .. " 1 بط 5 : 5 " وإلى جانب هذا رفع نبوخذ نصر عينيه نحو السماء فى ذلة وانكسار ، وفى تلك اللحظة عاد إليه عقله ، .. وفى الواقع أن هناك علاقة دائمة بين التوبة والتعقل ، وبين الجنون والتمرد على شخص اللّه ، ... والتوبة فى المعنى الصحيح ليست إلا رجوعاً إلى النفس والعقل ، ألم يقل المرنم : تفكرت فى طرقى ورددت قدمى إلى شهاداتك " " مز 119 : 59 "... وألم يرجع الابن الضال إلى نفسه وهو يفكر فى الفرق البعيد بين ماضيه وحاضره ، والرجوع إلى العقل فى كل أوضاع الحياة يرد أقدامنا إلى الطريق الصحيح ، متى انحرفنا هنا أو هناك فى السلوك أو العمل أو التصرف !! .. وليست التوبة وحدها هى التى ردت نبوخذ نصر مع الاتضاع الكامل ، بل لعلها الصلاة ، ولا أعلم إن كان قد صلى بشفتيه ، أم صلى فى صمت بعينيه ، ولكنه على أية حال رفع عينيه نحو السماء ، ... وأشفق اللّه على البائس المجنون ، ورد إليه عقله !! ..

ما أجمل أن يربط الرجل بين " عقله " و " السماء " ! فلا يرى شفاءه مجرد صدفة أو بسبب دواء أو طبيب أرضى ، أو حتى آلهته التى تعود أن يتعبد لها ، أو يتصور أنها تنجده وتعينه ، لقد استعصى داؤه على الجميع ، حتى جاءه شفاء اللّه من السماء،... ومع أننا لا نعلم مدى ما كان له من وعى وقتى خلال أزمنة مرضه ، إلا أنه يبدو أنه أدرك مدى المهانة التى كان عليها ، وهو يذكر فضل اللّه ورحمته عليه ، إذ لم يرجع إليه عقله فحسب ، بل أعاد إليه أيضاً جلال ملكه ومجده وبهاءه ، حيث طلبه مشيروه وعظماؤه ، وتثبت على مملكته وازدادت له عظمة كثيرة ، .. وهو لا يستطيع أن يذكر هذا إلا بالشكر وعرفان الجميل والحمد للّه وتسبيحه ، وهو لا يكتفى بهذا كله ، بل يرسل شهادته للعالم وللتاريخ متحدثاً عن القدرة الإلهية التى تطوى كل شئ ، وتنتصر على كل شئ : " وباركت العلى وسبحت وحمدت الحى إلى الأبد الذي سلطانه سلطان أبدى وملكوته إلى دور فدور . وحسبت جميع سكان الأرض كلا شئ وهو يفعل كما يشاء فى جند السمــــاء وسكان الأرض ، ولا يوجد من يمنع يده أو يقول له ماذا تفعل !! .. " .. " دا 4 : 34 ، 35 " .

elraiek G
09-16-2010, 07:05 PM
( 46 )

بيلشاصر

" فى تلك الليلة قتل بيلشاصر ملك الكلدانيين "

" دا 5 : 30 "


مقدمة

لعله ليس هناك وصف أروع أو أجل من وصف متى هنرى ، لليد التى ظهرت أمام النبراس على مكلس الحائط أمام بيلشاصر عندما قال : " يقول الربيون : إنه الملاك جبرائيل الذي استخدم هذه الأصابع فى الكتابة ، ويقول دكتور لا يتفوت ، وهو واحد منا ، إنها ذات اليد الإلهية التى كتبت لوحى الشريعة للشعب ، وهى تكتب الآن نهاية بابل وبيلشاصر معاً على الحائط " !! ومن العجيب أنه لا يوجد هنا ما يمكن أن يخيف من صوت ، أو تهديد للحياة ، أو رعد قاصف ، أو برق خاطف ، أو ملاك مهلك يحمل فى يده سيفاً مسلولا ، بل قلم تحمله يد تكتب على الحائط أمام النبراس أو الشمعدان ، حتى تظهر للجميع ، .. وكتابة الكلمة الإلهية تفزع أعتى الخطاة عندما يقصد اللّه ذلك. ومن الملاحظ أن الملك لم ير سوى طرف اليد التى تكتب ، وبالتالى لم ير الشخص الذى له هذه اليد التى تكتب ما يفزع ، ... ونحن لا نرى من اللّه ، عندما يريد أن يكتب فى كتاب الخليقة أو الكتاب المقدس ، إلا طرف اليد التى تكتب أو على حد قول أيوب : " ها هذه أطراف طرقه وما أخفض الكلام الذى نسمعه منه ، وأما رعد جبروته فمن يفهم " " أيوب 26 : 14 " ... فإذا كانت هذه إصبع اللّه فكم تكون ذراعه !! ؟ .. هل نستطيع أن ندرك أنها ليست قصة بيلشاصر وحده ، بل قصة كل واحد على ظهر الأرض ؟ لأنه لابد أننا جميعاً نظهر أمام كرسى المسيح لينال كل واحد ما كان بالجسد بحسب ما صنع خيراً كان أم شراً !! " 2 كو 5 : 10 ".. ومن ثم فنحن فى أمس الحاجة إلى أن نتعلــم ونتعظ من الملك القديم ، .. ولعلنا لذلك يمكن أن نتابع قصته فيما يلى :



الملك والميزان الإلهى :

كان بيلشاصر ملكاً على بابل ، وشريكاً لأبيه نابونيداس ، الذى كان يهتم أكثر من ابنه بالنواحى العلمية والثقافية ، وكان الابن هو الحاكم الفعلى لبابل ، وعلى وجه الخصوص عندما غاب الأب لمدة عشر سنوات فى حملة خارج البلاد فى أواسط الجزيرة العربية ، وقد كشف الحفريات الحديثة عن اسمه مع أبيه ، مما لم يكن معروفاً من قبل ، حتى أن بعض النقاد ادعوا بأنه لا يوجد اسم ملك يحمل هذا الاسم ، ولكن الكتاب يثبت صدقه دائماً ، وتتهاوى كل الأراجيف التى تحاول النيل منه ، .. ومن المعتقد أنه إبن ابنة نبوخذ نصر ، إذ أن أباه تزوج بابنه نبوخذ نصر وأنجب منها هذا الأبن ، ... وبهذا المعنى قالت أمه الملكة ، عندما أرشدته إلى دانيال ليفسر الكتابة ، إن أباه نبوخذ نصر كان يستخدمه فى تفسير الأحلام والعوائص التى تواجهه ! .. ومن المعتقد أنه كان فى أوج الشباب عندما حاصره كورش الفارسى ، وقد كان شاباً أيضاً يصحب جيوشه الجرارة ، بالمشاركة مع حميه داريوس المادى ، وكان الشاب يعطى توقيراً كاملا لحميه ، ويقدمه ، ولذا أشير إلى أن حماه استولى على المملكة وهو فى الثانية والستين من عمره ، ... على أية حال كانت جيوش مادى وفارس تحاصر بابل ، عندما أقام بيلشاصر حفلة لعظمائه الألف ، والاسم . بيلشاصر " معناه " بيل يحمى الملك " وبيل هو إله بابل ، ونحن لا نعلم لماذا أقام هذا الحفل العظيم ، ... هل أقام لمناسبة عيد ميلاده ، أو عيد تتويجه ؟ ، أو لأنه عيد إلهه ، ؟ أو لأنه - كما يعتقد البعض - أراد أن يقوى من عزيمة أبطاله فجمع ألفاً منهم ، وهو يعتد بحصونه ضد القوات المهاجمة ، وقد أراد أن يظهر كبرياءه وشجاعته ، وقدرته التى لم يصل إليها نبوخذ نصر نفسه ، فأمر بإحضار الآنية المقدسة ليشرب فيها الخمر ويسبح آلهته !! .. على أية حال ، لقد ظهرت الكتابة أمامه تقول : " وزنت فى الموازين فوجدت ناقصاً"!!.. " دا 5 : 27 " وهل لنا أن نقف قليلا من الميزان الإلهى ؟ !! .. إن هذا الميزان يختلف - ولا شك - من كل الموازين الاخرى !! .. إنه يختلف عن ميزان الإنسان لنفسه ، أو الميزان كما يتخيله الإنسان ، ويزن به نفسه !! .. وإذا صح ما يتفكهون به أنك إذا سألت اليهودى عن قيمة شئ ، وثمنه ، فإنه سيسألك أولا : هل سيشترى هذا الشئ أم يبيعه ، فإذا كان هذا هو المشترى فإن الثمن أقل ، وإذا كان هو البائع فإن الثمن أكثر - ولعله بهذا يفسر ما قاله الحكيم سليمان : " ردئ ردئ يقول المشترى وإذا ذهب فحينئذ يفتخــــر " " أم 20 : 14 " .. وهى النفس البشرية التى حذرها المسيح فى الموعظ على الجبل : " لا تدينوا لكى لا تدانوا لأنكم بالدينونة التى بها تدينون تدانون ، وبالكيل الذى به تكيلون يكال لكم ، ولماذا تنظر القذى الذى فى عين أخيك وأما الخشبة التى فى عينك فلا تفطن لها أم كيف تقول لأخيك دعنى أخرج القذى من عينك وها الخشبة فى عينك . يا مرائى أخرج أولا الخشبة التى من عينك وحينئذ تبصر جيداً أن تخرج القذى من عين أخيك .. " " مت 7 : 1 - 5 ".. أو ما قاله بولس : " لذلك أنت بلا عذر أيها الإنسان كل من يدين لأنك فيما تدين غيرك تحكم على نفسك لأنك أنت الذى تدين تفعل تلك الأمور بعينها . ونحن نعلم أن دينونة اللّه هى حسب الحق على الدين يفعلون مثل هذه " " رو 2 : 1 - 2 " .

يقول ما كارتنى فى عظته المشهورة عن حزائيل ، عندما قال لأليشع : " ومن هو عبدك الكلب حتى يفعل هذا الأمر العظيم " " 2 مل 8 : 13 " .. إن أعظم فاعلى الشر فى الأرض كانوا رجالا لم يخطر ببالهم أن يفعلوه من أول الأمر ، فنابليون فى مطلع حياته كتب رسالة لأكاديمية ليون بعنوان : " أخطار الطموح " ... وقال نيرون : " ليت هذه اليد ما تعلمت الكتابة " وهو يوقع على أول قرار بالإعدام ، .. وروبسبيير والذى أرسل الآلاف إلى المقصلة فى الثورة الفرنسية ، كان قد قدم استقالته قبل ذلك كقاض فى محكمة إقليمية لأنه لا يستطيع أن يوقع عقوبة الإعدام على مجرم ثبتت إدانته !! ... ولو أنك جئت إلى الملك داود وقلت له إنك ستكون زانياً وقاتلاً فى يوم من الأيام لصرخ فى وجهك : ومن هو عبدك الكلب حتى يفعل هذا !! .. ولو أنك جئت إلى سليمان فى جبعون وهو جاث يقدم على المرتفعة ألف ذبيحة ، ويطلب القلب الفهيم ليميز بين الخير والشر !! .. وقلت له إنك ستبعد عن اللّه وتتبع النساء الأجنبيات اللواتى انحرفن إلى عبادة الأوثان ، لصاح : هذا مستحيل !! .. سل بطرس الذى سيخرج فى تلك الليلة ، وقبل أن يضيع طعم الطعام من فمه ، .. وقل له إنه سينكر السيد ، وهو يصيح : هذا لا يمكن أن يكون .. تصور نفسك نبياً ، واعرف ماذا سيفعل الناس ، وانظر أعمالهم ، وحدثهم بها ، وهم سيرمونك بالكذب لأنك تجرؤ على أن تصورهم بهذه الصورة ولكن نبوتك ستتحقق ، وكما بكى أليشع قد تبكى عندما تثبت عينيك فى إنسان لتحدثه بما لا يخطر بباله أن يفعل لأن " القلب أخدع من كل شئ وهو نجيس من يعرفه !! .. " إرميا 17 : 9 " حقاً إن الميزان البشرى الذى يصنعه الإنسان لنفسه لا يمكن أمام كبريائه أو ضعفه أو فساده أو نجاسته أن يكون صحيحاً أو دقيقاً ، .. ومن الواضح أن بيلشاصر لم ير أى خطأ فيما فعل أو عيب أو نقص أو قصور ، ... بل لعله وهو يفعل ما لم يجرؤ عليه نبوخذ نصر نفسه ، كان يرى فى نفسه أشجع وأعظم وأصدق وأدق من سلفه العظيم !! ..

فإذا نظرنا إلى ميزان آخر - وهو ميزان الناس لغيرهم من الناس - لوجدنا أنه ليس أقل خطأ أو قصوراً أو تضليلا ،.. كان بيلشاصر قد أقام حفله العظيم لألف من عظمائه، الذين هم أبطال الأمة وقادتها ، .. وقد نظر إليه هؤلاء نظرة الإعجاب كالقائد الشاب الشجاع الذى هو سيد الأمة وبطلها العظيم ، .. وشتان بين حكم الأرض ، وحكم السماء ... وشتان بين تفسير العظماء ، وتفسير دانيال ، وقد شاء المسيح أن يعطينا صورة كاملة عن الفارق بين الحكمين والتفسيرين ، فى منظر الغنى ولعازر ، والصورة الأرضية والصورة السماوية المتتابعتين لهذا المنظر العتيد ، ... ففى ركن زاوية على الطريق جلس لعازر فى مواجهة قصر الغنى الذى يرفل فى البز والأرجوان ، .. ولو طلب إلى الناس أن يضعوا مقارنة بين الرجلين ، لما وجدوا أى مجال للمقارنة ، فهل يمكن أن يقارن المترف بالمجروح والشبعان بمن لا يجد الفتات ؟ والذى يمتلئ بيته بالإشراف من الزوار ، بمن لا يجد إلا الأصدقاء من الكلاب التى تلحس القروح ؟ !! .. ولعلهم يقولون : وأين الثرى من الثريا ؟ وهم - ولاشك - سيرون الثرى فى المسكين الذى يجلس على التراب ، والثريا فى ذاك الذى يتألق بيته بالأنوار اللامعة المنيرة العظيمة !! .. هذا هو حكم الأرض ، .. ولكن ميزان السماء صنع الهوة التى لا تعبر ، وفى قمتها بائس الأمر ، وفى قاعها المترف الذى هبـــط إلى الهاويــــــــــة التى لا قــــرار لها !! ...

إن القصة ترينا أن هذا الميزان سجل حكمة إزاء النبراس أو الشمعدان حتى يراها الكل ، . وميزان اللّه هو ميزان النور ، .. إن عدالة اللّه ليست عمياء ، كما ألف الناس أن يروا العدالة فى صورة امرأة معصوبة العينين تمسك ميزاناً بيدها ، وفى اليد الأخرى سيفها المجرد !! .. إن عدالة اللّه ، بالأحرى ، فاحصة نيرة بالغة الدقة ، فى وزنها ، أو على ما تقول حنة فى صلاتها : " لأن الرب إله عليم وبه توزن الأعمال " " 1 صم 2 : 3 " .. مررت يوماً بميزان من تلك الموازين التى توضع فى الأماكن أو المؤسسات العامة أو الخاصة ، والتى تضع فيها العملة حتى تخرج لك تذكرة مكتوب عليها وزنك ... ، وهل رأيت من باب التسلية أوحب الاستطلاع ، أو الخوف من زيادة الوزن أو نقصه من يزنون أنفسهم ؟ ، أو هل رأيت الطبيب يزن الطفل أو الرجل قبل أن يفحصه طبياً ؟ ، .. هذه موازين بشرية لغايات تتصل بالجسد أو سلامته ، أو الاطمئنان على الصحة أو ما أشبه ، وأين هذه من ميزان النفس عند اللّه ؟ ، وعلى وجه الخصوص ، إن الرب إله عليم ، وبه توزن الأعمال ، وهو فى وزنه للأعمال يتغور إلى الداخل العميق ، لأنه يعرف السرائر ولا تخفى عليه خافية ، .. وهو يصل إلى أعماق النبضات والنأمات ، والنوايا والبواعث المتشابكة التى لا تستطيع العين أن تدركها !! .. فإذا أصدر اللّه أمراً إلى يا هو بن نمشى أن يبيد بيت أخاب ليحل محله فى الملك ، وإذا صادف الأمر الهوى العميق فى قلب ياهو ، فهو يبيد ، وبغير اعتدال ، وهو لا يرى فى عمله هذا إلا إتماماً لأمر اللّه ، إلى الدرجة التى يقابل فيها يهو ناداب بن ركاب فيباركه ويقول له : " هل قلبك مستقيم نظير قلبى ؟ فقال يهوناداب: نعم ونعم ... هات يدك ، فأعطاه يده ، فأصعده إليه إلى المركبة وقال : هلم معى وانظر غيرتى للرب ، وأركبه معى فى مركبته وجاء إلى السامرة وقتل جميع الذين بقوا لآخاب فى السامرة ، حتى أفناه حسب كلام الرب الذى كلم به إيليا " " 2 مل 10 : 15 - 17 ) .. وإذا كان اللّه قد بارك ياهو وأجلس أبناءه إلى الجيل الرابع ، لأنه تمم الإرادة الإلهية ، ... لكن هناك تياراً رفيعاً أسود كان فى قلب ياهو ، استطاع أن يخفيه عن يهوناداب بن ركاب ، وعن كل إنسان آخر ، لكنه لم يكن خافياً على اللّه ، وجرى فى القلب التيار الأسود مع الأبيض ، ووزن اللّه وفصل بين التيارين ، وقال على لسان هوشع : " بعد قليل أعاقب بيت ياهو على دم يزرعيل " " هو 1 : 4 " ... هل تستطيع مهما بلغت من الإدراك والحكمة أن تكتشف التيارين الممتزجين ؟؟ ، وإذا أمكن أن تكتشف ، فهل تستطيع الفصل بينهما فتبارك التيار الأبيض ، وتعاقب الأسود ؟ ، ... ليس هناك إلا ميزان واحد يستطيع ذلك ، هو ميزان اللّه ، الذى فصل من البداءة بين النور والظلمة ، " فالظلمة أيضاً لا تظلم لديه ، والليل مثل النهار يضئ كالظلمة هكذا النور ، " " مر 139 : 12 " هل أساء إليك زميل أو رفيق ، فحفظت فى قلبك شيئاً عميقاً غائراً لا يدركه أحد ، وانتهزت خطأ ارتكبه هذا الزميل ، أو خطية ما ، فإذا بك تثور ناهضاً ضد هذا الخطأ أو الخطية ، باسم الغيرة للّه ؟ ويحمدك الناس لأنك لا تعرف المجاملة على حساب الحق ، ... ولكن رقيب الناس يتعقب شيئاً دفيناً أسود لا يراه أحد ، ويزنه بميزان العدالة البالغة الدقة ، ويفصله على حده ، ويتعامل معك إزاءه ، سواء فى السريرة أو فى العلانية ، حتى تعلم أنك تستطيع أن تخدع نفسك أو تخدع الآخرين ، لكنك لا تستطيع أن تخدع اللّه البتة !! ..

كان بيلشاصر عظيماً فى ميزان النفس ، وميزان الناس ، .. ولكنه أبصر على مكلس الحائط تجاه النبراس القول : " وزنت بالموازين فوجدت ناقصاً " ..



بيلشاصر والأوانى المقدسة :

يقولون إن بيلشاصر كان متعبداً لبيل إله الكدانيين ، وقد أراد أن يثبت لعظمائه شيئاً يختلف عما وصل إليه نبوخذ نصر ، فإذا كان نبوخذ نصر قد انتهى إلى سيادة اللّه على كافة الآلهة ، عندما قال لدانيال الذى فسر له الحلم الذى عجز حكماء بابل عن معرفته وتفسيره : " حقاً إن إلهكم إله الآلهة ورب الملوك وكاشف الأسرار " " دا 2 : 47 "... كما قال للثلاثة فتية بعد خروجهم من الأتون : " إذ ليس إله آخر يستطيع أن ينجى هكذا " " دا 3 : 29 " .. فإن بيلشاصر يمكن أن يثبت شيئاً يختلف عما ذكره الملك العظيم ، إذاً فليرفع بيل على حساب اللّه ، ولا مانع من التسبيح لآلهة الفضة والذهب ، والنحاس ، والحديد ، والخشب ، والحجر - التى لا تبصر ولا تسمع ولا تعرف - متجاهلا ، اللّه الذى بيده نسمته وله كل طرقه !! .. كما قال له دانيال " دا 5 : 23 " وغنى بليشاصر وعظماؤه لبيل على أمل أن يساعدهم فى اليوم الأسود ضد الجيوش المهاجمة التى تحاصر المدينة ، وما هو البرهان ، فى عرفه ، تزلفاً وتملقاً لبيل ، وتحدياً لإله إسرائيل ، وذلك بإحضار الآنية المقدسة ، واستخدامها لشرب الخمر والسكر والعربدة !! .. أو أنه - فى عبارة أخرى التمرد والنجاسة معاً ، .. وما فعله بيلشاصر قديما ما يزال يفعله الإنسان فى كل جيل وعصر عندما يتمرد على اللّه ، وينجس الأوانى المقدسة التى أعطاه اللّه إياها لتستخدم لجلاله ومجده : " ولا تقدموا أعضاءكم آلات إثم للخطية بل قدموا ذواتكم كأحياء من الأموات وأعضاءكم آلات بر للّه ... ألستم تعلمون أن الذى تقدمون ذواتكم له عبيداً للطاعة ، أنتم عبيد للذى تطيعونه إما للخطية للموت أو للطاعة للبر " . " رو 6 : 13 و 16 " " أما تعلمون أنكم هيكل اللّه وروح اللّه يسكن فيكم ، إن كان أحد يفسد هيكل اللّه فيفسده اللّه لأن هيكل اللّه مقدس الذي أنتم هو " "1 كو 3: 16 و 17 " .. " ألستم تعلمون أن أجسادكم هى أعضاء المسيح ، أفآخذ أعضاء المسيح وأجعلها أعضاء زانية ، حاشا ، أم لستم تعلمون أن من التصق بزانية هو جسد واحد لأنه يقول يكون الاثنان جسداً واحداً ، وأما من التصق بالرب فهو روح واحد لأنه يقول يكون الاثنان جسداً واحداً ، وأما من التصق بالرب فهو روح واحد . اهربوا من الزنا ، كل خطية يفعلها الإنسان هى خارجة عن الجسد لكن الذي يزنى يخطئ إلى جسده ، أم لستم تعلمون أن جسدكم هو هيكل للروح القدس الذى فيكم الذى لكم من اللّه وأنكم لستم لأنفسكم " " 1 كو 6 : 16 - 19 " .

أيها الشاب الذى تذهب إلى الفجور والدنس ، إنك بيلشاصر ، على مائدة النجاسة تقدم الأوانى المقدسة التى صنعها اللّه لمجده وجلاله !! .



بيلشاصر والضمير :

والضمير كما وصفه ا . ج . جوردون هو : " سلم يعقوب الحقيقى فى داخل قلب الإنسان والذى يصل إلى السماء ، وفوقه ملائكة الاستحسان والتوبيخ تصعد وتنزل " .. وقد جاء إلى الملك فى لحظة الموسيقى الضاحكة والكأس الممتلئة ، فلماذا يفزع ويرتعب ، وألا يجوز أن بيل آلهته أرسلت إليه كلمات مشددة مشجعة ضد الجيش المهاجم ؟ فلماذا تفزعه أفكاره وتنحل خرز حقوبه ، وتصطك ركبتاه ؟ ، .. إنه الضمير الذى ينهض اللّه فى أعماق الإنسان ليفزعه ويروعه ، وهو العين المرهبة التى صورها " فيكتور هوجو " تلاحق قايين ليلا ونهاراً ، وهو يصرخ على الدوام : " ذنبى أعظم من أن يحتمل " " تك 4 : 13 " ... وهو الضمير الذى جعل هيردوس الملك ، .. مع أنه كان من الصدوقيين الذين لا يؤمنون بالقيامة إلا أنه عندما يسمع عن المسيح يقول : إنه يوحنا المعمدان الذي قطعت أنا رأسه ... وهو الضمير الذى أرعب فيلكس لما كان بولس يتكلم عن البر والتعفف والدينونة العتيدة أن تكون !! .. وهو الضمير الذى كانت تتمنى ، معــــه ، أن تقابل " مارى الدموية " جيشاً من عشرة آلاف مقاتل ، دون أن تواجه يوحنا نوكس بصوته المفزع المرهب الشديد " !! ...

ومن الغريب أن بيلشاصر شرب الكأس فى مواجهة الجيوش الغازية دون أن يفزع منها ، وارتعب من طرف يد تكتب على مكلس الحائط أمام النبراس : " وزنت بالموازين فوجدت ناقصاً " .. إنه الضمير الذى ينهض فى اليوم الأخير فى الأشرار وهم يقولون للجبال اسقطى علينا وللآكام غطينا من وجه الجالس على العرش ومن غضب الحمل ؟؟ !! .. والسؤال : أيها الشاب ماذا أنت فاعل تجاه الضمير وهو يكتب علي مكلس الحائط تجاه عينيك : " وزنت فى الموازين فوجدت ناقصاً " .. ؟؟



بيلشاصر والنهاية المخيفة :

والنهاية فى مرات كثيرة ، تكون أسرع جداً مما يظن أو يتصور أصحابها . لست أعلم إلى أى مدى أخذ بيلشاصر تفسير دانيال ، فمع أن دانيال تحدث معه بكل قسوة وعنف ، فهو يرفض عطاياه ، أو إذا أراد أن يعطيها فلتكن لغيره : " لتكن عطاياك لنفسك وهب هباتك لغيرى " " دا 5 : 17 ".. على أية حال إن بيلشاصر صدق كلمات دانيال ، ومع ذلك فهو يظن أنها لن تكون بهذه السرعة ، ومن ثم فهو يصدر قراراً : " أن يلبسوا دانيال الأرجوان وقلادة من ذهب فى عنقه وينادوا عليه أن يكون متسلطاً ثالثاً فى المملكة " " دانيال 5 : 29 " .. ومــع أن هذا القــــرار لن يتســـــع وقت بيلشاصر لتنفيذه ، إلا أن دانيال سيأخذ مركزه العظيم بقرار آخر ، ولكن من داريوس ، وليس من بيلشاصر !! .. وسيبقى دانيال أميناً يعلم أن القرار الصحيح لا يصدره ملك أرضى ، بل يصدره اللّه ملك الملوك ورب الأرباب ، الإله المتسلط فى مملكة الناس ، وهو الذى يمنع ويمنح . وسعيد ذلك الذى يتسلم مركزه وسلطته ومجده من اللّه وليس من الناس!!..

سقطت بابل بدون قتال ، بخدعة عملها كورش والماديون والعيلاميون الذين كانوا معه بتحويل مجرى نهر الفرات وسقطت فى ذات الليلة التى كان يعربد فيها بيلشاصر ويسكر ، ولعله مما تجدر الإشارة إليه أن مصوراً أمريكياً اسمه " واشنطون ألستون " قضى اثنى عشر عاماً وهو يرسم منظر حفل بيلشاصر دون أن يتمكن من إتمام الصورة ، وكانت العقبة الرئيسية أمام المصور العبقرى الفنان هى عجزه عن إبراز الفزع الكامل ، واليأس الرهيب الذى استولى على الملك ، وظهر على قسمات وجهه،... ومع ذلك ، فالصورة في متحف الفنون فى بوسطن ، وهى تكشف ، بالعمل الناقص ، عن عجز الإنسان مهما كانت قوته وقدرته وعبقريته عن تصوير فزع الضمير الذى يلاحق الخاطئ ملاحقة أبدية !! ..

سقطت بابل ، وذهب بيلشاصر إلى فزعه الأبدى ، وتلاحقت العصور والأجيال ، والموكب البشرى يسير بسرعة إلى النهاية الأبدية التى سيسقط فيها الأشرار ، والتى سيظهر فيها ملاك اللّه وهو يصرخ : بشدة عظيمة قائلا " سقطت سقطت بابل العظيمة وصارت مسكناً لشياطين ومحرساً لكل روح نجس ، ومحرساً لكل طائر نجس وممقوت، لأنه من خمر غضب زناها قد شرب جميع الأمم ، وملوك الأرض زنوا معها، وتجار الأرض استغنوا من وفرة نعيمها " ... وسيبكى وينوح عليها ملوك الأرض الذين زنوا وتنعموا معها حينما ينظرون دخان حريقها ، واقفين من بعيد لأجل خوف عذابها قائلين : ويل ويل . المدينة العظيمة بابل المدينة القوية . لأنه فى ساعة واحدة جاءت دينونتك " !! " رؤ 18 : 2 و 3 و 9 و 10 ) .

elraiek G
09-16-2010, 07:08 PM
( 47 )

كورش

" نطقتك وأنت لم تعرفنى "

" إش 45 : 5 "


مقدمة

تعتبر قصة كورش من أبرع القصص الكتابية ، التى تؤكد أننا نأتى إلى هذا العالم ، ونحن مكتشفون ، ولسنا منشئين أو مبتدعين أو مخترعين أو صانعين لقصة حياتنا الأرضية ، ... وكلنا بهذا المعنى " كولمبس " يشق طريقة فوق العباب نحو أرض جديدة ، لابد أن تبصرها عيناه .

لقد أعطى اللّه كورش اسم قبل أن يولد بمائة وخمسين عاماً ، وقد حير هذا النقاد العصريين ، الذين ظنوا أن إشعياء من الأصحاح الأربعين حتى آخر السفر ، كتبه كاتب آخر جاء بعد إشعياء ، وبعد كورش ، وهم لا يستطيعون أن يدركوا كيف يذكــر اسم الملك قبل أن يولد بهذا الوقت الطويل ، ... وهم قد جهلوا ما قاله الرسول يعقوب عندما ذكر : " معلومة عند الرب منذ الأزل جميع أعماله " .. " أع 15 : 18 " وما التاريخ البشرى إلا درج ملفوف يكشف اللّه جزئياته كل صباح ومساء ، ألم يذكر النبى وهو يقف أمام يربعام الملك : " هكذا قال الرب هوذا سيولد لبيت داود ابن اسمه يوشيا ويذبح عليك كهنة المرتفعات الذين يوقدون عليك ، وتحرق عليك عظام الناس " " 1 مل 13 : 2 " ؟ .. قيل إن النبوة الخاصة بكورش ، قرئت أمامه ، وسر بها ، وهلل لها ، ورآى فيها . صوت السماء الذى يتعين عليه أن يطيعه ، ... ومن ثم دعى الرجل بهذا المعنى " مسيح الرب " ، أو الممسوح لرسالة معينة ، وكم يكون طيباً بعد ذلك أن تعطى قصته لنا الدروس العظيمة التالية :



كورش من هو :

كان كورش بن قمبيز الأول ، وقد ورث عن أبيه مملكة صغيرة لكنه حولها إلى الإمبراطورية الفارسية العظيمة ، وقد كتب عنه زينفون وهيرودت ومن الكتابات اليونانية عن كورش نجد أن اليونانين يمجدون الرجل ويعظمون خصاله وصفاته ، فهو عندهم من الأمثلة القليلة النادرة فى التاريخ فى الشجاعة ، والحلم ، والكرم ، والسماحة ،والحكمة ، وقد تزوج ابنة داريوس المادى ، والذى اشترك معه فى الهجوم على بابل ، وكان كورش يحمل توقيراً كاملا للرجل ، ولم يخلف حموه ورثة ذكوراً فأصبح كورش وارثاً للملكة المادية بدون إراقة دماء ، وكانت هذه المملكة تمتد إلى أشور وما بين النهرين وسوريا وكبدوكية ، .. كما امتد ملكه فى آسيا الصغرى ، واستولى على ليديا التى كانت أغنى مملكة فى ذلك الوقت ، وكان ملكها كريسوس يفاخر بأنه أغنى وأسعد إنسان على ظهر الأرض ، إلى درجة أنه كان يفتح خزائنه وكنوزه ليأتى الناس من مشارق الأرض ومغاربها ، ليروا عظمته ومجده ، وقيل إنه دعا ، لهذا السبب ، صولون الحكيم اليونانى ، ووجه له الســـــؤال : " من يظن أنه أسعد إنسان على الأرض " ، وهو يظن أن صولون سيسارع بالقول إن كريسوس هو أسعد إنسان ، ... وحدثهم صولون عن أناس عاديين ، عن تلوس الأثينى الرجل الذى عاش هادئاً سعيداً فى بلاد اشتهرت بالعدالة والحق ، ودافع عن بلاده ، وترك أولاداً أبرراً أوفياء ، وعن كليبوس وبيتوس الأخوين اللذين من أرغوس ، وكانا من ذوى الثروة والجاه والقوة ، ولكن فضيلتها الكبرى كانت حبهما الشديد بعضها لبعض ، ولأمهما ، ... وقد أركباها مرة عربة ، وإذ لم يجدا خيلا لجرها جر كلاهما العربة ستة أميال ، وماتا من الإعياء ، فطوبتها النساء ، وأثنى الرجال على ولديها ... وساء كريسوس أن يفضل صولون عليه هؤلاء ... ولكن الحكيم اليونانى أجاب : إن السعادة ياسيدى ليست فى الذهب أو الكنوز ، فكم من أصحابها أشقياء ، كما أنها قد تنتهى فى لمح البصر ، ... وفقد كريسوس ابنه الوحيد ، أثر حادث صيد ، ودخل كورش مملكته، وأمر بحرقه ، ... وعندما وضعوه على كومة الخشب ، صرخ : صولون ... صولون!!... وإذ استمع كورش إلى القصة عفا عنه ، لئلا يحدث مع كورش ما حدث مع الرجل !! ... ومن المعروف أنه فتح بابل مع داريوس بحيلة عجيبة ، إذ حول نهر الفرات إلى مجرى آخر ، ودخل المدينة من مسار النهر ، الأمر الذى لم يخطر ببال بيلشاصر على الأطلاق . كان على أيه حال الرجل الذي تصوره الميثولجيا اليونانية كالملك السوبرمان العظيم !! ..



كورش واسمه :

ما من شك بأن قمبير الأول أبا كورش ربما هو الذى سمى ابنه بهذا الإسم أو ربما شاركت أمه " ماندين " ابنة استايجيس الملك المادى فى إعطاء الاسم ، أو ربما جاء الاسم على عادة الملوك من اختياره هو !!! ... لكن الحقيقة الثابتة أن هذا الاسم ، سواء نطق به أبوه أو أمه ، أو أى شخص آخر استحسنه كان من اللّه..، والاسم عند اللّه قوام الشئ أو الشخصية ، ففى المزمور المائة والسابع والأربعين ، ... هذه الكواكب التى يعجز العلماء عن عدها وإحصائها ، مهما أوتوا من خارق الفهم والمعرفة ، ليست معدودة عند اللّه فحسب بل كل واحد له اسمه : " يحصى عدد الكواكب يدعو كلها باسماء " " مز 147 : 4 " ... وهو نفس الأمر الذي قاله إشعياء : " ارفعوا إلى العلاء عيونكم وانظروا من خلق هذه ؟ من الذى يخرج بعدد جندها يدعو كلها بأسماء؟ لكثرة القوة وكونه شديد القدرة لا يفقد أحد " " إش 41 : 26 " وليس الأمر قاصراً على الكواكب أو النجوم أو ذلك العالم العجيب الذي يملا الفلك ، بل كل صغير مهما صغر شأنه ، وكل دبيب على الأرض ، ليس معروفاً عند اللّه فحسب ، بل له كيانه واسمه أمام الإله العلى ، وأكثر من هذا وذاك ، أو قبل هذا وذاك أسماء المؤمنين ، فأسماءونا عند اللّه كل واحد على حدة ، ... ألم يقل السيد المسيح : " بل أخرجوا بالحرس أن أسماء كم كتبت فى السموات " " لو 10 : 20 " ... " فيدعو خرافه الخاصة بأسماء " ؟ " يو 10 : 3 " ويقول الرسول بولس : " نعم أسألك أنت أيضاً باشريكى المخلص ساعد هاتين اللتين جاهدتا معى فى الإنجيل مع اكليمندس أيضاً وباقى العاملين معى الذين أسماؤهم فى سفر الحياة " " فى 4 : 3 " … فإذا ذكرنا هذا كله تبدوا أمامنا قصة الوجود العجيبة ، لا فرق فيها بين أكبر كوكب ، وبين النملة الصغيرة التى تدب على الأرض ، كلها مدرك ومعروف ولا تغيب عن عين اللّه ، …وكلها لها سفرها الخاص بين يديه تعالى ، وهى مهما تسامت عن عد الذهن البشرى ، فإنه يتعامل مع كل واحد منها على حدة . بل لعله من المناسب أن نشير إلى أنه بالقياس إلى اللّه جل جلاله ، ليس هناك كبير تجاهه ، فأكبر كوكب والنملة الصغيرة هما صغيران إلى درجة العدم بالنسبة له ، ولا فرق بين حجميهما بالنسبة لمالئ السموات والأرض، … وفى الوقت عين فإنهما مهما صغرا بهذا المعنى ، فهما كبيران من حيث الاهتمام والعناية بها !! ..



كورش ولقبه :

إن الصورة التى تعطى لنا عن قصة كورش : " لقبتك وأنت لست تعرفنى " " إش 45 : 4 ".. وهى الحقيقة الثانية التى ينبغى أن نتوقف تجاهها ، فكورش لم يخرج إلى عالم الوجود ، ليعطى اسماً فحسب ، بل أكثر من ذلك ليعطى لقب الملك ، ونحن هنا ندخل فى دنيا الألقاب .. ولعله من المثير أن ندرك أن لقب " الملك " ولقب " البواب " ، لقب " القائد " ولقب " الجندى " ، لقب " الوزير " ولقب " الخفير " هذا الألقاب كلها معينة من اللّه ، ... وقد وعظ الواعظ الأمريكى " هوراس بوشنل " عظة مشهورة عن هذه الحقيقة وهو يعظ عن كورش ، تحت عنوان : " حياة كل إنسان خطة إلهية " ، والكتاب المقدس لا يترك أدنى شك فى ذلك ، فالمسيح أوضح هذه الحقيقة : بالنسبة لشخصه أمام بيلاطس البنطى فى قوله : " لهذا قد ولدت أنا . ولهذا قد أتيت إلى العالم لأشهد للحق " " يو 18 : 37 " .. وأنت إذا تابعت إبراهيم ويعقوب ، ويوسف ، وموسى ، وصموئيل ، وبولس ، وغيرهم - ستجد هذه الحقيقة واضحة المعالم ، ثابتة الكيان ... ويرى هوراس بشنل ، أن هذه الحقيقة قد تكون خفية بالنسبة للبسطاء والدهماء من الناس ، والمجهولين وغير المعروفين من بنى الإنسان ، ... لكن الحقيقة ليست قاصرة ، على العظماء ، بل تشمل أصغر الناس أيضاً !! ... وهذا يعطى إثارة ما بعدها إثارة للذهن البشرى ، ... إذا نحن نمثل أدوارنا على المسرح الإنسانى فى رواية رسمها اللّه ، وخططها لكل واحد منا ، ... والدور مهما يكن صغيراً أو كبيراً ، فإنه عظيم أمام اللّه ، متى أداه الإنسان بأمانة بين يديه تعالى ، ... قال يوحنا المعمدان عن نفسه إنه ليس أهلا لأن ينحنى ويحل سور حذاء يسوع المسيح ، ... وشهد السيد فى نفس الوقت ، أنه لم يقم بين المولودين من النساء من هو أعظم من يوحنا ، ومن الملاحظ أن مجئ يوحنا كخادم للمسيح ، وسابق لميلاده بشهور قلائل ، كان جزءاً من الخطة الإلهية التى عينت له دوره المرتبط بدور المسيح ، ولأجل ذلك لم يأت ابن زكريا وأليصابات ، كما كان يحلم أبوه وأمه فى شباب حياتهما ، بل تأخر ميلاده ، لارتباط رسالته بيسوع المسيح ، ... والخطة الإلهية ، كما ينبغى أن تفهم ، محددة لكل شخص ومعينة ، ومضبوطة له ، من وجهتين ، فدوره على المسرح لا يختلط بدور غيره ، وكما يحدد المؤلف أو المخرج الكلمات أو الحركات أو الإشارات أو الأعمال الخاصة ، ولا يجوز لغيره أن يفعلها ، هكذا حدد اللّه لكل واحد منا نهج الحياة الذي سيسلكه ، واتساع الدور أو ضيقه ، وظهوره أو اختفاؤه أمام الآخرين ، ... لكن الوجهة الثانية أن الدور مرتبط بأدوار الآخرين أيضاً ، فالمرء منا لا يظهر على مسرح الحياة مستقلا منفرداً بنفسه ، بل سيظهر فى علاقته بأدوار الآخرين أيضاً ، ... وعلى هذا الأساس وضع المؤلف الأعظم الرواية ويخرجها بالنسبة لكل واحد منا ، وموقعه فى التاريخ أو الظروف أو الأحداث أو العصور أو الأجيال ، ... وليس لأى إنسان منا أن يتفاخر أو يتذمر على حظه فى رواية الحياة ، ... وكلنا أشبه بالقصة القائلة إن الورق والقلم والحبر تشاحنت أيها أعظم فى الرواية المكتوبة ، واستمع المؤلف إلى المشاحنة وابتسم لأنها جميعاً لا تستطيع أن تعمل شيئاً بدونه هو ، ... إذ هو الصانع والجامع والرابط بينهما ، وجمال الرواية لا يقف كثيراً عند ورق الكتاب أو نوع القلم أو الحبر الذى كتبت به ، بل يرجع أولا وأخيراً إلى المادة التى أخرجها ذهن المؤلف أو صنعها بعبقريته وفهمه !! .. إن أية مهنة على هذا الأساس تصبح مقدسة متى فهمناها بهذا المعنى ، وأى تعاون مع الآخرين يضحى أمراً الهيا ، متى أدركنا هذه الحقيقة ، ... بل حتى نوع الرواية تظهر عظيما ومثيراً مهما كان لونه الدرامى أو التراجيدى أو المسر أو المبهج ، أو ما أشبه من ألوان المسرحيات المختلفة فى الحياة ، ... ولا يجوز لأى إنسان أن يلعب دوره برخاوة أو إهمال أو كسل أو سلبية ، ... ومع أننا لا نستطيع أن ننفذ إلى ماوراء الستار لنرى ما هو المطلوب منا بالضبط ، ... وهل نجحنا فى إتمام الدور الإلهى فى حياتنا ، غير أن المثل الأوحد و الأعلى للنجاح هو شخص المسيح ، الذى قال على الصليب ، " قد أكمل " ، ويعتقد ، برشنل بأننا نستطيع الوصول إلى أعلى قدر من النجاح إذا تجنبنا بعض السلبيات وسلكنا فى الإيجابيات المطلوبة منا ، فيركز فيها على :

1- عدم الانفرادية : إذ لا نستطيع أن نفهم الخطة الإلهية ، فى انفراد عن اللّه أو الاستقلال بعيداً عن شيئين ، وما ذكره بوشنل عندما وعظ هذه العظة فى القرن الماضى ، منذ أكثر من مائة عام يتفق مع ما نادى به بلى جراهام ، عندما جاءه إنسان مخمور ، يقول له : لقد صنعت نفسى بنفسى ، وقال جراهام : الحمد للّه أنك لا تحمل اللّه مسئولية سكرك !! .. ومع أنه من أدق الأمور وأصعبها أن نفهم كيف يترك الإنسان مختاراً نعمة اللّه ، يصنع شره وسكره وعربدته ، إلا أنه واضح من قول الرسول بولس فى الأصحاح الأول من رومية : إن هناك نوعا من الاستبدال أو الاستحسان الذى يلجأ إليه الأشرار : " الذين استبدلوا حق اللّه بالكذب ... وكما لم يستحسنوا أن يبقوا اللّه فى معرفتهم أسلمهم اللّه إلى ذهن مرفوض ليفعلوا مالا يليق " ... " رو 1: 25 و 28 " فهل فى هذا الاستبدال أو الاستحسان ، ... ما يعنى أنه كانت هناك خطة إلهيه رسمها اللّه أولالهم ، ولكنهم رفضوها ، ... تلك مسألة يتركها متى هنرى للنزاع بين المدارس اللاهوتية المختلفة ، غير أننا نستطيع تبسيط الفكر إذا ما تمشينا مع أحد رجال الدين الذى صور رجلاً فى حلم ، يأتى إليه أحدهم ويسمعه نوعان من الموسيقى العظيمة الرائعة ، وإذ يسأل : من هو الموسيقى العظيم الذي وضع هذا اللحن ؟ . فيأتى الجواب: إنها موسيقاك أنت ، ولكنه يتعجب وهو يجيب : كلا ، فانا لا أعرف فى حياتى شيئاً من هذه الموسيقى .. ثم ينقله إلى كتاب يقرأ منه صفحات ممتازة !! .. ويقول هو إذ يسمع : ياله من مؤلف عظيم !! .. هل تعرف من هو هذا المؤلف !! .. فيقال له : أنت.. وإذ يجيب : أنا لم أكتب فى حياتى كتاباً ، وبالأولى لم أكتب مثل هذا الكلام على الإطلاق !! .. ثم ينقله إلى صور متعددة من ألوان الحياة وإذ يتعجب إذ أنها تنسب إليه، وهو لم يعرفها أو يرها ، يأتيه الجواب : إنك أنت فى هذه كلها كما قصد اللّه لك أن تكون ، ولكنك تخلفت لتأخذ الواقع الذي وصلت إليه !! ... إن أكبر مأساة يتردى فيها الشرير ، هو أنه بالذهن المرفوض الذى أسلمه اللّه إليه ، يستبدل كل شئ مجيد بما هو أسوأ وأحط وأشر وأقسى وأتعس !! ..

2- والصورة الثانية التى يشير إليها بوشنل هى عدم التقليد إذ إن اللّه خطط حياة كل واحد على حدة ، فليس هناك إنسان يمكن أن يكون نسخة كاملة من إنسان آخر ، وليس من الجائز أن آخذ أفكار الآخرين أو عواطفهم أو اختباراتهم أو أعمالهم كنموذج كامل لما يمكن أن يحدث معى ، إذ أن للّه وسائل متعددة خاصة بكل إنسان على حدة ، ... وأعمال اللّه ، ولو أنها قديمة منذ الأزل ، إلا أنها جديدة مع كل إنسان ، ... ويتفق الكثيرون مع الواعظ المذكور ، ويقولون إنه من الخطأ البين ، أن يكون اختبارى فى التجديد مثلا اختبار إنسان آخر بالضرورة ، فقد يأتى التجديد هادئاً عند واحد ، وعنيفاً عند آخر ، وملحوظاً من الناس عند ثالث ، وهكذا ، واللّه لا يتقيد بأسلوب واحد في معاملة أولاده جميعاً ، .. ومن واجبنا أن نتقبل معاملة اللّه الشخصية لكل واحد منا .

3- والسلبية الثالثة التى يشير إليها بوشنل " عدم التذمر " إذ لا يجوز أن أتصور أننى يمكن أن أكون أفضل لو أن ميلادى أو تدريبى أو أعمالى أو صعابى كانت تختلف عن الواقع الذى أعيشه ، .. فهذا كله خطأ كامل ، إذ أن الموازنة كلها بين الخدمة والإمكانيات بين يدى اللّه الذى يعرف كل الظروف ومتطلباتها !! ..

4- والسلبية والرابعة : عدم الشك ، فى أن اللّه إذ يعطينى الرسالة المعينة لن يمتنع عن كشف الخطة لى واقناعى بها ، وهو لن يكشف لى الخطة كاملة منذ الدقيقة الأولى، بل سيقودنى حتما ويرشدنى يوما وراء آخر ، من واجبى أن أكتفى بما يريد إعلانه لى، وأتبعه فى الطريق !! ..

ومن الواجهة الإيجابية يضع بوشنل بعض المبادئ التى تساعد الإنسان على إدراك المشيئة الإلهية فى الحياة .

1- وأولها طبيعة اللّه نفسه، فأنت لا تتوقع أو تنظر أن يقودك اللّه فى طريق لا تتفق مع طبيعته ، وأنه يكون من الختل والخطأ أن تتصور خطة يوافق عليها اللّه وهى ضد مشيئته وكمالاته الإلهية .

2- واستمع لصوت الضمير ، وانصت جيداً إلى ما يقول ، ودرب هذا الضمير ليكون دائماً بلا عثرة أمام اللّه والناس .

3- تأمل نواميس اللّه وكلمته المكتوبة ، فهى مرشد أمين فى الطريق لإنسان يستطيع أن يقول : " غريب أنا فى الأرض لا تخف عن وصاياك " " مز 119 : 19 "

4- كن دقيق الملاحظة للعناية الإلهية التى تستطيع أن تستمع إلى صوتها فيما يدربك اللّه عليه ، وتستطيع أن تتعلم الكثير من دروسها .

5- استمع إلى نصيحة الأصدقاء الخبيرين فى معرفة الطرق الإلهية ، وستجد منهم إرشاداً كبيراً لما سبق أن اختبروه فى معرفة السبيل الإلهى فى الحياة ..

6- وإلى جانب هذا كله إلجأ إلى اللّه واطلب ، بعمق ، مشورته وإرشاد روحه القدوس فيك !! ... والذين تعودوا الارتماء بالإيمان والصلاة فى حضرة اللّه ، سيجدون الطريق الحكيم العظيم السماوى ، وإذا كان اللّه قد أعطى كورش خطته ، وهو رجل وثنى ، فبالأولى سيعطيها اللّه لى ولك نحن الذين انتهت إلينا أواخر الدهور !! ..



كورش وقوته :

إن اللّه لم يلقب كورش فحسب ، بل نطقه أيضاً : " نطقتك وأنت لم تعرفنى " " إ 45 : 5 " ... أى أعطاه القوة على ما يواجه من صعاب أو مشكلات . وقد صورها اللّه فى القول : " الذى أمسكت بيمينه لأدوس أمامه أمماً وأحقاء ملوك أحل لأفتح أمامه المصراعين والأبواب لا تغلق ، أنا أسير قدامك والهضاب أمهد . أكسر مصراعى النحاس ومغاليق الحديد أقصف " .. " إش 45 : 1 و 2 " إن اللّه سر قوة الإنسان من كافة الوجوه ، هو سر قوة الجسد والنفس والروح فينا ، إنه اللّه الذى به نحيا ونتحرك ونوجد ، فالجسد الصحيح أو العليل ، والذهن المقتدر أو الضعيف ، والروح الخامدة أو النشطة تعتمد جميعها على اللّه أولا وأخيراً ، ... وقوة الإنسان الأسرية ، من حيث عظمة البيوت أو ضآلتها ، وثروتها أو فقرها وعزها أو هوانها تحكمها الإرادة الإلهية فى كل شئ وقوة المجتمع أو تفككه ، وقيام الدول أو سقوطها ، وما يمكن أن تبلغه الأمة من ثروة أو مجد أو سلطان أو نفوذ أو قوة اقتصادية أو عسكرية أو عملية ، كل هذه يسيطر عليها السلطان الإلهى ، ... لقد نجح كورش بالقوة العسكرية مرات ، وبالحكمة المسيطرة دون إراقة دم مرات أخرى ، ووجد الطريق أمامه مفتوحاً دون جهد ، مرات ثالثة ، وذلك لأن سيد السماء أمسك بيمينه ، ونطقه ، وسار أمامه ، ومهد الهضاب والمشكلات ، ... وهو ما يفعله معنا على الدوام ، عندما يأخذ بأيدينا كما نأخذ بأيدى أولادنا الصغار ، ونفتح أمامهم السبيل ، والطفل فى حد ذاته لا يملك من الفهم أو المقدرة يجعله يتقدم هنا أو هناك فى الطريق الطويل البعيد الذى يسلكه ، وهو فى حاجة إلى اليد القوية التى تمسك به ، وتحميه من المهالك والأخطار ، وتدفع عنه الشرور والمتاعب ، وتنظم له ما يعجز هو عن إدراك تنظيمه وترتيبه ، كان كورش طفلا فى يد اللّه ، ... وهكذا أنت وأنا فى نطاق جهدنا ، وأمام معركة الحياة التى نواجهها أو نخوضها ، والانتصار الذى نبلغه أو نصل إليه !! .



كورش وثروته :

" وأعطيك ذخائر الظلمة وكنوز المخابى " " إش 45 : 3 "... إذ ساق إليه ما لم يكن يحلم به أو يتصوره من ثروات وكنوز ، . وإذا كانت مملكة ليديا والتى كان كريسوس ملكها يملك من الخزائن ما لا يخطر ببال إنسان ، قد خضعت له وأضحت واحدة من أملاكه فكم تكون كل الثروات التى تجمعت تحت يديه ، ... والسؤال الذى لابد منه هنا . هل جاءت الثروة كأسلاب حرب نتيجة جهد لكورش أو تدبير أو اقتصاد أو ما أشبه ؟ .. وهل تبنى ثروات الأمم نتيجة عبقريات رجال المال أو قدرة الاقتصاد فيها !! ؟ .. أو خزائن الطبيعة التى قد تكون فى أرضها وجبالها !! ؟ .. إن الجواب السهل على هذه كلها أنها قد تكون بهذا العامل أو ذاك أو غيره مما يقع تحت ذهن الناس أو أيديهم !! ... ولكن هذا الجواب ، إذا توقف عند هذا الحد يكون قاصراً أبلغ القصور ، ضعيفاً عن مواجهة الحقيقة الصادقة الصحيحة !! .. إن الثروة هى عطية مباشرة من اللّه ، " وأعطيك " .. وهى عطية تكشف عن المخبوء والخفى ، إذ أن المال بطبيعته ، يختفى داخل الأرض أو الخزائن .. فهو ذخائر الظلمة وكنوز المخابئ ، .... وحفظ الإنسان من الفقر أو الغنى لا يخضع للجهد البشرى ، أو القدرة الاقتصادية ، أو هذا أو ذلك من القواعد التى تحكم سعر الذهب أو الدولار أو ما أشبه من عملات ، بل يخضع أولا وأخيراً لسلطان اللّه : " ولئلا تقول فى قلبك قوتى وقدرة يدى اصطنعت لى هذه الثروة بل اذكر الرب إلهك أنه هو الذى يعطيك قوة لاصطناع الثروة " " تث 8 : 17 و 18 " لا تتعب لكى تصير غنياً ، كف عن فطنتك هل تطير عينيك نحوه وليس هو . لأنه إنما يصنع لنفسه أجنحة كالنسر يطير نحو السماء " " أم 23 : 4 و 5 " .. ذهب شابان أمريكيان ليبحثان عن الذهب ، وبعد جهد ، ضاق أحدهما بالبحث ، ورمى بالفأس ، وهجر المكان ، وبعد ساعة واحدة من رحيله عثر الآخر على الذهب ، وكان الذى رحل هو الكاتب الأمريكى مارك توين الذى احترف الكتابة ، وأصبح واحداً من أشهر الكتاب الأمريكيين ، .. إن أنصبة الناس وحظوظهم ومدى ما يبلغون فى القصة الأرضية ، إنما يرجع أولاً وأخيراً إلى يد اللّه التى تعطى ذخائر الظلمة وكنوز المخابئ!! .



كورش ورسالته :

وهذا آخر ما ننتهى به فى قصة الرجل ، إن كتاب التاريخ من اليونانيين الذين رصدوا قصته ، ركزوا على مجده العظيم ، وعبقريته العسكرية ، وعلى مملكته التى اتسعت فوصلت إلى بحر إيجه من الغرب ، وامتدت فى الشرق إلى المدى البعيد ، وغطت ما كان يطلق عليه مملكة آشور وبابل ، .. غير أن الوصف العبرانى للقصة لم يحفل بشئ من هذا كله ، .. فإن القصد الإلهى من القصة كان مركزاً فى شئ آخر ، إن هذا الرجل ، هو الرجل الوثنى الوحيد ، الذى أطلق عليه عبارة : " مسيح الرب " أو الممسوح من اللّه لرسالة معينة ، .. لقد كانت رسالته أن يعيد الشعب من السبى ، ويمكنه من بناء مدينته ، وهيكل اللّه ، .. كانت رسالته ، - وهو لا يعرف أو يدرى - إتمام مجد اللّه ، فى وقته وعصره ، .. ومن الغريب أن هذه هى رسالة الإنسان وهو لا يدرى فى خدمة القصد الإلهى ، حتى ولو لم يكن مؤمناً ، أو له شركة مع اللّه من كافة الوجوه !! .. ومن الثابت أن ملوك الأرض ورؤساءهم وعامتها ، ومواكب الأجيال ، مهما احتدم فيها الصراع ، أو تقلب أو تغير ، فإنها تسير وفق خطة أو خط أبدى ، حتى تنتهى الأرض وما عليها ، ويصبح ما فيها جميعاً ملكاً للرب ولمسيحه إلى الأبد !! .. آمين .

elraiek G
09-16-2010, 07:11 PM
( 48 )

أحشويرش

" فى تلك الليلة طار نوم الملك "

" أس 6 : 1 "


مقدمة

هل قرأت ما كتبه الشاعر الغربى عن المسمار الذى ضاع من حدوة الحصان ؟ ، وإذ ضاعت الحدوة ، ضاع الحصان ، وإذ ضاع الحصان ضاع راكبه ، وإذ ضاع الراكب ضاعت المعركة ، وإذ ضاعت المعركة ضاعت المملكة ، وكل ذلك بسبب الحاجـــة إلى المسمار الذى كانت تحتاج إليه حدوة الحصان !! .. وما أكثر ما تنجم أعظم النتائج من أصغر الحوادث وأتفهها ..

فى الليلة التى أعد فيها هامان خشبة ارتفاعها خمسون ذراعاً ليصلب عليها مردخاى المسكين ، .. فى تلك الليلة طار نوم الملك ، وتغير كل شئ ، وانقلبت الأوضاع ، إذ أن الملك لم يطلب - والنوم بعيد عن عينيه - الموسيقى الرقيقة ، أو النساء المحظيات .. ، أو الخمر أو غيرها مما يمكن أن يسليه عن النوم المستعصى على عينيه ، ولكنه طلب سفر تذكار أخبار الأيام ، ليتذكر ما فعل مردخاى ، وكيف لم يكافئه عن عمله ، .. وكيف أن هذا أنقذ الشعب الذى حكم عليه بالإعدام وهو لا يدرى ، وغير وجه التاريخ بما رتب لإنقاذه كل هذا حدث لأنه فى تلك الليلة طار النوم من عينى الملك ، .. ومن العجيب أن هذا الرجل الذى طار النوم من عينيه ، كان فى واقع الحال وحشاً من أقسى الضوارى التى ظهرت على الأرض ، ويصنع اللّه معه معجزة خارقة فلم تكن المعجزة سوى النوم الذى طار من عينيه ، .. وهكذا يتدخل اللّه بعنايته العجيبة ، ليصنع بأبسط الوسائل أضخم الأمور وأعظمها فى حياة الناس ، ولعلنا بعــد ذلك نستطيع أن نتابع القصة من نواح متعددة !! ..



من هو أحشويرش :

من المسلم به أن أحشويرش هو الملك الفارسى المسمى " أكزركسيس " أو زركسيس " وأن هذا الاسم الأخير فى الأصل اليونانى هو الاسم المختصر للاسم الأول، وقد حكم عشرين عاماً ما بين 485 - 465 ق. م ، وقد كان مشهوراً بجماله الطبيعى مع الكبرياء والعناد والاندفاع والقسوة ، على نحو يكاد يكون بلا مثيل بين طغاة الأرض ، وجبابرتها العتاة ، وقد بدأ حكمه بإتمام غزو مصر الذى بدأه أبوه داريوس ، ثم عاد إلى بلاده ليعد لغزو اليونان التى كانت قد وصلت فى ذلك التاريخ إلى القمة فى العظمة والحضارة والمجد والمعرفة .. وذلك بعد أن خضعت له آسيا بأكملها من الهند إلى كوش ، ليتحقق له إخضاع أوربا بأكملها ، وليصل - على حد قوله - بالحدود الفارسية إلى آخر ما تصل إليه سماء اللّه !! .. وقد استمر ثلاث سنوات يجهز الجيش اللازم للمعركة ، وقيل إنه أمكن أن يعد أكثر من خمسة ملايين مقاتل ومدنى للقتال ، على رواية هيرودتس ، وإن كان المؤرخون المحدثون يعتقدون أن هذا العدد مبالغ فيه ، وأن الجيش كان حوالى مليون وخمسمائة ألف مقاتل ، .. وأقام جسراً على الدردنيل ليربط آسيا بأوربا التى يزمع إخضاعها ، وعندما هاجت الزوابع وكسرت الجسر أمر بقطع رؤوس المهندسين الذين عملوه ، وجلد البحر ثلثمائه جلدة ، وفى فريجيه توسل إليه بسياس العجوز ( وقد قدم خمسة من أولاده للذهاب إلى الحرب) أن يعفى الأكبر ليبقى مع أبيه ، فما كان منه إلا أن شطر الولد إلى شطرين ، وأمر الجيش أن يمر بين شطرى الجثة !! .. وقد فعل شيئاً آخر يكاد يكون مماثلا لهذا الأمر ، إذ أن صانع السهام ، أراد أن يجرب سهماً ، وكان ابنه ساقى للملك ، ( يقدم الكأس للملك ) ، فجربه فى ابنه بأن أنشبه فى قلبه ، وسر الملك ، وسمح له أن يقبل يديه مكافأة له على ما فعل !! .. هذا هو الرجل االذي يبدو وحشاً ضارياً ، وهو صورة شاء اللّه أن يقدمها لنا ، ويقدم الكثير من أمثالها فى كل العصور ، لكى نعلم أن اللّه متسلط فى مملكة الناس ، ... ألم يقتل الإسكندر الأكبر أعظم قواده المحبوبين بارامنو ؟ ، وألم يرسل هيرودس الكبير زوجته الجميلة المحبوبة ماريمينه إلى الموت ؟ وألم ينه نيرون حياة أمه أغربيانا . والفيلسوف سينكا ، وعشيقته بوبيا الجميلة التى ظل يركلها بقدميه حتى لفظت أنفاسها ؟ ... وذهب هؤلاء جميعاً ليبقى الحاكـــم العادل الذى هـــــو ديان الأرض كلها ويصنع عدلا !! ..



أحشويرش وزوجاته :

وكان الأحرى أن نقول " أحشويرش والمرأة " ، إذ أن هذا الرجل كانت له زوجات عديدات ، كل واحدة فى نوبتها ، كما يشتهى الملك ويشاء ، وكان قصر الحريم عنده صورة رهيبة عجيبة ، يحكمها الأمر وقضيب الذهب فإذا ذهبت واحدة فى غير موعدها، أو دون أن تؤمر ، فأمرها واحد ، هو الموت البشع ، .. ولقد ذكر عنه ذات مرة ، كما تقول رواية تاريخية أو تقليدية ، إنه سمح لواحدة من الزوجات بأن تشوه منافستها أمامه ، فما كان منها إلا أن مزقت صدرها ، وأنفها ، وأذنيها وشفتيها وألقت بها للكلاب ، واجتثت لسانها من الأساس ، وأرسلت الجثة مشوهة المعالم إلى بيتها ..!! قد يجرب المرء عندما يسمع أو يقرأ عن قصر تحول إلى ما يشبه الغابة ، ممتلئاً بالحيات السامة ، والإناث من الوحوش التى تكيد الواحدة للأخرى بالضرر والموت ، إن العناية يمكن أن تبتعد أو ترفض الدخول إلى مثل هذه المجتمعات ولكن العكس صحيح ، إذ أن اللّه يحكم كل شئ بسلطانه الأبدى العظيم ، وهو يسيطر على الخطأ أو الصواب على حد سواء !! .. فإذا كان الملك يقيم حفلا تاريخياً باذخاً ، يجمع إليه جميع الشعوب ، ويقال إنه كان وقتئذ يعد لغزو اليونان ، وهو لذلك يكثر من الخمر والشراب، وأذا هو يشرب ويشرب ، ويشرب معه العظماء والسادة ، وفى لحظة يفقد فيها ميزانه العقلى ، يأمر أن تأتى الملكة فى جمالها البارع ، لكي تظهر فيما يشبه العرض على الحاضرين ، وأذا بالملكة الشجاعة النبيلة ، ترفض أن تظهر أمام العيون المبتذلة المخمورة ، وإذا هو يجرح فى كبريائه ، وييستشير المخمورين معه ، فيما يفعل تجاه الكبرياء الجريحة ، ويأمر بخلع الملكة ، ويصدر قراراً أن الرجل يحكم المرأة فى البيت، .. كأنما الحكم فى البيوت يحتاج إلى قانون ملكى ليسيطر الرجل على المرأة فيه!! .. وإذا بالملك يهدأ بعد الغضب ويحن إلى وشتى ، وهو لا يستطيع أن يرجعها ، ... وهو فى حاجة إلى من يملأ الفراغ بمن تكون أجمل وأعظم ، وإذا بمباراة تعقد بين ملكات الجمال ، لتفوز فيها فتاة يتيمة من شعب مغمور ، تستولى على مشاعر الملك ، وتفرض عليه سلطان جمالها الطاغى ، وتقف دون منازع بين مثيلاتها فى القصر الملكى ، ... فإذا كانت المؤامرة التى ستقع على الشعب ، كما هو ثابت فى الكلمة الإلهية كانت فى الثانية عشرة من حكم الملك ، فإن خلع وشتى ، لتحل محلها أستير ، كان قبل ذلك بسنوات تقترب من العشر ، وتسبق العناية الخطأ والصواب معاً ، وتجهز سبل النجاة قبل أن يقوم الخطر أو يعرفه أو يدركه إنسان على وجه الإطلاق !! ... حقاً إن اللّه يحكم ويسود فى كل العصور والأجيال ، يستوى فى ذلك عصور الديكتاتورية والطغيان ، أو أرقى العصور حيث يسود القانون ، وتأخذ العدالة مجراها بين الناس،... لقد حكم اللّه وساد أيام فرعون ، حيث لا يجد الشعب البائس ملاذاً يلوذ به من التسخير والاستعباد ، وحيث يصدر الأمر بأن يلقى كل ذكر عبرانى فى مياه النيل !! .. وقد حكم اللّه وساد فى أيام نبوخذ ناصر ، حيث يأمر الملك أن يفسر له أحد حلمه الذى ربما نسيه هو ، ويلزم أن يذكره السحرة والعرافون به ، وحيث الأتون المحمى سبعة أضعاف ليلقى فيه من يخالف أمره ، أو يعصى كلمته ، .. ولقد حكم اللّه وساد عندما جعلت روما لعبتها المفضلة أن ترمى بالقديسين لتتسلى بمنظرهم والوحوش الضارية تمزق أجسادهم ، ... وقد حكم اللّه وساد عندما حول هتلر أوربا إلى بركة من الدم ، وأطلق الحرب العالمية الثانية من عقالها !! .. وفى كل عصور تنطلق الوحوش الضارية ، يمكن أن نسمع صوتاً يقول : " إلهى أرسل ملاكه وسد أفواه الأسود فلم تضرنى " " دا 6 : 22 " ..



أحشويرش وهامان الأجاجى :

من الغريب أن الشعوب تذهب - فى العادة - ضحايا تصرف الأفراد ، وأن المشاكل والمؤامرات والحروب كثيراً ما ثارت ، دون أن تكون هناك ضرورة لقيامها ، فحروب تروادة قامت من أجل امرأة ، وحرب البسوس من أجل ناقة ، والحرب العالمية الأولى من أجل مصرع أمير من الأمراء !! .. وهكذا تأتى النار من مستصغر الشرر ، .. وإبادة شعب بأكمله ، جاء من وراء خلاف بين رجلين ، فهامان الأجاجى وصل إلى مركز رئيس الوزراء ، وقد أكرمه الملك ، باعتباره ممثلاً له ، فأمر بأن ينحنى أمامه الجميع ويسجدون ، غير أن مردخاى اليهودى من حقه أن يحترم الرجل ، ولكن لا يمكن أن يسجد لإنسان مثله ، لأن عقيدته الدينية تمنعه من السجود إلا للّه وحده، وهو يقبل الموت دون أن يسجد للإنسان ، حتى ولو كان أحشويرش نفسه وهنا نقف أمام نقطة هامة ، بل هنا نقول مع مارتن لوثر : " هنا أقف ولا أفعل غير ذلك ، وليعنى اللّه " !! ..

فى مدينة أفسس طلب من فتاة مسيحية فى عصور الاضطهاد ، ألا تفعل شيئاً سوى أن تقدم قليلا من البخور فى المبخرة للآلهة الوثنية .. ورفضت الفتاة ، وهى تقبل أن تحترق، هى بنفسها ، دون أن تتجاوز الخطر الإلهى فى الولاء للّه !! .. وإذا صح أن " تل " السويسرى رفض أن ينحنى بدافع الوطنية أمام قبعة الغاصب المحتل ، وعندما أكره على أن يصوب سهماً إلى تفاحة وضعت على رأس ابنه ، وأى انحراف للسهم قد يقتل الابن فى الحال ، وقبل ، وقد وطن نفسه على أن يجهز سهماً آخر للغاصب لو أن ابنه قتل من السهم الأول ... وإذا صح أن الوطنية دفعت ملايين الناس على الأرض إلى أن يمحوا تراب وطنهم بالدم وأن يدفعوا الغاصب أو المستعمر أو العدو ، ولو قدموا حياتهم رخيصة بلا تردد من أجل الوطن ، ... فكم يكون الأمر إذا تتعلق بعقيدة الإنسان وضميره ، وهو يعيش تحت شعار الأمانة الدينية منصتاً إلى صوت السيد : " كن أميناً إلى الموت فسأعطيك إكليل الحياة " ، ... " رؤ 2 : 10 " هذا هو السبب الذى دفع مردخاى لأن يقف على النقيض من عبيد الملك جميعاً ، الذين كانوا يجثون ويسجدون لهامان ، كأمر الملك ، ... وهذا هو السبب الذي أثار هامان ، وطعن كبرياءه. فى الصميم ، وملأه بالحقد والضغينة والانتقام ، ... وهو فى كل الحالات على النقيض من مردخاى ، رجل وصولى نفعى لا يبحث إلا عن مجده وكرامته وعظمته وثروته ، وهو يصل إليها جميعاً بمختلف الوسائل والأسلحة . والإنسان ، فى الكبرياء ، يعمى عن الحقيقة ، إنه لا يختلف عن أى إنسان آخر ، مهما كان حظه ومركزه ونصيبه من الحياة ، وقد رأى أيوب نفسه لا يختلف عن عبده وأمته فقال : " إن كنت رفضت حق عبدى وأمتى فى دعواهما على ، فماذا كنت أصنع حين يقوم اللّه ، وإذا افتقد فبماذا أجيبه ، أو ليس صانعى فى البطن صانعه ، وقد صورنا واحد فى الرحم " " أيوب 31: 13 - 15 " ..

وقد بلغت كبرياء هامان الحد الذى فيه رأى أن إساءة مردخاى لا يمحوها دمه وحده، بل لابد من أن يكون دم شعبه بأكمله فى كل البلاد هو التعويض عن الكبرياء المجروحة والمساء إليها !! ... أية وحشية يمكن أن تكون كهذه الوحشية ؟ وأية قسوة يمكن أن تصل إلى هذه القسوة ؟ ... وفى الحقيقة أن أى وحش يلغ فى الدماء لابد أن يتوقف عن التعطش إلى الدم ، مهما كانت وحشيته ، ليعطى المكان الأول لهامان الأجاجى وأمثاله فى كل التاريخ ، الذين لا يشبعون من أنهار الدماء التى تفيض أمامهم دون توقف !! .. وقد كان على هامان ليتمم رغبته الوحشية - أن يقدم رشوة للملك أحشويرش وهو لا يكتفى بأن يبرر أن الشعب اليهودى شعب منعزل بسنين مختلفة عن الشعوب ، وهو لا يعمل سنة الملك ، بل إنه سيعطى عشرة آلاف وزنه تقدم لخزانة الملك مقابل هذا القضاء الذى يلزم إتمامه ، ... وما من شك بأن هامان وضع عينيه على ثروة هذا الشعب ، وهى أضعاف مضاعفة لما يقدم لخزانة الملك ، وسيكون له النصيب الوافر من الثروة المحمولة إليه منهم !! .. ومثل هذا الإنسان ليس قاسياً أو راشياً مرتشياً فحسب ، بل هو أكثر من ذلك ، إنسان خرافى يؤمن بالوساوس والخرافات ، ومن ثم فهو يلقى القرعة فى الشهر الأول - أي شهر نيسان - ليقع القضاء فى آخر السنة فى الثالث عشر من الشهر الثانى عشر شهر آزار لإهلاك وقتل وإبادة جميع اليهود من الغلام إلى الشيخ ، والأطفال والنساء فى يوم واحد ، وأن يسلبوا غنيمتهم !! ... ومع أن الملك قد ختم الكتاب إلا أن غيظ هامان من مردخاى وبالمشورة مع زوجته ومشيريه ، لم يستطع أن يصبر إلى الزمن المحدد للقضاء عليه ، بل أسرع ليجعله عبرة منفردة للآخرين ، فصنع خشبة طولها خمسون ذراعاً ليصلب عليها عدوه اللدود !! .. ولم يعلم هامان ، وهو يصنع الخشبة الطويلة ، أن يضعها لنهايته وللقضاء عليه هو ، وفقاً لقول الحكيم : " من يحفر حفرة يسقط فيها ومن يدحرج حجراً يرجع عليه !! .. " . " أم 26 : 27 " وأعتقد أننا فى حاجة إلى مصور بارع يصور لنا هامان الأجاجى ، وهو يلبس مردخاى الذى سر الملك بأن يكرمه ، اللباس الملكى ، ويركبه فرس الملك ، وينادى فى ساحة المدينة : هكذا يصنع للرجل الذى يسر الملك بأن يكرمه !! .. وأعتقد أننا فى حاجة إلى صورة أكبر لذلك الصليب ، وقد أنتزع من فوقه مردخاى ليأخذ هامان مكانه !! إنه اللّه ، صديق البائس والمنكوب والمظلوم ، والبرئ ، يفعل هذا وهو القادر على كل شئ فى كل عصور التاريخ !! ..



أحشويرش وأستير :

تذكرنى أستير بالسؤال الذى وجهته أم كرومويل إلى ابنها ، إذ رأته يقوم بما يشبه الإقدام الجنونى على كثير من الأعمال ، وعندما سألته عن السر فى ذلك ، أجاب : توجد لحظات يا أمى لا يستطيع الإنسان فيها أن يفكر فيما يواجه ، طالما كان أمامه واجب يلزمه بذلك !! .. وكان كرومويل نفسه فى تكريسه حياته للخدمة والواجب ، هو الجواب على سؤال نهض أمامه فى مزرعته عندما أحس أن اللّه يدعوه ، وأن اللّه فى حاجة إلى رجل ، شجاع ، أمين ، بصرف النظر عما يواجه من مشقات ومتاعب وأعوال .. كان السؤال المطـــروح أمام عينيه ، هو ذات السؤال القديم : " من أرسل ومن يذهب من أجلنا ، " " إش 6 : 8 ".. وكان الجواب بدون تردد : " ها أنذا ارسلنى!! . وإذا كانت هناك امرأة بين النساء قد أجابت بشجاعة على هذا السؤال ، فقد كانت أستير واحدة من البطلات اللواتى أجبن ، بعد عمق دراسة ، غير عابئات بالنتيجة، سواء جاءت فى هذا الاتجاه أو ذاك : " فقالت أستير أن يجاوب مردخاى : اذهب اجمع جميع اليهود الموجودين فى شوشن وصوموا من جهتى ولا تأكلوا ولا تشربوا ثلاثة أيام ليلا ونهاراً ، وأنا أيضاً وجوارى نصوم كذلك ، وهكذا أدخل إلى الملك خلاف السنة ، فإذا هلكت هلكت " " إش 4 : 51 و 61 " ومن الواضح أن أستير وجدت من مردخاى تشجيعاً على ما يقال إنه مغامرة انتحارية ، ولعل المبدأ الأساسى فى أية مغامرة أو فى أية رسالة هو موازنة النتيجة ، وهل الفائدة أو الضرر أقوى وأكمل فى الإقدام عليها أو الامتناع عنها ، فإذا كان مجد اللّه معلقاً فى الميزان ، أو إذا كان مصير الكثيرين يمكن أن يرتبط بالمغامرة ، فإن أى بذل لا يمكن إلا أن يكون مكسباً أعلى وأعظم ، مهما كان الثمن الذى يدفع فيه ، ... هل سمعنا عن ذلك الرجل الذى كان يدعو نفسه : الثالث ... وعندما سئل : ومن هو الأول والثانى ... كان الجواب: اللّه أولا : الآخرون ثانيا : أنا ثالثاً !! .. وفى ضوء هذا الترتيب رأت أستير نفسها فى المركز الثالث !! .. بل إن مردخاى يؤكد لها هذا المركز من وجهة أخرى ، فهو يؤكد لها أن صاحب المركز الأول له القدرة ، بها أو بدونها ، على أن يحقق النجاج للشعب !! ... لكنه يريد أن ينبهها إلى أنه هو الذى وضعها فى المركز الذى لم يكن تحلم به على الإطلاق : " لأنك إن سكت سكوتاً فى هذا الوقت يكون الفرج والنجاة لليهود من مكان آخر وأما أنت وبيت أبيك فتبيدون ، ومن يعلم إن كنت لوقت مثل هذا وصلت إلى الملك " " إس 4 : 14 " .. إن السؤال الذى تطرحه هذه القضية علينا أجمعين ، ليس حول الشعب اليهودى فى ذلك التاريخ .. بل فى أمرنا نحن الذين انتهت إلينا أواخر الدهور : ما هى الحياة !! ؟ ما هى الحياة لأستير !! .. وما هى لى أو لك ، نحن الذين تفصلنا عن القصة القديمة : ما يقرب من ألفين وخمسمائة من الأعوام !! ؟ هل الحياة أن يتحول الإنسان من فقير يتيم إلى مركز الملوك ، وينتقل من كوخ إلى قصر ؟ .. ومن الجوع والمسغبة والمشقة إلى حياة المجد وأبهاء الملوك !! ؟ .. هل هذه هى الحياة ؟ إن الجواب بكل تأكيد : كلا !! لأن الفقير والغنى فى رحلتها الأرضية سيسوى بينهما التراب الذى سيتحولان إليه ، ولا يعود يفصل بينهما فاصل ، أو كما قال ديوجين للاسكندر الأكبر عندما أبصره يمسك بمجموعة من العظام وسأله الإسكندر : أية عظام هذه التى معك ياديوجين !!؟ .. وكان الجواب : لا أعلم ، أهى عظام أبيك أو عظام عبيده !! ؟ ... ولو صحت الرواية ، فإن عظام العبيد تختلط بعظام سادتهم ، عندما يعود الناس تراباً إلى الأرض !! ؟ .. ومن ثم فإنها ليست الثروة أو الجاه أو النفوذ أو الأكل أو الشرب الذي يفصل بين إنسان وإنسان !! ؟ ... إن الحياة فى مفهوم مردخاى - لا تزيد أو تنقص عن أنها فرصة فى مملكة الإنسان ، سواء اتسعت هذه المملكة لتصبح من الهند إلى كوش ، أو ضاقت لتصبح مملكة الإنسان فى داخل كيانه الشخص .. وكل على أية حال هو ملك على مملكة ، .. وهناك فى هذه المملكة ، الفرصة التى إذا ضاعت فلن تعود ، والمسئولية هى الحياة تجاه هذه الفرصة ، وهى بحق ما ذكره " دانيال وبستر لما سأله أحدهم عن أهم شئ يواجهه فى الحياة ، فكان جوابه : " هى مسئوليتى تجاه ابن اللّه فى الأرض " !! ... وليس من واجبى تجاه هذه الفرصة أن أسأل فى وقت الموت أو الخطر ماذا ينبغى أن أفعل !! .. لكن واجبى الوحيد أن أسير فى الطريق دون تراجع عن الشهادة أو الاستشهاد ... وهذا هو المعنى النبيل العظيم فى الحياة !! .. كان لأستير المجد العالمى إذ كان لها أعظم ما يمكن أن يصل إليه إنسان فى الأرض من إمتيازات وجوار وخدم وعبيد ، لكن أستير أدركت أن هذه كلها تذهب وتبيد ... وتبقى القصة خالدة بما يقدم الإنسان من عمل لمجد اللّه ولخير الآخرين !! ... وكم من ملكات عشن فى التاريخ وذهبن ، وذهب كل شئ فى حياتهن طعمة للدود الذى أتى على كل نعيم ، ... ولم يبق لهن إلا الخدمة إذا كن قد أدركن رسالتهن ومسئولياتهن فى الحياة !! ... والفرصة كالشعرة الدقيقة إذا أفلتت على رأى شكسبير لا يمكن أن نرجعها مرة أخرى ، ونحن نسير فى موكب لا يرجع فيه التاريخ إطلاقاً !! وسعيد ذلك الإنسان الذى يمسك بالفرصة ، مهما كانت المتاعب أو فخاخ الموت المنصوبة عن جانبيه فى الطريق !! .. إن الشعار المسيحى الذي جاء بعد مئات السنين من أستير ، يتركز فى عبارة واحدة خالدة : " لى الحياة هى المسيح والموت هو ربح " !! .. " فى 1 : 21 " وكيفما كانت الحياة أو الموت فإن لغة المسئولية الدائمة : لأننا إن عشنا فللرب نعيش ، وإن متنا فللرب نموت ، فإن عشنا وإن متنا فللرب نحن !! .." رو 14 : 8 " على أننا نلاحظ أنه إن أهملنا الفرصة - فى عرف مردخاى - فليس معنى ذلك أننا نهرب من الموت ، بل لابد أن يلاحقنا الموت هناك .. فالهاربون من الفرصة مائتون بهذا المعنى أو ذاك : " وأما أنت وبيت أبيك فتبيدون " .. وهو موت الإبادة بالمعنى المادى أو الأدبى على حد سواء ، و " من لم يمت بالسيف مات بغيره ... تنوعت الأسباب والموت واحد " ... فإذا نجا الإنسان من الموت المادى ، فإنه قد يموت أضعافاً مضاعفة الموت الأدبى أو الروحى الذى يلحقه فى الدنيا وفى الآخرة معاً ، ويل لمن يموت ويبيد أسمه أدبياً أو روحياً ، حتى ولو رآه الناس إنساناً عظيماً جالساً على عرش فى الأرض !! ... على أنه ، بالإضافة إلى هذا كله ، لا يجوز أن نمسك بالفرصة فى استقلال عن اللّه ، أو بالإندفاع الطائش بأية صورة من الصور ، لقد كانت أستير آية فى العظمة والحكمة ، عندما استندت إلى اللّه فى فرصتها، إذ دعت أصدقاءها جميعاً للصوم والصلاة ثلاثة أيام ليلا ونهاراً ، وذهبت إلى الملك ، وبعد أن التقت بملك الملوك ورب الأرباب ، وهذا واجبنا الدائم عندما نقف أمام أية مسئولية صغرت أو كبرت ... وليكن اللّه القائد والصديق والسيد والمعين على تحمل المسئوليات ، ومن المناسب أن نذكر أيضاً أنها استخدمت جمالها فى الخدمة المقدسة ، ويحسن أن نشير إلى ما قاله أحد رجال اللّه بهذا الشأن يوم قال : " لقد بدأ هذا الجمال فى قمة بهائه ، عندما توارى منه كل بحث عن الذات ، واضحى نبيلا بنبل الغاية أو المقصد الذي اتجه إليه ، ... والجمال كوزنة أو هبة إلهية ينبغى أن يعطى ويقدم للخير ، وسيبلغ الذروة ، وهو يقدم على مذبح الخدمة والتكريس ، ... وهو هناك يصبح كوجه استفانوس عندما شخص إليه جميع الجالسين فى المجمع ورأوا وجهه كأنه وجه ملاك !! ... " أع 6 : 15 " ترى هل يستطيع الجمال عند أبناء ووبنات اللّه أن يخدم السيد بهذا المعنى العظيم المرتفع الرائع ؟!!





أحشويرش ومردخاى :

لم يكن مردخاى صاحب عمل عظيم ، فى مطلع الأمر ، وهو لم يكن يدرى وهو أسير منفى ، أن اللّه سيستخدمه على النحو التاريخى العظيم الذى قام به ، لقد بدت رسالته الأولى بسيطة غاية فى البساطة ، لقد عهد إليه بابنة عمه أستير ، وقد مات أبواها ليكلفها ويربيها ، وقد أحسن تربيتها وإعدادها للدور العظيم الذى لعبته فى إنقاذ شعب بأكمله ، من هاوية دبرت له وهو لا يدرى . وقد استخدم مردخاى بعد ذلك فى القصر الملكى فى وظيفة يسيرة محدودة ، من أصغر الوظائف ، وقد شغلها بنبل ووداعة ، وأنقذ الملك من مؤامرة دبرت له ، وقد شاء اللّه أن يبقى فى الوظيفة وتؤجل مكافأته ، حتى يأخذ مكان هامان ويصبح رئيسا للوزراء ، تماماً كما أجلت مكافأة يوسف إذ نسيه رئيس السقاة ، حتى يصبح ثانى رجل فى مصر بعد فرعون ، .. وهكذا نرى خيوط الرواية كلها ، تتحول من نوم يطير من عينى الملك ، إلى وقائع مثيرة خالدة تأخذ بالألباب فى كل العصور والأجيال ، وتؤكد أن عناية اللّه هى التى تشكل قصص الحياة بكامل وقائعها ، على النحو الذى جعل " يوناثان برا يرلى " يقول: " نحن فى عالم رتب لنا ، ولم يرتب بنا ، وقد أعد اللّه أعمالنا فيه قبل أن نصل إليه " .. ، قال " نورمان كاكليود " ، وهو فتى صغير تضغط عليه أحداث الحياة : ليتنى لم أولد " ... وإذ سمعته أمه قالت له : " يانورمان ... ها أنت قد ولدت ... ولو أنك كنت ولداً طيباً لسألت اللّه أن يشرح لك لماذا أنت هنا ، ولسألته أن يساعدك لإتمام أغراضه " .. وقد كان هذا كافياً للفتى الذى وعلى كلمات أمه ، وأصبح واحداً من أعظم الأبطال والرجال !! ... عندما كان هنرى دراموند " يعظ فى إنجلترا فى نهضة من النهضات ، قال أحد الطلاب الجامعيين لزميل له فى الجامعة : هل ستحضر هذا المساء اجتماعات دراموند ؟ .. وفى تلك الليلة وجد الشاب يسوع المسيح .. ليقول فيما بعد : إنه ليس سؤال صديقى هو الذى دعانى للذهاب ، بل صوت اللّه ، .. وهكذا تغير تاريخه بأكمله !! ..

أليس من المثير والعجيب أن سفر أستير هو السفر الوحيد فى الكتاب المقدس الذى لم يذكر فيه لفظ " اللّه " ، ولا نقرأ فيه عن معجزة واحدة خارقة للعادة !! ولكن كل سطر فيه خطته العناية الإلهية الخفية التى تسير أحداث الحياة ، ولفظ " اللّه " مستتر وراء كل كلمة فيه ، والمعجزة العظيمة ، هى أن اللّه ، الذى يزحزح الأرض وهى لا تدرى، زحزح كارثة عن شعب ، كان لا يمكن أن يتبعثر فى الأرض أو يضيع قبل أن يأتى شيلون الذي هو المسيح مخلص العالم ، والذى جاء فى ملء الزمان ، " مولوداً من امرأة ، مولودا تحــــت النامــوس ليفتدى الذين تحت الناموس لننال التبنى " !!! ... " غل 4 : 4 " .

elraiek G
09-16-2010, 07:13 PM
( 49 )

ملكى صادق

" بلا أب بلا أم بلا نسب . لابداءة أيام له ولا نهاية حياة

بل هو مشبه بابن اللّه "

(عب 7 : 3)

من هو ملكى صادق !! ؟ ..

هذا هو السؤال الذى حير الناس جميعاً منذ أن ظهر الاسم على صفحات الوحى المقدس فى ثلاثة أماكن من الكتاب فى سفر التكوين ، والمزامير ، والرسالة إلى العبرانيين !! .. ويكفى أن نعلم كيف اختلف التفسير وتباعد حول شخصيته الغربية المدثرة بالأسرار !! ... فمن قائل إنه المسيح جاء إلى العالم قبل التجسد !! ؟ وكان ملكاً على أورشليم !! ... ومن قائل إنه واحد من الملائكة أرسله اللّه ليعيش بين الناس ، وليملك بالبر والسلام !! .. ومن معتقد أنه أخنوخ عاد مرة أخرى إلى الحياة الأرضية بعد أن نقله اللّه إليه ، ومن متصور أنه سام بن نوح الذى لم يكن قد مات بعد ، والتقى بابراهيم عند أبواب ساليم ، ... ومن مفكر أنه أيوب بعد تجاربه المريرة ، ...

ولعل الذى دفع الناس إلى ذلك ، هو أن هذه الشخصية بدت أمامهم كحزمة من النور، لمعت فى قلب الظلام والوثنية ، وكانت شديدة البهاء ، فى جلالها ومجدها وعظمتها ، ... فمن هو الرجل الذى يعلو على إبراهيم أبى المؤمنين ورأس الأمة العبرية ، ... ويباركه ، ويأخذ منه تقدمة العشور !! ؟ ومن هو ذلك الإنسان الذى يجمع فى شخصه الملكية والكهنوت ، الأمر الذي لم يعرفه العالم ، إلا فى المسيح النبى والكاهن والملك !! ؟ .. ومن هو هذا الذى يقدم الخبز والخمر ، كما قدم السيد لأتباعه وتلاميذه العشاء الربانى !! .. إن الكلام العظيم ، والصمت الأجل ، واللمعان الخاطف هى التى أعطت هذه الشخصية مقامها المرتفع فى كل التاريخ ، لتصبح رمزاً أو شبيهاً للسيد الأعظم فى سائر الأجيال ... ولأجل ذلك كان لابد أن نتعرض لدراستها ، مع ما فيها من جلال ومهابة وغموض ، ولعلنا نستطيع متابعتها فيما يلى :



ملكى صادق وشخصيته :

من الواضح أن ملكى صادق شخصية تاريخية لا شبهة فيها ، فالرجل الذى قابل إبراهيم فى رجوعته من كسرة كدر لعومر والملوك الذين معه ، وباركه ، وأخذ عشراً من الغنائم ، لابد أن يكون إنساناً ، ومن غير المتصور أنه أخنوخ ، أو سام بن نوح للسبب البسيط ، إن كلا الرجلين معروف أبوه ، وهو لا يمكن أن يكون المسيح قبل التجسد ، لأنه جاء مرة واحدة فى الجسد باللحم والدم ، فى ملء الزمان ، ... وهو لا يمكن أن يكون واحداً من الملائكة ، جاء ليحكم ويصبح ملكاً على ساليم ، لأن الملائكة - أساساً - جميعهم أرواح خادمة ، مرسلة للخدمة لأجل العتيدين أن يرثوا الخلاص ، ... وليست لهم أجساد بشرية ، ... ومن المستبعد أن يكون أيوب الذى سجل الوحى قصته من البداءة إلى النهاية ، وليس فيها أدنى إشارة إلى مركز الملك الذى وصف به ملكى صادق !! ... إن منشأ الخلط الذى دعا إلى هذه التصورات المختلفة المتعددة هو القول الذي وصف به : " بلا أب بلا أم لا بداءة أيام له ولا نهاية حياة " ... ولا شبهة فى أن المقصود بالتعبير الكتابى ، إن الرجل ظهر فجأة فى التاريخ دون سابق إعلان ، وانتهى أيضاً هكذا ، دون إشارة إلى نهايته ، ... ولا يعنينا من قصته ، إلا الجزء الكتابى المشار إليه ، باعتباره ملكاً وكاهناً على ساليم يبارك أبانا إبراهيم ، ويأخذ العشور منه ، ... وكما ظهر إيليا التشبى من مستوطنى جلعاد ، دون أن نعرف من أبوه أو أمه ، حتى أخذ إلى السماء فى مركبة نارية ، بعد أن أدى رسالته ، كأعظم ما يؤدى الأنبياء رسالتهم ، دون أن نشغل بنسبه أو أجداده ، هكذا رأينا ملكى صادق ، كاهناً وملكاً على أورشليم !

ولعله من واجبنا أن نقف بإجلال أمام الصمت الكتابى ، سواء عن ماضيه أو مستقبله فى القصة الأرضية ، قبل أن يؤخذ إلى المجد فى حضرة اللّه ، ويكفى أن نشير ، إلى دلالة التميز الفريد الذى يبدو نبوة عجيبة ، أو رمزاً ذا مغزى عظيم ، والذى فيه نرى أمميا يبارك إبارهيم أبا المؤمنين ، بل قد يكون الأمر أعجب ، إذا ذكرنا أنه واحد من سكان ساليم ، أو من أبناء كنعان بن حام الذى لعنه أبوه ، ... ولابد أن نقف هنا أمام كنز عظيم من النعمة الإلهية المذهلة للعقول : إن ابن حام هو الذى يبارك ابن سام ، وليس العكس ، ... وأن اللّه فى جلاله الأزلى قد أعطى الأممى ان يبارك رأس المؤمنين وأباهم " إبراهيم " ، وأن يؤكد من البدء أنه ليس لليهود فحسب بلا للأمم أيضاً!! ... وأنه ليس لأحد أن يتفاخر على آخر ، وأن ربا واحداً للجميع ، وقد أجزل نعمته بكل حكمة وفطنة ودون أدنى تفرقة . أجل ، كم يحق القول : "يالعمق غنى اللّه وحكمته وعلمه ، ما أبعد أحكامه عن الفحـــص وطرقـه عن الاستقصـــاء لأن من عرف فكر الرب أو من صار له مشيراً أو من سبق فأعطاه فيكافـــأ لأن منه وبــه وله كل الأشـــياء ، وله المجـــد إلى الأبـد آمين " . " رو 11 : 33 - 35 " .

وإذا كان الكتاب المقدس قد شغل بابراهيم ونسله ، فهو لا يقصد أن يعطينا صورة عن نسل الجسد ، بل نسل الموعد ، ولئلا يفتخر اليهودى بأية صورة من صور الافتخار ، فإن اللّه قد شاء أن يرسل فى قلب الكتاب صوراً من ألمع الصور الأهمية ، أمثال أيوب ، وراحاب ، وراعوث ، وملكة سبأ ، ونعمان السريانى ، وقائد المئة الذى أثار إعجاب المسيح ، إذ لم يجد إيماناً يماثل إيمانه فى كل إسرائيل ، وغيرهم ، ... ومع ذلك فليس بين هؤلاء جميعاً ، من تألق نوره وعلا على إبراهيم نفسه ، سوى ملكى صادق ملك ساليم !! .

فإذا ذكرنا أكثر من ذلك ، العصر الذى وجد فيه ، والبيئة التى عاش فى وسطها ، ألا يقودنا هذا إلى المنظر الأعجب الذى حدث بعد ذلك بألفى عام عندما التقى فيلبس بنثنائيل وقـال لـــــــه : " وجدنا الذي كتب عنه موسى فى الناموس والأنبياء يسوع ابن يوسف الذى من الناصرة . فقال له نثنائيل أمن الناصرة يمكن أن يكون شئ صالح : قال فيلبس : تعال وانظر !! ... ( يو 1 : 45 و 46) وإذا كان المسيح قد عاش فى الناصرة الآثمة دون أن يعرف خطية ، ... فإن الصورة المثيرة عن ملكى صادق أنه وهو كنعانى من أبناء حام ، عاش وحكم فى ساليم ملكاً للبر والسلام !! .. وعلى النحو المجيد العجيب الذى ألمحت إليه الكلمة الإلهية !! .. لقد كان ملكى صادق أشبه الكل بالزنبقة الجميلة ترتفع فى أرض الأوحال ، دون أن ينال منها الطين الذى خرجت منه ، وهى آية فى الجمال والروعة ، زكية الشدى ، عطيرة الرائحة !! ... فإذا ضممنا هذا كله ، فإن ملكى صادق يبدو أمامنا ذلك الشيخ الجليل ، المهيب الطلعة ، الواسع الحياة ، العميق النظرة ، والذى هو أشبه الكل بالقمة الشماء ترتفع فوق السفوح ، ويحق فيه قول كاتب الرسالة إلى العبرانيين : " مشبه بابن اللّه " ... " عب 7 : 3 " .



ملكى صادق كاهن اللّه العلى :

كان وجه الشبه الأول بين ملكى صادق والمسيح ، وهو فى الكهنوت ، وقبل أن ننطلق فى بحث أوجه الشبه ، من اللازم أن نلفت النظر ، إلى أن المسيح ، وإن كان قد جاء على رتبة ملكى صادق ، ... إلا أن ملكى صادق كان الرمز ، والمسيح المرموز إليه ، وكان كاتب الرسالة إلى العبرانيين دقيقاً وحصيفاً ، عند ما وضع هذه الحقيقة فى القول : " مشبه بابن اللّه " ولم يقل العكس أن ابن اللّه مشبه به ، فالمسيح يتعالى علو أبدياً على ملكى صادق ، ... غير أننا نستطيع إذا وضعنا الرمز إلى جانب المرموز إليه أن نتعرف على الواحد من الآخر ، فإذا كان ملكى صادق ككاهن لم نسمع منه إلا عبارات البركة لأبينا إبراهيم ، إلا أنه فى ضوء خدمة المسيح ، الذى جال يصنع خيراً، نستطيع تصوره ، وهو يسير هنا وهناك يقرب الناس إلى اللّه ، والناس يلتفون حوله ليستمعوا إلى الكلمة الإلهية ، ويقتربون إليه بضعفاتهم وخطاياهم ومشاكلهم ،متاعبهم وأمراضهم ، وهو يقترب بهم إلى اللّه ، ويقدمهم إلى عرشه ، وما من شك أنه كان الكاهن الذى يؤكد لهم أنه بدون سفك دم لا تحصل مغفرة ، وكان يقدم عنهم الذبيحة ، ويعلمهم معنى التوبة والعبادة الصحيحة أمام العلى ، ... ونحن لا نعلم كيف أخذ هذا الكهنوت من اللّه ، لكننا نعلم بكل يقين أنه أخذه منه ، مباشرة ، وبدون تسلسل أو وراثة بشرية ، وهو هنا يختلف عن الكهنوت اللاوى تمام الاختلاف ، ... كان كهنوت ملكى صادق " بلا نسب " أى لا يعتمد على الوراثة ، بقدر ما يعتمد على المؤهل الشخصى للكاهن ، .. أما الكهنوت اللاوى ، فقد كان يعنى بالشرعية أكثر مما يعنى بالمؤهلات الشخصية ، وكان على المنخرط فى سلكه أن يثبت أنه متسلسل من هرون ، وأن هذه السلسلة لم تنقطع أبداً ، ومتى ثبتتت فلا يوجد شئ آخر يمنعه من هذه الوظيفة ، وإذا أراد أن يتزوج فعلى زوجته أن تثبت أنها ابنة كاهن ، وعليها تثبت تسلسلها لأربعة أجيال ماضية ، وإذا لم تكن ابنة كاهن ، فعليها أن تأتى بشهادة تثبت أنها من ذات السلالة رجوعاً إلى خمسة أجيال سابقة ... ولعل هذا يلاحظ بصورة واضحة عندما عاد اليهود من السبى إلى أورشليم ، وقد رفضت بعض العائلات الكهنوتية لأنها لم تستطع أن تقدم السجلات الرسمية الموثوق بها ، والتى تثبت تسلسلها من هرون ، ولأجل هذا السبب حرم أفرادها من الكهنوت إلى الأبد !! ... " عزرا 2 : 62 " وكان كهنوت ملكى صادق - إلى جانب ذلك - غير مقيد بالزمن " لابداءة أيام له ولا نهاية حياة " ... وهو يختلف بذلك عن الكهنوت اللاوى الذى تنتهى فيه خدمة الكاهن بالموت ، ويحمل محله آخر ، ... فإذا أضيف إلى هذا أن رئيس الآباء ، ولاوى فى صلبه قد أعطى العشر لملكى صادق ، وباركه ملكى صادق ، وبدون كل مشاجرة الاصغر يبارك من الأكبر ، ... ومن هذا كله نستطيع أن نرى ملكى صادق رمزاً للرب يسوع رئيس الكهنة الأعظم ، وإذا كانوا يقولون إن كلمة " كاهن " فى اللغة اللاتينية تعنى : " بانى جسر " ، فإن المسيح على رتبة ملكى صادق ، وهو الذى بنى الجسر الأبدى بين أبناء اللّه و اللّه !! ... ومن حقنا أن نتوقف هنا قليلا لنرى بركة ملكى صادق لإبراهيم ، فى ضوء البركة التى يقدمها يسوع المسيح لأتباعه وتلاميذه وكافة المؤمنين من أبناء اللّه على وجه الأرض !! ... أخرج ملكى صادق لإبراهيم خبزاً وخمراً ليأكل ويتقوى بعد المعركة التى خاضها وأرجع لوطاً والأسلاب ، وهذا هو الرأى الراجح عند يوسيفوس وكلفن وكلارك . وروزنمولر ، وإن كان " لا يتفوت " يرى فى العمل رمزاً لتحول الأرض إلى أبى المؤمنين ، باعتبار أن الخبز والخمر هما أكرم ما تقدم الأرض ، ويتصور " ديلتش " ، أن الأمر يشير إلى السلام والرفاهية والحرية التى أعادها إبراهيم إلى الأرض باستردادها من الغاصبين ، ... ويهتم بشئ بالإشارة إلى أن الخبز والخمر ، هما بركة المؤمنين ، وكانا الرمز الذى جاء به المسيح فى الفريضة المباركة ، فريضة العشاء الربانى !! ... ومن الواضح أنه كما أعطى ملكى صادق لإبراهيم - العائد من الحرب متعباً مكدوداً مجهداً - الخبز والخمر ، .. فإن المسيح فى شركته الروحية المقدسة يقدم لنا العشاء الربانى ، ونحن فى طريقنا إلى أورشليم العليا ، ليرفعنا فوق أبهاء الحياة ، ومعاناة المعارك مع الخطية والجسد والعالم والشيطان !! .. وقد قدم ملكى صادق الخبز والخمر مصحوبين بالبركة لأبى المؤمنين ، وقد ضمن هذه البركة الشكر للّه الذي أعانه فى المعركة ، وأسلم الأعداء بين يديه ، ... ولا حاجة إلى القول إنه لم يأتنا نصر فى حياتنا كمؤمنين إلا من اللّه وببركته لهذه الحياة ، فى أصغر الأمور أو أكبرها على حد سواء !! ... كما أن البركة منحت لأبى المؤمنين ، وهو يقدم الخدمة النبيلة للآخرين دون بحث عن مطمع أو غاية ذاتية ، ... وهو ما يفعله اللّه معنا على الدوام ، عندما نتجرد من الذات ، ونذهب لمساندة البائس والضعيف والمحتاج والمنكوب والمغلوب على أمره ، فى معارك الحياة وظروفها المنوعة المختلفة على الأرض !! ..

وكان ملكى صادرق الرمز العظيم فى العهد القديم لذاك : الذى " يبقى إلى الأبد ، له كهنوت لا يزول . فمن ثم يقدر أن يخلص إلى التمام الذين يتقدمون به إلى اللّه إذ هو حى فى كل حين ليشفع فيهم . لأنه كان يليق بنا رئيس كهنة مثل هذا قدوس بلا شر ولا دنس قد انفصل عن الخطاة وصار أعلى من السموات ، الذى ليس له اضطرار كل يوم مثل رؤساء الكهنة أن يقدم ذبائح أولا عن خطايا نفسه ثم عن خطايا الشعب لأنه فعل هذا مرة واحدة إذ قدم نفسه ، فإن الناموس يقيم أناساً بهم ضعف رؤساء كهنة. وأما كلمة القسم التى بـعد النامــوس فتقيــــم ابناً كاملا إلى الأبد " " عب 7 : 24 - 28"!!.



ملكى صادق ملك البر :

كان ملكى صادق أيضاً ملك البر ، وهو أولا ملك البر ، قبل أن يكون ملك السلام ، لأن البر هو الأساس ، والسلام هو البناء الذى يقوم عليه ، البر هو الشجرة ، والسلام هو الثمر الذى تصنعه شجرة البر..، وقد صوره جورج ماثيسون فى صلاته التى لحقت الحديث عن شخصيته ، بأنه الزهرة النقية فى الأرض قبل أن ينزح إليها الكنعانى ، وحبة الحنطة فى وسط الزوان حيث يوجد الكنعانيون ، والبستان الجميل فى البرية القاحلة ، وإذا كان الكنعانيون فى داخل النفس البشرية ، هم العادات الأولى والتجارب القديمة ، فإن ملكى صادق ، هو الرغبة الصادقة للحياة الأفضل ، وملكى صادق يمتلك البر الذى ليس له ، البر الذى فى المسيح يسوع ، بنفس الصورة التى اكتسب بها هابيل هذا البر : " بالإيمان قدم هابيل اللّه ذبيحة أفضل من قايين فبه شهد له أنه بار إذ شهد اللّه لقرابينه " " عب 11 : 3 "... وليس لهابيل أو ملكى صادق أدنى بر ذاتى ، بل بره يستند إلى هضبة الجلجثة ، إلى صليب ربنا يسوع المسيح ، ... وهو بهذا المعنى ، مبرر أو برئ من كل خطية ، على حساب من حل محله على خشبة الصليب ، فبره مكتسب من ذاك الذى : " هو مجروح لأجل معاصينا مسحوق لأجل آثامنا تأديب سلامنا عليه وبحيره شفينا ، كلنا كغنم ضللنا ملنا كل واحد إلى طريقه والرب وضع عليه إثم جميعنا ... أما الرب فسر بأن يسحقه بالحزن . إن جعل نفسه ذبيحة إثم يرى نسلا تطول أيامه ومسرة الرب بيده تنجح . ومن تعب نفسه يرى ويشبع . وعبدى البار بمعرفته يبرر كثيرين وآثامهم هو يحملها " " إش 53 : 5 و 6 و 10 و 11 " .. على أن ملكى صادق وقد اكتسب هذا البر النيابى ، كان ولا شك الرجل المشوق إلى حياة القداسة والصلاح ، وربما لم يكن هناك فى جيله من كان يكره الخطية بقدر كراهيته هو لها ، وربما لم يكن هناك من يدعو الناس إلى الحياة الأسمى والأعلى والأقدس والأجل ، كما دعا هو ، ... ومن الممكن تتصوره - فى حدوده الجزئية ولا شك - أشبه بابن اللّه البار الذى عاش فى أيام جسده حياة البر والصدق والكمال والأمانة والقداسة،... فى أرض امتلأت باللوثة والدنس والفجور والإثم والشر ، ... ولقد عاش ملكى صادق هذا البر ، بروح المسيح الساكن فيه ، والمسيطر على حياته ، أو كما يصفه ماثيسون : " تصور معى الرجل يعيش فى المجتمع البدائى وله السجايا النبيلة الطاهرة ، وهو فى الخصال لطيفاً ، وفى التقوى حاراً ، وفى المشورة حكيما ، وفى الحديث بليغاً ، والناس يفدون إليه من التلال والوديان المجاورة ، ويلتف حوله الفلاحون ليسمعوا أقواله عن اللّه ، وتصوره وهو لا يكف عن التجول بينهم ، يسأل عن سلامتهم وحاجتهم ، فيسارع لإغاثة الملهوف وإقامة العاثر ، وتصوره فى مرضهم يذهب إليهم ، ويصلى من أجلهم ، وأن اللّه يستمع لصلاته فيشفيهم ، ألا يجعل - هذا - الناس ، برغم جهلهم بالخير ، يحسون القوة تجذبهم للخير ؟ وألا تجعلهم يكنون له التجلة والإكبار ، فيبايعونه الولاء والإخلاص ليتحدث عنهم إلى اللّه ؟ " ... كان هذا الرجل حقاً ملك البر !! ..



ملكى صادق ملك السلام :

كان " ملكى صادق " ملك ساليم أو ملك السلام ، وقد كان حكمه فى ساليم - التى أضحت فيما بعد أورشليم - مطلقاً ، ومع أننا لا نعلم على الإطلاق كيف كان يحكم ساليم ، إلا أنك تستطيع أن تتعرف عليه إذا نظرت إلى سيده وشبيهه الأعظم ، يسوع المسيح ملك السلام، وهل حمل المسيح سلاحاً على الأرض ، وهل علم أتباعه فى الأرض أن يحملوا السلاح ؟ وهل طالب بناموس العين بالعين والسن بالسن ؟ كلا ، بل هو القائل : " سمعتم أنه قيل عين بعين وسن بسن ، وأما أنا فأقول لكم : لا تقاوموا الشر . بل من لطمك على خدك الأيمن فحول له الآخر أيضاً . ومن أراد أن يخاصمك ويأخذ ثوبك فاترك له الرداء أيضاً . ومن سخرك ميلاً فاذهب معه اثنين ، من سألك فأعطيه ، ومن أراد أن يقترض منك فلا ترده . سمعتم أنه قيل تحب قريبك وتبغض عدوك ، وأما أنا فأقول لكم : أحبوا أعداءكم ، باركوا لاعنيك ، أحسنوا إلى مبغضيكم . وصلوا لأجل الذين يسيئون إليكم ويطردونكم ، لكى تكونوا أبناء أبيكم الذى فى السموات ، فإنه يشرق شمسه على الأشرار والصالحين ، ويمطر على الأبرار والظالمين ... فكونوا أنتم كاملين كما أن أباكم الذى فى السموات هو كامل " " مت 5 : 38 - 48 " ..

ولعله من الملاحظ أن المعارك التى دارت ودخل فيها إبراهيم من أجل لوط ، لم يكن لملكى صادق أدنى شركة أو نصيب فيها ، ... فهو الرجل الذى عاش فى جيله دون أن يعتمد على سيف أو رمح ، ولم ينظم جيشاً يحمى عرشه ، ولم يقم الحصون القوية حول عاصمة ملكه ، بل لم يشتبك فى حرب مع أحد ، ولم يكن له عدو ، لقد قام ملكه على الهدوء والاستقرار ، ودعى بين بنى جيله ملك السلام !! .. كان هذا كما يقول جورج ماثيسون ، أعجوبة الحاكم الذى يحكم بدون سلاح ، لأن الناس اعتادوا فى تلك الأزمنة ألا يكون سلام بدون سلاح ، أو استتباب أمن بدون استبداد .. كيف عاش الرجل بهذه القوة الخارقة ، وهو أعزل ، وكيف أمكنه أن يحكم شعباً شرساً دون تهديد أو وعيد ؟؟ ، تلك هى الأعجوبة حقاً !! ..

إن السؤال الذى ما يزال باقياً ، ونحن بصدد قصة ملكى صادق ، هو إلى أى حد تأثرت ساليم بحكم الرجل ؟ وهل تجاوبت معه ، أم عاملته معاملة ذاك الذى بكى على أورشليم ، وهو يدخل ملك السلام ، راكباً على جحش ابن أتان ؟ .. والذى كان قد سبق فقال لها : " يا أورشليم يا أورشليم يا قاتلة الأنبياء وراجمة المرسلين إليها ، كم مرة أردت أن أجمع أولادك كما تجمع الدجاجة فراخها تحت جناحيها ، ولم تريدوا . هو ذا بيتكم يترك لكم خراباً " .. " مت 23 : 37 " ومع أن الكتاب يصمت عن الجواب ، إلا أنه فى مقدورنا أن تؤكد أن الرجل لم يكن من الممكن أن يسمى ملك السلام ، ما لم يكن قد ترك طابعه العميق فى المدينة الصغيرة التى أضحت فيما بعد مدينة أورشليم ، ..

فى جزيرة صغيرة فى المحيط الباسفيكى اسمها " راتانوجا " نهض رجل عجوز فى اجتماع دينى هناك ليقول : " لقد عاصرت فى هذه الجزيرة حكم أربعة ملوك ، كان الملك الأول ملك حرب ، عاش طوال حياته يحارب ، وكان عصره عصراً عصيباً ، وجاء الثانى فى إثره ، وكان ملك المجاعة ، إذ استولت المجاعة على الجميع ، حتى أكلنا الجرذان والأعشاب ، ... وكان الملك الثالث ملك الهزيمة ، إذ هزمت جزيرتنا ، ولعقت مرارة الهزيمة !! .. وفى هذا التاريخ جاء ملك آخر ، ملك عظيم ، ملك صالح ، ملك سلام ، ملك محبة ، يسوع من السماء ، وقد انتصر على قلوبنا ، وحقق لنا السلام والخير والوفرة فى العالم الحاضر ، ويحقق لنا الرجاء فى العالم الأبدى !! .. " . ربما تعجز عن متابعة الطريقة التى حكم بها ملكى صادق فى ساليم محققاً السلام العظيم الذى ربما لم تعرف المدينة فى تاريخها الطويل الكثير شبيهه أو نظيره !! .. ولكنى أستطيع أن أفهم السلام الذى يعنيه ويعيشه وينشده ، إذا ذكرت أنه السلام المرتبط بالبر، وهو السلام الذى جاء به المسيح سيدنا مخلص العالم ، .. وقال : " سلاماً أترك لكم ، سلامى أعطيكم ، ليس كما يعطى العالم أعطيكم أنا لا تضطرب قلوبكم ولا ترهب " " يو 14 : 27 " ... قال وليم باركلى فى تعليقه على قصة ملكى صادق : إن هناك فروقاً جوهرية بين سلام المسيح ، وسلام العالم ، ... فالعالم يبحث عن السلام عن طريق الهروب ، كمن يذهبون إلى السينما ، أو الباحثين عن أضواء المدينة ومباهجها وملاهيها ، وهو نوع من الهروب الوقتى ، لا يلبث بعدها الهاربون إلا قليلا ، حتى يعودوا مرة أخرى إلى متاعبهم ومشاكلهم .. ومثل هذا الهروب ليس إلا بمثابة الدواء المسكن ، ولا يصلح أن يكون علاجاً شافياً !! .. والنوع الثانى من سلام العالم ، وهو سلام المراوغة ، بمحاولة تأجيل المشكلة ، وطردها إلى العقل الباطن ، وإسدال ستار النسيان عليها ، ... ومهما كانت المراوغة ، فإن أحداً لا يستطيع أن يحل مشكلته ، برفضه النظر إليها ، وكبتها ، ونحن نعلم ماذا يفعل الكبت ، الذي مرات كثيرة ما يكون أشبه بالقنبلة التى إذا انفجرت تدمر كل شئ !! ..

وهناك النوع الثالث من السلام العالمى ، وهو سلام المساومة ، وهو محاولة الحصول على السلام دون التشدد فى التمسك بالمبادئ ، ولا بأس من النزول بها إلى المستوى الخفيض ، .. والمساومة مهما طال أمدها ، لا يمكن أن تنتهى بالراحة ، إذ أنها تترك أطراف المشاكل بلا حل ، وتنتهى إلى نوع من التوتر الخفى أو الظاهر ، والتوتر معناه حتما الانزعاج والقلق !! .. إن السلام الصحيح ، هو السلام الإلهى ، سلام البر ، وهو السلام أولا وقبل كل شئ مع اللّه ، ... وهو سلام الغفران ، السلام الذى غنى به داود فى مزموره قائلا : " طوبى للذى غفر أثمه وستترت خطيته ، طوبى لرجل لا يحسب له الرب خطية ولا فى روحه غش " " مز 32 : 1 و 2 " .. إن لمسة بسيطة للجرح كافية لأن تجعل صاحبه يئن ويشكو ... وصوت حاكم مصرى أيقظ ضميراً نام عشرين عاماً عند إخوة يوسف : " حقاً إننا مذنبون إلى أخينا الذى رأينا ضيقة نفـــسه لما استرحمنا ولم نسمع ، لذلك جاءت علينا هذه الضيقة " " تك 42 : 21". فى قصة للكاتبة الإنجليزية " جورج " اليوت تتحدث عن رجل اسمه عاموس برتون، يجلس بجوار قبر زوجته نائماً صائحاً : مللى مللى .. ألا تسمعينى ... ألا تغفرين لى !! ؟ لم أكن رقيقاً معك ولم أفكر فى هذا إلا الآن !! ؟ .. لكن الموتى لا يسمعون !! .. والموتى لا يغفرون .. " ولا سلام قال الرب للأشرار " إش48 : 22"..، وهذا السلام لا يأتى إلا بيقين الغفران ، .. " فإذا قد تبررنا بالإيمان لنا سلام مع اللّه بربنا يسوع المسيح الذى به أيضاً قد صار لنا الدخول بالإيمان إلى هذه النعمة التى نحن فيها مقيمون " " رو 5 : 1 و 2 " ... ومتى تحقق هذا السلام ، فسنعيش فى سلام مع النفس ، ونعيش فى " ساليم " مع الناس ، مهما أحاطت بنا الزوابع والعواصف فى الحياة !! ..

وأخيراً هل كان اللقاء بين إبراهيم وملكى صادق بعد الرجوع من كسرة كدر لعومر ومن معه من الملوك على مقربة من ساليم رمزاً وإشارة للقاء أعظم وأمجد وأجل فى أورشليم السماوية ، حيث تكسر الخطية إلى الأبد ، ويسود الملك ، ملك الملوك ورب الأرباب ، ملك البر والسلام إلى دهر الدهور ؟!! لعل هذا هو الأمل الذى يجعلنا نصيح على الدوام .. " آمين تعال أيها الرب يسوع !! .. " رؤ 22 : 20 " .

elraiek G
09-16-2010, 07:15 PM
( 50 )

أيوب

" بسمع الأذن قد سمعت عنك والآن رأتك عين "

" أى 42 : 5 "
مقدمة

عندما أفاقت الفتاة فرانسس من المخدر أثر عملية كبيرة ، قالت لها الطبيبة التى كانت تقف إلى جوارها : تشددى يا فتاتى إن هى إلا بضع ساعات تتحررين بعدها من الآلام ، وفى الغد لن تشعرى بآلام أقسى وأشد ..

وأجابت الفتاة الجميلة ، وعيناها تلتهبان بشواظ من الضيق والتمرد : إن الأمر لا يقتصر على وليس بى أدنى خوف من الغد ، فإن فى أعماقى شيئاً يقهر الألم القاسى،... لكن المشكلة التى تفزعنى هى فى آلاف الناس فى العالم الذين يطحنهم الألم، .. والكثيرون منهم ليس لهم قدرة على النضال ، والسؤال الذى ربما تضيقين به ، ولكنه يراودنى : كيف أحب إلهاً يسمح بهذه الآلام ؟ ولعلك تقولين ، إنه ليس مسئولا عن الآلام ، إذ هى خطية الناس التى تجلب عليهم آلامهم ، ومع ذلك فأنا أعلم أنه قادر على كل شئ فلم يسمح لهم بالآلام ؟ !! ... وقالت الطبيبة : أجل ، أنا أعلم أن بعض الآلام تأتى من خطايا الناس ، .. ولا أعلم لماذا يسمح اللّه بالكثير من الآلام التى قد لا تكون نتيجة مباشرة للخطية !! .. ومع ذلك أود أن أقول لك : إن هناك فتاة شابة فقيرة على مقربة منك ، وقد تعرضت هذه الفتاة لمرض خطير ، وكان من المستحيل أن تقاوم المرض ، ما لم يكن لها الروح المعنوية العالية التى تتغلب بها عليه ، .. وقد قصصت عليها شجاعتك فى تحمل الآلام ، إلى درجة أنها تود رؤياك وتشتاق أن تسمع كل شئ عنك !! ... وربما لا تعلمين أنه لولا قصتك لما اجتازت الفتاة محنة مرضها !! .. وإذ سمعت فرانسيس هذا امتلأت تأثراً وقالت للطبيبة : أنا لا أستحق أن أوصف بهذه الصورة التى رسمتيها لى ، وأود أن أرسل إليها باقة من الزهور !! .. وإذا بنوبة من الألم تسكتها .. وأكملت الطبيبة الكلام قائلة : وسأقول لها : إنكما تقفان معاً على خط النار !! ... وقصة أيوب فى كل التاريخ هى قصة الواقفين على خط النار فى أتون الآلام ، إذ هو الرجل الذى تتطلع إليه الأجيال كنموذج عظيم للانتصار على التجارب والمآسى : أو كما يذكر الرسول يعقوب : " ها نحن نطوب الصابرين ، قد سمعتم بصبر أيوب ورأيتم عاقبة الرب لأن الرب كثير الرحمة ورؤوف " يع 5 : 11 " . ولعلنا بعد هذا كله يمكن أن نرى القصة فيما يلى :



أيوب من هو :

يعتقد بعض المفسرين أن الاسم " أيوب " من الكلمة العبرية التى تناظر فى العربية " آب " أى رجع .. فهو " التائب " أو " الراجع " . ولعلهم قصدوا أن يصوروه فى قوله أمام اللّه : " لذلك أرفض وأندم فى التراب والرماد " " أيو 42 : 6 " .. وهناك من يعتقد أن الاسم يعنــــى " المضطهـــــــــد " أو " المتألم " ... وأياً كان الاسم ، فما من شك أن الرجل كان شخصية تاريخية ، وليس مجرد شخصية خيالية أو رمزية ، ... وحجة المنادين بأنه شخصية رمزية ، أن مقدمة السفر وخاتمته جاءت نثراً ، وأما البقية فقد كانت شعراً رائعاً وعظيماً ، .. ومثل هذا لا ينهض حجة ضد تاريخية الرجل ، فإن الشعر فى كل أقطار الأرض تناول أناساً تاريخيين دون أن يقدح هذا فى شخصياتهم التاريخية ، ... فإذا قيل إن الأرقام الواردة به وردت ابتداء وتضاعفت انتهاء فى البهائم والسائمة والماشية وأن أرقامها الدائرية ، لا تعطى حقيقة تاريخية ، كان الرد أن هذه أيضاً حجة واهية ، لأن كاتب السفر لم يقصد أن يسجل عددها ، بقدر ما أراد أن يسجل مضاعفة بركة اللّه للرجل الذي احتمل التجربة ، ... وأن الأولاد فقط هم الذين كان عددهم مماثلا فى النهاية للذين ذهبوا إلى اللّه فى الكارثة التى أحدثها الشيطان ، فهم لم يضيعوا ، بل حفظوا فى المجد إلى أن لحق بهم أبوهم وأخوتهم !! ..

وهناك حجة ثالثة تقول إن السفر قد ضم إلى الكتب التعليمية ، كسفر المزامير والأمثال والجامعة والمراثى ، ولم يضم إلى الكتب التاريخية، ... غير أن هذه الكتب نفسها تعد حجة مع أيوب كشخصية تاريخية ، وليست ضده ، لأن الكتب التعليمية كانت هى ذاتها ، والكثير مما تضمنته وقائع تاريخية ، لأشخاص تاريخيين !! .. وفى الواقع أن كتاب سفر أيوب ، هو كما وصفه فيكتور هوجو قائلا : ربما هو أعظم كتاب على الأرض واجه الذهن البشرى .

وكان أيوب شخصية تاريخية ، ذكره حزقيال النبى كشخصية تاريخية يقـــول عنهــــــا اللّه له : " ياابن آدم إن أخطأت إلى الأرض ... وكان فيها هؤلاء الرجال الثلاثة : نوح ، ودانيال وأيوب ... إن عبرت فى الأرض وحوشاً ... وفى وسطها هؤلاء الرجال الثلاثة ، فحى أنا يقول السيد الرب إنهم لا يخلصون بنين ولا بنات هم وحدهم يخلصون ... " " حز 14 : 13 - 20 " ... ويقول أيضاً يعقوب الرسول : وقد سمعتم بصبر أيوب ورأيتم عاقبة الرب لأن الرب كثير الرحمة ورؤوف " " يع 5 : 11" ويعتقد مارتن لوثر أن أيوب شخصية تاريخية ، وأن كاتب السفر رجل تقى عميق الفهم والدراية الكتابية !! .... ومن الواضح أن أيوب كان أعظم رجل شرقى فى عصره، وأنه من " عوص " التى يعتقد أنها كانت فى الطرف الشمالى للجزيرة العربية، وتقع بين فلسطين ونهر الفرات ، .. وربما كانت المدينة على اسم " عوص " من سلالة سام !! ..

فإذا تحولنا إلى أخلاق الرجل وصفاته ، نجد أنه وصف بأربعة أوصاف أساسية : " وكان هذا الرجل كاملا ، ومستقيما ، يتقى اللّه ، ويحيد عن الشر " " أيو 1 : 1 و 8 ، 2 : 3 ".. ولا يعنى الكمال أنه كان بلا خطية ، .. فهو قد تحدث عن خطاياه ، وأنه لا يمكن أن يظهر الإنسان كاملا أمام اللّه ، .. ولكن الكمال بالمعنى النسبى ، وهو التوازن الخلقى الذى يظهر فيه الإنسان " موزوناً " على حد التعبير الشائع ، بدون ازدواج أو انفصام فى الشخصية ، أو يعتبر ملوماً فى هذا أو ذاك من أوضاع الحياة،... وقد أوضح الرسول بولس هذا الكمال النسبى فى رسالة فيلبى عندمـــــــا قـال : " ليس أنى نلت أو صرت كاملا ولكنى أسعى ... فليفتكر هذا جميع الكاملين منا ... " " فى 3: 12 - 15 " ... إن الولد الصغير الذى ينال الدرجة النهائية فى الحساب مثلا درجة الكمال ، ليس معناه أنه أصبح عالماً فى الرياضيات لا يحتاج إلى نمو فى معرفته للحساب ، ... لكنه الكمال الذى ينمو ويتحول كمالا آخر مع تزايد المعرفة والإدراك،... ولعل هذا الكمال يتضح فى السلوك المستقيم الذى لا يعرف الالتواء ، بل يتبع الخط المستقيم طوال الطريق كلها ، والرجل لا يمكن أن يكون هذا إلا إذا توفر له أمران : أحدهما داخلى ، والآخر خارجى ، أحدهما مع اللّه والآخر مع الناس ، أحدهما فى السريرة ، والآخر فى السيرة ، ... فهو فى السريرة الداخلية " يتقى اللّه " أى يخاف اللّه ويخشاه ويجله ويحترمه ، .. وهو فى السيرة أمام الناس " يحيد عن الشر " أى يتباعد عنه ، ولا يرتبط به بأية صورة من الصور !! ..



أيوب والحوار غير المنظور :

إن النقطة التى يبدأ بها سفر أيوب ، وينتهى ، هى الحوار غير المنظور ، بين اللّه والشيطان ابتداء ، وبين اللّه وأيوب انتهاء ، ... ومن اللازم أن نشير إلى أن أهم ما فى الوجود ، ومن فى الوجود ، هو غير المنظور ، وأن مصائر الحياة ، تتعلق بغير المنظور دون أدنى شبهة أو شك ، ... وإن أقل ما فى الوجود هو المنظور ، ... وإن أقل ما يجرى بين الناس هو المنظور ، وأنه كان من الطبيعى إذا أردنا لقصة أيوب أن تتصور على حقيقتها ، أن نبدأ بغير المنظور ، أو أن نبدأ بالمنظر العلوى غير المكشوف للعين البشرية ، الذى يمثل فيه الشيطان فى حضرة اللّه ، ... والسؤال : كيف يمثل ، وهل يمثل برغبته ، أم يمثل بأمر أو سماح من اللّه ؟؟ إنها أسئلة عويصة ، ليس من السهل الإجابة عليها ، وإن كنا نعلم أنها حقيقة واقعة ، وأن ما يحدث على الأرض فى حياة الناس أو البيوت أو المجتمعات أو الممالك ، يحدث فى العادة لأن غير المنظور تحكم فى المنظور ، ... وأن الناس لا تعرف فى العادة من الحقيقة : إلا أقلها وأبسطها ، .. فهذا الشيطان الذى مثل أمام اللّه يطلب أيوب ، هو نفسه الذى مثل أمام السيد لنفس الشئ تلاميذ المسيح . وكما ادعى الشيطان أن أيوب لا يعبد اللّه مجاناً ، وأنه لو سلم فى يده لأثبت هذا ، هو نفسه الذى أراد أن يفتك بتلاميذ المسيح ، وهو يصورهم على استعداد أن يتركوا المسيح عند أقل بادرة : " هوذا الشيطان طلبكم لكى يغربلكم كالحنطة " .. ( لو 22 : 31 ) .. وهو الذى يشتكى على المؤمنين ليلا ونهاراً أمام اللّه ، " رؤ 12 : 10 " ..

ولو أننا تأملنا هذا الحوار المثير لأدركنا أنه تحد للّه ، أكثر من تحد لأيوب ، وكأنما الشيطان يريد أن يقول للّه إن نعمته ليست كافية قط لأن تحفظ الإنسان ، فى شتى التجارب والآلام ، وأن العلاقة بين الإنسان واللّه ، ليست هى نوعاً من الحب بين الإنسان واللّه ، الحب العميق المجرد الخالص ، بل هى نوع من المتاجرة ، يجزل اللّه العطاء ليكسب ولاء الإنسان وتعبده وصلاته ، ... وهذا الاتهام التعس الرخيص ، إذا كان يصيب الإنسان فى الصميم ، فإنه يجرح مشاعر اللّه ولا شك ، واللّه الآب السماوى لا يقبل أن تكون علاقته بابنه المؤمن ، مجرد علاقة وصولية نفعية ، يعطى فيه الابن مقابل ما يأخذ ، أو يقدم على أساس الانتفاع والمصلحة ، ... وقد أخذت قصة أيوب قوتها أمام الأجيال والتاريخ ، فى أن اللّه يريد أن يكشف الحقيقة الثابتة لديه ، والغائبة عن العالم والشيطان والتاريخ : إن نعمة اللّه الحافظة قوية منتصرة على طول الخط ، وأن علاقة المؤمن باللّه تضرب جذورها العميقة فى المحبة الإلهية - محبة المسيح لنا وليست محبتنا للمسيح - والتى جعلت بولس يتحدى الشيطان فى قوله العظيم: " من سيشتكى على مختارى اللّه ؟ اللّه هو الذى يبرر . من هو الذى يدين . المسيح هو الذى مات بل بالحرى قام أيضاً الذى هو أيضاً عن يمين اللّه الذى أيضاً يشفع فينا . من سيفصلنا عن محبة المسيح ؟ أشده أم ضيق أم اضطهاد أم جوع أم عرى أم خطر أم سيف ؟ كما هو مكتوب اننا من أجلك نمات كل النهار قد حسبنا مثل غنم للذبح . ولكننا فى هذه جميعها يعظم انتصارنا بالذى أحبنا . فإنى متيقن أنه لا موت ولا حياة ولا ملائكة ولا رؤساء ولا قوات ولا أمور حاضرة ولا مستقبلة ولا علو عمق ولا خليقة أخرى تقدر أن تفصلنا عن محبة اللّه التى فى المسيح يسوع ربنا " " رو : 33 - 39"..

إن الحقيقة المثيرة التى ينبغى أن ننبه الناس إليها ، فى قصة أيوب ، والتى تقلبها رأساً على عقب ، هى أن أيوب صمد فى المعركة لسبب واحد لا أكثر ولا أقل ، وقد ذكره السيد المسيح فى قوله : " وأنا أعطيها حياة أبدية ولن تهلك إلى الأبد ولا يخطفها أحد من يدى ، أبى الذى أعطانى إياها هو أعظم من الكل ولا يقدر أحد أن يخطف من يد أبى " .. " يو 10 : 28 و 29 " عندما هدد الكاردينال " كاجيتان " لوثر وهو يقول له : " إن خنصر البابا أغلظ من ألمانيا التى أنت متكل عليها ، وأين تكون أنت عند ئذاك ؟!! ... وأجاب لوثر : أكون حيث أنا الآن فى قبضة يمين القادر على كل شئ !! .. قال أحدهم : إن الشيطان رغم معرفته بحقائق كثيرة ، لكن هناك حقيقة يجهلها أو لا يستطيع أن يصل إلى عمقها ، وهى قدرة نعمة اللّه الفعالة فى حفظ الناس!! .. وهذه الحقيقة ليست مجرد خيال أو تصور ، أو من باب التخمين أو الاستنتاج ، بل إنها واضحة من القصة نفسها ، لقد استنفد شيطان تجاربه بالقضاء على ثروة أيوب وأولاده ، بسماح من اللّه ، ثم عاد مرة أخرى يطلب مواصلة الامتحان فى جسده ، وأعطى له كل شئ بحدود ، فهو ليس مطلق التصرف ، وعندما طلب التلاميذ ليغربلهم كالحنطة . .. كان هناك طلب آخر ، مضاد ومعاكس لطلب الشيطان ، وهو طلب المسيح " طلبت من أجلك لكى لا يفنى إيمانك . وأنت متى رجعت فثبت إخوتك " . " لو 22 : 32 ".. لقد ذهب يهوذا لأنه كان ابن الهلاك ، وبقى بطرس لا لقوة فيه ، بل للحارس الضامن بأعجوبة النعمة الإلهية الفعالة فى حياة المؤمنين !! ... أما ما هى البواعث العميقة فى قلب اللّه للمنح أو للترك ؟؟؟ ... فهذا سؤال أعمق من أن يصل إليه الإنسان فى العالم الحاضر ، وربما يشاء اللّه فى جلاله الأبدى أن يبقيه ، إلى أن يكشف حكمته العظيمة الكلية ، فيما وراء عالمنا المنظور وفى مجده الفائق فى السماء ، ... ومن الثابت على أية حال أن صراعنا الأكبر فى الأرض ، ليس الصراع مع المنظور ، بل مع غير المنظور ، أو كما يقول الرسول بولس : " البسوا سلاح اللّه الكامل لكى تقدروا أن تثبتوا ضد مكايد ابليس ، فإن مصارعتنا ليست مع دم ولحم بل مع الرؤساء مع السلاطين ، مع ولاة العالم على ظلمة هذا الدهر مع أجناد الشر الروحية فى السماويات " " أف 6 : 11 و 12 " إن الناس ، كبروا أو صغروا ، ما هم إلا دمى فى يد الشيطان يلعب بهم ويستخدمهم فى حربه مع المؤمنين !! .. ومن أول التاريخ البشرى حتى نهايته ، من اللحظة التى اختبأ فيها الشيطان فى الحية ، والتى ظهر فيها فى الصليب من وراء قيافا وبيلاطس واليهود والرومان ، ... والتى فيها ارتكب يهوذا جريمته الكبرى بعد أن دخله الشيطان ، ... وإلى آخر القصة البشرية ، لا ينبغى أن نحول النظر عنه ، لأنه دائم الجولان والتمشى فى الأرض ، " ولأن ابليس خصمكم كأسد زائر يجول ملتمساً من يبتلعه هو " ... " 1 بط 5 : 8 " هل يستطيع البشر كتابة التاريخ من هذه الزاوية ؟ ، .. إنهم إن عجزوا ، فإن الأبدية سترويه وستقصه من هذه النقطة المثيرة التى لا يتعمق الناس فى دراستها ، وهم يناقشون مسرحية الإنسان ولعبته الكبرى فى الأرض !! .



أيوب والحوار المنظور مع أصحابه :

فإذا تركنا الخلفية غير المنظورة ، وتحولنا إلى الحوار المنظور ، وهو الحوار الذى قام بين أيوب وبين أصدقائه الأربعة ، ... ولكن قبل أن نتعرض لهذا الحوار ، لابد أن نشير إلى أن لغز الألم أعمق من أن يكشف عنه البشر فى الأرض !! .. قال جـ . ولا س هاملتون : " لا يمكن لأى إنسان إلا الأحمق أن يدعى معرفة الجواب عن كل آلام الإنسان فى العالم ، ... إن آلام الإنسان مغطاة بالرهبة وبالفزع المقدس ، وهى التى تجعله يصرخ فى اتجاه السماء قائلا : لماذا !! ؟ ... وأحكم الناس على الأرض ، لا يستطيعون معرفة لماذا !! ... ومع ذلك ، فنحن لسنا فى ظلام مطبق !! ... فالناس الذين يشتكون ، كثيراً ما ينسون أن شكواهم ما هى إلا خلاصة الاختيار الذى اختاروه هم لأنفسهم !! .. ومع ذلك فليس الكل يشتكون دائماً ، إذ نحن نعيش فى عالم واحد ، والناس يدخلون الاختبار الواحد بدرجات مختلفة ، وتقبل الإنسان الأمور بالشك أو الإيمان ، إنما هو عملية داخلية بينه وبين نفسه !! .. ورد الفعل عند البعض بالمرارة والتذمر ، وعند آخرين هو التدرب على اليقين بأن صمت السماء ليس مجرد صمت غليظ أو جاف ، بل سيتعلمون بعض المعانى ، وسيرون فى أعماق الليل ، النجوم التى لم يستطيعوا أن يروها فى النهار ، وسيدركون أن المعنى الأعمق فى الحياة هنا ليس السعادة بل القداسة ، وأن ما هو أفضل لنا ، هو القياس الصحيح للنضال المحتدم فى حياتنا !! .. فقد " هارولد رسل " يديه فى الحرب العالمية الأخيرة ، لكنه أصبح واحداً من أشجع الناس فى تقبل صدمته بعد الحرب ، وشق طريقه لتصبح حياته ذات فائدة ومغزى عندما كتب كتاباً فى عام 1949: " النصر فى يدى " قال فيه : إنه ليس هناك قاعدة سهلة للحياة السعيدة ، والذى يقول غير ذلك إما أنه ساخر ، أو كاذب ولست أقصد أن أعطى وصفة أو تذكرة طبية من عندى ، ... ولكنى أركز على حقيقة واحدة بسيطة ، إذا كان لى أن أذكر ، وهى ليست وصفة مؤكدة للسعادة ، أو سبيلا يمكن أن يملأ حديقتك الخلفية بالطيور المغردة ، بل هى فى الواقع ، ما وجدت أنه يساعد على الانتصار على الأسف الذى لا يجدى ، أو هزيمة النفس !! ... إنه ليس ما تفقد بل ما تترك هو الذى يتبقى ، ... وما أكثر الذين يبذرون جهدهم ووقتهم وأحلامهم فى الأمور التى انطوت ، والتى لا يمكن أن تعود ، وكان الأحرى بهم أن يشغلوا حياتهم بالحقائق ، والواجبات الثقيلة اليومية " .

لقد أفلس أيوب وأصحابه فى الوصول إلى الحل الأخير لمشكلة الألم ، وبقيت المشكلة أعمق من أن نجد لها الجواب الصحيح فى العالم الحاضر ، ويكفى أن نلخص الحوار العظيم حول هذه المشكلة فى سفر أيوب !! .. لقد بدأ أيوب الحوار ، بعد أن عجز عن ضبط نفسه ، فلعن اليوم الذى ولد فيه ، والليل الذى تصور فيه فى بطن أمه ، وتمنى لو أنه مات طفلا ، ليتساوى مع الذين ماتوا بعد أن بنوا الأهرام ، ... ومن المتصور أن اليفاز التيمانى كان أكبر الصحاب ، وخلاصة كلامه فى الأصحاح الرابع أنه لابد أن هذا عقاب من اللّه على خطايا ارتكبها أيوب ، وطلب إليه فى الأصحاح الخامس أن يتوب عنها ، وسارع أيوب فى الرد على أليفاز ، فى الأصحاحين السادس والسابع ، غير أن بلدد الشوحى وصوفر النعمانى ساندا أليفاز فى الأصحاحين الثامن والحادى عشر ، وكان بلدد أقسى من أليفاز ، وصوفر أقسى من بلدد ، ... ورد أيوب بضعف على الجميع فى الأصحاحات التاسع والعاشر والثانى عشر ، والثالث عشر ، والرابع عشر ووصفهم بالقول : " أما أنتم فملفقو كذب أطباء بطالون كلكم " . " أيو 13 : 4 " .. ومع أن أيوب اعترف بخطايا صباه : " لأنك تثبت على أمور مرة وورثتنى آثام صباى " . " أيو 13: 26 " .. ومع أنه اعترف بنقصه شأن كل بشر : " أ أخطات ؟ ماذا أفعل لك يارقيب الناس ؟ لماذا جعلتنى عاثوراً لنفسك حتى أكون على نفسى حملا ؟ . وولماذا لا تغفر ذنبى ولا تزيل إثمى لأنى الآن اضطجع فى التراب تطلبنى فلا أكون ؟ " " أيو 7 : 20 و 21 " إن اخطأت تلاحظنى ولا تبرئنى من إثمى. إن أذنبت فويل لى ، وإن تبررت لا أرفع رأسى " " أيو 10 : 14 و 15 " " كم لى من الآثام والخطايا أعلمنى ذنبى وخطيتى " " أيو 13 : 23 " " أما الآن فتحصى خطواتى، ألا تحافظ على خطيتى ؟ معصيتى مختوم عليها فى صرة وتلفق على فوق إثمى " ( أيو 14 : 16/17 ) إلا أن أيوب مع هذا كله لا يعلم خطية معينة معروفة لديه قد ارتكبها ، وهو لهذا يؤكد : " فى علمك إنى لستت مذنباً " " أيو 10: 7 " وهو إذا حوكم سيخرج بريئا !! .. وبينما يرى أصدقاؤه أن هذا الإصرار من جانبه على براءته يعتبر نوعاً من التجديف : " أما أنت فتنافى المخافة وتناقض التقوى لدى اللّه ، لأن فمك يذيع إثمك وتختار لسان المحتالين " " أيو 15 : 4 و 5 " ومع أن أيوب ، وهو فى سياق الدفاع عن نفسه ، كاد يصور اللّه ، وكأنه لا يبالى بالفرق بين الكامل والشرير : " لذلك قلت إن الكامل والشرير هو يغنيهما . إذا قتل السوط بغتة يستهزئ بتجربة الأبرياء . الأرض مسلمة ليد الشرير . يغشى وجوه قضائها ، وإن لم يكن هو فإذاً من " " أيو 9 : 22 - 24 " " خيام المخربين مستريحة والذين يغيظون اللّه مطمئنون الذين يأتون بإلههم فى يدهم " ( أيو 21 : 6 ) .. وهو مع هذا كله ، لا يتخفى عن اللّه مهما يفعل اللّه معه ، ... وهو يؤمن أنه سينصفه بصور ة ما ، وفى يوم ما ... ولذا يقول مهما بلغت قسوة أصدقائه عليه : " هوذا يقتلنى . لا انتظر شيئاً . فقط أزكى طريقى قدامه " . " أيو 13 : 15 " .

فإذا انتهى الحوار الأول عند هذا الحد ، فإن حواراً ثانياً يبدأ من الأصحاح الخامس عشر حتى نهاية الأصحاح الحادى والعشرين وقد بدأه أيضاً أليفاز التيمانى ، وفيه يؤكد بشهادة الحكماء الأقدمين ، العقاب الذى يلاحق الأشرار فى الأرض ، ... وقد عدد بعده بلدد فى الأصحاح الثامن عشر الألوان المختلفة لهذا العقاب ، ... ويبدو أن صوفر وهو يساند الاثنين ، يكاد ينعت أيوب بالخطايا السرية التى ارتكبها ، وجلبت عقاب اللّه عليه، ... وقد رد أيوب فى الأصحاحات السادس عشر والسابع عشر والتاسع عشر والحادى والعشرين ، ويبدو من الرد أنه لا يهتم باتهامهم له ، فهو فى نظره لغو فارغ بغير دليل ،... وأنه لهذا يشهد اللّه : " أيضاً الآن هو ذا فى السموات شهيدى وشاهدى فى الأعالى " " أيو 16 : 19 " وهو لا يتحدث عن براءته فحسب ، بل يؤكد أن اللّه لابد أن يكشف الحق يوماً ما ولو بعد حياته هنا على الأرض ، أو كما يقول : " ليتك توارينى فى الهاوية وتخفينى إلى أن ينصرف غضبك عنى وتعين لى أجلا فتذكرنى . إن مات رجل أفيحيا ؟ كل أيام جهادى أصبر إلى أن يأتى بدلى تدعو فأنا أجيبك تشتاق إلى عمل يديك " " أيو 14 : 13- 15"" أما أنا فقد علمت أن وليى حى ، والآخر على الأرض يقوم ، وبعد أن يفنى جلدى هذا وبدون جسدى أرى اللّه " .. " أيو 19 : 25 و 26 " على أنه فى الوقت عينه ، وفى الرد على صوفر يبدو أيوب أو بالحرى يقع فى التجربة التى وقع فيها آساف عندى يرى خير الأشرار وفيضهم وبهجتهم ، وهو يفزع لهذا كله على النحو الذى يذكره فى الأصحاح الحادى والعشرين !! ..

فإذا جئنا إلى الحوار الثالث وهو الذى يبدأ من الأصحاح الثانى والعشرين حتى نهاية الأصحاح الحادى والثلاثين ، فنجد أنه فى هذا الحوار يتخلف صوفر عن الاشتراك فيه . ويتكلم أليفاز فى الأصحاح الثانى والعشرين وبلدد فى الخامس والعشرين ، ويجيب أيوب فى الأصحاحات الثالث والعشرين والرابع والعشرين ، ومن السادس والعشرين حتى الحادى والثلاثين - ويؤكد أليفاز بشاعة خطية أيوب ، كما يتصورها فى الأصحاح الثانى والعشرين ، وفى الوقت عينه رحمه اللّه الواسعة متى اتضع أمامه وتاب ، ... ويضيف بلدد إلى ذلك متحدثاً عن عظمة اللّه وسلطانه ، وضعف الإنسان ونقصه : " السلطان والهيبة عنده . هو صانع السلام فى أعاليه ، هل من عدد لجنوده وعلى من لا يشرق نوره فكيف يتبرر الإنسان عند اللّه وكيف يزكو مولود المرأة هو ذا نفس القمر لا يضئ والكواكب غير نقية فى عينيه فكم بالحرى الإنسان الرمة وابن آدم الدود " " أيو 25 : 2 - 6 " ويرفض أيوب إتهام الرجلين ، ويؤكد براءته ويدعمها باستعداده للمثول فى حضرة اللّه ، وأنه إذا جربه سيخرج كالذهب ، وهو يذكر كم يعانى الأبرار من متاعب ، وكم يستمر الأشرار فى ظلمهم ، ... ومع ذلك فهو يؤكد عظمة اللّه وجلاله ومجده ، فى الأصحاح السادس والعشرين ، وأن نهاية الأشرار ، مهما ارتفعوا وعلوا ، قاسية وشنيعة كما يظهر فى الأصحاح السابع والعشرين - ومن الغريب أن الإنسان مهما علا فى الفهم والإدراك والمعرفة العالمية ، فهو عاطل تماماً من كل حكمة سماوية كما يظهر فى الأصحاح الثامن والعشرين !! .. ويختم أيوب هذا الحوار بالحديث عن نفسه ، فى مجده السابق ، وفى حياته العظيمة ، وفى مأساته اللاحقة ، ... دون أن يتخلى عن يقينه بصدق حياته وأمانته أمام اللّه والناس ، وأنه ليس لأصدقائه أدنى حق ، فيما حاولوا أن يتهموه ، أو يلصقوه به !!

فإذا أردنا أن نلخص كل مساجلات الحوار التى أشرنا إليه ، فهو اتهام يبدأ بالتشكك ، ثم تصاعد إلى مرتبة اليقين من أصدقاء أيوب ، عن الخطايا المتعددة والجسيمة التى اقترفها صاحبهم سراً أو علنا ، والتى لا يمكن أن يتركها اللّه دون عقاب ، إذ هو شديد البأس والبطش بالخطاة والأشرار ، وهيهات لمجرم أو آثم أن يفلت من بين يديه ، وأنه يمكن أن يكون هناك رجاء ، لو أن أيوب اتضع فى حضرة اللّه ، وندم ، ويدفع أيوب عن نفسه سائرالتهم . ويؤكد براءته ، ويسجل أن الأبرار وليس الأشرار هم الذين يعانون مرات كثيرة من الظلم والمتاعب والآلام ، ... وعلى العكس ، فما أكثر النعم والمتع والخيرات التى تمتلئ بها بيوت العتاة ! وهو لا يعرف السبب الذى من أجله تلاحقت النكبات ، والتى قلبت حياته رأساً على عقب ، ... وهو يتمسك باللّه ، وبكماله ، وهو يؤمن أن اللّه لابد أن يحقق العدل الذى ضاع فى الأرض ويؤمن بحياة بعد الموت ، فصحح فيها كل الأوضاع ، ويتم فيها الجزاء الصحيح للأبرار أو الأشرار على حد سواء !! ...

وإذ ينتهى الحوار عند هذا الحد ، دون أن ترجح كفة أيوب أو كفة أصحابه ، يدخل أليهو طرف فى الحوار ، وقد ظل مستمعاً طوال الوقت وكان أحدث سنا ، ولعل هذا هو الذى منعه من المساجلة أولا !! .. ولكنه لا يلبث وقد تمكن منه الغضب على أيوب وأصحابه ، أن يدفع فى حديث طويل ، يتجه شطره الأكبر إلى أيوب ، ما بين الأصحاحات الثانى والثلاثين إلى السابع والثلاثين ، والأقل إلى أصحابه ، ... وفيه يندفع قاسياً فهو لا يقبل تبرير أيوب لنفسه ، ويشتد عليه فى الكلام ، ... وإن كان فى الوقت نفسه يدخل عنصراً جديداً لم يذكره أصحاب أيوب الثلاثة ... وهو أن الآلام والمآسى ، تأتى من اللّه أساساً فى أغلب الأحوال ، وهى تأديبات المحبة ، وليست عقوبة الغضب ، وأنها مرسلة للتعليم والتقويم والتحذير ، دون أن تكون رصداً لخطايا قديمة ينتقم منها !! ..



أيوب والسبى المردود :

وفى الأصحاحات الأربعة الأخيرة ، تأتى نهاية القصة العظيمة . ويظهر اللّه من خلال العاصفة ، ليتحدث إلى أيوب ، وإذا كان أصدقاء أيوب جميعاً ، قد صمتوا ، ولم يعد لهم كلام ، ولم يكن لأيوب سوى كلمات قليلة ، فإن اللّه يتكلم ، وهو لم يأت ليتحاجج مع أيوب أو ليعطيه جواباً على أسئلته ، بل أخرجه إلى الطبيعة الواسعة ليعرف منها كيف يكون الجواب !! .. وكان السؤال : هل يستطيع أيوب وهو يرى السماء والنجوم ، والبحار والنور ، والزوبعة والجليد ، والضباب والوحوش ، والحيوانات البرية وفرس البحر ، والتمساح وغيرها ، هل يستطيع أن يخلفها ، ويقودها، ويوجهها ! ؟؟ وهل له القدرة والحكم والسلطان على تسييرها وضبطها وفق النظام الدقيق العظيم الذى تسير به كما يلمح ويشاهد !!؟ ... ومع أن أيوب سبق أن صاح : " من يعطينى أن أجده فأتى إلى كرسيه . أحسن الدعوى أمامه وأملأ فمى حججاً فأعرف الأقوال التى بها يجيبنى وأفهم ما يقوله لى " " أيو 23 : 3 - 5 " ... إلا أنه - وقد جاء أمام اللّه فى جلاله العظيم - لم تعد له كلمة أو حجة واحدة يجاوب بها، إذ أدرك حقارته ووضع يده على فمه إذ لا يجد الجواب !! .. وإذا كان اللّه يدير الكون بهذه القدرة الواسعة ، والحكمة العظيمة ، فهل يستطيع أيوب أمام أسرار اللّه الفائقة أن يبحث سراً واحداً ، ويهتدى فيه إلى حل !! ؟ .. لقد أدرك أيوب ، ما ينبغى أن يدركه الإنسان فى كل العصور والأجيال ، إن الحياة مفعمة بالأسرار ، وأن الإنسان مهما يبلغ من معرفة أو فهم ستأتى عليه اللحظات التى يقف فيها أمام الجلال الإلهى ، عارى القدم ، مغطى الوجه ، لأن الأرض التى يقف عليها أرض مقدسة ، وأن أسرار اللّه التى يطويها ، ( ومن بينها سر الألم ) ستبقى مكنونة ، ومحفوظة ، ومهما قال الإنسان إزاءها : لماذا !! ؟ لماذا !! ؟ فإنه يجمل به على الدوام أن يقول : " لما كنت طفلا كطفل كنت أتكلم وكطفل كنت أفطن ... ولكن لما صرت رجلا أبطلت ما للطفل . فإننا ننظر الآن فى مرآة فى لغز لكن حينئذ وجهاً لوجه ، الآن أعرف بعض المعرفة لكن حينئذ سأعرف كما عرفت " !! " 1 كو 13 : 11 و 12 " .

نسى أيوب كل حججه أمام اللّه ، وإذ سمع صوت القدير انجابت عن نفسه الزوابع والأعاصير ، وسكنت مشاعره وقرت نفسه ، ... إن سر عاصفته هو أنه كان يتكلم عن الرب ويبحث عنه دون أن يجده ، ولكنه الآن قد رآه وسمعه ، وهناك فرق شاسع بين أن يتكلم الإنسان عن الرب ، وأن يكلم الرب ، ... وبين أن يسمع عن الرب ، وأن يسمع الرب . إن سر الشقاء والتعاسة الدائمة للانسان ، هو أنه لا يستطيع أن يتبين اللّه أو يسمعه من خلال تجاربه ، ولكن أيوب تعلم بعد أن سمعه ، أنه وإن كان لا يفهم شيئاً فمن واجبه أن يثق فيه ويؤمن به ، وهو إذ يصل إلى هذه النتيجة ، يندم على ما فرط منه دون فهم ، بل يلتتصق بالتراب والرماد فى الخضوع والتسليم للّه !! .. ملك الشيطان الزمام مؤقتاً ، ولكنه خسر المعركة ، وسيخسرها على الدوام ، لأن اللّه محبة، ولأن السبيل إليه ، على الدوام ، هو سبيل الإيمان ..

لم يؤخذ أيوب مع أملاكه إلى الأسر ، ولم يذهب بعيداً عن المكان الذى عاش فيه . فلماذا يقال : " ورد الرب سبى أيوب ؟ " .. إن الكلمة تعنى نهاية الألم والتعب ، والضيق والمشقة ، والعسر والمرض ، .. أو فى - لغة أخرى - إن عودة الحياة والصحة والأصدقاء والظروف الطيبة ، كمن أفلت من الأسر والغربة والبؤس والتشريد ، ليعود إلى السلام والبهجة والهدوء والراحة بعد طول البلوى والمعاناة ، وهو لم يعد إلى هذه جميعاً ، إلا بعد أن جلس مستضعفاً على التراب فى حضرة اللّه ،.. ولن يرد اللّه سبينا أو يعيد إلينا المجد والجلال والحياة ، إلا ونحن فى وادى الوداعة والتصاغر والاتضاع أمام عظمته الكلية ومجده الأسنى ، وهو لن يفعل ذلك قبل أن نغفر لإخوتنا ، ونزيل كل مرارة من نفوسنا تجاههم ، .. ولم يرض اللّه على أليفاز وصوفر وبلدد ، رغم ما تكلموه أو ظنوا أنه يتكلمونه من أجل اللّه ، .. ومع أنهم تكلموا جميعاً عن المبادئ السليمة عن اللّه وحقه ومجده العظيم ، لكنهم أخطأوا ، إذ تحدثوا عن أيوب ، وظلموه بما لم يكن لهم به علم ، واللّه لا يقبل دفاعاً يستند إلى ظلم ، أو حقاً يتمشى إلى جانب القسوة فى الحكم على البائس المسكين . وعفا اللّه عنهم بالذبيحة التى قدمها أيوب من أجلهم !! .. وانتهت قصة أيوب بالبركة المضاعفة ، والأولاد السبعة والبنات الثلاث البارعات الجمال ، .. وبالحياة الصابرة التى عوضها اللّه كل شئ بسخاء عظيم !! ..

فى أحد معسكرات أسرى الحرب العالمية الأخيرة ، وجدت هذه الكلمات التى كتبها أحدهم : إنى أؤمن بالشمس حتى لو لم تكن ساطعة ، وأؤمن بالمحبة حتى ولو لم أحس بها ، وأؤمن باللّه حتى ولو صمت ولم يتكلم !! ... حقاً نحن لا نعلم ماذا سيأتى به الغد . ولكننا نعلم من يمسك بالغد !!..

elraiek G
09-16-2010, 07:16 PM
يتبع.....

elraiek G
09-16-2010, 07:20 PM
( 51 )

إيليــــا

" يا أبى يا أبى مركبة إسرائيل وفرسانها"

2" مل 2 : 12 "







مقدمة



تطرح قضية إيليا علينا سؤالا حيوياً يلزم أن نتنبه إليه بين الحين والآخر ، وهو ما قيمة : الرجل !! ؟

فى علم الإحصاء : الرجل الواحد يكتب واحداً مهما صغر أو كبر شأنه ، وإن رجلين مهما يختلفان طولا أو عرضاً أو سناً أو مقاماً أو قوة أو نفوذاً ، يحسبان اثنين !! ... غير أن الأمر يختلف تماماً فى قصة الحياة !! ؟ ... وقف القائد الإنجليزى نيلسون على بارجة من البوارج البحرية ، والتف حوله الجنود ، وهم يتحدثون عن قوة أعدائهم ، ... وإذا به يمسك بالمنظار المكبر ، ويضعه على عينه المفقودة البصر ، وينظر بها إلى الأمام ، ويقول : إنى لا أرى أمامى أعداء !! ... وهو يقصد السخرية والاستهانة بمن يحسبونهم قوة معادية وهو يراهم لا شئ أمامه ، ... فالإنسان فى نظره لا يحسب قوة معادية وهو يراهم لا شئ أمامه ، ... فالإنسان فى نظره لا يحسب بمجرد العدد ، بل بالعدة والقوة ، ..

ويبدو أن إيليا كان يقصد شيئاً من هذا القبيل ، وليس بالضرورة مع الأعداء ، بل ربما مع الأصدقاء أيضاً ، ... فمع أن عوبديا حدثه عن نفسه ، وكيف أمكنه أن يخبئ مائة من الأنبياء فى مغارتين ، إلا أن إيليا عندما تحدث مع الرب بعد ذلك ، لم يحسب حساباً لهؤلاء الأنبياء ، ناهيك عما علمه بعد ذلك بأن هناك سبعة آلاف ركبة لم تجث لبعل ، وكل فم لم يقبله ، إذ أن إيليا لم ير أحداً يواجه الوثنية والفساد غيره : " بقيت وحدى " ... وفى عرف أليشع كانت هذه الحقيقة واضحة وهو يصرخ عند صعود إيليا إلى السماء ، ... إذ لم ير فردا صاعداً أمام عينيه ، بل رأى جيشاً بأكمله فى صورة فرد. مركبة إسرائيل وفرسانها " ... وهو يذكرنا بما قاله أحد القواد لجنوده ، عندما جاءوا يتحدثون إليه عن الكثرة الهائلة المتفوقة لجنود الأعداء على عددهم !! .. وكان سؤاله للجنود !! .. وبكم تحسبوننى أنا !! ؟

كانت مارى الدموية تفزع من جون نوكس ، وتفضل أن تلاقى جيشاً من عشرة آلاف رجل ، على مقابلة الرجل الذى كتب على قبره ... هنا يرقد الرجل الذى لم يهب فى حياته قط وجه إنسان !! ..

كان إيليا جيشاً عرمرما فى وجه آخاب وإيزابل ، ومن هنا سنقرأ قصته ونعرف من هو ، وما هى رسالته ، وكيف يمكن أن تتكرر فى كل أبطال اللّه على كر العصور والأجيال !! ؟



إيليا ومن هو

كان إيليا من الشخصيات العظيمة التى كثرت حولها الآراء والتقاليد ، إلى درجة أن الأساطير فى التلمود صورته بصورة فينحاس بن هرون ، وقد عاد إلى الحياة مرة أخرى لينتقم لمجد الرب الذى حاولت إيزابل وآخاب أن يضيعاه من إسرائيل !! .. أو هو الملاك أو رسول الرب الذى صعد إلى السماء ، بعد أن قدم جدعون تقدمته أمامه ، فمسها بالعكاز وصعد فى لهيبها إلى السماء ، ... وهو الرجل الذى قلده الكثيرون من اليهود زعامة الأنبياء ، والذى رن اسمه طيلة تسعة قرون فى صدور الإسرائيلين ، والذى كانوا يضعون له كرسياً شاغراً عند ختان كل صبى فى إسرائيل ، وعند الفصح، آملين أن يظهر بغتة فى مثل هذه المناسبات ، .... والكلمة " إيليا " تعنى " إلهى يهوه " أو : " إلهى إله العهد " - أما " تشبه " التى ولد فيها فلا يعرف موقعها على وجه التحديد ، فالبعض يقول إنها بلدة فى الجليل تقع فى سبط نفتالى ، ولذا يعتقدون أن إيليا كان من هذا السبط ، وأنه هو أو ربما أبويه ، قد هرب إلى جلعاد من وجه الاضطهاد والوثنية أيام عمرى أبى آخاب ، واستوطن هناك ، ولذا دعى من مستوطنى جلعاد ، بينما يعتقد آخرون أن تشبه هذه بلد فى جلعاد الواقعة شرقى الأردن تجاه السامرة ، وأن إيليا ولد فيها ، ووجد من رده إلى الأصل القينى كيوناداب بن ركاب فى أيام ياهو !! . ومهما يختلف الناس فى أصله أو نسبه ، فإنه من الواضح أنه كان رجلاً جبلياً إذا صح التعبير ، يألف حياة الجبال . وقد جاء المعمدان بعده ، ليعيش فى البرية إلى يوم ظهوره لإسرائيل ، وهذا النوع من الناس يتسم فى العادة بالخشونة والصلابة والشجاعة وقوة الاحتمال ، ... ومنهم الجاديون الذين فى أيام داود ، وصفوا بالقول : " جبابرة البأس رجال جيش للحرب صافوا أتراس ورماح وجوههم كوجوه الأسود وهم كالظبى على الجبال فى السرعة . هؤلاء هم الذين عبروا الأردن فى الشهر الأول وهو ممتلئ إلى جميع شطوطه وهزموا كل أهل الأودية شرقاً وغرباً " .. " 1 أي 12 : 8 - 15 " و الكتاب يصف إيليا : " أشعر متنطق بمنطقة من جلد على حقويه " . " 2 مل 1 : 8 ". والتقليد يقول : " إنه كان قصير القامة نذيراً ، أسود الشعر يتدلى شعره على كتفيه فى شبه عرف الأسد " ... ومع أننا لا نعرف كم استمرت فترة نبوته لإسرائيل ، غير أن البعض يرجح أنها كانت عشرين عاماً ، وأنه دعى للنبوة ومواجهة آخاب فى السنة الخامسة من كلمة ، أو حوالى عام 920 ق. م. وأنه التقى بآخاب بعد مصرع نابوت عام 906 ق.م ،وأنه صعد إلى السماء عام 900 ق. م ..



إيليا وظهوره

ظهر إيل